«اليوتوبيا» تليق بتونس / نهلة الشهال

المنصة الكبيرة، المجهزة بالإضاءات القوية وبمكبرات للصوت جبارة، تتربع وسط جادة الحبيب بورقيبة، شريان العاصمة التونسية، الذي تحتل جنباته المقاهي. بلا ملل. خطر ببال شاب يعزف على الساكسوفون ان يؤدي وصلته بعد الثانية… ليلاً. ألن يناموا؟ قبل العازف الرقيق، كان ثمة غناء ورقص ومسرحيات وخطابات. وقبلها قررت مجموعة موسيقية اطلاق النشيد الأممي بالعربية، «هبوا ضحايا الاضطهاد…»، فسرتْ كهرباء في أجساد الشبان والشابات الذين يحتلون الجادة بلا كلل، وأطلقوا قبضاتهم مرفوعة في الفضاء. فولكلور؟ كلا. هنا الثورة التي انطلقت منذ سنتين حررت الفضاء والأجساد. وهذا ينطبق على كل الناس، يساريين وإسلاميين، مسيسين ومن غير تسييس، وعلى من هم في عمر الشباب، بشكل مخصوص. هنا يتحرك الناس براحة ظاهرة «برغم كل شيء». وكل شيء يعني القلق والفقر والوعد بالصعوبات الآتية، فوق تلك الحالية. هنا البوليس لم يعد مخيفاً، وصار الناس يجادلون الضباط والأنفار، وصاروا هم متفهمين، وغادرتهم الغطرسة.

وفي المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انعقدت دورته العاشرة في تونس، حضر أكثر من ثلاثين الف مشارك من خارج البلاد ومثلهم من داخلها. كثير من الطلاب التوانسة، بعضهم متطوع لخدمة المنتدى، انتشروا على أرض جامعتهم التي استقبلت الاجتماع العالمي. كثير من الشابات، نصفهن محجبات، يضعن البطاقة التعريفية كقلادة ويدرن على القاعات والخيام حيث تنعقد الندوات. هذه دورة تثقيف نضالي مكثفة. كثير من النساء اجمالاً في المنتدى، كثير من الندوات حول المسألة النسوية، وعدد لافت من المحجبات اللواتي لم يعدن شابات عمرياً ولكنهن احتفظن بحيوية وحماسة لافتتين. لم تحدث القطيعة التي كان يمكن ان تتولد عن الاستقطاب العصابي السائد في البلاد بين الاسلاميين والعلمانيين. كان هناك شبان تدل سيماؤهم على أنهم «سلفيون»: لحى طويلة وشوارب محفية ودشاديش أو سراويل فضفاضة. وبعض المنقبات، وبعض شديدات التحجب مع قفازات. يقول الأصدقاء: هؤلاء ينتمون الى «اليسار السلفي»! وهذه ليست نكتة تماماً، ولا هي مفارقة. وكان الجميع يتحرك كسمكة في الماء، بإلفة لافتة.

وبدا الاختلاط في الانتماءات الاجتماعية كذلك. فقد شارك عمال ومعطلون عن العمل، من حملة الشهادات أو ممن لم يتابعوا أي تعليم، وريفيون جاؤوا من اقاصي البلاد، وصيادو أسماك، وأبناء الحوض المنجمي الشهير. وكانوا جميعاً حريصين على ايصال مطالبهم الى المنتدى. هذا على الرغم من إقرار اللجنة التونسية المنظمة ان عملية التحضير والانتشار والتفاعل داخل تونس لم تأخذ مداها، معتبرين المنتدى الحالي تمريناً لهم، ومطالبين بانعقاد القادم في بلدهم كذلك. «إن شاء الله». ورغم ضعف التحضير ذاك، لم يقتصر المنتدى على المثقفين وعلى «الطبقة الوسطى» اختصاراَ. وبينما تميز «الاتحاد العام التونسي للشغل» بقلة حضوره لأيام ونشاطات المنتدى، فقد عُلم انه تولى الاحاطة بترتيباته. كما جاءت مجموعات من القاعدة النقابية تتظاهر بلا كلل، طيلة ايامه، وعلى مدى ساعاته: هنا يستعيد الكلام أهميته، ويصبح التعبير عن الرأي مسألة لا غنى عنها. وفي كل هذا، لا تشبه تونس اليوم سالفتها. في كل هذا، تقول الثورة، أي ثورة، كم هي جميلة، كم هي ثمينة، واستثنائية، قبل أن تعود العاديّة للإطباق على النفوس، وقبل ان تعود الأفكار والممارسات القديمة للتسلل، تلك التي تضيق بالتفلت، وما تسميه الفوضى، وتنشد الانضباط والنظام.

فأول حقائق الاجتماع العالمي في تونس وأهمها ربما، هو تحسس الفارق بين الثورة والخضوع. فمن لم يصادف في حياته ثورة أو تمرداً، من لم ينخرط في واحدة منهما، فاته الكثير. وهذا لا يعني التصغير من شأن الصعاب ولا الاستخفاف بمخاطرها. ولا استسهال الحلول. ولكنه يعني محاولة التحرر. والايمان بإمكانه، بقوة، بكل ما أوتي المرء به من قوة… أن تترك الموجة تحملك وتهدهدك، ان تتلذذ باللحظة التي لا تُفوّت. وكل ذلك لا يفترض الاستسلام للبلاهة، وتعطيل الوعي. وقد أحس المشاركون الاجانب بالأمر، فمسهم هم أيضاً الحبور، ونسوا لأيام بلدانهم الكئيبة، التي تطيح بمكتسباتها أزمة النظام العالمي المهيمن، هذا الذي سمي «العولمة الرأسمالية»، والذي يصرخ المنتدى حيال وحشيته بأن «عالماً آخر ممكن»…

ولم يحدث الاستقواء بهم بوجه الاسلاميين، الذي كان يُخشى أن يقع، ويقع معه «تزوير اللعبة»، أي دينامية المنتدى المفتوح، وشروط العمل السياسي في تونس نفسها. وفي الندوات العديدة المخصصة للإسلام السياسي وتجاربه، جرت نقاشات هادئة وصريحة. وقيل بودٍ كلامٌ قاس! سُمع، ولعله يفيد.

على ذلك ثارت مشاكل متعددة، سيتعين على أي لجنة منظمة مواجهتها، لا سيما إذا تكرر الانعقاد في المكان نفسه: حضرت وفود مقنَّعة تمثل سلطات. منها وفد مغربي كبير العدد، نصب خيمة هائلة وأنيقة وفرش أرضها بالسجاد، وامتلك اجهزة للبث السينمائي… وركز اهتمامه على تعقب الوفد الذي يمثل الصحراويين، ثم اشتكى آخر أيام المنتدى من الاعتداء على مصور صحافي مغربي، وقال إنه سيعترض أمام السلطات التونسية والقضاء التونسي، مظهراً أنه لم يفهم أبداً آلية اشتغال المنتدى كفضاء مستقل عن سلطة البلد المضيف. وحضر كذلك وفد جزائري أنيق، لم يدرك هو الآخر خصائص المكان، وظن افراده المكلفون بالمهمة أنهم في مؤتمر، بينما كانت سلطة بلدهم تحتجز أربع حافلات على الحدود، وتحول دون انتقال «العدوى» الثورية الى ركابها، والى العديد ممن أرادوا ركوب الطائرات للمشاركة في المنتدى… ما ادى الى تظاهرة احتجاجية أمام سفارة الجزائر، وصدور بيان قاس عن الهيئات المشاركة. كما حضرت السلطة الفلسطينية تحت مسمى منظمة التحرير (أليس هذا التقافز فوق الحبلين جميل؟)، وحاول ممثلوها حتى اللحظة الاخيرة السيطرة على الموقف، والحيلولة دون طغيان المطالبة باستراتيجيات «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات»، وسعوا لتحجيب الكلام عن انهيار «حل الدولتين»، ولو بواسطة تحوير مقررات الجلسة العمومية حول فلسطين. وهؤلاء ايضاً لم يحسبوها جيداً، فكأن الكسب الآني القائم على ذلك التحريف يمكنه أن يخفف من وطأة الازمة التي يعيشها العمل الوطني الفلسطيني (رغم التحية الواجبة لعشرات المناضلين والمناضلات، شيباً وشباباً، والذين كانوا هناك)، ورغم اعلام فلسطين، الصغير منها والعملاق، التي انتشرت في المكان، ومصادفة وقوع آخر أيام المنتدى في «يوم الارض»، ما جعل المظاهرة الختامية تحمل اسم فلسطين.

ولكن ابشع ما اخترق باحات المنتدى، كان وجود «تنظيمات» تونسية ضعيفة الشأن ترافق موفدين سوريين، وتدافع عن سلطة بشار الأسد بحماسة، وتعتدي بالضرب والركل على من يخالفها الرأي. وهؤلاء كانوا يتصرفون كـ«شبيحة». وقد تسببوا باستعادة النقاشات العامة حول تاريخهم، حيث انخرطوا في أعمال بناء أجهزة الامن التونسية، بفضل علاقة خاصة سياسية و«بزنسية»، كانت تربط سلطة بن علي بسلطات دمشق! وكان هناك خليط من الصور المدهشة أحيانا، كما لصدام حسين والخميني، وسواهما، ولكن احداً لم يكترث. فالمنتدى مكان مفتوح للغرابات أيضاً.

وعلى ذلك كله، فالمنتدى مطروح في أصله وفصله للتقييم وإعادة النظر، وتفحص الجدوى، وإعادة امتلاك الادوات والاهداف. وهذا جهد جارٍ، يلح فيه وعليه استيلاد نتائج.

فرح التوانسة «العاديون» بالمنتدى، ليس فحسب لأن المنخرطين فيه ملأوا الفنادق عن بكرة أبيها، والمقاهي، وحرّكوا التاكسيات وانعشوا تجارة الحرفيات في المدينة القديمة، حول جامع الزيتونة. لذلك ولا شك، وانما كذلك لأن انعقاد المنتدى الاجتماعي العالمي في تونس جعلهم يتيقنون بأن العالم يعرف، ويعترف بأن شيئاً خطيراً ومهماً جرى لهم ولبلدهم. فبدوا معنيين بألاّ يخيبوا ظن العالم بهم. أظهروا لطفاً مضاعفاً وكياسة كبيرة. وارتفع منسوب فضولهم، ومعه أسمى ما في نفوس البشر: الاحساس بأن «الشأن» يعنيهم، بأنهم مسؤولون شخصياً عنه، وبأن هناك أمل.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق