الوحدة العربية، ممكنة أم حتمية؟

هل الوحدة حتمية تاريخية؟ أجاب ياسين الحافظ إجابة لا تزال تحمل رواسب الأيديولوجية القومية، إذ قال: “من الممكن لأمة واحدة أن تبني دولة واحدة ومن الممكن ألا تبني أيضاً. فبناء دولة تؤطر أمة واحدة يتوقف، مع جملة عوامل أخرى، على وعي هذه الأمة ضرورة وحدتها. فالحتمية الوحدوية إنما تنبع، إذا لم تواجه بعرقلات أخرى، من وعي أجزاء الأمة ضرورة وفائدة الوحدة، فضلاً عن الإرادة. (ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، 1997، الطبعة الثانية ضمن الأعمال الكاملة، 26). يلاحظ هنا أن الوحدة ممكنة ومحتملة مرة وحتمية مرة أخرى. إلا أن حتميتها مشروطة بشرطين ذاتيين هما الوعي والإرادة، إذا لم تواجه بعرقلات أخرى. ومن البديهي أنها ستواجه.

الوعي والإرادة مهمان، ولكنهما ليسا كل شيء. ففي حال توافرهما على أحسن وجه لا تصير الوحدة حتمية، بل تزداد حظوظ تحقيقها، وتصير احتمالاً قوياً ولكنه ليس مؤكداً. الوحدة ممكنة فحسب. وما دامت ممكنة فهي راهنة، أي موجودة بالقوة ويمكن أن توجد بالفعل. وهذا منوط بجملة من الشروط الموضوعية وبالإرادة العامة لشعبين أو عدة شعوب، فضلاً عن خصوبة اللامتوقع، لأنها ليست تصميماً مسبقاً أو بناء مسبق الصنع، بل هي بالأحرى عملية بناء. لكن اللافت أن الحافظ ينطلق من افتراض أن العرب أمة واحدة، هائمة على وجهها بلا دولة، أمة واحدة تبحث عن إطار سياسي، عن شكل سياسي لوجودها، إذن أمة واحدة بلا شكل، سديم بشري، أو سديم عربي واحد. يمكن أن يبني دولة واحدة، فيكف عن كونه سديماً، ويمكن ألا يبني، فيظل كذلك. (لاحظ أنه قال: “من الممكن لأمة واحدة أن تبني دولة واحدة، ومن الممكن ألا تبني أيضاً”. ولم يقل: ويمكن أن تبني عدة دول. نتساءل: إذا لم تبن هذه الأمة الواحدة دولة واحدة فما مصيرها؟ هل تظل هائمة في أثير الفكر القومي؟) وفي ضوء هذا الافتراض يرى أن الوحدة تعني بناء دولة على أساس قومي عربي، دولة عربية واحدة للأمة العربية الواحدة.

ما يدعو إلى التساؤل عن مغزى حل مسألة الأقليات الدينية والمذهبية حلاً علمانياً وحل مسألة الأقليات “القومية”، أي الإثنية / اللغوية، حلاً ديمقراطياً إذا لم يكن حياد الدولة / الأمة الإيجابي إزاءها جميعاً. ومن ثم فإن الحديث عن أمة عربية وقومية عربية ووحدة عربية ودولة عربية وشعب عربي … هو مما ترسب في فكر الحافظ من الأيديولوجية القومية. وندعي أن الحافظ لم يُخضع هذه المفاهيم لمبادئ عقله المستنير، ولم يلتفت إلى علاقة أي منها بمفهوم الدولة. ويبدو أن الحافظ كان أكثر ميلاً إلى إمكانية الوحدة واحتماليتها، ولكنه أراد أن يؤكد تفاؤل الإرادة إزاء تشاؤم العقل. وقد أشرنا إلى أن فكرة الإرادة فكرة مركزية عنده، وهي بالتحديد إرادة الطليعة الثورية الحديثة، لا الإرادة العامة. لأنه، كسائر الثوريين، لا يولي الإرادة العامة، إرادة الشعب، الأهمية التي تستحق، فهي، في أحسن الأحوال، إرادة شعوب متأخرة. أو إرادة “شعب عربي” يعاني تأخراً تاريخياً متراكماً. وما ذلك إلا لأن المشروع الوحدوي مشروع ثوري، لا نتيجة تطور موضوعي، فهذا الأخير لا يؤدي إلى الوحدة في نظره، ورائز ثورية المشروع السياسي الوحدوي هو معاداته للإمبريالية والصهيونية والرجعية، أو معاداة الإمبريالية والصهيونية والرجعية له، وكونه رافعة ضرورية للتقدم العربي. ومن الجدير بالذكر أن فكرة الطليعة الثورية لم تكن موضع تساؤل وشك ونقد في ذلك الحين إلا من قبل “أعداء الثورة،” فقد تماهت فكرة الطليعة وفكرة الثورة، سواء كانت الثورة اشتراكية أم قومية أم قومية ديمقراطية ذات أفق اشتراكي أم إسلامية أيضاً، وإن اختلفت التسميات.

بخلاف الكثرة الكاثرة من المفكرين القوميين أدرك ياسين الحافظ عرقلات المشروع الوحدوي، الخارجية منها والداخلية، وأدرك أن هذه العرقلات أو العوامل النابذة عن المركز تدفع في اتجاه تعزيز الإقليمية، أي تعزيز الدولة القطرية. فلم ير مخرجاً سوى نمو الوعي الوحدوي وتوافر الإرادة السياسية الثورية. ففي معرض نقده للنزعة الاقتصادوية التطورية يقول: “.. إن السياسة والسياسة وحدها أساساً هي التي تقدم الحل الثوري لقضية التجزئة. إن السياسة بوصفها تكثيفاً للاقتصاد، بل إن السياسة بوصفها قوة اقتصادية، هي وحدها القادرة على ضرب الميل التاريخي لفعل الإمبريالية في الوطن العربي، أي على ضرب التجزئة وقلب هذا الميل لصالح سيرورة تطور معاكسة، سيرورة سياسية وحدوية تتجه بالطبع إلى بناء اقتصاد عربي واحد مندمج، متكامل، متمحور على ذاته” (ص 30). السؤال المهم هنا كيف تكون السياسة الوحدوية قوة اقتصادية واقتصاداً مكثفاً إذا لم تستول الطليعة الثورية على الحكم في البلدان العربية كلها أو بعضها، بحسب نمو الوعي الوحدوي والإرادة الثورية، وتقوم بتأميم وسائل الإنتاج واحتكار الثروة الوطنية وإعلانها “ملكية عامة” مع إعلان وحدة هذه البلدان أو العمل على توحيدها بجميع الوسائل الممكنة؟ مرة أخرى يتراءى المشروع الوحدوي مشروعاً انقلابياً، ثورياً، على الطراز اللينيني، ينأى عن الديمقراطية، إن لم يكن معادياً لها، وكذلك مشروع التقدم العربي. على اعتبار أن الديمقراطية هي مضمون الدولة الأمة، أي حكم الشعب، لا حكم الطليعة التي تنوب عنه وتحل محله أو تتماهى به، والتي حولت الملكية العامة في غير مكان إلى ملكية لا أحد، بل إلى ملكية خاصة لطغم سمسارة ونهابة من رعاع الريف وحثالة المدن.

حدد ياسين الحافظ معالم رؤية وحدوية جديدة حقاً مقارنة بالرؤية القومية التقليدية أو الرومانسية، رؤية واقعية ثورية أو “منظور وحدوي واقعي ثوري يزن برصانة كل تناقضات الواقع ويستشرف بصحو كل سبل الخلاص العربي، الخلاص الحق، الكامل، النهائي، أي تلافي التأخر التاريخي المتراكم للشعب العربي. وعندما يزن (هذا المنظور) برصانة تناقضات الواقع، الواقع العربي والدولي في آن، يكتشف عرقلات الطريق الوحدوي” (تشاؤم العقل). “ولكن عندما يستشرف سبل الخلاص العربي يزداد تشبثاً بالوحدة بوصفها الشرط اللازم للخلاص العربي” (تفاؤل الإرادة). (ص 30 – 31). خلاصة هذه الرؤية أن “في الواقع العربي، المفهوم فهماً صحيحاً، أي في الواقع بامتداده المكاني (بوصفه جزءاً لا يتجزأ من العالم) وبامتداده الزماني (أي ظل الماضي على الحاضر)، في هذا الواقع تصطرع عوامل نابذه أو مبعدة عن المركز مع عوامل جاذبة نحو المركز، أو مكورة. وبتعبير أبسط: تصطرع عوامل الوحدة مع عوامل التجزئة. نتيجة هذا الصراع ستقرره عناصر متعددة، داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية. لكن العامل الحاسم سيكون، كما نوهت قبلاً، الوعي، الوعي بمعناه الواسع. فإذا بلغ الشعب العربي، أو طلائعه إذا نشأت، مرتبة في الوعي يتطابق فيها وعيهم مع حاجات التقدم العربي ستغدو السيرورة الوحدوية أسهل وأقصر، وتتحول الوحدة إلى حتمية، بقدر تنامي هذا الوعي.” (ص 31)

لابد هنا من ملاحظتين: الأولى تتعلق بالعوامل الجاذبة والعوامل النابذة. يفترض الحافظ أن الجذب والنبذ علاقتان متضادتان، وهما في الواقع علاقة واحدة تنفك إلى علاقتين: جذب ونبذ، وهي العلاقة التي تحفظ تماسك أي بنية، صغيرة كانت أم كبيرة، أو هي التي تجعل وتر القوس مشدوداً؛ ومن ثم فإن الجذب والنبذ متلازمان وضروريان بالتساوي ولا ينفك أحدهما عن الآخر، شأنهما في ذلك شأن القطبين: السالب والموجب في المغنطيسية أو في الكهرمغنطيسية. ومن المعروف أن غلبة النبذ تؤدي إلى التشظي والتناثر، وغلبة الجذب ليست أفضل، إذ تؤدي إلى كثافة فائقة تتحول معها البنية إلى نوع من ثقب أسود. ما نود الإشارة إليه أن علاقة الجذب والنبذ تضع مسألة الاندماج الاجتماعي ومسألة الوحدة في مكان آخر تتغير فيه العوامل الجاذبة والعوامل النابذة، فلا تعود هي هي التي تحدث عنها الحافظ، وتضعهما من ثم تحت حيثية أخرى تتعلق بطابع العلاقات الموضوعية بين الفئات الاجتماعية في مجتمع بعينه؛ فالمصالح الخاصة للأفراد والفئات الاجتماعية هي عوامل نابذة تجعل العقد الاجتماعي، الذي هو أساس نشوء الأمة أمراً ضرورياً لتلافي الفوضى والمنازعات وحق الأقوى وحرب الجميع على الجميع. ترتبط بهذه العوامل النابذة ارتباط لزوم وضرورة عوامل جاذبة هي العناصر المتشابهة في هذه المصالح ذاتها، العناصر المشتركة بين أصحابها، التي تجعل العقد الاجتماعي ممكناً.

الوحدة، وفق هذا التصور، ليست نقيض التجزئة، بل هي نقيض جدلي للتعدد والتنوع والاختلاف وتعارض المصالح، وحين تتحقق لا تلغي التعدد والتنوع والاختلاف وتَعارض المصالح، بل تصير وحدة التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض ووحدة ما هو مشترك بينها، أي تصير وحدة تناقضية، جدلية، وحدة ما هو مشترك بين جميع أفراد الأمة المعنية وما هو غير مشترك؛ الأول، المشترك، يعبر عنه القانون، والثاني، غير المشترك تعبر عنه الحرية، في ظل القانون. الوحدة إذن هي وحدة الحرية والقانون الجدلية ليس غير، لا وحدة العرب ولا وحدة القرباط. ذلكم هو مبدؤها وأساسها، سواء على صعيد مجتمع بعينه أم على صعيد مجتمعات عدة أو شعوب عدة تسعى إلى الوحدة بدواعي حاجتها إليها وضرورتها لقوتها ومنعتها وتقدمها في عالم التكتلات الكبرى، لا بدواعي الشعور القومي والوعي القومي والتشابه في اللغة والدين، إلا إذا كان الوعي القومي هو وعي هذه الضرورة وتلك الحاجة في كل مجتمع على حدة وفي كل دولة من الدول القائمة بالفعل على حدة.

الديمقراطية تتموضع هنا، في توازن ما بين العوامل الجاذبة والعوامل النابذة، وفي الاعتدال. تطرف المصلحة العامة، كما يعرِّفها الثوريون وحدهم، وفق اقتناعهم الذاتي، فيحولونها إلى أدلوجة تقنِّع الاستئثار والاحتكار والفساد وتسوغ الاستبداد، لا يقل خطراً عن تطرف المصالح الخاصة العمياء. التوازن والاعتدال من أهم خصائص الديمقراطية، والتطرف هو عدوها اللدود. ومن ثم فإن الجذب والنبذ علاقة واحدة جدلية. هي علاقة الخاص والعام، أي وحدة المصالح الخاصة والمصلحة العامة، وحدة الأفراد المختلفين في كل شيء والمتماثلين والمتساوين في الإنسانية وفي المواطنة. ولنلاحظ أن انتفاء المصالح الخاصة هو انتفاء المصلحة العامة، والعكس صحيح. نعتقد أن بناء المشروع الوحدوي على أسس ديمقراطية يقتضي الاعتراف بوحدة الجذب والنبذ الجدلية، والاعتراف، بالقدر ذاته، بالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، التي بموجبها تتقوى العوامل الجاذبة أو العوامل النابذة، فتخرج القضية من دائرة الأحكام المسبقة. ويقتضي، من ثم، إعادة النظر في ما هي العوامل الجاذبة والعوامل النابذة في الواقع العياني. وأود أن أضيف: أن الديالكتيك هو نظرية المعرفة الديمقراطية، وهو الذي يقيم الحد على التطرف “الثوري” وعلى تفاؤل الإرادة أيضاً. واستحضر قول الياس مرقص: “على الفكر العربي، والفكر التقدمي خاصة أن يختار اختياراً أولياً ومبدئياً إما الليبرالية والوضعية وإما الديمقراطية والديالكتيك. الديمقراطية وحدها تنصف الليبرالية؛ والديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية.”

الملاحظة الثانية تتعلق بالعوامل الجاذبة والعوامل النابذة ذاتها. العوامل الجاذبة، كما رآها ياسين الحافظ، تتلخص في الآتي:

1 – “شعور هؤلاء البشر المنتشرين من المحيط إلى الخليج بأنهم ينتمون إلى أمة واحدة ويجمعهم مصير مشترك. إن هؤلاء البشر الذين يتكلمون لغة عربية واحدة (على اختلاف اللهجات المحلية) ويتخذون بأكثريتهم من الإسلام ديناً، يشعرون بانتمائهم إلى أمة واحدة، وبأن مستقبلاً واحداً ومصيراً مشتركاً ينتظرهم”. (31- 32).

2 – مفاعيل الهيمنة الإمبريالية وضغوطها، التي تشحذ النوازع الوحدوية توجه حدها ضد سائر أشكال نفوذها (35)

3 – النزوع العربي إلى التقدم، إلى دخول العصر، إلى تأكيد الذات.

يلاحظ أن العاملين الأول والثالث ذاتيان صرفاً، أما العامل الثاني، أي مفاعيل الهيمنة الإمبريالية وضغوطها، فيشير إلى ردود الفعل العفوية، الشعورية أو الواعية على هيمنة الإمبريالية وضغوطها ونزعتها العدوانية. ورد الفعل هو أسوأ أشكال اللاعقلانية، بتعبير الحافظ نفسه. لأن رد الفعل هنا يفترض أن العرب موضوع يستجيب استجابات مختلفة لأفعال الخارج، تتحدد هذه الاستجابات بأفعال الخارج ذاتها. أما إذا افترضنا أن الشعوب العربية والدول العربية ذوات حرة ومستقلة وفاعلة، لا ذوات مستلبة وتابعة ومنفعلة، فإن الهيمنة الإمبريالية والضغوط الإمبريالية والضغوط الإسرائيلية، وضغوط دول الجوار الجغرافي كذلك تكف عن كونها عوامل جاذبة بالمعنى الذي أراده الحافظ، أي تكف عن كونها عوامل مؤهبة للوحدة العربية ومحفزة عليها، بل تغدو عوامل معززة للوحدة الوطنية القائمة بالفعل، على افتراض قيامها. وفي جميع الأحوال فإن تأثير العوامل الخارجية يتوقف على درجة تماسك البنية الداخلية أو على درجة هشاشتها. وهذا هو الدرس الأهم الذي كان الحافظ يؤكده دوماً. لذلك كان للضغوط الإمبريالية وللخطر الإسرائيلي تأثيراً متناقضاً: جاذباً حيناً ونابذاً حيناً آخر. يستثير مقاومة غاضبة هنا ويحفز مساعي التسوية هناك.

وفي معرض رده على من يقول من التقدميين: إن الوحدة العربية تمتص كل شيء، أو أكثر مما تستحق، وإنها تسقط بالتالي مسألة التقدم أو تجعلها ملحقة وثانوية وتشوهها، وعلى من يتخوف من الملمح السلفي للوحدة العربية، ويرى فيها ضرباً من استحالة من استحالات الأيديولوجية الإسلامية. يقول الحافظ: “إن الطابور الطويل الذي يصطف وراء مطلب الوحدة لن يقنعه بالطبع تجاهل المطلب الوحدوي. ما يمكن أن يقنعه هو أحد الأمرين: الأول هو تحقيق هذه الوحدة، وعندها يتبعثر الطابور، ويعود للاصطفاف في طابور جديد من طراز جديد، وراء الاشتراكية مثلاً. والثاني هو استيعاب المطلب القومي في منظور ديمقراطي اشتراكي بحيث ينقل ما امتصته الوحدة العربية من طاقات إلى المطلب الديمقراطي الاشتراكي”. ويضيف: “في مجتمع، كالمجتمع العربي الحالي، حيث تهيمن أيديولوجية إسلامية من الطبيعي أن نرى ملمحاً سلفياً إسلامياً في مطلب الوحدة العربية لدى الجماهير الشعبية، لكن العنصر الموضوعي والأساسي في مطلب الوحدة العربية ليس كذلك … وفضلاً عن ذلك، فإن الوحدة العربية، كأي حدث تاريخي، ستكون كما يريدها صانعوها، ستكون سلفية إذا صنعتها قوى سلفية، وعصرية وعلمانية إذا صنعتها قوى عصرية وعلمانية”. (38)

تلفت النظر إشارته إلى الدين (الإسلام) واعتباره عاملاً جاذباً إلى المركز في السيرورة الوحدوية، مع أن الواقع يقول ذلك، ويقول عكسه أيضا، لا سيما في حال تسييس الدين. إن إقحام الدين في السياسة يعطي النتائج ذاتها، على المدى المتوسط والبعيد، سواء قام بذلك السلفيون أم التقدميون، العصريون والعلمانيون، ولا سيما حين يحاول هؤلاء فرض دينهم العلماني وعقيدتهم السياسية ديناً جديداً على المجتمع بدلاً من الدين. كما يلفت النظر قوله: يقيناً أن ما هو إسلامي يشكل عنصراً في ما هو عربي …” (32) وهذه عبارة ملتبسة، يمكن أن تُقرأ على سبيل أن ما هو إسلامي يشكل عنصراً في ما هو قومي عربي وعاملاً من عوامل الوحدة العربية، وفق الرؤية القومية التقليدية، ويمكن أن تقرأ على سبيل أن ما هو إسلامي يشكل عنصراً في الثقافة العربية، وهذا ما نذهب إليه، وما يجعلنا نؤكد أن ثقافة أي أمة تتجاوز حدود كيانها السياسي وفضاءها الجغرافي السياسي.

في ضوء ما تقدم، تتبدى العوامل الجاذبة إلى المركز في السيرورة الوحدوية، على افتراض أن ثمة سيرورة وحدوية، كالتي افترضها الحافظ، لا سيرورة تفتيت وتذرير، كما هي الحال، عوامل ذاتية، شعورية، أولاً وغير عقلانية ثانياً. وعدم عقلانيتها يتغذى من شعوريتها وإيمانيتها القومية و / أو الإسلامية. وكان الحافظ شديداً على الرغبة والشعور. ولكنها الإرادوية والروح اللينينية الغازية، الاقتحامية.

أما العوامل النابذة فأولها التأخر العربي، والثاني هو الهيمنة الإمبريالية، والعامل الثالث هو واقع التجزئة والمقاومة التي يبديها، والعامل الرابع هو الأيديولوجيات الضمنية أو الصريحة للأقليات الدينية والقومية، والعامل الخامس هو شخصنة السلطة، أي الاندماج بين السلطة والشخص الذي يشغلها. ويلاحظ أن هذه العوامل كلها عوامل موضوعية. أليس لافتاً أن العوامل الجاذبة هي عوامل ذاتية وشعورية غير عقلانية، والعوامل النابذة عوامل موضوعية ووقائع عنيدة وعقلانية، على اعتبار أن العقل هو العالم المتحقق أمام أعيننا وأنه يحمل نفيه في داخله؟! يمكن القول إن الحافظ يراهن على ما هو ذاتي فحسب، شأنه في ذلك شأن سائر القوميين العرب الذين لم يقصر في نقدهم. مع أنه يؤكد أن “الديمقراطية التي تشكل نقيضاً مطلقاً لشخصنة السلطة تشكل الطريق الأكثر مواتاة وملاءمة إلى الوحدة العربية” وأن الملمح الديمقراطي ا(لذي كان في أساس وحدة سورية ومصر عام 1958) يفترض، ولا سيما في المرحلة الانهيارية الراهنة، حيث تنبعث من جوف التاريخ العربي أنظمة استبداد شرقي “محدثة”، تمفصلاً وتلاحماً وتكاملاً بين المشروع الديمقراطي والمشروع الوحدوي. ولكنه يضيف قائلاً: “لسنا بصدد التنظير لـ “طريق ديمقراطي إلى الوحدة” بوصفه مطلقاً وقانوناً يحكم السيرورة الوحدوية، وكل ما عداه يشكل خطأ أو محاولة لا جدوى منها” (48).

يبدو أن الوحدة العربية أعز على قلب الحافظ من الديمقراطية، لأنه حين يتحدث عن هذه الأخيرة، أي الديمقراطية، يتحدث عن دمقرطة المجتمع العربي بوجه عام، أي بعد توحيده، لا عن دمقرطة سورية أو مصر أو غيرهما من البلدان العربية، في سبيل توحيدها؛ مع أنه يقول إن تجربة وحدة 1958 بين مصر وسورية تقدم شاهداً لا يدحض على حقيقة أن الوضع الديمقراطي في سورية، وبالتالي عدم وجود سلطة سورية مشخصنة، سهل إلى أقصى حد عملية توحيد مصر وسورية. الوحدة العربية هي الأساس، لأنها في نظره شرط لازم للبقاء العربي والتحرر العربي والتقدم العربي والديمقراطية تابعة. من الضروري أن نتساءل هنا: إذا كانت الديمقراطية من أهم معالم التقدم “العربي” فهل الوحدة العربية شرط لازم للديمقراطية؟

نحن لا نجادل في أهمية الوحدة بين دولتين أو عدة دول، أو في أهمية التكتلات الكبرى على كل صعيد، بل نرى أن إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية هو شرطها الرئيس. ولا نجادل في إمكانية الوحدة، بل نجادل في حتميتها. ونجادل في فكرة الطليعة التي ستضع قضية الوحدة في صلب عملها الاستراتيجي نيابة عن الشعب. ونشكك في ديمقراطية أي طليعة ثورية، لا في ضوء ما آلت إليه الطلائع الثورية حتى يومنا فقط، بل في ضوء الروح الرسالية والنزعة الخلاصية لدى الطليعة ذاتها، ونجادل في مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” ونضعه في باب الكلبية الميكيافلية، على أهمية ميكيافلي وعظمته وأثر أفكاره في علمنة السياسة وعقلنتها، فلا نثق بأي طريق غير ديمقراطية وغير دستورية إلى الوحدة.

لا نجادل في أهمية الوحدة وفي ما يمكن أن تحمله من مزايا، ولكننا نجادل في “الوحدة العربية” التي يمليها “شعور هؤلاء البشر المنتشرين من الخليج إلى المحيط بأنهم ينتمون إلى أمة واحدة ويجمعهم مصير مشترك” لأنهم يتكلمون لغة واحدة ويتخذون بأكثريتهم من الإسلام ديناً. ونجادل في العلاقة بين الأمة والدولة/الأمة، ولا نرى من وجود سياسي وأخلاقي فعلي للأمة بلا دولة، ولا نعتقد بأن الدولة/الأمة يمكن أن توصف بأي صفة غير مشتركة بين جميع مواطنيها، وكذلك الدولة الناتجة من اتحاد عدة دول، وليس لدينا أي يقين بما ستكون عليه الأمور في المستقبل، ونعتقد أن المستقبل هو ممكنات الحاضر فحسب، ولا نعتقد بأن أحداً يمكن أن يكون على يقين برجحان أي من هذه الممكنات، على افتراض معرفتها جميعاً. ونجادل أيضاً في كون الوحدة العربية شرطاً لازماً للبقاء العربي وللتحرر العربي وللتقدم العربي، ونتوجس خيفة من أن تأكل صفة (العربي) مرة أخرى أي موصوف يسبقها، ونتوجس خيفة من أي مشروع “وحدوي” غير ديمقراطي، كغزو الكويت أو الهيمنة على لبنان. ولا نرى أن الدين عنصر في القومية أو الوطنية، لا من قريب ولا من بعيد.

وبخلاف ياسين الحافظ، أستاذنا الكبير وفقيدنا الكبير الذي ندين له معرفياً وسياسياً وأخلاقياً، نحاول أن ننظِّر لطريق أو لمدخل ديمقراطي إلى الوحدة، ونشك في أي طريق أخرى، لأننا خبرنا ما منعه الموت من اختباره، ورأينا ما منعه الموت من رؤيته، ولأننا نعتبر الديمقراطية، لا الوحدة، هي المبدأ والغاية، لأننا نعتبر أن الحرية لا التحرر من … هي المبدأ والغاية، ونشك أخيراً في حقيقية شعور هؤلاء البشر المنتشرين من المحيط إلى الخليج بانتمائهم إلى أمة واحدة، ونعتقد أن الشعور الحقيقي للعرب من هؤلاء هو شعورهم بالانتماء إلى العروبة، والشعور الحقيقي للمسلمين منهم هو شعورهم بالانتماء إلى الإسلام. وأن شعور العرب بالانتماء إلى العروبة لغوياً وثقافياً وروحياً لا ينتج منه أنهم أمة واحدة، ولا يحتم عليهم أن يكونوا أمة واحدة. ودولة واحدة، بل نؤكد أن وحدة محتملة بين سورية والعراق مثلاً، ستنتج أمة جديدة، ليست أمة عربية، بالمعنى الشائع لدى القوميين العرب، ولدى ياسين الحافظ أيضاً، ولن تقوم هذه الوحدة على أساس شعور السوريين والعراقيين أنهم ينتمون إلى أمة عربية واحدة، وتتخذ أكثريتهم من الإسلام ديناً، بل لأن دولتين ديمقراطيتين وجدت كل منهما أن مصلحة شعبها تقتضي أن تتحد مع الأخرى اتحاداً فدرالياً أو كونفدرالياً. مرة أخرى نؤكد أن الانتماء إلى العروبة ليس انتماء سياسياً، وكذلك الانتماء إلى الإسلام أو غيره من الأديان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق