الوقاية أو الاجتهاد المغلق

تذهب شريحة كبيرة من الشباب المغربي إلى أن مفهوم الحرام عاجز اليوم لوحده عن كبح الرغبة الجنسية قبل الزواج. لكنه وفي الوقت ذاته شباب يتشبث بالإسلام ويبحث بالتالي عن وسيلة للتوفيق بين الإسلام والجنس قبل الزواج، خصوصا وأن النشاط الجنسي قبل الزواج معرض أكثر فأكثر إلى خطر الأمراض المنقولة جنسيا.

في هذا السياق، يقول شاب مسلم من مدينة أوترخت الهولندية: “على الفقهاء أن يقترحوا حلولا على الشباب… ليس بمقدور الشباب أن يستمسك… وهناك الإيدز…”. وفي المغرب، تود بعض الفتيات “أن يكون الإسلام أكثر تفهما وأكثر تحضرا… وأن يعطي الحق لممارسة الجنس دون معاقبة ذلك”، خصوصا وأن معظم الشباب المسلم عاجز عن الزواج اليوم بالنظر إلى تمدد حقبة الدراسة وبالنظر إلى البطالة وعدم القدرة على النفقة والسكن. لذا يقر أحد الشبان أن “على الإسلام أن يسمح للشباب غير المتزوج بنشاط جنسي محمي وذلك بفضل السماح باستعمال الغشاء الواقي”.

كيف يمكن إذن للإسلام أن يساهم في حماية الشباب من الأمراض المنقولة؟ كيف يمكن له أن يساهم في الوقاية الحديثة منها؟ كيف يمكن له أن يتجاوز التحريم نظرا إلى عدم واقعيته الراهنة؟ إلى أي حد يمكن له أن يسدل الشرعية على استعمال الغشاء الواقي في العلاقات الجنسية غير الزوجية قصد حماية الصحة الفردية والعمومية؟ هل من حدود للاجتهاد في هذه المسألة؟ أم أن الاجتهاد هنا مغلق بشكل نهائي؟

بالنسبة لبعض الشبان المبحوثين، يكمن الحل الإسلامي في العودة إلى زواج المتعة لأن مقصده هو حفظ الفرج ولأن المرأة فيه زوجة بعقد. يقترح هؤلاء تجاوز نهي الخليفة عمر عن زواج المتعة من أجل حل المشكلة الجنسية في أوساط الشباب. فهل يمكن معاودة النظر في “التحريم السني” لزواج المتعة؟ من الضروري وضع عبارة “التحريم السني” بين مزدوجتين لأن زواج المتعة يشكل إحدى “غرائب الشريعة”، وذلك حسب تعبير الكثير من الفقهاء السنيين أنفسهم، مثل أبي بكر بن العربي. فالمتعة شرعت بآية مدنية هي: “فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة من الله”. أما الآية “والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين”، فإنها آية مكية سابقة يمكن اعتبارها نسخت بالآية المدنية المشار إليها أعلاه. من جهة أخرى، ليس هناك اتفاق على تاريخ ومكان تحريم المتعة من طرف الرسول (ص)، والكل يشهد أن المتعة كانت سارية من عهد رسول الله إلى منتصف خلافة عمر بن الخطاب الذي نهى عنها. يقول الإمام الشافعي بهذا الصدد: “لا أعلم شيئا في الإسلام أحل ثم حرم، ثم أحل ثم حرم غير المتعة”. وحتى لو افترضنا أن الدليل القطعي على تحريم زواج المتعة قائم لا لبس فيه لدى أهل السنة (وهو الشيء الذي ينفيه الفقيه صالح الورداني)، فإن ذلك لا يمنع اليوم من الأخذ من الشيعة باعتبارها مذهبا إسلاميا يرى في زواج المتعة حلا ممكنا لأزمة الشباب الجنسية الراهنة، أي حلا من داخل الإسلام نفسه.

صحيح أن جواز زواج المتعة مرتبط بظروف استثنائية خاصة، لكن تلك الظروف تجتمع اليوم في عدم توفر الشروط المادية للنكاح الدائم وفي انتهاء العمل بالرق الجنسي (ما ملكت اليمين). من هذا المنطلق العقلاني والشرعي في آن واحد، يمكن التفكير في تحيين زواج المتعة كحل إسلامي، ولو كان حلا مؤقتا. أليس في تبني زواج المتعة وسيلة لتجنب الزنا كما قال الإمام علي: “لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي”؟ وبديهي أن إيجاز المتعة يعني إيجاز استعمال الغشاء الواقي، أي الحماية من الأمراض المنقولة جنسيا. فهذا الزواج حل وسط، لا نكاح ولا سفاح، يوفق بين القدرة الجنسية والعجز الاقتصادي المميزين لوضع شباب اليوم في العالم الإسلامي.

ويقترح آخرون الزواج العرفي والمقصود به إبرام عقد دون توثيق، وفي بعض الحالات دون إشهار ودون سكن مشترك. ويمكن اعتبار الزواج العرفي حلا دينيا للصيام الجنسي الناتج عن انتهاء الرق الجنسي وعن استحالة الزواج لأسباب اقتصادية وعن تحريم الزنا وتجريم العلاقات الجنسية غير الزوجية. إنه إلى حد ما البديل السني لزواج المتعة عند الشيعة إلا أنه زواج يعقد على وجه الدوام خلافا لزواج المتعة[1]. ظاهريا، يستوفي الزواج العرفي كل شروط النكاح السني الصحيح بيد أن أولوية المتعة فيه بالإضافة إلى عدم الرغبة في الإنجاب مميزات تقربه من زواج المتعة. ويتم الزواج العرفي بين الشباب في حفلات سرية تجنبا لغضب الآباء، أو في الأوساط الطلابية الإسلاموية.

ويرى آخرون أن اللجوء إلى هذه الأشكال من الزواج ليس ضروريا وأن على الفقهاء أن يقوموا باجتهاد يبيح علاقات جنسية قبل زوجية محمية. يقترح هذا الاتجاه تعليق العمل بكل الآيات المحرمة للجنسانية قبل الزوجية نظرا لمميزات “ظرف الحداثة الدائم”. فأمام تعذر الاستمساك والنفقة والسكن، لا بد من إباحة نشاط جنسي محمي. يقول شاب مسلم من فرنسا: “إذا مارس شاب الجنس قبل الزواج، فإن ذلك حرام… وعليه على الأقل أن يستعمل غشاء واقيا لكي لا يراكم شرَّيْن”.

ويذهب مهندس معماري إسلاموي من فاس في نفس الاتجاه فيقول: “الحل الأصلي هو الاستمساك، لكن وبالنظر إلى استحالة مراعاة ذلك الحل نظرا لظروف حياة شباب اليوم، يغدو الغشاء الواقي حلا مؤقتا، في انتظار حل مشاكل الأمية والفقر والبطالة، أي في انتظار تمكين الشباب من الزواج”. إنه في نظر هؤلاء حل استثنائي في ظروف استثنائية.

ما هو موقف الإسلامويين والفقهاء من مطلب الشباب المسلم في حماية نشاطهم الجنسي من خطر الأمراض المنقولة جنسيا؟

في جريدة “الصحوة”، يذهب عبد الرزاق المروري[2] إلى أن الإيدز هو عقاب الله ضد الزنا. وبالتالي لا بد من مطالبة الشباب بالعودة إلى الإسلام، وليس محاربة الإيدز بفضل الغشاء الواقي كما تفعل وزارة الصحة والجمعيات التابعة لها. إن دعوة الشباب إلى استعمال الغشاء الواقي تعني، في نظر المروري، دعوته إلى الفحشاء والمنكر: “إن الغشاء الواقي هو ناقل عدوى الزنا والفساد”. لا بد من التذكير هنا بأن المؤسسات الحكومية في المغرب لا تقول فقط للشباب باستعمال الغشاء الواقي. فهي تخير الشباب بين الاستمساك من جهة وبين الإخلاص أو الغشاء الواقي من جهة أخرى (في حالة الإقدام على ممارسات جنسية).

ويؤاخذ المروري على المؤسسات أنها لا تقول صراحة للشباب أن العلاقات الجنسية غير الزوجية محرمة شرعا. هل من صلاحية وزارة الصحة أن تقول أن الجنسانية قبل الزوجية حرام؟ أليست هذه مسألة تقنية من اختصاص وزارة أخرى أو تخص قناعات الفرد الشخصية؟ أليس على وزارة الصحة تبيان الحلول التقنية لاجتناب فيروس الإيدز، وهي ثلاثة بالضبط، الاستمساك، الإخلاص، الغشاء (فيما يخص نمط الانتقال الجنسي)؟

أما الفقهاء الذين استجوبناهم في هذه المسألة، فأول رد-فعل عفوي لديهم كان هو عدم قبول مسألة حماية النشاط قبل الزوجي من الأمراض. فبالنسبة إليهم، المسألة محسومة من أصلها لأن الجنسانية قبل الزوجية أصلا محرمة شرعا. من أجل ذلك، ذهب رئيس جامعة القرويين في فاس إلى أن طلب الشباب غير مقبول ولا يمكن أن نطلب من الاجتهاد الفقهي أن يخدم الزنا ويحميه من المخاطر التي تحيط به. في نظره، لا مجال لمناقشة إمكانية حماية الناشطين جنسيا خارج الزواج أو قبله. ولا مجال لاجتهاد أمام النص، بل أمام نصوص تحرم الزنا صراحة وقطعا.

رغم هذا الرد المبدئي الصارم، الناتج عن اعتبار الواقع زيفا وزيغا وعن إرادة عدم إدراك الواقع (كما هو) ، سألنا عميد كلية الشريعة عن إمكان الاستنجاد بالقاعدة الأصولية القائلة أن “الضرورة تبيح المحظورات”. فهل يمكن اعتبار محاربة فيروس الإيدز ضرورة تبيح استعمال الغشاء الواقي في كل علاقة جنسية، وخصوصا في العلاقات المعرضة أكثر لخطر ذلك الفيروس؟ كان رد العميد أن تلك القاعدة لا تستعمل إلا بعد وقوع المحظور ولا يمكن أن تتحول إلى مبدأ عام لصياغة قانون قبلي ينظم السلوكيات البعدية. فلا بد من وقوع المحظور أولا ثم تحليل أسباب وقوعه لكي يقول الفقيه قوله في جواز السلوك الخارق للمحظور استثناء. ثم إن الضرورة تعني، على مستوى تلك القاعدة، ضرورة تجنب الموت. في هذه الحالة، ولوحدها، يجوز شرب الحد الضروري من الخمر أو أكل الحد الضروري من لحم الخنزير أو لحم الميتة (قصد تجنب الموت). من هنا، يتجلي بوضوح في نظر العميد أن عدم إشباع النزوة الجنسية شيء غير مميت، وبالتالي فهو ليس ضرورة بإمكانها أن تبيح المحظورات. لا يمكن، حسب رأيه، أن يقول الفقهاء للشبان ما يلي: “من لم يستطع منكم الصيام أو الزواج، فليقم علاقة جنسية في حدودها الدنيا الضرورية، وليحمها بفضل الغشاء الواقي”.

أمام هذا الجواب، اقترحنا على العميد القاعدة الأصولية التي توصي باختيار أقل المحظورين ضررا. وهنا كان جواب العميد سلبيا أيضا بحيث أن تلك القاعدة تعني بدورها الاختيار بين الموت وأكل لحم الخنزير أو لحم الميتة، بين الموت وشرب الخمر. لكن السيد العميد لم يذكر إجازة بعض الفقهاء للبغاء في حالة امرأة تعاني من الفقر والجوع. في هذه الحالة، أجاز الفقهاء بغاء المرأة لأنه محظور أقل ضررا من موتها. وعند تذكيرنا له بهذه الإباحة، أجاب العميد أنه لا يمكن انطلاقا من ذلك المثال استخراج قانون يبيح البغاء لكل امرأة قصد تجنب الموت. فبغاء المرأة لا يباح هنا لذاته وإنما كوسيلة للحصول على مال. والسؤال المطروح هنا هو التالي: ما هو حكم الزبون الذي ينقذ المرأة من الموت من خلال إعطاءها أجرا مقابل خدماتها الجنسية؟ هل يُحَدُّ؟ هل على تلك المرأة المحتاجة المضطرة أن تطلب من الزبون وضع الغشاء الواقي؟

رغم هذه التساؤلات المقلقة، ارتأى الفقهاء المستجوبون أن ممارسة الجنس ليست ضرورة وليست محظورا أقل ضررا تجب حمايته. فسياق الإيدز لا يفرض أبدا على الفقهاء أن يحموا الجنسانية غير الزوجية من خطر المرض. ولا يمكن أبدا، حسب الفقهاء، القول أن الجنسانية المحمية (بفضل غشاء) أقل ضررا من الجنسانية غير المحمية. إن الحماية الإسلامية تكمن في نظرهم في المداومة على الصلاة وعلى الصيام المقويين للنفس، والمُضعِفيْن للنزوة الجنسية. ويعني الصوم صوم النظر أيضا، والمقصود به هنا عدم النظر إلى النساء، ومن ثم حث المرأة على وضع الحجاب حتى تفتأ عن إثارة الفتنة في قلوب الرجال. من هذا الطرح، يتبين كما لو أن الرغبة الجنسية مرتبطة بالرجل لوحده وأن المرأة موضوع رغبة ولا رغبة لها. فهل ينبغي أن نفهم أن صوم النظر خاص بالرجل لوحده؟ على كل حال، وفي إطار هذا المنطق الذكوري، يشكل الصوم حلا انتظاريا يجنب الزنا إلى حين التمكن من الزواج، وهو ما ينبغي أن يسهر عليه الأغنياء في المجتمع باسم التكافل الذي أوصى به الإسلام.

في نهاية المطاف، يلتقي الفقهاء مع الإسلامويين في رفض موقف وزارة الصحة الداعي إلى استعمال الغشاء الواقي لحماية العلاقات الجنسية غير الزوجية من خطر الإصابة. فالرهان في نظر الفقيه والإسلاموي على حد سواء هو تغيير المجتمع ودفعه إلى احترام الشريعة، ولا يكمن أبدا في تكييف الإسلام مع الحداثة بفضل تعنيف النصوص. وقد أنهى الفقهاء المستجوبون مداخلاتهم بالتذكير بأن مقاومة الإيدز لكل دواء أمر يعني أنه من عند الله ليعاقب مرتكبي الفواحش. وقد ذهب بعضهم إلى القول بضرورة رجم الزاني كيفما كان وضعه الزوجي، بمعنى أنهم أوصوا برجم الزاني غير المحصن أيضا.

تبين هذه المعطيات الميدانية أن الإيدز والمشكلة الجنسية لدى الشباب ليسا سببين شرعيين يدعوان الفقيه إلى الاجتهاد. فالفقيه يرفض ممارسة الاجتهاد لحماية جنسانية حرمها الله. على عكس ذلك، يرى الفقيه أن الجنسانية قبل الزوجية ينبغي أن تظل مرتبطة بخطر الأمراض لكي يبتعد عنها الشباب، والمسلمون بصفة عامة. فالحل الإسلامي لا يستهدف الإيدز، وإنما الجنسانية غير الزوجية، وهي الشر الأعظم. وقد ذهب أحد الفرنسيين المبحوثين، وهو من معتنقي الإسلام، إلى أن الفوضى الجنسية الراهنة ممر اختباري إلى النظام الإلهي، وأن الإيدز فرصة إلى العودة إلى الله.

لا بد من القول أن فقهاء فاس يدركون الجنس من خلال ثنائية الحلال والحرام فقط. أما الثنائيات الأخرى مثل ثنائية الجنس النفعي والجنس الضار أو ثنائية الجنس السليم والجنس المريض فغائبة عن وعيهم وتحليلهم. والواقع أن ثنائية الحلال-الحرام لا تستوعب كل غنى الجنسانية، ولا تختزل الجنسانية كما يعيشها الفاعل الاجتماعي في الواقع، اليوم وهنا. ذلك أن الفقيه لا يهتم بتحيين منظوره إلى الجنسانية، فهمه الأساس هو الامتثال إلى معيار ما فوق تاريخي (حسب اعتقاده) وحث الناس على نفس الامتثال. وهو ما يجعله يقف عند إدراك الجنسانية قبل الزوجية من خلال مقولة الحرام، ويرفض إدراكها بفضل مقولة الضرورة، كمفهوم موسع.

وفي هذا تفقير للفقه من حيث هو إرادة لتدبير شؤون المجتمع المتغير باستمرار. وبدورها، تظل مقولة “الضرورة” عند الفقيه سجينة تعريفها الكلاسيكي، بمعنى أن الضرورة تعني في نظر الفقهاء المعاصرين أيضا ضرورة اجتناب الموت فقط، غير آخذين بعين الاعتبار المكاسب العلمية التي وسعت مفهوم الضرورة بفضل تحويل الصحة إلى “حالة رفاه بدني وعقلي ونفسي واجتماعي، وليس مجرد خلو الجسم من المرض أو العاهة”. ودون الارتقاء إلى تبني هذا المنطق الحداثي، لنذكر أن الفقهاء القدامى أباحوا محظور إتيان البغاء من أجل تجنب الموت. فلماذا لا يقتفي الفقهاء المحدثون هذا الأثر ويقولون بإباحة استعمال الغشاء الواقي من أجل تجنب الموت، ولو في إطار علاقة جنسية غير زوجية؟ ذلك أن إرضاء الرغبة الجنسية أصبح اليوم ضرورة من أجل تحقيق الرفاه البدني والعقلي والنفسي والاجتماعي للفرد بغض النظر عن وضعه الزوجي وعن اتجاهه الجنسي. آن الأوان لتجاوز تعريف إسلامي ضيق للضرورة وللصحة، لأن التشبث بذلك التعريف يوقع في موقف إسلاموي يجعل الإسلام يصطدم مع ضرورات تاريخيته. آن الأوان لتحرر الفقهاء المعاصرين من وساطة القدامى من أجل اجتهاد جديد يراعي الجديد في مقولة الضرورة.

واضح أن إرادة التقليد التي تميز فقهاء فاس تنبع من موقع دفاعي تخندقوا فيه بسبب الهجمة الإسلاموية عليهم (وعلى الحداثة). ومن ثم وجدوا أنفسهم مضطرين لاتخاذ مواقف ترفض حماية الجنسانية غير الزوجية من خطر الإيدز. فلا يمكن لهم الظهور بمظهر الفقيه المتنور الذي يساير تطورات العصر مخافة من فقدان مصداقيتهم أمام جماهير أمية تتعمق أميتها يوما بعد يوم. ثم إن تقليدانية فقهاء فاس ترتبط بالخصوص بتبعية الفقيه المغربي بشكل عام إلى النظام السياسي بعد تحويله إلى موظف عمومي. وبالتالي لن يجرؤ الفقيه الموظف على الاجتهاد في اتجاه حماية الجنسانية غير الزوجية إلا إذا طلب منه النظام ذلك. فهل بدأ هذا الاتجاه يبزغ في المغرب عند إقدام بعض الجمعيات تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تحسيس أئمة المساجد بطبيعة الأمراض المنقولة جنسيا؟ هل يعني ذلك أول خطوة في إشراكهم في الوقاية بمعناها الحداثي؟ أليس من الضروري البدء بتحديث الفقه في هذا الميدان قبل تكليف الأئمة بتبليغ رسالات الدولة عبر الخطب؟ واضح أن معرفة إمام المسجد بطبيعة الأمراض المنقولة جنسيا ليست كافية البتة لإقناعه بالمشاركة في حماية الجنسانية قبل الزوجية. ومن المؤكد أن مدبري الإسلام يقومون بالاجتهاد الملائم والضروري عند تواجدهم في دولة علمانية لا تستمد شرعيتها من الإسلام، أي في دولة تترك الناس والفقهاء أحرارا في أنماط التدين.

[1] وقد انتقد زواج المتعة من طرف معارض إيراني في “المجلة” (السعودية) تحت عنوان “زواج المتعة جائز لبنات الفقراء، حرام لبنات رجال الدين” (المجلّة، رقم 831، 20 يناير 1996). ويعتبره مثقفون إيرانيون من الداخل مجرد غطاء شرعي للبغاء. لكن المدافعين عنه يرون أن هدفه الشرعي هو المتعة وليس تأمين دخل وينصحون باللجوء إليه كدواء وليس كطعام، أي فقط عند الحاجة الملحة. وتمارس بعض النساء المتعة لعصيان أمر عمر بن الخطاب بتحريم المتعة، أي إرضاء لله (ضد عمر).

[2] عبد الرزاق المروري : “وداويني بالتي كانت هي الداء”، الصحوة، عدد 52، شتنبر 1996.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق