الوسطيّة

تصل بعض المفاهيم في ظرف تاريخيّ معيّن درجة من التّداول والاستعمال يصبح معها إعادة التّساؤل عن معناها بدعة لا تقبل، من ذلك نذكر مفهوم الوسطيّة الذي انتشر في جانب كبير من الخطاب السّياسي في تونس انتشارا واسعا، ويستعمل عندها رديفا للحكمة والتّعقل، وكثيرا ما يقع زرع هذه الصّفة في سياق فهم سياسي يدّعي لنفسه تمام الأهليّة وكمالها أو في إطار نبوءات جديدة تخلّصت على ضوئها العديد من الأحزاب من هويّتها الإيديولوجيّة لصالح رؤية براغماتيّة ظرفيّة محكومة بإكراهات اللحظة التاريخيّة، وقد أقامت هذه الجهات السّياسيّة صرح رفضها للكثير من الأفكار والتّوجّهات على فهم مخصوص للوسطيّة. لذلك فإنّ التّدقيق في هذا المفهوم قد يكشف تهافت هذه الجهات السياسيّة وجنوحها.
تنعت الكثير من الأحزاب والحساسيّات الفكريّة نفسها بالوسطيّة استنادا إلى تصوّر هندسيّ ضيّق، فالوسط بهذا المعنى هو المكان الذي تكون فيه النّقطة على المسافة نفسها من النقاط التي توجد حولها في الفضاء أو المستوى وهو أيضا المكان الذي يقع في منتصف المستقيم ، ويقترب هذا التّصوّر عند هؤلاء من كونه عمليّة فيزيائيّة تسعى للتقريب بين قطبين أحدهما موجب والآخر سالب، وينعكس هذا التّمثل للوسطيّة في السياسة والفكر فيصبح التصوّر العقلاني هو الذي يقف على المسافة نفسها من التّصورات الأخرى، فالأحزاب الإسلاميّة الوسطيّة بهذا المنطق تتمترس بين الأحزاب الإسلاميّة المتشدّدة وبين الأحزاب العلمانيّة، وهو أيضا خليط بين رؤيتين كما هو الأمر في الأحزاب؛ التي تريد أن تكون في توجهاتها الاقتصاديّة رأسماليّة واشتراكيّة في آن معا، ويتّسع هذا المنطق في فهم الوسطيّة ليشمل المشهد الفكري والسّياسيّ برمّته حتى أنّ كلّ قراءة يمكن أن نضعها بين قراءتين يوسمان بالغلو والتّطرّف، ومن ثمة نسمها بالوسطيّة، ولعلّ ذلك ما يفسر تصنيفات الأحزاب إلى وسط اليسار ووسط اليمين ويمكن أن نذهب أبعد في ذلك بصبغة تهكمية فيكون للوسط وسط ولوسط الوسط وسط وهكذا دواليك..
على أنّ المشكل يكمن رأسا في الرّبط بين الوسطيّة كما هو متداول وبين الحكمة والتعقّل، لأنّ الوسطيّة في الفكر والسّياسة ليست مفهوما هندسيّا بل هي مفهوم منهجيّ يعني سلك طريق العقل في تدبّر المسائل، ولقد كرّس الإسلام الوسطيّة من منظور كونها منهجا وسلوكا يرتضيه العقل وتقتضيه الحكمة، وقد تلوّن محتوى هذه الصّفة بتلوّن ثقافة المركز فما يُعْتَبَرُ وسطيّة واقتصادا واعتدالا في راهن مخصوص يكون قريبا من الغلوّ في راهن آخر، وما ينظر له على أساس أنّه إفراط أو تفريط قد يكون غير ذلك في فترة أخرى، وليست الوسطيّة من هذا المنظور الوقوف بين أيّ تصورين، وإنّما هي رفض لما هو ضدّ العقل وقبول ما يتلاءم معه، وينطبق ذلك على العقيدة والفقه والأخلاق. وبغضّ النّظر على الدّلالة اللغويّة والاصطلاحيّة لكلمة وسط والتي تتّصل بما له طرفان متساويا القدر أو بخيار كلّ شي والمعتدل من كلّ شيء(1) فإنّ المعنى الأكثر اتّصالا بها يتبدّى من خلال تفسير قوله تعالى: “وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدا” (البقرة 143) وقد دار تفسير كلمة وسط حول معنى العدل،(2) وليس من شك في أنّ لهذا اللفظ علاقة برجاحة العقل، فالشّهادة على النّاس لا تكون إلا بتبليغ الرّسالة على أكمل وجه وهو إنجاز لا يتمّ إلا بفهم الإسلام، الذي لا يستقيم بدوره في غياب البصيرة النافذة.
ولعلنا لا نغلو إن تبينّا أنّ الوسط اصطلاح في الإسلام ليس الظفر بمكان بين جهتين أو هو توفيق أو مزج بين ضديدين بل هو اختيار سنده النّص والعقل والواقع، وما من شك في أنّ مثل هذا الحديث يحملنا على التأكيد أنّ الوسطيّة باعتبارها قرينة العقل لا يمكن أن تكون إلا جذريّة ، بعيدة كلّ البعد عن التّوفيق والتلفيق، وبالتّالي فهي صفة توسم بها الأحزاب والتصورات التي تعتمد العقل في تقليب المسائل واستنباط الحلول، وليست مجرّد تموقع بين توجّهات فكريّة أو سياسيّة متباعدة ومتضادّة قصد تملّق الجماهير للحصول على أصواتها.
وممّا يقيم الدّليل على قصور هذا التصوّر للوسطيّة من داخل حقل الرّياضيات والفيزياء نفسه أنّ الوسط في تعريف المجموعات ليس إلاّ عنصرا محايدا لا تأثير له، كما أنّ مركز الثقل في الجسم غير المتجانس لا يكون الوسط، من هذا المنطلق يمكن تقليب مسألة الاستقلالية باعتبارها انتصابا في الوسط بطريقة تكشف عن سلبيتها مثلما تكشف عن سوء تقديرها للأشياء، خاصّة وأنّ الإقرار بعدم تجانس المجتمع مسألة حتميّة. وينسحب ما تقدّم من تحليل على الأحزاب الوسطيّة أيضا.
ويجب في هذ السّياق التّمييز بين الوسطيّة بمفهومها المتداول والنّجاعة، فالأولى عملية تلفيقية، تقوم على خطاب انتهازيّ يبتعد عن الجماهير في الوقت الذي توهم فيه من خلال مقولات ديماغوجيّة الاقتراب منها، وتستند إلى برنامج زئبقيّ، لا يهدف إلى النّهوض بالفئات المسحوقة وإنّما يسعى إلى حصد أصواتها في انتظار ترويضها وإخضاعها دائما، أمّا الثانية فتتأسّس على بلورة خطاب قريب من الجماهير وعلى السير نحو النّضال في صفوفها بتوعيتها بمشاكلها الحقيقية بعيدا عن كلّ أشكال الوهم والزيف.
وليس من العسير الانتباه إلى أنّ الوسطيّة التي تتشدق بها بعض الأحزاب والنوادي السّياسية أبعد ما تكون عن الحكمة والتعقل، فأي حكمة غير حكمة الاستيلاء على السّلطة لحزب مزدوج الخطاب يقول شيئا لجماهيره وآخر لخصومه ومتابعيه في العالم، وأي تعقل لها وهو يسير بالشّعب في الدّرب الاقتصادي نفسه الذي سارت فيه منظومة الفساد قبل الانتفاضة، وأي اعتدال في تحويل كلّ المعارك من حلبة السياسة والاقتصاد إلى حلبة الدّين بغاية تقسيم التونسيين إلى فريقين مؤمن وكافر، وينطبق هذا التصوّر أيضا على الأحزاب اليساريّة التي تدعي لنفسها الوسطيّة محاولة باعتماد مزيج غير متجانس أن تتملق الجماهير، ورغم محاولاتها المستمرة لإيجاد الخلطة المناسبة لخداع الشّعب فشلت في مسعاها، فقد تهربت من الماركسيّة متجهة نحو تصورات اجتماعيّة ممسوخة، ثم ابتعدت أكثر عن أصولها لتصبح ليبراليّة تقريبا، وكلّ ذلك تحت شعار الوسطيّة والاعتدال.
هكذا نخلص إلى أنّ الوسطيّة المُتبجَّح بها في المشهدين السّياسي والفكري الرّاهنين هي ترجمة لتصوّر هندسي وفيزيائيّ يعكس فضلا عن الجهل بهذين الاختصاصين، خلطا للمفاهيم، سواء كان ذلك في مجال الإسلام أو مجالي السياسة والفكر، ذلك أنّ الوسطيّة لا علاقة لها بالبعد الظّرفيّ بقدر ما هي منهج وسلوك ثوري قوامه الحكمة والتعقّل، إنّنا لم نسمع عن عالم قد كان وسطيّا بمعنى أن يقف على نفس المسافة بين أمرين أو بين أمور عدّة، إذ الحقيقة العلميّة لا تقبل المواربة، فسقراط رمز الحكمة لم يتّخذ السبيل الوسط في المحاكمة بل كان جذريّا واختار طريق الموت دفاعا عن الحقّ، والرّسول صلى الله عليه وسلم لم يساوم في التّوحيد فلم يتخذ المكان الوسط بين التوحيد والوثنية بل كان حاسما في تحديد عقيدته، هي كذلك الحكمة دائما رديفة الوضوح، أمّا فيما يخصّ ارتباط الوسط ب”البين بين” فإن ذلك بدوره لا يخرج عن مقتضى ما رأينا، فأن تختار الاقتصاد مثلا بين الإسراف والتقتير، فالأمر ليس هندسيّا وإنّما عقلي، فالإسراف ضد التّعقل وكذلك التقتير، على أن اعتبار مثل هذه الأحكام نسبيّة تختلف من حين إلى حين ومن مجتمع لآخر ومن زمن إلى زمن أمر مهمّ في تناول مثل هذه المسائل.
إذن نقول إنّ الأحزاب والتيّارات الفكريّة التي أصمّت آذاننا بكلمة الوسطيّة ليست في حقيقة الأمر كذلك، فهذه الصّفة لا تنطبق إلاّ على أصدقاء الشّعب الذين يناضلون في صفوفه خدمة لمصالحه وإيمانا بقدرته على الانتصار، أمّا ما يرونه وسطيّة وما يتفرع عنها من مفاهيم كالاعتدال والاستقلاليّة فليس إلاّ تموقعا تكون فيه الخيانة متاحة وممكنة.

الهوامش:

1 انظر(مفردات الراغب/ مادة وسط/ص869)،و (ابن أبي الحديد /شرح النهج /ج17/ ص29)
2 انظر(القاموس المحيط /ص893)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق