الى صديقي الإيراني / رستم محمود

صديقي العزيز…
حينما تنشر هذه الكلمات، ربما يكون كل شيء قد انتهى؟!.
عزيزي معذرة، فأنا لا أعرف لك عنوانا بالضبط، ولا حتى عنوانك الإلكتروني على شبكة الانترنت، كما لا أعرف لك اسما محددا. لكن منذ زهاء العشرة أيام، صورة سنحتك وطنين صوتك، يكادان لا يغيبان عن بالي للحظة واحدة. صورتك وأنت مزدان بالأخضر في شارع «ولي العصر» المشجر، أو في ساحة آذادي، وصورتك وأنت تفرك عينيك اللامعتين اللتين أوجعتهما الغازات «الثورية» المسيلة للدموع، أو صورتك وأنت ملتو على جسدك النحيل، حاميا نفسك من هراوات رجال الباسيج أو مياه الخراطيم الساخنة. وصوتك يا صديقي لا يغادر طنينه أذني، وأنت تصرخ «براتي كوهرتين إيران» التغير الحقيقي لإيران. فأنت يا صديقي من نوع الذين لا تحدد الأمكنة عناوينهم، حيث أنت العنوان بما تذهب أليه.

عزيزي……، ربما نكون، أنا وأنت من مواليد السنة ذاتها، في بداية ثمانينيات القرن المنصرم. ربما تكبرني وربما أكبرك ببعض السنين ليس إلا. أنت واحد من الذين شئتم أن تسمون أنفسكم بـ«جيل الثورة الثالث»، نحن لا أجيال لدينا، ولا ملامح تميز بعضنا عن البعض، سوى بعضها الذي في الجسد. فنحن تحققت كل أحلامنا، وكل أهدافنا وغاياتنا، ولم يعد لنا من مرمى، سوى أن نبقى في ما نحن عليه، وأن نردد ما قاله الماغوط فكاهة ذات يوم «مو ناقصنا إلا شوية كرامة»، تلك الفكاهة التي باتت واقعا. وربما يا صديقي، غير العمر، تجمعني بك أشياء كثيرة. فأنا كما تعلم اسمي رستم، وهو يعني بلغتك المنقذ، وليس لي أن أعيد على ذهنك تلك الأسطورة الشهيرة في تراثك، عن البطل رستم، صاحب الشعر الأبيض منذ الولادة، حيث كان يجمع بين شجاعة جده، وحكمة ودهاء والده، وهو بجمعه ذلك، أنقذ ببطولته النادرة مصير الأمة الإيرانية، منذ آلاف السنين التي أنقضت، تلك الأسطورة التي فجرت براكين الرفض، في ذات الأمة الإيرانية جيلا بعد آخر، منها ثلاث مرات في القرن المنصرم، بداية بالثورة المشروطية، ثم الثورة المصدقية ثم الخمينية. لي أن أقول لك ذلك، وليس لي البتة، أن أدعي من اسمي أي نصيب، ولا لأي أحد آخر من الناس الذين أعايشهم، في هذا المكان البائس من صخرة العالم، حيث أحيا أنا. كما يا صديقي أن ما يجمعنا في السياسة أكثر من أي شيء آخر.

ففي الوقت الذي تصرخ فيه في شوارع طهران «الله أكبر بمرى ديكتاتور» «الله أكبر الموت للديكتاتور» قاصدا أحمدي نجاد، في نفس ذلك الوقت، تكون الحكومة النمساوية قد رضخت لمطالب المعارضة. وذلك بإعادة فتح ملف مقتل القياديين الأكراد الثلاثة عام 1989 في العاصمة فيينا. فالمعارضة النمساوية تؤكد وجود أدلة دامغة على تورط احمدي نجاد في تلك العملية «الإرهابية» التي كان احد ضحاياها الدكتور عبد الرحمن قاسملو، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، ذلك الرجل الذي كان أحد رموز شعب أنا أحد أبنائه. ألا ترى كم نحن قريبان، أحدنا من الآخر، بالرغم من مسافة الجبال والسهوب التي تفصلنا.

ما أسرده من صلات تجمعني بك، يا صديقي الإيراني، يتجاوز الرغبة في تأكيد الصلة الحاضرة بيننا، وهو من نافلة القول. فما يجمعني بك، عقدة في العمق، لا فكاك لنا منها، الآن وفي المستقبل. عقدة تجمع بين فوقية سياسية أوروبية وأمريكية وإسرائيلية متعالية، ترى الظلامية ككمون وكمكون بنيوي تاريخي في جذر منطقتنا، وبذا تعاملنا بحس متعال فارط في المركزية. كان خطاب نتنياهو الأخير أبرز تجلياته. عقدة تجمع بين ذلك، وبين شمولية داخلية، تريد أن تحيل كل نشاطنا الإنساني إلى معارك كبرى متتالية، تخترعها من بنات خيالاتها. حيث أنتم في إيران، لا تفرغون من منازلة كبرى، حتى تقعون فريسة لأخرى. من هزيمة الشيطان الأصغر إلى الأكبر إلى معركة تثبيت اسم «الخليج الفارسي»… إلى الملف النووي الإيراني. هذا الجمع الذي يولد استعصاء التغير في ديارنا، ويمركز التفوق الخارجي ويؤبّد الشمولية. حيث تقع أجيالنا، واحدة تلو الأخرى، في بحار اليأس والعدمية والانزياح للعنف. لذا يا صديقي، فأن ما تقوم به أنت اليوم، يكسر ذلك الاستعصاء، الذي شكل ملمحا مهما من تاريخ منطقتنا خلال القرن المنصرم. ولا داعي أن أذكرك، بأننا من أكثر مناطق العالم تداخلا جغرافيا وديموغرافيا وثقافيا، حيث تضحياتك اليوم، بالرغم من أنها تثبت انتباهنا بهواننا وضعفنا، إلا أنها أيضا تشد عزمنا لإمكانية الأمل.

عزيزي..

حين تنشر هذه الكلمات، ربما يكون قد انتهى كل شيء، وعادت الأمور في طهران، إلى ما كانت عليه قبل عشرة أيام، وأكون معك قد غرقنا من جديد في مصيدة الكآبة. لكن صدقني، إن مجرد صراخك الآن، يعني استحالة أن ينتهي كل شيء، وأن بدا في الظاهر كذلك. حيث يا صديقي كنت تعلمت من رواية «عتبات البهجة» لإبراهيم عبد المجيد، أن أي شيء لا يزول تماما، وأن كل شيء يظل مداوما في الذاكرة، يغفو حينا، ويستيقظ أحيانا، فكل شخوص روايته لا تصل البهجة، لكنها تقارب عتباتها دوما، لذا تبقى ملازمة على التجريب. أليست ذاكرتك التي تحمل صور ثلاث ثورات في قرن واحد، يا صديقي، هي التي تدفعك بالرغم من رصاصات قوات الباسيج الحية لتقول «بمرى ديكتاتور»….. لجبينك الراعف أنحاء جسدي، ولحنجرتك، ودي البالغ يا صديقي.

عن جريدة المستقبل 28/6/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق