اليوم العالمي للمرأة – النسوية الثالثة – التعددية والاختلاف وتغيير العالم

تتميّز الموجة النسوية الثالثة عن سابقاتها بالإيمان بالتعدّد والابتعاد عن الأيدلوجية وكسر الاحتكار من قبل أيّ كان. وهي تختلف عن النسوية الأولى في أوائل القرن العشرين والتي حقّقت حصول النساء إلى حقّ التصويت الانتخابيّ. كما لا تشبه نسوية السبعينات أي الموجة الثانية من النسوية (والتي كانت تعكس خبرات الشريحة العليا من الطبقة الوسطى للمرأة البيضاء في سعيها لتمكين المرأة الاقتصادي والسياسي).

أولى أهمّ نقاط الاختلاف عن الموجات السابقة، هي أنّ ناشطات الموجة النسوية الثالثة لا يعتبرن أنّ التحرّر نسخ تجربة الآخرين، ولا يعني تقليد ما فعلته الحركات النسوية السابقة، بل تعني النسوية أن نجد طرقنا الخاصة للحرية، وأن تكون أصيلة ونابعة من رغباتنا وقناعاتنا وظروفنا نحن. كما يمكن أن تتغيّر مع كلّ جيل، ومع كلّ فرد ومع كلّ ثقافة ولون. وقد بدأت جذور الموجة الثالثة في منتصف الثمانينات من القرن العشرين حينما دعت الناشطات النسويات إلى شخصية جديدة للنسوية. وقد تمّ التركيز على التقاطع بين العرق والجندر. وهذا ما أدّى إلى تزايد نسبة عدد الناشطات النسويات الملوّنات والآسيويات، كما تزايد عدد السياسيين من الأقليات الذين يتبنّون خطابا نسويا جديدا يركّز على جذب الشابّات من النساء.

من أهمّ نقاط الخلاف الأخرى مع الموجات النسوية السابقة، هو ميل هذا التيار إلى الشكّ في العملية الأيدلوجية التي تضع الرجل والمرأة في فئتين منفصلتين ومتضادتين. يتبنّى مبدأ الميل إلى الجنس الآخر فهو يحاول وضع مجموعة من الأوليات التي يكون فيها للرجل مكان كعاشق وزوج وأب وصديق. والمرأة والرجل مختلفان حقا لكنّ الحصول الحقوق الكاملة لا يعني التشابه بين الجنسين إطلاقا، لا بل تعتزّ الناشطات والمنظّرات للنسوية الثالثة بأنوثتهن ويعتبريها من مصادر قوتهنّ.

لا تفضل الكثيرات من ناشطات الموجة الثالثة أن يوصفن بكلمة “فيمينسيت” لأنّ هذه الكلمة يمكن أن تؤدّي إلى التباس والإحالة إلى المفهوم الرائج للجندر. وأكثر من ذلك يمكن لكلمة “فيمينيست” أن تؤدّى إلى سوء فهم، بحيث توحي بالنسويات النخبويات الأيديولوجيات. فمثلا تسعى ناشطات الموجة الثالثة إلى تحدّي ورفض أيّ تعريف عامّ للأنوثة وذلك كمقدمة منطقية للاقتراب من الواقع الملموس المتعدّد والملوّن.

لذلك تعترف النسوية الثالثة بالاختلاف وحتى التناقض في داخل الموجة نفسها. تقول ليزلي هايوود وجينفر دريك محررتا أولويات الموجة الثالثة: (إنّ الاختلاف الأساسي بين الموجة الثالثة والموجة الثانية هو أنّ النسويات في الموجة الثالثة لا يجدن بأسا من التناقض، لأنّهنّ نشأن وسط بنيات نسوية متنافسة فأصبحن يقبلن التعددية كأمر مسلّم به.)

ترسي الموجة الثالثة جذورها في عملية السعي الاجتماعي والسياسي التي لا تبدأ ولا تنتهي بالطبقات الوسطى البيضاء، وتتصدى ناشطات الموجة الثالثة للمشكلات المختلفة والمتنوعة التي تبدو أنها تؤدي إلى اضطهاد النساء مثلها مثل كل الهويات المهمشة. وعندما تكون المرأة ملونة أو تنتمي للعالم الثالث فأنها بذلك تعبر عن هامش الهامش وهنا تأتي خصوصيتها وأهميتها أيضا.

تتناول آن بروكس مثلا مطالب الثقافات المهمشة والمستعمرة وثقافات الشتات من أجل خلق نسوية غير مهيمنة قادرة على التعبير عن التيارات النسوية المحلية الأصلية في مرحلة ما بعد الاستعمار.
إنّ مذهب رفع سوية الوعي وانتشار التعليم، هو الخطوة الأولى للناشطات النسويات في سبيل التغيير الاجتماعي المنشود. وذلك ليس فقط في أوساط النساء في المجتمعات المتخلفة، بل أيضا في المجتمعات المتقدّمة والتي أحرزت فيها المرأة انتصارات محددة ممّا يموّه على ضرورة الاستمرار في مسيرة تحقيق التحرر النسوي.
كتبت جينيفر بومغاردنر وايمي ريتشارد في كتابهما مانيفيستا:
“الوعي بين النساء هو أساس التغيير. الوعي هو القابلية الوحيدة لفتح عقولهم على حقيقة أن السيطرة الذكورية تؤثر فعليا على النساء من جيلنا نحن. إن حضور النسوية في حياتنا تؤخذ كقرار واع وذلك لأن النسوية بالنسبة لجيلنا هي كمادة الفلور التي نادرا ما نلاحظها ولكنها موجودة ببساطة بالماء”.

ومن اللافت هو اعتماد النساء للقصص واعتبارها الطريقة المنتجة التي تنتهجها ناشطات الموجة الثالثة لرفع سوية الوعي. قصص وشهادات عن القمع والاضطهاد. ” غالبا ما يكتسب النساء خبرتهنّ حول الاضطهاد الجنساني من خلال النساء أو مجموعات النساء اللواتي يقدمن شهادات عن معاناتهن. إنّ قراءة الكتابة النسائية الواقعية سواء في الكتب أو المجلات تستطيع تزويد النساء بالوعي والإدراك المنشود.

ومن الكاتبات اللاتي اشتهرن بارتباطهن بالموجة الثالثة، الكاتبة السوداء بل هوكس، وتوني موريسون (الروائية الافرو- أمريكية، حاملة نوبل للآداب التي أبدعت في إعادة تقاليد الحكاية السوداء والسرد السحري المشبع بالتراث الشفاهي الأفريقي)، وآسيا جبار (الجزائرية التي تكتب الرواية والشعر بالفرنسية. والروائية البنغالية تسليمة نسرين. الفرنسية إلى الإنكليزية وآخر ممثلات النسوية الماركسية – التفكيكية)، والمصورة الفوتوغرافية جميلة حسن (اللبنانية الأصل، والتي هزت الأوساط الثقافية في أمريكا الشمالية بمعرض بصري – سمعي من نوع خاص ومدهش). كما ظهرت في تركيا عدة روائيات بهرن القراء بتجاربهنّ والزاوية الجديدة التي رأين فيها العالم.
وفي سورية ظهرت مجموعة من الكاتبات والروائيات مثل روزا ياسين حسن، وسمر يزبك، ومنهل السراج وغيرهن اللواتي تميّزن بالرؤية النسوية النضرة وصوت الأنثى الخاص المميز للموجة النسوية الثالثة.

المشروع النظري
يمكن اعتبار مصطلح “ما بعد النسوية” تعبير عن المشروع النظري والجهود الفكرية التي رافقت وغذت وأطلقت الموجة النسوية الثالثة، تعرف سارة غامبل هذا المصطلح “بأنه نسق معرفي تعددي مكرس لأبطال أنماط التفكير التي ترمي إلى العمومية”. لذلك نلمس توازيا بينها وبين مصطلحات ما بعد الحداثة. أحدث حلقة من حلقات التنوع في ملامح الفكر النسوي الذي يتّسم بالتحوّل والتغيّر المستمرّ. وهو يعمل على دراسة العلاقات المثمرة مع ما بعد الحداثة عن طريق الاستعانة بنظريات الاختلاف والهوية والتفكيك، بقصد الجمع بين مختلف طرق صياغة المرأة وتشكيلها.

ترى آن بروكس أن “ما بعد النسوية تضع التعدد في محل الثنائية، والتنوع محلّ الاتفاق، وهكذا تفسح المجال للحوار الفكري الذي يتّسم بالحيوية والتغير ويصوغ القضايا والمناخ الفكري الذي تتميز به مرحلة الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في العالم المعاصر”.
وتضع بروكس المنظرات جوليا كريستيفا وهيلين سيكسو ولورا مالفي وجوديت بتلر في تيّار ما بعد النسوية، قائلة أنهن ساعدن في الحوار النسوي بتقديم المعين النظري الذي يتمحور حول التفكيك والاختلاف والهوية.

النسوية الثالثة وتغيير العالم
لم تعد النسوية ضرورية لاستكمال تحرر النساء فحسب بل من أجل تغيير العالم أيضا. ذلك أن النساء يشعرن بنوع من الربط بين وقوعهن ضحايا والتدمير التكنولوجي القاسي للبيئة، واستغلال الفقراء وقصف القرى في أراضي الشعوب المستضعفة. لذلك ربما تقود حساسيات النساء ضد تيارات العنف وقواه إلى التفكير والتأمل في رؤية خاصة بهن عن تغيير وجه العالم، ومن أجل خلق عالم جديد.

من أولويات النسوية إعادة التفكير في ارتباط البشر بالطبيعة وبالتالي التشكيك في التعارض التقليدي بين الطبيعة والروح وهو أحد الافتراضات الأساسية للتفكير الغربي. تجادل روزماري روثير أن ثنائية التفكير والروح أو الحرية مقابل الطبيعة، العقل مقابل العاطفة، النفس مقابل الجسد قد قمعت النساء على مدى. لقد نظم الرجال هذه الثنائيات سلطويا وربطوا أنفسهم بالجوانب الايجابية من هذه الثنائيات بينما هبطوا بالنساء إلى الجوانب السلبية من هذه الثنائيات – الطبيعة والعاطفة واللاعقل والجسد. علاوة على أن الكثير من الفلاسفة قد فهموا بصورة تقليدية هذه الثنائيات، على أنها تحمل التعارض بين طرفيها.

وما يمكن أن يدعم الرؤية النسوية هذه هو أن هناك في الوقت نفسه مجموعات فكرية وعلماء نفس وخاصة المناصرين لفروع معينه من التأمل النفسي في الشرق والمهتمون بالصحة الطبيعية يعارضون الثنائيات الكلاسيكية. لكن روثير تجادل بأن للنساء دورا حاسما ليلعبنه في هذا الانقلاب. إذ يمكن القول إنّ بحث النساء من أجل الكلية هو الذي يقضي على التعارضات بين الجسد والنفس، أو بين الطبيعة والروح، أو بين الحرية والعقلانية والعاطفة وإعادة تقييم ما يسمّى بالأطراف السلبية من الثنائيات وتحويل العقلية الهرمية الذكورية هو ما يكمن ضمنيا في مسعى النساء.

إن خبرة الأنثى في تحول بعض أجزاء جسدها إلى طفل ربما كانت هي الخبرة الأكثر اكتمالا للتجسد الإنساني للقوى الكونية. وعليه يمكن أن تكون رؤية المرأة لطاقة التحول الكونية من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة تنعكس في فهمها المتميز لميوعة الحدود بين الأشياء النباتات والحيوانات والبشر.( هذه الخبرة يمكن من خلالها تطوير حلول للأزمات البيئية).

ينظر الأبطال الذكور الغربيون إلى الطبيعة بصورة عامّة على أنها شيء يمكن قهره، أو على أنها مسألة يمكن تسخيرها لمصلحتهم، أما خبرة النساء في تضفير عمليات الموت والحياة وجدلهما معا في الحمل والولادة سوف يساعد في تبجيل الرابطة الإنسانية مع العمليات الطبيعية سيخلق جوا يمكن أن يحتفى به بالوظائف الطبيعية لأجساد النساء بدلا من تجاهلها أو التعامل معها كمصادر للخزي والعار. أي إن انبثاق الرؤية الثاقبة لارتباط النساء بالطبيعة يطرح إمكانية تحقيق النساء القوة من خلال القبول بالأدوار البيولوجية الأنثوية.

أخيرا يمكن استخدام الفهم الجديد للقوة على أنها تنشأ عن الارتباط بين الجسد والطبيعة وعن مشاركتهما في التجذر في قوى الوجود التي تنبثق في الطبيعة والمجتمع، في مقاومة الثقافة البطرياركية بأن القوة تأتي من التحكم والهيمنة والاستبداد على الطبيعة وعلى الناس الآخرين. وهنا تحديدا يكمن قوة العمل النسوي في تحررها الخاص وفي إعطاء مضامين جديدة للديمقراطية وولادة عالم جديد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق