اليازجيّة وكتاب في اليد

“فُجِع الأدب العربي في شهر يناير الماضي 1924، بنابغة من نابغاته، وشاعرة كبيرة من شواعره، عاشت في مصر وسورية ثمانين عاماً ونيفاً كانت خلالها من ذوات الشأن والتأثير في نهضة الأدب النسائية الحاضرة، وكفاها أنّها بنت ذلك البيت الكبير في سورية، منجب خيرة الأدباء والباحثين في أقرب السنين منّا: بيت اليازجي”(1).
سطرت لبيبة هاشم رئيسة تحرير “فتاة الشرق” الكلمات السابقة، وهي تنعي وردة اليازجي لقرّاء دوريتها، بعد أن ترك غلاف المجلّة كي تحتلّه صورة “فقيدة العلم والأدب”.

قلّة من نساء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تركنَ معالم وجوههنَّ في إطار فوتوغرافيّ على صفحات الكتب والدوريات العربية لتلك المرحلة؛ إلا أنّ عدّة من هذه القلّة طالعت القارئ بصورة نصفية يتنوّع تموضع الجذع فيها ما بين الجبهي مع نظرة تواجه المشاهد في صور نساء الموجة النهضوية العربية الأولى كوردة اليازجي(2)، وبين الجذع المائل قليلاً مع طيف نظرة ترتحل في بعيد التأمّل الشفيف، والمميّزة لصور نساء الموجة الثانية، كما هو الحال في صورة للبيبة هاشم على سبيل المثال(3).

إلى جانب تداعيات ظلال نظرةٍ تعبيرية تطلّ من الوجوه، يلفت الانتباه في ضوء هذه الصور الشخصية تمسّك صاحباتها بكتاب في يدٍ واضحة الحضور على مساحة التصوير، وتقترب في إحدى صور وردة اليازجي الشابّة من الصدر بشكل يؤكّد فعل امرأة مبدعة، مفردة الاسم، تلازم ما بين القلبية والعقلية في ممارساتها الأدبيّة.

في ردّها على رسالة وردتها من السيدة كاتبة بنت الخواجا موسى بسترس، أجابت وردة اليازجي شعراً مشيرة لمعنى لقبها العائليّ:

بيني وبينك في الأسامي نسبة

لا في المعاني أنتِ فوق مراتبــي

سميتِ كاتبـةٌ بكـل لياقــــــــةٍ

وأنـــا كمـــا تدريـن بنت الكاتبِ

كما هو معروف، تترجم كنية اليازجي التركية إلى العربية بـ “الكاتب”، في إشارة للمهنة التي درج عليها عدد من أفراد آل اليازجي فيما يخص الكتابة وممارسة حرفة العلوم اللسانيّة والأدبيّة.

وفي تقديم منظوم آخر لنفسها بعثت وردة اليازجي إلى معاصرتها الأديبة وردة الترك (؟-1873) أبياتاً تمدحها فيها، وتقول:

يا وردة الترك إني وردة العـربِ

فبينـنا قد وجدنا أقرب النســــــــبِ

أعطاك والدك الفنّ الذي اشتهرت

ألطافه بين أهل العلـــــــم والأدب

فكنت بين نساء العصر راقــــــيةً

أعلى المنازل في الأقدار والــرتب

إنّ تلاعب وردة اليازجي بمعاني المفردات في الأبيات السابقة يشدّد على “عربيّة” نسبٍ يقربها من “الترك” في كنية الوردة الأخرى في إطار مضمر للجامعة العثمانيّة للآن الذي سُطرت فيه القصيدة(4). من الملاحظ في هذا السياق ابتعاد وردة اليازجي عن الإشارة لنسب الملّة الدينيّة المميّز لقديم المرحلة، والمجاور لجديدٍ أخذ يبحث ويجادل حول صيغة محتد اجتماعيّ وسياسيّ مغاير بين أفراده.

بمعنى أنّ وردة اليازجي منذ فترة شبابها حاولت الانزياح عن تماهي الفرد في الجماعة الدينية، وعبّرت شعراً وكفرد واع عن محاولاتها الانفكاك عن أخلاق الانتماء اللاهوتيّ الجمعيّ، وتأسيس تمايزٍ مبنيّ على الوطنية والمعرفة أو الفعل الأدبيّ.

ضمن خطّتها التي داومت عليها مجلة “فتاة الشرق” منذ تأسيسها، وحرصها على تقديم تعريف بالنساء المؤثّرات في الفضاء العامّ شرقاً وغرباً، أفردت المجلة مطلع عام 1907 في باب “شهيرات النساء” تعريفاً بوردة اليازجي وفيه يطالع القارئ طائفة من الأسانيد البيوغرافيّة التي اعتادت تعريف المرأة بسلسلة فقرية ذكرية تلحقها بحركة ووجهة نظر الآخر عنها سواء كان الأب أو الأخ أو الزوج:

“هي ابنة نابغة الشرق المشهور العالم المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي اللبناني وشقيقة فقيد العلم والوطن واللغة العلامة العالم الفاضل واللغوي المدقق المرحوم ابراهيم اليازجي والشاعر المشهور المرحوم خليل اليازجي أجزل الله ثوابهم.

ولدت في قرية كفرشيما في 20 يناير (كانون الثاني) سنة 1838 ميلادية ولما بلغت من العمر سنتين وأشهراً أي في أثناء سنة 1840 ميلادية انتقل المرحوم والدها بأهل بيته إلى مدينة بيروت حيث كان مرسلو الأميركان قد فتحوا حينئذ مدرسة للبنات فلما ترعرعت أدخلها في تلك المدرسة لتتلقى مبادئ القراءة والكتابة ولما بلغت الثانية عشرة من العمر وبدت عليها آثار النجابة والرغبة في العلم أخذ والدها يلقنها أصول الصرف والنحو حتى إذا نبغت فيهما أخذ يدرّسها علمي العروض والقافية ويقرئها بعض قصائده فنشأت لها رغبة في الشعر وظهر أنها مطبوعة عليه فزاد ذلك في إعجابه بها وميله إلى ترشيحها للنظم ولم تناهز الرابعة عشرة من سنها حتى كانت تنظم القصائد البديعة وتتفنن في المعاني والأساليب الشعرية بين مدح ورثاء ورسائل ودية كما يرى ذلك في ديوانها “حديقة الورد” غير أنه لسوء الحظ توالت عليها المصائب والأحزان فكان أكثر نظمها في المراثي ولها فيها من الأساليب والعبارات ما يبكي الجلمود ويفتت الأكباد الصخرية ولاسيما في رثاء والدها وولدها أمين فإنها جاءت في هاتين المرثيتين بما تقصر عنه فحول الرجال. وقد تزوجت سنة 1866 بالمرحوم الأستاذ فرنسيس شمعون من أكارم أسر لبنان وكان رحمه الله أديباً كاملاً تلقى دروس اللغة والعلوم الرياضية والطبيعية في مدرسة مرسلي الأميركان في قرية عبيه بلبنان وكان أستاذه في العربية المرحوم المعلم رزق الله البرباري وفي العلوم المذكورة المأسوف عليه العالم العلامة والفيلسوف الشهير كرنيليوس فانديك”(5).

أما يوسف أسعد داغر فيترك في مصادره موجزاً بيوغرافياً دالاً في مطلع تقديمه لها مسوغاً شعرية اليازجيّة بمحيط يموج بخاصة العلماء: “من هي- شاعرة لبنانية عالمة، هي ابنة عالم وأخت عالم، وزوجة عالم، وأم عالم، وأم طبيب عالم، سليلة الشيخ ناصيف اليازجي”(6).

يبدو أنّ مصادر الهيكليّة الذكريّة التي شيّد بها كيان المرأة المثقفة كانت السبب في أن تفرد وردة اليازجي عنايتها الخاصة لنظم شعر ميزّ إنتاجها من خلال الرثاء الخنساوي للأب سنة 1871 والابن عام 1892..والأخ سنة 1906 الخ، دون أن تغمض الطرف عن مرجعية الرجل وحضوره في معارج الأبيات التي صاغتها في مديح بعض نساء عصرها. فنقرأ، على سبيل المثال، في مديح الأميرة نائلة سلطان بمناسبة وصولها مدينة بيروت:

يا ثغـــر بيروت البهيج تبســم

وبحمدِ خلقك الكريـم ترنـــّـــمِ

اليوم زارتك المليكة فاكتســت

شرفاً ربوعك بالطراز المعلــم

هي أخت سلطان الأنام مليكنا

وسليلة الملك الهمامِ الأعظـــمِ

عرفت وردة اليازجي بمساجلاتٍ شعرية ونثرية خاضتها مع أدباء عصرها وأديباته في كل من “الديار السوريّة” والمصريّة من أمثال وردة الترك البيروتيّة ووردة كبا الحمصيّة وعائشة تيمور واسماعيل عاصم من مصر… الخ. ونشرت قصائدها في مجلات مختلفة منها “لسان الحال”، “فتاة الشرق”، “الفردوس”، كما أنها مارست النقد الأدبيّ فنشرت في هذا المجال في عدد من الدوريات خاصة في مجلة “الضياء”. وجمعت أشعارها في ديوان حمل عنوان “حديقة الورد” ونشرته لأول مرة المطبعة المخلصيّة في بيروت سنة 1867.

ولذاكرة الحداثة في موقع الأوان اختيرت مادّتان موقّعتان بقلم وردة اليازجي هما:

– مقالة تحمل عنوان “المرأة الشرقية” وفيها يبدو اهتمامها النسوي والنقدي في الدفاع عن أقلام النساء الكاتبات في الفضاءين العامّ والخاصّ، إضافة لتأكيدها على فكرة الثقافة الوطنيّة وتراث الفعل النسائية الأدبيّ، وحذرها من مثاقفة تهيمن فيها ثقافة على أخرى. ونشرت المقالة في مجلة “الضياء” مطلع العقد الأوّل من القرن العشرين.

– مادة معنونة “في مدى ثمانين عاماً”، ونشرت لأوّل مرة في مجلة “فتاة الشرق” قبل أشهر من تاريخ وفاتها، وفيها تبلّغ كلمتها بعد ثمانين حولاً من العمر. وأعادت المجلة نشر نفس المادة في عدد فبراير/ شباط 1924 بعد وفاة وردة اليازجي مع تنويه قدّمته رئيسة تحرير المجلة تشير فيه إلى اعتقادها بأنّ المادة المذكورة هي آخر ما سطره قلم اليازجيّة وهي على قيد الحياة.

من بين سطور “في مدى ثمانين عاماً” تلوح مؤثرات “تقدّم” القرن التاسع عشر ودوامة حرب القرن العشرين العالمية الأولى في خلاصة تصوغ فيها اليازجيّة “تكاليف الحياة” ومعطيات جدل العلم والأخلاق ومقولة التاريخ وصراعاته.

{{[*المـرأة الشرقيـة

وردة اليازجي*]}}

لا يخفى أنّ نساء البلاد الغربية من أوربا وأميركا قد تقدمن في الأعصر الأخيرة شوطاً بعيداً في العلم والتهذيب ونفضنَ عنهنَّ غبار الجهل الذي كنَّ عليه في العصور الهمجيّة فنفضن معهُ غبار الذلّ والامتهان حتى أصبحت المرأة الغربيّة مساوية للرجل في الحقوق وخلعت عنها ربقة الاستعباد. وما ذلك إلا بفضل ما بلغنَهُ من العلم بحيث أدركنَ حقوقهنَّ فقمنَ يطالبنَ بها وأقمنَ عليها الحجج التي لم يستطع الرجل دفعها إلى أن استتبّ لهنّ ما طلبنَهُ وأصبح الرجل ينصفهنَّ ويحترمهنَّ ويرفع مقامهنَّ وبذلك نلنَ المنزلة التي تستحقها المرأة في المجتمع الإنساني لأنها شطر الرجل وشريكتهُ في حياتهِ وأُمّ الأُسرة ومربيتها. ثم سرى ذلك منهنَّ إلى الشرق فنالت المرأة فيه نصيباً من الحرية ورفعة المنزلة بفضل أختها الغربيّة وبتقليد الشرق لتمدن الغرب لا بأن المرأة الشرقية استحقت ذلك بما بلغت إليه من العلم والمقدرة العقلية والمطالبة بحقوقها كما فعلت تلك. فإننا إذا نظرنا إلى حالة المرأة عندنا اليوم وجدناها لم تكد ترتفع ارتفاعاً يذكر عن حالة المرأة في الزمن الماضي لأن كل ما أدركتهُ من التمدن الحالي التزيّي بملابس نساء الغرب وتعلم بعض اللغات الأوربية وبذلك أصبح الكثيرات منا يحسبنَ أنهنَّ قد ساوينَ أخواتهنَّ الغربيات بل ربما توهمنَّ أنهنَّ قد صرنَ منهنَّ فأنكرنَ أصلهنَّ الشرقي وازدرينَ بالشرقيين والشرقيات حتى أن منهنَّ من يأنفنَ من التكلم بالعربية أو الكتابة بها. ومما يوجب الأسف أننا نرى بعضاً منهنَّ قد نبذنَ الآداب الشرقية فولعنَ بالرقص مثلاً ولبسن ملابس الراقصات من الإفرنج على ما فيها من التهتك الذي تمجه الحشمة الشرقية وينكرهُ ما عند الشرقيين من التصوُّن والحياء الذي هو حلية المرأة وزينتها ومنهنَّ من يتعاطين المقامرة التي هي من أكبر عيوب الرجال فضلاً عن النساء.

وإذا بحثت عن أصل هذا الخلل في عوائدنا وآدابنا وجدت أن أكثره قد ورد علينا من المدارس الأجنبية فإن مدبرات تلك المدارس والمدرّسات فيها كلهنَّ أو أكثرهنّ من الغربيات اللواتي يحتقرنَ الشرق وأهلهُ ولغتهُ وعوائدهُ فيربينَ المتعلمات من بنات الوطن على التخلق بأخلاقهنَّ ويغرسنَ فيهنَّ تلك المبادئ السيئة فلا يخرجنَ من تلك المدارس إلا وهنَّ يحسبنَ أهل وطنهنَّ أقواماً أدنياء همجيين فيأنفنَ من معاشرة الوطنيات ويزدرينَ بالوطن وكل شيءٍ وطني ويفتخرن بالأزياء والعوائد الأجنبية. ولو أنهنَّ أحسنَّ التبصر لعلمنَ أن ما يحسبنه من ذلك فخراً لهنَّ في عيون الأجنبيات هو العار بعينه وداعي الاحتقار والامتهان وأيّ احتقار للإنسان أعظم من أن يتبرأ من أصله ويعدّ قومهُ وأسلافهُ أدنياء حتى يأنف من الانتساب إليهن وأي شرف يبقى لهُ بعد أن يُسقِط شرفهُ بنفسه ويعترف بأنه من قوم لا شرف لهم.

ولعمري لو أنّ نساء بلادنا أحسنّ تقليد الأجنبيات لقلدنهنَّ أول كل شيءٍ في المحافظة على جنسيتهنَّ والتمسك بشرف أصولهنَّ لأن هذا هو الشرف الحقيقي ولاسيما إذا لم يكن للإنسان من أفعاله الشخصية ما يشرفه ويغنيه عن شرف الأصل. ونحن نجد في النساء الأوربيات والأميركيات العالمات والمؤلفات واللواتي ينشئنَ المقالات الرنانة ويكتبنَ في الجرائد السياسية والمجلات العلمية واللواتي ينظرنَ في حركات النجوم ويزاولنَ الأعمال الكيماوية إلى غير ذلك فهل قلدتهنَّ النساء عندنا في شيء من ذلك وهل نجد من آثار أقلامهنَّ إلا الشيء اليسير لبعض الكاتبات اللواتي لا يكدنَ يبلغنَ عدد أصابع اليد كالمرحومة الأميرة عائشة تيمور والسيدة زينب فوّاز والسيدة لبيبة هاشم وقليل غيرهنَّ. على أن هؤلاء الكاتبات لم يبلغنَ أن يكنَّ كاتبات إلا لما اعتنينَ باللغة العربية التي هي لغة آبائهنَّ وبها كتبنَ ونظمنَ لا بغيرها وهي التي أدركنَ بها الذكر والشهرة وخلّدنَ أسماءهنَّ في بطون الأسفار. وكذلك نجد من أهل كل أمةٍ فالانكليزية مثلاً أول ما تتقن لغة وطنها وكذلك الفرنسوية والألمانية وغيرها وإذا تعلمت غير لغة قومها فبعد أن تتقن لغتها. وهذا الذي كانت عليه نساء العرب في العصور التي يسمونها اليوم بالمظلمة وهي العصور التي لم يكن فيها للتمدن الغربي من أثر فإنهنَّ كنَّ يدرسنَ علوم اللغة العربية وآدابها ويشتغلنَ بالإنشاء والشعر حتى تجد بينهنَّ المئات من الكاتبات والشاعرات اللواتي لا تزال آثار أقلامهنَّ مسطرةً في الكتب إلى هذا اليوم. وقد كان لهنَّ من النظم البديع والمعاني الدقيقة والأساليب الرشيقة ما يجارينَ به الرجال بل يفقنهم أحياناً بما يودعن أشعارهنَّ من الرقة المخلوقة فيهنَّ والاقتدار على التلاعب بالشعور العقلي وإيصال معانيهنَّ إلى أعماق القلوب. وسأذكر في هذا المقام بعض مختارات شعرهنَّ تفكهةً للقراء وأقتصر على شعر نساء المولدين لأن نساء الجاهلية وإن كنَّ أبلغ شاهداً في المعنى الذي نقصدهُ فإنهنَّ كنَّ ينظمنَ بالسليقة لا بالتعلّم بخلاف نساء المولدين كما لا يخفى.

فممن اشتهر منهنَّ بالشعر عليّة بنت المهدي أخت هرون الرشيد. قال صاحب الأغاني كانت من أحسن خلق الله وجهاً ومن أعقل النساء ذات صيانةٍ وأدبٍ بارع وكانت شاعرة ولها ديوان شعر ومن شعرها قولها لما خرج الرشيد إلى الرَيّ وأخذها معهُ فلما وصلت إلى الريّ قالت:

ومغتربٍ بالمرج يبكي لشجــــوه

وقد غاب عنهُ المسعدون على الحبِّ

إذا ما أتاهُ الركب من نحو أرضهِ

تنشـــــــــق يستشفي برائحـة الركـبِ

ومن قولها:

إني كثرتُ عليه في زيارتـهِ

فملَّ والشيء مملـولٌ إذا كثـــــرا

ورابني منهُ أني لا أزال أرى

في طرفه قصراً عني إذا نظرا

ولها في أخيها:

تفديك أختك قد حبوت بنــــعمةٍ

لسنا نعدُّ لـــها الزمـان بديلاً

إلا الخلود وذاك قربك سيّــــدي

لا زال قربك والبقآءُ طـويلا

وحمدتُ ربي في إجابة دعوتي

فرأيتُ جهدي عند ذاك قليلا

ومن شعرها أيضاً:

نامَ عذّالي ولم أنــم

واشتفى الواشون من سقمي

وإذا ما قلتُ بي ألمٌ

شـكّ من أهـواهُ في ألمــــي

ومنهن فضل الشاعرة من مولّدات البصرة وكانت فصيحة أديبة سريعة البديهة مطبوعة في قول الشعر في الخليفة المتوكل:

استقبلَ الأمرَ إمامُ الهُدَى

عـامَ ثـلاثٍ وثلاثـــــــينـا

خلافةٌ أفضت إلى جعفر

وهو ابن سبعٍ بعد عشرينا

إنّا لنرجـو يا إمام الهدى

أن تملــــك الأمـرَ ثمانينـا

لا قّدَّسَ الله امرأً لم يقل

عنـد دعائــــــــي لك آمينـا

ومن شعرها:

الصبـر ينقص والغــــــــرام يزيدُ

والدار دانـــــيـةٌ وأنـــــت بعيـدُ

أشكـوك بـل أشكـو إلـــــــيك فإنهُ

لا يستطيع ســــواهمـا المجهودُ

إني أعوذ بحرمتي لك في الهوى

من أن يُطاوَع في هوايَ حسودُ

قال ابراهيم بن المدبّر كانت فضل من أحسن خلق الله خطّاً ولفظاً وأبلغهم في مخاطبة وأفصحهم في محاورة فقلت يوماً لسعيد بن حميد الكاتب أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها وتفيدها وتخرّجها فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك. فقال والله يا أخي لو أخذ أفاضل الكتّاب وأماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك.

ولها وقد قال المتوكل يوماً لعلي بن الجهم الشاعر المشهور قل بيتاً وطالب فضل الشاعرة أن تجيزهُ فقال أجيزي يا فضل:

لاذَ بها يشتكي إليها

فلم يجد عندها ملاذا

فقالت على الفور:

ولم يزل ضارعاً إليها

تهطـل أجفاـــنه رذاذا

فعاتبـوه فزاد عشــــقاً

فمات وجداَ فكان ماذا

فطرب المتوكل وقال أحسنت وحياتي يا فضل وأمر لها بألفي دينار.

ومن طبقة فضل هذه في الشعر محبوبة الشاعرة وهي من جواري المتوكل أيضاً. ومن شعرها أن المتوكل ذكر يوماً أنه دخل على زوجته يوم نوروز فوجدها قد كتبت اسمه على خدها بغالية وهي نوع من الطيب يُعمل بالمسك وكان بحضرته علىّ بن الجهم فقال له قل في هذا شيئاً. وكانت محبوبة تسمع الكلام من وراء ستار فدعا عليّ بن الجهم بدواة فإلى أن أتوه بها وابتدأ يفكر قالت محبوبة على البديهة:

وكاتبةٍ بالمسك في الخدّ جعـفـــرا

بنفسي خطُّ المسك من حيث أَثَّــرا

لئن كتبت في الخدّ سطراً بكفّـــها

لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا

فيـا من لمملوكٍ لمـــــلك يمينــــه

مطيـع لـهُ فيمـا أسرَّ وأظهـــــــرا

ويا من هواها في السريرة جعفرٌ

سقى الله من سقيا ثنايـــاكِ جعفرا

فبقي عليّ بن الجهم واجماً لا ينطق بحرف.

ومن الشواعر اللواتي سار ذكرهنَّ بين علماء الأدب واعترف لها بالتقدم والبراعة عائشة الباعونية بنت يوسف بن أحمد الباعوني وكانت أديبة فاضلة وكاتبة عاقلة وكانت من نوابغ زمانها علماً وأدباً حتى لقد فضلوها بين المولَّدين على الخنساء بين الجاهليين ووصفها الشيخ عبد الغني النابلسي وغيره من العلماء فأطروا. وقد ألفت وصنفت نظماً ونثراً إلا أنها كانت إلى النظم أميل منها إلى النثر ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية ولها نظم كثير غيره فمن ذلك قولها في الغزل:

كأنما الخال تحت القرط في العنق

بدا لنـا في محيّا جـــــــلَّ من خلقا

نجـمٌ غدا بعمود الصبـــح مستتراً

خلف الثريا يقرب الشمس فاحترقا

وإنما كان معظم شهرتها ببديعيتها التي سارت بذكرها الركبان ولها عليها شرحٌ بديع سمته بالفتح المبين في مدح الأمين نظمتها على منوال بديعية تقي الدين بن حجة الحموي وهي مئة وثمانية وعشرون بيتاً مطلعها:

في حسن مطلع أقمارٍ بذي سلمِ

أصبحت في زمرة العشاق كالعَلمِ

ومنها:

أقول والدمع جـــــــــــــار جارحٌ مُقَلي

والجــــارُ جارَ بعـذلٍ فيه متَّهمي

الجهلُ أغواك أم في الطرف منك عمىً

أغابَ رشدك أم ضربٌ من اللممِ

لُمْ يا عذول وشاهـــــــــــد حسنهم فإذا

شاهدته واستطعت اللوم بعدُ لُــمِ

وختامها:

مدحتُ مجدك والإخلاص ملتزَمي

فيهِ وحسن امتداحي فيهِ مُختَتَمي

واشتهر منهنَّ بالأندلس عدة شاعرات كنَّ يبارينَ الرجال وكان منهنَّ من تقول الشعر ارتجالاً وقد ذكر صاحب نفح الطيب جملةً منهنَّ أورد لهنًّ شعراً رائقاً فمنهن الشاعرة الغسانية البجانية وهي من أهل المئة الرابعة ومن نظمها من أبيات:

عهدتهمُ والعيش في ظل وصلهم

أنيقٌ وروض الوصل أخضرُ فَيـــــنانُ

لياليَ سعدٍ لا يُخاف على الهوى

عتابٌ ولا يُخشى على الوصل هجرانُ

ومنهنَّ أم السعد بنت عصام الحميري من أهل قرطبة ومن شعرها:

آخِ الرجالَ من الأبـا

ــعد والأقارب لا تُقاربْ

إن الأقارب كالعقـا

رب أو أشدُّ من العقاربْ

ومنهنَّ حسانة التميمية بنت أبي الحسين الشاعر تأدبت وتعلمت الشعر فلما مات أبوها كتبت إلى الحكم وهي إذ ذاك بكرٌ لم تتزوج:

إني إليك أبا العاصـــــي لناعــــــيةٌ

أبا الحسين سقتهُ الواكفَ الدِيَمُ

إني كنت أترتع في نعماهُ عاكفـــــة

فاليوم آوي إلى نعماك يا حكَمُ

أنت الإمام الذي انقاد الأنام لــــــــه

وملكتهُ مقاليد النهَى الأمَــــــمُ

لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفاً

أوي إليه ولا يعــــروني العدمُ

لازلت بـالعزة القعساء مرتديـــــــاً

حتى تذلّ إليك العرب والعجمُ

فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه وأمر لها بإجراء مرتب وكتب إلى عامله على البيره فجهزها بجهازٍ حسن. ويحكى أنها وفدت على ابنه عبد الرحمن تشكيه من عامله جابر بن لبيد على البيره وكان الحكم قد وقّع لها بخط يده تحرير أملاكها فلم يفدها فدخلت إلى الإمام عبد الرحمن فأقامت بفنائه وتلطفت مع بعض نسائه حتى أوصلتها إليه وهو في حال طرب وسرور فانتسبت إليه فرفعها وعرف أباها ثم أنشدته:

إلى ذي الندى والمجد سارت ركائبي

على شَحَطٍ تصلى بنار الهواجر

ليجبرَ صدعي إنه خير جابــــــــــــرٍ

ويمنعني من ذي الظلامة جابـــــــــر

فإني وأيتامي بقبضة كفّـــــــــــــه

كذي الريش أضحى في مخالب كاسـر

جديرٌ لمثلي أن يقال مَرُوعـــــــةٌ

لموت أبي العاصي الذي كان ناصـري

سقاهُ الحيا لو كان حيّاً لما اعتدى

عليّ زمــــــــــــــانٌ باطـشٌ بطشَ قادر

أيمحو الذي خطتهُ يمناه جابــــــرٌ

لقد ســــــام بالأمـــــلاك إحدى الكبائر

ولما فرغت رفعت إليه خط والده وحكت جميع أمرها فرقَّ لها وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينيه وقال تعدَّى ابن لبيد طوره حتى رام نقض رأي الحكَم. انصرفي يا حسانة فقد عزلته لك ووقع لها بمثل توقيع أبيه وأمر لها بجائزة.

ومنهن أم العلاء بنت يوسف الحجارية ذكرها صاحب المغرب وقال أنها من أهل المئة الخامسة ومن شعرها:

كلُّ ما يصدرُ منكــــــــم حسنُ

وبعلــــــياكم تحلى الزمنُ

تعطف العينُ على منظركـــــم

وبذكراكم تلـــــــــذّ الأذنُ

من يعيش من دونكم في عمره

فهو في نيل الأماني يُغبنُ

ومنهنَّ أمَة العزيز الشريفة الحسنية ومن شعرها البيتان المشهوران رواهما لها صاحب كتاب المطرب من أشعار المغرب:

لحاظكم تجرحنا في الحشا

ولحظنا يجرحكم في الخدودْ

جرحٌ بجرح فاجعلوا ذا بذا

فما الذي أوجبَ هذا الصدودْ

وقيل البيتان لولادة بنت المستكفي بالله الأديبة المشهورة التي كان يشبب بها ابن زيدون وكانت ذات شعر فائق ومما كتبت به إليه وقيل إلى الأصبحيّ:

ترقب إذا جنّ الظــــــــــلام زيارتي

فإنـــــــي رأيت الليل أكتم للسرِّ

وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح

وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسرِ

ومن شعرها أيضاً:

ودّع الصبرَ محبٌ وَدّعـك

ذائعٌ من سرّه ما اســــتودعَك

يقرع السنَّ على أن لم يكن

زاد في تلك الخُطى إذ شيَّعَك

يا أخا البدر سناءً وسنــــىً

حفظ الله زمـــــــــــاناً اطلعَك

إن يَطُلْ بعدك ليلي فلكَــــمْ

بتُّ أشكو قِصَــــرَ الليل معك

ومنهنَّ عائشة بنت أحمد القرطبية قال ابن حسان لم يكن من حرائر الأندلس من تعادلها علماً وأدباً وفصاحةً وشعراً وكانت تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف. ومن شعرها قولها وقد دخلت يوماً على المظفر بن منصور ابن أبي عامر وبين يديه ولدٌ له فارتجلت:

أراك الله منـــــه ما تريدُ

ولا برحت معاليه تزـــــــــيدُ

فقد دلت مخايله على ما

تؤمله وطالعـــــه سعـــــــيدُ

تشوَّقت الجياد له وهُزَّ الـ

حسامُ له وأشرقت البنـــودُ

وكيف يخيب شبلٌ قد نمتهُ

إلى العليا ضراغمهُ الأسودُ

فسوف تراه بدراً في سماءٍ

من العليا كواكبـــــهُ الجنودُ

فأنتم آل عامر خيـــــرُ آلٍ

زكا الأبــناءُ منكم والجدودُ

وليدكمُ لدى رأي كشيــــخِ

وشيخكمُ لدى حـــربٍ وليدُ

ومن تفقد كتب التاريخ والتراجم ولاسيما تاريخ الأندلس وجد من ذكر النساء الشاعرات والمنشئات وما لهن من بدائع النظم والنثر والبلاغة في المخاطبات والمكاتبات ما لا يمكن استيفاؤه في مثل هذه المقالة ولكني ذكرت ما ذكرته من كلامهن للدلالة على ما كانت عليه نساء تلك العصور من الميل إلى الآداب والأشغال بما يرفع مقامهنَّ ويظهر ما تحلت به فطرهنَّ من الذكاء والفطنة مما لا يكدنَ ينزلنَ فيه عن مرتبة الرجال. ولا ريب أنه لو اشتغلت نساء عصرنا بالأمور الأدبية والعقلية عوض ما هنَّ فيه من صرف العمر في الأباطيل والزخارف الخارجية والتقليد الفارغ لظهر منهنَّ نوابغ يحرزن جميل الذكر وجليل الفخر ويخلدنَ أسماءهنَّ في صحيفة الدهر. فإن نساء ذلك العصر لم يكنَّ أسمى عقولاً منهنَّ ولا أوفر وسائط لو شئنَ أن يسلكنَ مسالكهنَّ وقد قال الشاعر:

إذا أعجبتكَ خصال امــــــرئٍ

فكُنْهُ تَكُنْ مثلما يُعجـــِبُكْ

فليسَ عن الفضل والمكرماتِ

إذا رُمتَها حاجبٌ يحجبُكْ

على أننا لا نبرئ الرجال من تبعة هذا التقصير فإن المرأة إذا رأت أباها وإخوتها وسائر من يتصل بها من الرجال الذين تعيش بينهم ذوي أدبٍ وعلم جذب ذلك رغبتها إلى اقتفاء سبيلهم والجري على طريقتهم. وأقرب شاهدٍ لنا على ذلك نساء الجاهلية فإنهنَّ مع فقد المدارس وعدم وجود التعليم ومع أن رجالهنَّ كانوا قوماً أميين إلا من ندر منهم فقد كان أكثرهنَّ فصيحاتٍ بليغاتٍ وكان بينهنَّ ما لا يُحصى من الشاعرات وربما وُجد منهنَّ من تخطب الخُطَب وتتكلم بما يعجز أبلغ الكتاب في هذا العصر وما ذلك إلا لأنهنَّ كيفما ذهبنَ لا يسمعنَ إلا الشعر والكلام البليغ على ما هو معروف من شأن أولئك القوم الذين كانوا يسكنون الخيام ويتعاطون رعاية المواشي. ولكننا نجد الرجال في أيامنا قلما يلتفتون إلى الأمور الأدبية أو العلمية أو يبالون بغير الترف واللهو وحشد الأموال والزخارف الفارغة والمتعلمون منهم لا يتجاوزون ما تقدم ذكره في الكلام على النساء من تعلم بعض اللغات الأوربية ثم قضاء الأوقات في مطالعة الروايات التي أكثرها مفسدة للأخلاق والآداب. وزد على ذلك ما ذكر من تشبههم بالإفرنج في كل شيء بحيث أنه لم يبقَ عندنا للوطنية أثر وأصبحت منازلنا وملابسنا ومجالسنا ومحادثاتنا كلها إفرنجية وذلك ومع خلوّنا من علوم الإفرنج وصنائعهم وسائر مزاياهم فكأننا رضينا من ذلك التشبه بهذه القشور. ويا ليتنا مع هذا كله نتشبه بأخلاق أكابرهم وأكارمهم فإننا لو تفقدنا الأسر الشريفة منهم لوجدناها على خلاف ما تفخر به من تلك الظواهر أو النقائص التي اقتبسناها عن بعض أدنيائهم كالخلاعة والتهتك في الملابس والمجاهرة بالأمور المعيبة التي يخجل القلم من تسطيرها ووصفها.

وفوق كل ذلك ما هو معروف عند بعض نسائنا من الخرافات والأوهام والعقائد الباطلة مما لا يتكفل بنزعه إلا العلم الصحيح. ولا تخفى نتائج ذلك في التربية لأن الطفل أكثر ما يكتسب معارفه الأولى من والدته لأنه يربى بين يديها وتحت نظرها وإرشادها ومن طبعه أنه يسأل عن كل شيء يراه أو يجول في فكره ولا يجد أمامه من يسأله إلا أمه فإذا لم تكن متنورة تميز الصواب من غيره لقنته الخرافات والأباطيل فينشأ عليها وترسخ في ذهنه حتى يتعذر اقتلاعها منه وربما شاخ وهي عنده من الحقائق الراهنة. وبخلاف ذلك ما إذا كانت الأمّ من المتعلمات العارفات بحقائق الأشياء فإنه لا يسألها عن شيء إلا سمع عنه جواباً صحيحاً فينشأ على معرفة حقيقية بالأمور حتى أنه إذا كانت أمه عارفة ببعض الحقائق العلمية والطبيعية كانت تربيتها له بمثابة دروس تمهيدية فإذا دخل المدارس بعد ذلك كان عارفاّ بكثير من تلك الحقائق قبل أن يلقنها.

نعم إن بعض نساء الغرب قد تطرفنَ في طلب العلميات إلى حدٍ لا تسمح به حال المرأة ووظائفها الطبيعية كالاشتغال بالأعمال الكيماوية والحسابات الفلكية وما أشبه ذلك مما يستلزم التفرغ له وهي ليس في وسعها ذلك لأنه يفضي إلى تعطيل المصالح البيتية التي هي المسؤولة عنها والتي لا تترك عندها وقتاً لتعاطي مثل هذه الأعمال. ولكن الأشغال البيتية لا تستغرق جميع أوقاتها وعلى الخصوص إذا كانت من ذوات اليسار وعندها من الخدم من يعاونها على خدمة منزلها فإنه يفضل عندها من أوقات الفراغ ما يمكن أن يقدّر بنصف العمر على الأقل فلا ينبغي لها أن تضيع هذه الأوقات سدى ولا أن تهمل الموهبة العقلية التي منَّ عليها بها الخالق عزّ وجلّ. فإذا لم تكن من اللواتي درسنَ العلوم أو من ذوات القريحة التي تمكنها من تعاطي الإنشاء أو الشعر يحسن أن تشغل أوقاتها بمطالعة الكتب المفيدة وخصوصاً كتب التاريخ التي من شأنها أن توسع دائرة العقل وترفعه عن الخرافات والخزعبلات وتفيد المطالع بصيرةً في كثير من الحقائق العلمية لأن التاريخ يتعرض لجميع المباحث المتعلقة بالإنسان من علمية وسياسية واجتماعية وغيرها. وإذا كانت من ذوات المقدرة على الكتابة نثراً أو نظماً فإنها تستطيع أن تبقي لها أجمل أثر بما يسطره بنانها من حكمةٍ أو أدب أو غير ذلك مما يكسبها رفعة المقام وبقاء الذكر ويمكن أن يكون منه للمطالع فائدة تذكر.

هذا وإني لا أبرئ نفسي من الاتصاف ببعض ما ذكرته في هذه المقالة من التقصير الذي وسمت به غيري من النساء ولكن الأمر لا يخلو من أن قلة الكاتبات والمنشئات تدعو إلى التقاعد والجبن ولاسيما وأني مقرّة بقلة المادة وضيق الاطلاع فعسى أن يوجد في أدبيات العصر من تنبههنّ كلماتي هذه فينهضنَ لإصلاح حالتنا النسائية ولا يخجلنَ أن يكتبنَ بلغتنا العربية إن كنَّ من القادرات على الإنشاء فيها وهذه الجرائد والمجلات ترحب بكل مقالةٍ تأتيها من إحداهنَّ فإن لم تؤثر كتاباتهنَّ الأثر المطلوب كنَّ قد قمنَ بما عليهنَّ والله الهادي إلى سواء السبيل.

(الضياء، س8، مصر، مج 1905-1906)

{{[*فـي مـدى ثمانيـن عامـاً

وردة اليازجـي*]}}

لو ملكت من الوقت والصحة ما يكفي لبيان ما مرّ عليّ من حوادث هذه الدنيا وشاهدت من أحوالها في مدى هذا العمر المملوء بالعبر وبما يقف دونه الفكر والبصر لما اتسع لي المجال في هذه المجلة الزاهرة. فأنا لذلك مكتفية في هذا المقال بما قلّ ودلّ.

رأيت من أطوار هذا العالم عاملين اثنين هما في جهاد دائم ونزاع مستمر أحدهما آيل إلى سعادة الإنسان والآخر إلى شقائه.

رأيت العقول ترتقي والأخلاق تسمو والهمم تعمل لما يكون فيه الراحة والغبطة والهناء وتبادل وسائل الخير واشتراك المنفعة وتقارب المطالب، فكان من وراء ذلك تعدد الاختراعات واستحداث المفيد واستكشاف المجاهل في القارات الخمس وتقريب المواصلات، فنمت الثروة ووفرت موارد العمران وارتقت الأمم وتدانت حتى أصبحت كلها أسرة واحدة بما حصل بينها من تبادل المنافع والرغائب.

ورأيت أن الإنسان يسعى في نفع أخيه الإنسان فيواصل اجتهاده في تخفيف آلامه وتقليل أسقامه وإبرائه من أمراض لم تكن وسيلة شفائها معروفة من قبل.

ورأيت في الجملة أهل هذا العالم على العمل بما فيه غبطتهم ونعيمهم مدة هذا الحياة القصيرة ورأيت بوجه خاص خروج الفتاة الشرقية من خدرها الكريم وهي في ثوب الطهر والنقاء تسعى في مساواة الرجل ومداناته في شؤون العمران، وتحصل في أندية العلم والعمل على المقام الذي يجب أن يكون لها وهي وإن تكن إلى الآن لم تبلغ غايتها القصوى، إلا أنها والحمد لله قد بلغت حداً تقرّ به العين ويؤمل معه الوصول إلى درجة الكمال.

ثم شاهدت العامل الآخر قائماً لهدم ما يبنيه الأول. ولا بد أن يكون توفر ذلك الارتقاء وتلك السعادة باعثاً على تولد المطامع وتأصل الأحقاد.

شاهدت اعتداء فريق على فريق وقيام أمة على أخرى. فمن قوي يحاول ابتلاع الضعيف، وطامع يندفع إلى اغتصاب ما لجاره، وكبير يثب لاستعباد الصغير، فإذا مانع ذوو الحقوق في اغتصابها سلّت السيوف واشتعلت النيران وزحفت الجيوش أجساماً بقلوب نزعت منها الرحمة وجردت من عاطفة الحنان تتزاحم للقضاء على المستأمنين وتتسابق للوقيعة بالأبرياء فتقع الصفوف بعد الصفوف وتعد الأشلاء بالملايين بعد الألوف.

ووجدت أن العلم لا يرفع الإنسان من درجة الحيوان إلا إذا كان مقروناً بالدين الصحيح، وأن سعادة البشر لا تتم إلا إذا كان كبر العقول مصحوباً بكبر القلوب.

ووجدت أنه لو كان للمرأة صوت في تسيير خطط الممالك لما شبت نار هذه الحرب بل كان حنان قلب المرأة دافعاً لها ولسفك هذه الدماء البريئة.

ورأيت لهناء العالم أن تكون المرأة المثقفة شريكة الرجل وموضع سره في البيت والعمل وفي كل مرافقه إذا كان فقره عن شقاء لا عن كسل.

هذا بعض ما رأيت وشاهدت في جانب العموميات في مدى هذه الثمانين وهو يطلب المزيد ولكن الهمة قاصرة والصحة الضعيفة جعلاني أقتصر على هذا القدر اليسير.

(فتاة الشرق، س18، ج5، مصر، فبراير 1924)

{{الهوامش:}}

1- فتاة الشرق، س18، ج5، مصر، 15 فبراير 1924. (كما هو معروف، إن السياق التاريخي لما عرف بـ “سورية” أو “الديار السورية” أو “بلاد الشام” في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين يشير للمحتد الجغرافي الإقليمي العثماني الذي يضم الولايات والسناجق العربية في الشرق الأوسط) (أ. م. ع).

2- راجع صورة وردة اليازجي في الزركلي، خير الدين: الأعلام، ج8، ط17، دار العلم للملايين، بيروت، 2007.

3- راجع صورة لبيبة هاشم في فتاة الشرق، س17، ج1، 1922.

4- تعرف أيضاً عائلة وردة الترك بـ “الاسطنبولي” وتعود بأصولها لأسرة يونانية مسيحيّة أقامت في تركيا. ومن مشاهير هذه الأسرة إضافة للأديبة وردة الترك يبرز المعلم نقولا الترك (1763-1828) الذي سافر إلى مصر كمرافق للكتبة العاملين في حملة نابليون، ومن ثم عاد إلى لبنان بعد رحيل الحملة للعمل في ديوان الأمير بشير الشهابي، وبعد إصابته بالعمى في أواخر حياته قدمت له وردة الترك ابنته يد المساعدة لكتابة ما أملاه عليها من أشعار.

5- فتاة الشرق، س2، ج1، مصر، 15 أكتوبر 1907. (أما كرونيليوس فانديك Cornilius Van Dyke (1881-1895) المذكور في الاقتباس فهو طبيب هولندي الأصل، أمريكي المولد والمنشأ، وواحد من أعلام الاستشراق الأمريكي، قدم بيروت عام 1840، أنشأ مع بطرس البستاني مدرسة عيبه وساهم في تأسيس نواة الجامعة الأميركية في بيروت. له حوالي خمس وعشرين مصنفاً عربياً). (أ. م. ع)

6- داغر، يوسف أسعد: مصادر الدراسة الأدبية، الطبعة الألفية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 2000، ص1164.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق