انتحار الشرق؟

  لم يكن ثمّة أيّ حرب عالمية ثالثة. اقتصر الأمر على واحدة، قدّم صورتها عام 1978 كتاب بعنوان : الحرب العالمية الثالثة، حقّق رواجاً دولياً واسعاً، واحدة تخيّلها جنرال بريطانيّ متقاعد يدعى جون هاكيت، وهو أحد أشهر باحثي جيله العسكريين. تبدأ حربه حين يتمخّض انهيار معيّن في 1985 بيوغسلافيا عن إشعال فتيل الحرب فيما بين القوى العظمى على غرار ما حصل في 1914. سلسلة أحداث شبيهة بالأحداث الممهّدة للحرب العالمية الأولى، من قبيل عمليات انهيار امبراطوريات وآلات عسكرية متحفّزة للهجوم كانت تلوح في الآفاق حين تمّ نشر الكتاب. كان ذلك أواخر السبعينات، وكانت نزعة التدخّل السوفيتية قد بلغت مستوى عالياً، في حين ظلّ الاتحاد السوفيتي قائماً على جيش واسع الانتشار فاسد الإدارة من ناحية وطبقة سياسية طاعنة في السنّ، غير آمنة من ناحية ثانية. 

  غير أنّ نوعاً آخر من أنواع سلاسل ردود الأفعال كان، في 1991، حين اندلعت الحرب اليوغسلافية الفعلية، كان سلفاً، قد أدّى إلى تغيير أوروبا. ففي أواخر الثمانينات كانت موسكو منخرطة بنشاط في اختبار عملية إصلاح اقتصادي وسياسي. أقدم الاتحاد السوفيتي وبولونيا على إجراء انتخابات محدودة أوائل عام 1989 أفضت، بطرقٍ مختلفة، إلى زعزعة أسس مؤسساتهما الشيوعية. بعد قليل فازت بولونيا بحكومة غير شيوعية. أقدمت المجر، عملياً، على الالتحاق بركب الغرب مجتذبة سيلاً من اللاجئين الفارّين من ألمانيا الشرقية، بما أدّى إلى تقويض القلعة الستالينية التي خلفها هؤلاء اللاجئون الألمان الشرقيون وراءهم. تسارعت موجة الأحداث. ‘ثورة مخملية’ أطاحت بالحكومة التشيكوسلوفاكية وتعرّض جدار برلين للانهيار حين تمخّضت هفوة بيروقراطية عن فتح بوابة الفيضان. نجح البلغار في إسقاط قادتهم، ولم يصل العام إلى نهايته إلا مع تعرّض دكتاتور رومانيا الوحشي للإعدام رمياً بالرصاص. ومع قيام الألمان باجتراح وحدة جديدة لأمّتهم المقسّمة، قامت الحركات القومية بتمزيق الاتحاد السوفيتي نفسه. فمع حلول نهاية عام 1991 كانت الإمبراطورية الروسية قد تفكّكت.

  ومع أنّ قدراً من إراقة الدماء حصل في كلّ من الصين ورومانيا، فإنّ أيّ حرب كبرى لم تنشب. مئات الملايين من البشر باتوا يعيشون أنماطاً حياتية جديدة في دول جديدة ذات حدود جديدة. تمت إعادة ترتيب العالم وكأنّ تسوية تمّت بعد حرب كبرى ــ ولكن دون حرب. جاءت التغييرات بالغة العمق إلى درجة أنه حين بدأت يوغسلافيا تتمزّق وراحت الأطراف الخارجية ــ وهي مشروطة بالاضطلاع بأدوار قيادية في المسرحية الدرامية ــ تتعثر على خشبة المسرح، بدا الممثلون مرتبكين ومضطرين إلى الارتجال.

  لدى النظر إلى المشهد بعد عقدين من الزمن فإنه يبدو أشبه بلطخة ضبابية. ومع انتقال هذا الحدث إلى الذاكرة التاريخية، صارت سنة 1989 السنة الطوطمية التي شهدت انتفاضة الناس، وصار انهيار تشرين الثاني/نوفمبر لجدار برلين لحظتها الأنموذجية. بَيْدَرٌ جديد من الكتب يحاول الآن فكفكة خيوط هذه القصة الملحمية. هل كانت العملية ثورة من تحت حقاً، أم كانت أقرب إلى ثورة من فوق، إلى حرب أهلية داخل صفوف النخبة الشيوعية؟ كلتاهما، هو الجواب الصريح، غير أنّ جملة هذه الكتب تميل إلى ترجيح كفة الصراعات داخل صفوف النخبة الشيوعية. بعض الكتب يركز على ثورات 1989. وكتب أخرى تؤكّد وتبرز حشد التسويات التي شكلت عالم اليوم. اثنان من هذه الكتب يتناولان مجمل القوس السردي للتجربة الشيوعية على صعيد تنظيم المجتمع الحديث. ولا يقدم أيّ منها على مناقشة تحدّيات إيجاد بديل جذّاب. ذلك يدعو للأسف، لأنّ أعداداً كبيرة من معتنقي الشيوعية السابقين كانوا رجالاً ونساءً أحبطتهم إخفاقات الليبرالية الصارخة.

  الانبهار بما هو أحمر:

  ذات يوم، كانت الأيام العشرة التي هزّت العالم، في ثورة 1917 الروسية، ذات قوّة آسرة مشابهة بالنسبة إلى خيال الجمهور التاريخي. ذات يوم، بدا مستقبل العالم ملكاً للدول المتحدرة من تلك الصاعقة الأقدم الخارجة من رحم البرق الثوري.

  كانت هذه دولاً شمولية. كانت دولاً منطوية على قوى خلق وتدمير غير مسبوقة كانت البشرية قد اكتشفتها حديثاً، وكانت خاضعة لقيادة مخلوقات نيتشوية فوق بشرية مشحونة بإرادة القوة. أو بدا الأمر كذلك للتروتسكيّ المحبط جيمس بورنهام مع نهاية الثلاثينات. ففي كتابه النافذ الصادر عام 1941 بعنوان : الثورة الإدارية، جادل بورنهام قائلاً إن الإيديولوجيات الشبيهة بالاشتراكية والفاشية ليست إلا أقنعة تختفي وراءها نوعيات جديدة من ‘الدول الإدارية’ التي تتولى نخب تكنوقراطية تعبئة مواردها وقيادة صناعاتها. والدول التي كانت مرشحة للانتصار كانت تلك القادرة على إيصال مبادئها إلى حدودها المنطقية واستخدام القوة دون هوادة. وقد تنبأ بأن النظام الرأسمالي ‘لم يكن مؤهلاً لأن يستمرّ طويلاً’. وبعيد الحرب العالمية الثانية عاد بورنهام إلى أطروحته القائمة على النخب السلطوية الحاكمة، على الفئات ‘الماكيافيلية’ التي قد تلوذ بتبني صيغ ديمقراطية لتأبيد حكمها. وإذا كان قادة الولايات المتحدة آملين في البقاء والاستمرار فإن عليهم أن يمتلكوا إرادة القوة والسيطرة وأن يبادروا إلى توظيف تفوقهم النووي العابر، في أي حرب وقائية إذا ما دعت الضرورة.

في ضوء البروز السابق لبورنهام على صعيد اليسار الأمريكي، تمخّضت آراؤه عن حفز شخص ادّعى أنه ‘اشتراكي ديمقراطي’ يدعى جورج أورويل. ومنطلقاً في كتابته من المملكة المتحدة لاحظ أورويل هذا مدى الانبهار بالنفوذ والقوّة الذي كان شديد التخضيب لما أطلق عليه بورنهام اسم ‘الواقعية’. أوائل عام 1947، كتب أورويل يقول إنّ ‘من شأن الشيوعية’، بالنسبة إلى بورنهام، ‘أن تكون خبيثة، بيد أنها كبيرة على أيّ حال : إنها مرعبة، غول يجهز على كل شيء يحاربه المرء ولكنه لا يستطيع إلا أن يُعجب به’. مقابل رؤى بورنهام القائمة على التنانين والكوارث، عقد أورويل أملاً على ‘احتمال صيرورة النظام الروسي أكثر ليبرالية وأقلّ خطراً بعد جيل من الزمن، لو لم تندلع الحرب في تلك الأثناء’. أو ربما كان من شأن القوى العظمى ‘أن تصاب بالرعب إزاء تأثيرات الأسلحة الذرية فتمتنع إلى الأبد عن استخدامها’. غير أنّ أورويل أقرّ بأنّ من شأن مثل هذا التأجيل النووي أن يكون أفقاً مرعباً، نظراً لأنّه يعني ‘انقساماً’ دائماً ‘للعالم بين اثنتين أو ثلاث من الدول العملاقة’، الخاضعة لإدارة دكتاتوريي بورنهام التكنوقراطيين ــ نخبويي الإدارة الماكيافيليين.

  بالنسبة إلى أورويل، بقي السبيل الوحيد المفضي إلى تجنب تلك المحصلة متمثلاً بـ ‘العمل، في مكان أو آخر، على تقديم صورة جماعة يكون فيها الناس أحراراً وسعداء نسبياً ولا يكون فيها دافع الحياة الرئيسي السعي وراء المال أو السلطة. بعبارة أخرى، لا بدّ من توفير إمكانية تطبيق الاشتراكية الديمقراطية عبر أحد الفضاءات الواسعة’. وكان يرى أن من شأن ذلك أن يحصل في أوروبا، أوروبا موحّدة تتولّى خدمة هذا المثل الأعلى. كانت الوصفة بالنسبة إلى أورويل في 1947 متمثّلة، إذن، بتجنّب الحرب فترة زمنية كافية لتصبح الحكومات الشيوعية أقلّ خطراً، مع السير قدماً، في الوقت نفسه، على طريق بناء بديل جذّاب من النظام الشيوعي.

  لم تكن تلك رمية سهم سيّئة باتجاه الدريئة بالنسبة إلى رجل كان موشكاً على كتابة رواية، 1984، محذّراً من كابوس جحيم بورنهامي. ولو كان أورويل قد عاش ليكون شاهداً على عام 1984الفعلي، لكان قد شعر بالارتياح لأنّ الحرب الكوكبية قد جرى تجنّبها. صحيح أنّ عدداً من حالات الرعب وسلسلة من الحروب الإقليمية كانت قد حصلت، مصحوبة بانتصار فريق استثنائيّ التطرّف من الشيوعيين المتحمّسين في الصين. إلا أنّ الحكام الشيوعيين كانوا، مع حلول أوائل الثمانينات، قد تحوّلوا، بعد نفاد زخمهم الثوري، إلى نخبة أبوية إدارية.

  النظام الرأسمالي في أزمة:

  أما الراية الحمراء لديفد بريستلاند فرواية بعيدة المدى مكتوبة بحيوية لقصة ذلك التطور، وهي أفضل وأيسر تاريخ مجلد واحد متوفّر الآن للشيوعية. يقوم بريستلاند برسم الخط البياني لصعود الماركسية ‘الرومانسية’ (الحالمة)، التي سرعان ما تحولت لحظة استلامها السلطة إلى بديل ‘حداثي’ أو ‘متطرف’. قام الأول على اعتماد نزعة حداثية متشددة تسلطية وسيلة لإعادة صوغ المجتمع وفقاً للخطط الأصلية المتخيلة الموجودة لدى الحزب الطليعي. أما البديل الثاني فأضاف حماسة القتل لدى الثورة المستمرة، مع تعبئته المعسكرة لكل عنصر من عناصر المجتمع وحربه المستعرة على أعداء الثورة. غير أنّ البديل الحداثي الألطف بعض الشيء ما لبث أن بات مهيمناً مع حلول أوائل الثمانينات.

  إلا أن النصف الثاني من وصفة أورويل يبقى متمثلاً بالنجاح النسبي للطرف الآخر، وهو عامل يتم إغفاله بسهولة في الكتب التي تركز على إخفاقات النظام الشيوعي. فالحروب لا تتم خسارتها فقط؛ لا بدّ من كسبها. من المفهوم أن تكون الروايات التقليدية لقصة الحرب الباردة متركزة على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتيي. إلا أن تلك المباراة كانت نوعاً من أنواع الانتخاب الكوكبي، مع بقاء الدول المتأرجحة في أوروبا وآسيا الشرقية. ومن هذا المنظور فإنّ نقطة انعطاف الحرب الباردة ليست قصة حول 1989 بمقدار ما هي قصة حول الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 1978 و1982.

  أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، كانت الرأسمالية في أزمة واضحة. حمل غلاف أحد أعداد مجلة تايم في 1975 صرخة: ‘هل تستطيع الرأسمالية أن تبقى على قيد الحياة؟’ وغلاف آخر قام في 1980 بطرح سؤال : ‘هل الرأسمالية ناجحة؟’. ومع ذلك فإن الرؤى المتنافسة المنقسمة بعد موت ماو بشأن التنمية القومية ــ الوطنية أقدمت على اختيار محوري في 1978. اتفقت الرؤى على نبذ الأنموذج السوفيتي، معتمدة بدلاً منه إصلاحاً اقتصادياً ذا توجه سوقي (نسبة إلى اقتصاد السوق)، ولكن دون إصلاح سياسي. (في الوقت نفسه تقريباً نجح زعيم المجر الشيوعي يانوش كادار، من خلال برنامجه السوقي الشبيه القائم على ‘شيوعية الغولاش’، في تسليط الضوء على مدى احتمال نجاح مثل هذا الأنموذج في أوروبا الشرقية أيضاً). 

  ربما كان الصينيون أقل تأثراً بأنموذج الولايات المتحدة ذاتها منهم بالأمثلة المدعومة أمريكياً والأقرب جغرافياً، مثل اليابان، كوريا الجنوبية، وتايوان ــ رغم عدم استعدادهم للاعتراف بالمثال الأخير. لم تكن الأمور قد وقفت عند مجرد فقدان موسكو لقوة جذبها، بل كانت قد تجاوزت ذلك إلى وقفتها السياسية ــ العسكرية ــ ولاسيما إصرارها على دعم الحكومة متزايدة القوة باطراد في فيتنام ــ ما أدى إلى إثارة هواجس الصينيين.

  في أوروبا حقق أنموذج الديمقراطية الاجتماعية نجاحات كثيرة في عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين. فمثلها الأعلى المتمثّل بدولة رفاه كبيرة تتولّى الاضطلاع بدور الحَكَم بين الشركات العملاقة والنقابات الكبرى كان العمود الفقري للأسرة الأوروبية الجديدة. غير أن ذلك الأنموذج بدأ، مع حلول السبعينات، يلفظ أنفاسه الأخيرة على ضفتي المحيط الأطلسي. كان نظام برتون وودز، الذي قضى بوضع الاستقلال الاقتصادي الوطني ــ القومي فوق الحركة الحرة لرأس المال الكوكبي، قد انهار. جائحة تضخم مجنون جاءت مصحوبة بكابوس بطالة مرتفعة، نضالات عمالية بدت مزمنة، مظاهرات احتجاج وعمليات إرهابية خَضَّتْ أجزاء كبيرة من أوروبا.

  إلا أن النظام الرأسمالي نجح في الإفلات من قبضة نكسته خلال السبعينات وصولاً إلى بدايات الثمانينات. وفي لحظات مختلفة، أقدم قادة بلدان متباينة على منح تأييدهم الكامل للأصولية (الأرثوذكسية) الاقتصادية الليبرالية القائمة على النقد الصعب (القابل للتحويل إلى ذهب) والحركة غير المقيدة لرأس المال، وعلى وضع سقف لاستقلال الاقتصاد الوطني ــ القومي ولكن مع فتح الأبواب أمام تدفقات غير مسبوقة للاستثمارات الكوكبية. جرى صوغ اقتصاد اليوم المعولم خلال هذه السنوات، ولعب الأمريكيون دوراً مهماً. عاكفاً على لبرلة أسواق رأس المال والتنسيق بين الاستراتيجيات النقدية، ربما قام جورج شولتز بممارسة تأثيره الفعلي في مسار التاريخ العالمي في العامين اللذين أمضاهما وزيراً للخزانة في إدارة ريتشارد نكسون أكثر مما فعل ذلك خلال مدة زادت على ست سنوات وهو وزير خارجية رونالد ريغان.

  كذلك اضطلع الأوروبيون بدور حاسم في عملية إعادة اختراع النظام الرأسمالي هذه، مع قيامهم بكسب أصوات الناخبين التواقين إلى استعادة النظام العام. صارت ألمانيا الغربية ملاذاً من ملاذات هذه النظرة الجديدة إلى الاقتصاد العالمي، وخصوصاً الحزب الديمقراطي الحر، الذي كان الشريك الائتلافي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في كل حكومات ألمانيا الغربية من السبعينات إلى التسعينات. ما لبث الألمان الغربيون أن اهتدوا، بدورهم، إلى نوع من الأرضية المشتركة مع البيروقراطيين الفرنسيين الذين رأوا هذه النظرة المشتركة إلى اقتصاد أوروبا السياسي الأساس المناسب لنظام نقدي أوروبي، أولاً، لسوق أوروبية واحدة بعد ذلك، ولنقد مشترك موحد أخيراً.

  يمكن رسم خارطة القصة بوصفها حكاية ذات منعطفين على شكل حرف يو U: في 1972 كان ثمة الانعطاف الحادّ لحكومة رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ادوارد هيث الذي أجهزت عليه النقابات ثم تعرّض، جراء ذلك، لاحتقار خليفته في زعامة الحزب، مارغريت (‘السيدة التي لا تعرف معنى الانعطاف’) تاتشر. أما الانعطاف الثاني فقد حصل في 1982 – 1983، حين بادر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ــ الاشتراكي الأول الذي يتولى المنصب في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ــ إلى التخلي عن برنامجه القائم على مبدأ ملكية الدولة للمال والصناعة وصولاً إلى التوافق مع جاك ديلور (وزير اقتصاده ورئيس المفوضية الأوروبية فيما بعد) ومع الألمان الغربيين. كانت فكرة الاندماج الأوروبي قد تفوقت على فكرة الطريق الاشتراكي المستقل.

  إعادة تشغيل النظام الرأسمالي وإعادة تفعيل الفكرة الأوروبية جاءتا في وقت حاسم. فاليسار لم يكن يصارع على مستقبل فرنسا وحسب بل وعلى مستقبل كل من إيطاليا وإسبانيا أيضاً. وفي ألمانيا الغربية تمكن الديمقراطيون الأحرار من إسقاط حكومة هلموت شميدت الديمقراطية الاجتماعية وتنصيب هلموت كول مستشاراً بدلاً من المساومة على نظرتهم المفضلة إلى اقتصاد أوروبا السياسي. أما تاتشر التي انتخبت في المملكة المتحدة عام 1979 فنجت جزئياً بفضل حرب صغيرة مقوية ومظفرة ضد النظام الدكتاتوري الحاكم في الأرجنتين، ذلك النظام الذي أقدم بطيش وتهور على احتلال بعض الجزر الصخرية شبه المهجورة العائدة لبريطانيا في جنوب الأطلسي. ومع حلول نهاية عام 1982 كانت دول أوروبا المتأرجحة عاكفة على تحديد خياراتها.

  المناشدة البديلة:

  عملية إعادة التشغيل كانت تخص الأفكار أيضاً. مرة أخرى كانت أوروبا نقطة ارتكاز. ‘الواقعيون’ المزعومون، أو مدّعو ‘الواقعية’، يميناً ويساراً، على حدٍّ سواء، أرادوا أن يبقوا في منأى عن التحالف مع أيّ من واشنطن أو موسكو. إلا أن كثيرين، بمن فيهم شميدت، كول، وميتران، اعترضوا على ذلك. شجب ريغان للاتحاد السوفيتي بوصفه ‘إمبراطورية شر’ شكل نقطة لقاء بالنسبة إلى الذين ألهمهم من جهة والذي أرعبهم من جهة ثانية. لم يتقرر الصراع الأوروبي من قبل الغرباء بمقدار ما تقرر بمعركة الأفكار الخاصة بالأوروبيين أنفسهم، مع انتصار أطلق عليه الألمان اسم تغيير المسار (Tendenzwende)، الذي ما لبث أن أنعش روح ‘ديمقراطية كفاحية’ في زحمة فوضى سبعينات القرن العشرين. راح بعض قادة هذه الحركة يتحدثون، كما سبق للمؤرخ جفري هيرف أن قال، ‘بلغة [كونراد] اديناور وكلاوزفيتز، ولكن أيضاً عبر الخطاب الأممي والدولي لكل من [الكسيس دو] توكفيل وكارل بوبر، رايمون آرون وليسك كولاكوفسكي، مونتسكيو والرئيس جيمي كارتر’. صراع سياسي هائل حول نشر صواريخ نووية أمريكية رداً على عمليات نشر سوفيتية جديدة، بمبادرة حمل شميدت رايتها، أصبح هو المعركة المركزية. عملياً، جرى حسم الأمر في ألمانيا الغربية، مع تشكيل حكومة ائتلافية محافظة ــ ليبرالية في 1982.

  معظم الكتاب الذين يؤرخون لغروب شمس النظام الشيوعي يمرون مرور الكرام بهذه التطورات الحاسمة في أوروبا الغربية، ولاسيما في ألمانيا الغربية. لعل الاستثناء اللافت هو مقال حصيف ومعمق كتبه جيمس شيحان في كتاب سقوط جدار برلين الذي هو مجموعة مقالات حررها جفري إنغل جامعة لعدد من وجهان النظر القومية ــ الوطنية حول هذه الأحداث. وموضوع شيحان ليس كيف تغيرت أوروبا في 1989 بمقدار ما هو ‘كيف مارس التحول الحاصل في أوروبا بعد 1945 تأثيره على توقيت نهاية الحرب الباردة وطابعها’. يشدد شيحان، إذن، على كيفية صيرورة الحرب مقولة منبوذة في السياسة الأوروبية وكيفية قيام الساسة الأوروبيين تبعاً لذلك باجتراح رؤيا أوروبية جديدة ذات جاذبية بالنسبة إلى مجتمعات عملية حديثة. يبين شيحان كيف تمخضت هذه النجاحات عن قوى مغنطيسية تولت، إذ اتخذت موقفاً قريباً من الإمبراطورية السوفيتية في أوروبا، ببطء وثبات، مهمة تمزيق ونسف جملة الفرضيات البالية الكامنة في عمق الحكم الشيوعي. إن المثل الأعلى الأوروبي للديمقراطية والرأسمالية ما لبث أن أصبح نوعاً من أنواع نجم القطب الهادي بالنسبة إلى ميخائيل غورباتشوف بالذات ــ كما أصبح الشيء نفسه بالنسبة إلى الشيوعيين والاشتراكيين الإيطاليين والإسبان.

  حاولوا، من هذا المنطلق، أن تقارنوا بين خيارين أساسيين من خيارات العالم الشيوعي في عامي 1979 و1980. نهاية عام 1979، أقدم الاتحاد السوفيتي على غزو أفغانستان. ذريعته ــ احتمال وقوع أفغانستان تحت نفوذ الصينيين أو المنافسين الغربيين ــ كانت دفاعية اسماً، غير أن حتى هذا المنطق أدى إلى إماطة اللثام عن إحساس هائل باللاأمن. ومع أن أهدافها السياسية كانت هي الأخرى دفاعية، فإن القوات المسلحة السوفيتية كانت مشكّلة لاجتياح أوروبا الغربية، مقولبة من قبل مجمع عسكري صناعي كان صاحب القول الفصل بشأن الموارد وقادراً على التحرك دون أي قيود. (أكثرية هذه الكتب، باستثناء بعض النقاش في كتاب صعود النظام الشيوعي وسقوطه تأليف آرتشي براون، تغفل وزن هذا المجمع السياسي وعواقبه. بيد أن بوسع القراء المهتمين أن يجدوا معالجة جيدة للموضوع في كتاب وليم أودوم الصادر عام 1998 بعنوان: انهيار الجيش السوفيتي).

  وعند انتهاء عام 1980، أعلنت الحكومة البولونية الأحكام العرفية وسجنت قيادات حركة نشأت بوحي من إحدى النقابات العمالية والبابا ذي الأصل البولوني عُرفت باسم التضامن. وكتاب كوستانتين بليشكوف:  ليس ثمة أي حرية دون خبز! يضع القصة البولونية في موضع القلب من روايته. إن بليشكوف، وهو مهاجر روسي يدرس في كلية ماونت هوليوك، يكتب بحيوية كبيرة. إنه يركز على شخصيات رئيسية مثل البابا يوحنا الثاني، ويحاول استعادة الطريقة التي كانوا يعتمدونها في النظر إلى العالم. يضفي بليشكوف على شخصياته المعيار وقابلية الخطأ الإنسانيين، مفسّراً، مثلاً ، تلك الصوفية المريمية الغريبة التي كانت بالغة الأهمية بالنسبة إلى البابا يوحنا الثاني وكثير من أتباع المذهب الكاثوليكي البولونيين. كان دقيق الملاحظة للصراعات الدائرة بين بارونات الشيوعية، أحبار الكاثوليك ومثقفي التضامن. إليه هو تعود قصة الإفلاس الفكري والثقافي للنخبة التي باتت مفتقرة إلى الأفكار الجديدة حتى قبل الافتقار إلى المال. ذلك هو الفقر الذي نجح الزعيم الديمقراطي الحر الألماني الغربي هانس ــ ديتريش غنشر في التقاطه حين أبلغ أحد الاجتماعات الحزبية في 1981 بـ ‘أننا، مثلنا مثل الولايات المتحدة الأمريكية’ جزء من الغرب. يتعيّن على المرء أن يقول لأولئك الذين يستثيرون انطباعاً آخر بكلامهم : القوات الأمريكية موجودة في ألمانيا الغربية كي تكون النقابات الحرة موجودة، والقوات السوفيتية موجودة في بولونيا كي لا تكون النقابات الحرة موجودة. ذلك هو الفرق‘.

  خيارات جميع الحكومات الشيوعية في أوروبا تمت في ظل شبح الدَّيْن المالي ــ الذي بقي لغزاً محروساً بعناية. ففي عقد السبعينات بدأ المدراء الشيوعيون يقترضون القطع الأجنبي اللازم لشراء السلع الضرورية لإرضاء كتلهم السكانية. ومع حلول عقد الثمانينات وجدت هذه الحكومات نفسها في مواجهة بعض الخيارات الصعبة. ثمة بلدان أخرى أقل نمواً وتطوراً كانت تلج باب سلسلة أزمات قروض جاءت مصاحبة لانتقال الرأسمالية الكوكبية الانكماشي إلى اعتماد القَطْع القابل للتحويل إلى ذهب. وبدلاً من المسارعة إلى تقليص ديونها، تورطت البلدان الشيوعية في مضاعفة الاقتراض. وقد كانت تجد مسلّفين، في أوروبا الغربية بالدرجة الأولى، راغبين في مدها بقروض جديدة.

  إحدى نقاط القوة الكبرى في مساهمة ستفن كوتكن في هذه المجموعة من الكتب بعنوان: مجتمع غير متمدن، كامنة في تأكيده لقضايا ذات علاقة بالاقتصاد السياسي. يتقاسم كوتكن (بمساعدة من يان غروس) مع بليشكوف وجهة النظر القائلة بأن قصة 1989 الحقيقية ليست قصة ثورة من تحت بمقدار ما هي قصة انشقاق مصيري قاتل داخل النخبة الحاكمة، داخل ‘المجتمع غير المتمدن’ الذي هو عنوان كتابه. قام غورباتشوف بكشف الغطاء عن سوء الإدارة تمكيناً للجمهور من المعاينة. كتب كوتكن يقول : ‘إن ما فعله غورباتشوف هو تعرية حقيقة تعرض الاشتراكية في الكتلة للسحق جراء المنافسة مع الرأسمالية وتحت وطأة القروض التي لم يكن تسديها ممكناً إلا بالمزيد من القروض الجديدة أبداً، على غرار خطة بونزي’.

  مع حلول منتصف الثمانينات كانت الاشتراكية قد فقدت جاذبيتها بوضوح في كل من آسيا وأوروبا بوصفها إيديولوجيا صالحة للمستقبل. غير أن سلسلة طويلة من الاحتمالات كانت لا تزال موجودة حول الأشكال التي كان يمكن لتطور الحكومات الشيوعية أن تأخذها، وبعضها عنيف تماماً. كان يتم تدبير أمر المعارضة. الصين والمجر كانتا دائبتين على تطوير أساليب خلاّقة لتوظيف السوق والإفادة منه. كانت الأحكام العرفية قد نجحت في احتواء المعارضة. ثم جاء غورباتشوف.

  تفكير غورباتشوف الجديد:

  كان آرتشي براون، وهو أحد أعظم الباحثين الأحياء المتخصصين بشؤون الكرملين ومؤلف كتاب صعود النظام الشيوعي وسقوطه، دائباً على رصد غورباتشوف قبل أن يكون الناس العاديون قد سمعوا باسمه بزمنٍ طويل. كان غورباتشوف شابّاً شيوعياً أنموذجياً، يجري إعداده بعناية لتولّي مناصب رفيعة. قُطع الطريق عليه بقيادة يوري أندروبوف الذي كان رئيساً للكي جي بي آنذاك. صحيح أنّ أندروبوف كان معجباً بالتحركات الخلاّقة الشبيهة بتلك التي أقدم عليها كادار في المجر، ولكنه كان أيضاً، كما يقول براون، ‘عدواً لدوداً لأي معارضة مكشوفة ولأي ضرب من ضروب التطور باتجاه التعددية السياسية’. كان أندروبوف قد تولى قيادة عملية المسار الذي أفضى إلى خيار غزو أفغانستان. أراد من غورباتشوف أن يكون ماركسياً تحديثياً من المرتبة الأولى بغية إدامة الزخم ضد زملائه الطاعنين في السن في المكتب السياسي، ضد أولئك الذين كانوا لا يزالون شديدي الحنين الماضوي (النوستالجي) إلى ستالين، إلى درجة أنهم كانوا مستمرين في الشكوى من نيكيتا خروتشوف حتى في الثمانينات.

  بعض المؤرخين مفسِّرون عباقرة يقدمون تركيبات جديدة مثيرة لما هو مدوّن. ثمّة آخرون، قد لا يكونون على المستوى نفسه من العبقرية، يقومون بإرساء أساس المعرفة عن طريق البحث العلمي المعمق، المتأني. وإذا كان بريستلاند، بكتابه، مثالاً للفئة الأولى، فإن براون يسلط الضوء على الثانية. (يوفر الاختصاص، لحسن الحظ، مجالاً لكليهما). لقد نجح براون في إتقان تجميع وقائعه حين يسجل ملاحظته المهمة عن اختيار 1985 لغورباتشوف لتولي قيادة الاتحاد السوفيتي قائلاً: 

    آراء جميع أعضاء المكتب السياسي عند موت [كونستانتين] تشيرننكو معروفة. سليم، إذن، أن يقال : لو جرى انتخاب أي عضو آخر غير غورباتشوف للأمانة العامة، لما ذاق الاتحاد السوفيتي أي طعم لليبرالية ولا للديمقراطية… ولو كان أندروبوف أوفر عافية لكان ثمة إصلاح جزئي وثانوي، بعيد كل البعد عن مستوى ما حصل في ظل غورباتشوف، قد تحقق. ولو كان تشيرننكو قد عاش مدة أطول لما تغير أي شيء طوال فترة بقائه أميناً عاماً.

  لم تنته الإمبراطورية السوفيتية جراء انهيارها بفعل عوامل خارجية. تغيرت من الداخل، بدءاً بالقمة. إصلاحات غورباتشوف الأولية أخفقت بل وحتى جعلت الأمور أسوأ، إذ كشفت عن مشكلات وتسببت بإحداث الهلع الذي أفضى إلى التخزين (الاحتكاري) مع اختفاء السلع عن رفوف المحلات التجارية. خصوصاً في عامي 1987 و1988، أقدم غورباتشوف على مضاعفة وتيرة الإصلاح بدلاً من التراجع عنه. يضاف إلى ذلك أنه أقدم أيضاً على استحداث بعض الإصلاحات السياسية، بدلاً من اتباع الأنموذج الصيني والمجري القائم على السير في طريق الإصلاح الاقتصادي دون إشاعة الديمقراطية. وقرار التماس الانتخابات الجالبة للشرعية جاء متزامناً في الاتحاد السوفيتي وبولونيا. كانت تلك مبادرة بعيدة عن الماركسية بُعْد السماء عن الأرض. لم يكن قد سبق لماركس وأنجلز أن أقاما أي وزن للسيرورات الديمقراطية. فالمادية التاريخية عقيدة علمية، لا عملية تسويق سياسية.

  القوة النابذة السوفيتية:

  كلمتا ‘اتحاد’ و‘سوفيتي’ جديرتان بلحظة تأمل. كانتا زاخرتين بالمعاني وقد جرى اجتراحهما أساساً لتحلا محلّ كلمتي ‘إمبراطورية’ و‘روسية’. إذا لم تعد الجمهوريات مترابطة برباط الأخوة الإيديولوجية الماركسية ــ اللينينية المفترضة، فما الذي كان من شأنه أن يحدث لأي ‘اتحاد سوفيتي’؟ 

  مع دخول الاتحاد السوفيتي عام 1989، بات غورباتشوف متزايد الانشغال بالمآزق الداخلية على نحو مطرد. كانت النزعة الانفصالية قد أصبحت تحدياً داخلياً كبيراً، إذ باتت تشمل حتى الجمهورية الروسية وزعيمها الجديد: بوريس يلسن. يقوم بريستلاند بتغطية الأمر وفق أسلوب فنان اللوحات الطبيعية؛ أما براون فيعالج الموضوع بتفاصيله الدقيقة؛ في حين يعكف بليشاكوف على رسم سلسلة من اللوحات الانطباعية.

  كان غورباتشوف، وهو المحاصَر داخلياً، بحاجة إلى السلم والدعم من الولايات المتحدة. بادر ريغان إلى تزويده بهما. وكما يقول ملفين لفلر في كتاب جديد بعنوان : كرمى لروح البشرية، فإن ريغان الاسترضائي ساهم مساهمة كبيرة في إنهاء الحرب الباردة. كذلك حذا خَلَفُ ريغان، جورج اتش دبليو بوش، حذو سَلَفه، بعد أن كرس هو ومستشاروه عدداً من الأشهر على دراسة ما إذا كان غورباتشوف لا يزال صنيعة لأندروبوف أم أنه كان مختلفاً نوعياً فعلاً. (بعض مستشاري غورباتشوف الخاصين، وخصوصاً في الجناح العسكري، كانوا يتصارعون مع المسألة ذاتها. لم يقتنعوا بأنه كان مختلفاً، ما عنى نوعاً من خيبة الأمل فيه بالنسبة إليهم، حتى عام 1990).

  مع حلول شهر آب/أغسطس 1989، كان النظام الشيوعي دائباً على تغيير جلده، على التحول النوعي. جنباً إلى جنب مع الاتحاد السوفيتي، تولت بولونيا والمجر مهمة الاضطلاع بالدور الطليعي في أوروبا. بادرت بولونيا إلى تنصيب رئيس لمجلس الوزراء من غير الشيوعيين، سارع قادة المجر، وهم من ذوي الذهنية الإصلاحية أساساً، إلى هز أكتافهم وتغيير اتجاه السفينة وفق ما تشتهي رياح الغرب.

  أما الصين فقد اختارت طريقاً مختلفاً تماماً: سحقت الإصلاح السياسي. ومن ثم، في 1992، أقدم قادتها على اجتراح استراتيجية هادفة إلى التعويض عن القمع السياسي بنوع من الالتزام المضاعف بالإصلاح الاقتصادي. إن لتشن جيان تلخيصاً مرهناً ممتازاً لجملة هذه الخيارات في مساهمته في كتاب إنغل : سقوط جدار برلين. بعض قادة أوروبا الشرقية انجذبوا إلى نوع من أنواع ‘الحل الصيني’ القائم على التعامل بحزم مع المعارضة. غير أن استراتيجية كهذه لم تكن مؤهلة لأن تفيد على صعيد إعادة تأكيد حيوية النظام الشيوعي.

  ما لبثت ثورات 1989 أن زحفت بقوة واجتاحت ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، بلغاريا، ورومانيا الستالينية ــ على نحو دموي. إنها لقصة مثيرة. كل من يرغب في استعادة حماسة، شغف، وفوضى ذلك العام سيجد متعة كبيرة في الاطلاع على رواية فكتور سبستيان الصحفية: ثورة 1989. لقد حقن سبستيان هذا، وهو مهاجر مجري يعيش في المملكة المتحدة، إنجازاً ممتازاً. لقد لامس جميع الأسس، وهو يعرف الأرضية، وقد قام بمهارة بنسج المادة مستفيداً من حشد من المقابلات والمصادر الأولية. وثمة رواية صحفية أخرى ألا وهي تلك التي سردها مايكل مير في السنة التي غيرت العالم، عائداً إلى عمله لدى النيوزويك في 1989 ومقدماً عدداً من اللقطات العيانية. يبقى مير مهتماً بترسيخ فكرة أن الحرب الباردة ربحها ريغان ونقطة على السطر، غير أن القصة لم تعد اليوم سوى قصة تمثال من القش. لعل مساهمة مير الأكثر دسماً هي الأهمية التي يوليها للنقاشات التي دارت بين المجر وألمانيا الغربية، تلك المباحثات التي أفضت إلى إطلاق مسلسل الأحداث التي ما لبثت أن قادت إلى سقوط الجدار. فشهادته تعزز الزعم الذي يقول إن كول كان يحاول صنع الأحداث، دون الاكتفاء بمجرد الانفعال بها.

  في عملية إطلاق سلسلة ردود الأفعال التي أدت إلى إسقاط جدار برلين وأفضت إلى إعادة توحيد ألمانيا، كانت المجر أكثر أهمية من بولونيا. ففي شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 1989 تمخضت الانتفاضات الداخلية في العالم الشيوعي عن فتح القضية الألمانية المغلقة منذ زمنٍ طويل، ومعها جملة من القضايا الأكبر حول مستقبل أوروبا. ومع شروع الحرب الباردة في التفكك والرحيل، سلسلة طويلة من المسائل طُرحت حول طابع تسوية ما بعد الحرب. هذه هي النقطة التي تخفق فيها تغطية جملة ‘كتب 1989’ لكل من بليشاكوف، كوتكن، سبستيان، ومير.

  بعد السقوط:

  مع أنهما يبدءان في موعد أبكر فإنّ 1989 لماري ايليز ساروت من ناحية، وميتران، نهاية الحرب الباردة، وتوحيد ألمانية لفريدريك بوزو من ناحية ثانية، فإنّهما ‘كتابان عن 1990’ حقاً. يدوران، في المقام الأول، حول التسوية التي أعطت شكلاً لأوروبا الجديدة. فحين يفعل البحث التاريخي فعله بالإتقان المطلوب، ينجح المؤرخون في البناء على ما سبق توسيعاً وتحسيناً. ذلك هو ما قد فعله ثنائي ساروت وبوزو.

  كتاب ساروت ململم وتأويلي إلى حدٍّ بعيد. ومع ذلك فإن ساروت نجحتْ في استيعاب جملة الموارد المرجعية الأصلية في سائر البلدان المفتاحية. وهي تقوم بتقطير هذه المواد بقدر كبير من المهارة، دائبة باستمرار على إنعاش سردها بنوع من أنواع الحساسية إزاء ما كانت هذه التغييرات تعنيه في الحياة والثقافة. لعل كتابها هو المجلد الأحادي الأفضل المتوفر اليوم عن توحيد ألمانيا. فهو يشتمل على الفهم الأوضح حتى الآن لأداء كول استثنائي المكر والشعوذة. فبعد وصف عدد من النماذج الممكنة لتسوية ما بعد الحرب، تقوم ساروت بالتوثيق لانتصار ما تطلق عليه اسم مقاربة ‘الصنع المسبق’، التي قامت على توسيع دائرة المؤسسات المجربة للديمقراطية الألمانية، الاندماج الأوروبي، والمظلة الأمنية الموفرة من قبل الناتو والولايات المتحدة. قد تكون نقطة ضعف الكتاب الوحيدة ــ ويشاركه فيها سائر الكتب التي هي قيد العرض ــ كامنة في عدم الانتباه إلى التسوية العسكرية المشرعنة في المعاهدة الخاصة بالقوات المسلحة التقليدية في أوروبا، تلك المعاهدة التي تناولت موضوع التوازن غير المشرف ولكن الحيوي بين الجيوش والقوى الجوية في طول القارة وعرضها. فأشكال الخلل في الموازين العسكرية ظلت الوجه الأكثر كلفة والأشد انطواء على احتمال نسف الاستقرار في بيئة أوروبا الأمنية على امتداد السنوات الأربعين الماضية ــ بل والسنوات الأربع مئة التي كانت قبلها.

  أما كتاب بوزنو الأكثر تفصيلاً فيحاول إعادة تقويم إنجاز ميتران، ولاسيما على صعيد المزاوجة بين توحيد ألمانيا وتحقيق قدر أكبر من التكامل الأوروبي ــ وحدة نقدية وأخرى سياسية، ما لبثتا، لاحقاً، أن تمخضتا عن الوحدة الأوروبية. غير أن بوزو مفرط في تواضعه حين يدعي التركيز على دور ميتران. فهو يقدم رواية عامة لقصة دبلوماسية توحيد ألمانيا، رواية مغتنية، رغم تأكيدها لوجهة النظر الفرنسية، بمصادر ومراجع عائدة إلى بلدان أخرى أيضاً. صحيح أن باريس كانت قريبة من الأحداث، غير أنها لم تكن في المركز الفعلي لمعظم القضايا. لذا فإن رواية القصة، في المقام الأول، من وجهة النظر الفرنسية، توفر سرداً أكثر حياداً ولكن على اطلاع واسع للقصة الدبلوماسية.

  من بعض النواحي، نرى أن نظرة ميتران إلى أوروبا كانت قريبة جداً من فكرة غورباتشوف حول ‘بيت أوروبي مشترك’. إلا أن بوزو يقول: ‘بدلاً من اعتماد نوع من إعادة التوازن لمصلحة أوروبا غربية مدعوة لأن تصبح، هي نفسها، طرفاً استراتيجياً فاعلاً، كان ثمة نوع من أنواع إعادة التأكيد غير المتوقعة للنظام الأطلسي المعتمد… إن البعد الأوروبي الشامل هو الذي كان مكمن الخلل في كشف حساب السياسة الفرنسية في 1991’. ومع ذلك فإن بوزو يلاحظ أيضاً أن الولايات المتحدة دائبة الآن، بعد عشرين سنة، وهي مشغولة بجملة من الهواجس الكوكبية الأخرى، على الانسحاب أكثر فأكثر من أوروبا، مكرِّرة مرة أخرى إبراز جملة من الأسئلة حول القيادة الأوروبية.

  تتفق ساروت مع بوزو على صعيد إعطاء علامات جيدة للدبلوماسية الأمريكية أواخر 1989 و1990. تحقق ساروت، خصوصاً، قدراً كبيراً من النجاح في الحكم على نزاعات قديمة حول كيفية توزيع الإيجابيات والسلبيات في المنعطفات واللحظات الحاسمة. تقوم ساروت أيضاً بتسليط الضوء على كيفية جعل كل من المال وإصلاح الناتو عنصري بناء على طريق الوصول إلى اتفاق نهائي.

  تحرص ساروت على تقييد إطرائها عن طريق الاقتباس من وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد قوله: إن الأمريكيين، لو كانوا عباقرة على مستوى فرنكلين روزفلت وونستون تشيرتشل، كانوا قادرين على أن يضربوا الطاولة قائلين : ‘اللعبة كلها باتت بأيدينا’ فيبادرون إلى ترهين جميع المؤسسات، بما فيها الأمم المتحدة. وبوصفي دبلوماسياً سابقاً في خدمة إدارة جورج اتش دبليو بوش أجدني منحازاً. غير أن من الممكن النظر إلى الهندسة المعمارية التي كان يجري اعتمادها مع حلول نهاية عام 1990: ألمانيا موحدة، اتحاد أوروبي جرى تحويله، الترتيب الأهم للرقابة على التسلح في تاريخ أوروبا العسكري، حلف أطلسي تم الحفاظ عليه وتوسيعه، منظمة أمم متحدة تمت إعادة تنشيطها نجحت في تعبئة تحالف للرد على غزو العراق للكويت، اتفاق أوروبي ــ أطلسي حول مبادئ حياتية على الصعيدين السياسي والاقتصادي (اتفاقية باريس لمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا)، خطة برادي لتصفية أزمة الديون الدولية، دورة تجارة كوكبية مرشحة للتمخض عن منظمة التجارة العالمية، وإطار جديد للعمل الدبلوماسي في آسيا (منبر التعاون الاقتصادي الآسيوي ــ الباسفيكي).

  تجيد ساروت التحدث عن أن روسيا بقيت ساخطة ومستاءة من المحصلة. ومع ذلك فإن القارئ يستطيع معاينة الفقرة التالية الواردة في كتابها: ‘كان غورباتشوف سيشكو لبيكر (وزير خارجية الولايات المتحدة جيمس بيكر) في 1991 من أن الأموال الآتية من كول قد تبخرت: "فالأشياء هنا تختفي. حصلنا على مبالغ كبيرة من المال ثمناً لتوحيد ألمانيا، عندما سألت العاملين معي أجابوا بأنهم لم يكونوا يعرفون أين ذهبت الأموال. طالبني [الكساندر] ياكوفليف بسؤال الآخرين، وبقيت الإجابة هي هي: لا أحد يعرف"’. ‘واضح’ تتابع ساروت أن ‘موسكو كانت بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد سلف لتيسير عملية الانتقال إلى اقتصاد حديث قائم على آلية السوق، غير أنها لم تحصل إلا على القليل (باستثناء ما أخذته من بون). من الطبيعي أن جيشاً جراراً من المستشارين الغربيين كان سيزحف، لاحقاً، على روسيا. إلا أن هؤلاء لم يصلوا إلا بعد أن كان الاستياء قد تراكم جبالاً’. بعد قراءة تلك الفقرة بضع مرات، يتبين، على ما يبدو، أن الحصول على نتائج أفضل وأكثر إرضاءً كان من شأنه، بالفعل، أن يتطلب اعتماد صيغة نادرة ما من صيغ العبقرية.

  نظراً لانهيار الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية، لجملة العواقب والارتدادات التي زادت من سرعة انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه، ولعودة حدود روسيا إلى ما كانت عليه تقريباً في القرن الثامن عشر، فإن ما قد يبدو مثيراً للدهشة، بدلاً من ذلك، هو أن الدبلوماسية نجحت في إسكات تذمر موسكو واستيائها إلى هذا الحد. مرة أخرى يعود الفضل في ذلك إلى غورباتشوف وإلى عدد غير قليل من أعضاء فريقه. إن العلاقات الحميمية الودية بين واشنطن وموسكو في آب/أغسطس 1990 كانت كنزاً لا يقدر بثمن لدى تشابك الحلقة الأخيرة من لعبة توحيد ألمانيا مع أزمة أخرى، أزمة الحاجة إلى الدبلوماسية اللازمة لحشد العالم ــ والأمم المتحدة ــ ضد العراق، ذلك البلد الذي كان، لدى قيامه باجتياح الكويت، يستضيف عشرة آلاف خبير عسكري سوفيتي.

  مستقبل للحرية:

  عندما بادر أورويل في 1947 إلى صوغ خطتِه الهادفة إلى لإنقاذ العالم، تلك الخطة القائمة على رؤيته لأنموذج إنساني من نماذج التقدم، أنموذج تتولى قيادته أوروبا موحدة أكثر، ما لبث أن اكتشف أربع عقبات كأداء على الطريق: عداء روسي، عداء أمريكي، الإمبريالية، والكنيسة الكاثوليكية. بدا المستقبل كالحاً وكئيباً. كتب أورويل يقول: ‘يبقى الأفق الفعلي، بمقدار ما أستطيع أن أدخل الاحتمالات في الحسبان، مظلماً جداً، وأي تفكير جدي يتعين عليه أن ينطلق من تلك الحقيقة’. هذه الهواجس الأربعة مازالت جديرة بقدرٍ جدي من التفكير، على الرغم من أن المرء بات اليوم قادراً، بالإفادة من كتب كهذه، على الاستمتاع، بدلاً من ذلك، بتأمل الروس الذين سارعوا إلى الالتحاق بركب المثل الأعلى الأوروبي، الأمريكيين الذين حرصوا على رعاية واحتضان وجهة نظر إيجابية، انحسار الإمبريالية التي كان أورويل يعرفها، وكنيسة كاثوليكية كانت مصدر إلهام لسلسلة من النضالات في سبيل الحرية. 

  في 1964 كان بورنهام، مؤلف الصورة الكابوسية التي شكلت استفزازاً شرساً لأورويل، عاكفاً على تقديم العون لوليم اف بكلي في مجال تحرير الناشيونال ريفيو. (كان ريغان فيما بعد سيقدم على منح بورنهام وسام الحرية). في تلك الأثناء، كان آخر كتب بورنهام قد أطلق جرعة تشاؤم قوية أخرى. ففي هذا الكتاب الذي كان بعنوان انتحار الغرب جادل بورنهام قائلاً إن الليبرالية الحديثة كانت قد فقدت زخم الليبرالية الكلاسيكية وحيويتها. بات البديل الحديث لليبرالية يتعامل مع السلام والأمن بوصفهما موازيين للالتزام بالحفاظ على الحرية بل وأعظم أهمية من ذلك. ونظراً لأن التركيز على السلم قائم على الحط من قدر استخدام القوة ضد العدو الشرس الذي لا يعرف معنى الرحمة، فإن الغرب متورط عملياً، حسب نبوءة بورنهام، في ارتكاب جريمة الانتحار البطيء. 

  أضفى التاريخ ثوباً غريباً على خطاب بورنهام. سيكون سعيداً إذا ما اكتشف أن نوعاً من أنواع الإيمان بالدفاع عن الغرب كان أحد عوامل الصحوة الأمريكية والأوروبية. بيد أن المثل الأعلى الإيجابي، الديناميكي الموفّر في البلدان الأوروبية الغربية واليابان كان شديد الجاذبية تحديداً لأن تلك البلدان بدت منخرطة في عملية التخلي عن تعويلها التقليدي على الجبروت والقوة الفظة.

  في لحظات تأزّم استثنائية خلال عامي 1989 و1990، جرى بالفعل اعتماد خيارات حاسمة لمصلحة السلم، لمصلحة التغيير اللاعنفي (التغيير دون عنف). ولكن تلك الخيارات أقدم عليها رجال ترعرعوا منذ سن المراهقة ليصبحوا قادة شيوعيين أنموذجيين. لم يكن الانتحار في الغرب، بل في الشرق. وعملية الانتحار هذه لم تكن عملية تدمير ذاتي. لم يكن تحرك هؤلاء الرجال إلا نوعاً من أنواع الإبداع والخلق.
عن مجلة فورين أفيرز، عدد 6/2009 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق