انتخابات المجالس المحلية في العراق: أغلبيات مذهبية وأقلّيات وطنية / شاكر الأنباري

تظل الإنتخابات، المحلية أو الوطنية، هي الممارسة الوحيدة لتطوير أداء العملية السياسية في العراق، رغم ما يرافقها من شوائب، وما تنتجه من اصطفافات، تأتي أحياناً في غير ما تريده المرحلة. وتشهد هذه الممارسة مفارقات عديدة في إنتخابات المجالس المحلية، ظهرت بوادرها من خلال الدعاية الإنتخابية المبثوثة في مناطق بغداد، والتي يراها الناظر في كل زاوية وشارع، وأينما قادته قدماه في العاصمة.

وتعتبر العاصمة أكبر خزان دعائي وشعاراتي يلمسه المرء، بسبب عدد المقاعد الذي يفوق أي محافظة عراقية أخرى. والمفارقة تبدأ من اسم القائمة، فلمن لم يتابع التسميات بدقة واحتراف يصعب عليه التفريق بين هذه القائمة وتلك، فالأسماء أغلبها جديدة على الذائقة، الأمر الذي ينبئ عن لااستقرار سياسي، وتبدلات نوعية حدثت خلال الأربع سنوات الماضية، مقارنة مع الإنتخابات المحلية السابقة. وهنا يثار التساؤل الكبير وهو إن كان المواطن البسيط يستطيع فعلا التفريق بين هذا المرشح أو ذاك، وإلى أي الكتل ينتسب، في وقت تغيب فيه البرامج الحقيقية للقوائم؟ وهذا إن دلّ على شيء فانما يدل على بعد المرشح عن الشارع الذي يفترض به أن يمثله، بخاصة اذا ما عرفنا، وبعد قراءة شعارات “البوسترات” واللافتات الإنتخابية المرافقة لصورة المرشح وقائمته، انها بمعظمها وردية ومتفائلة وتعد بالنعيم، وأحيانا بجمل رومانسية يعرف القاصي والداني أنها لا تمت إلى الواقع بصلة. الواقع المليء بالإخفاقات، والشكوك، وعدم الثقة، والشدّ الطائفي، والفساد الإداري والمالي، ما يعكس عدم تواضع من قبل معظم المرشحين، وضحك على ذقن الناخب الذي صار يتشبث بقشة أمل، من أجل ديمومة حياته بشكل كريم، ومقنع. علماً أن العراق يشهد أكبر قطيعة بين الطبقة السياسية والشعب، قطيعة عنوانها عدم الثقة والشك والمقت معظم الأحيان. وكل هذا ناتج عن تجربة مرّة عاشها العراقيون خلال عقد بعد سقوط النظام.

والمرشح للمجلس المحلي لمدينة عملاقة مثل بغداد، يفترض أنه عُرف في السنوات السابقة بفعالية اجتماعية أو ثقافية أو فكرية، أو حتى سياسية، جعلت اسمه مألوفاً لشريحة واسعة من العامة. لكن جردة دقيقة تكشف عن اعتماد المرشح، أغلب الظن، على دعم قبلي أو طائفي أو حزبي. دعم مسبق ليس بالضرورة ان المرشح اجترحه بنفسه، أو بإنجازاته الاجتماعية. ربما في خضم ذلك تغيب عن الناخب خلفية المرشح الأخلاقية، ومقدار النزاهة التي يتمتع بها، والمصداقية في عمله، وروحه الوطنية، التي يفترض أن يتمتع بها، كونه سيصبح ممثلاً للمجتمع البغدادي كله، لا تابعا لهذا الحزب أو ذاك، لتلك الطائفة والمذهب أو غيره. ومن خلال الشعارات المرفوعة لا نرى أي تمايز واضح بينها، أي انها جميعا تسير في سبيل واحد، وهذا مجاف للواقع. إذ عادة ما تتصارع القوائم والمرشحون، خصوصاً في بلدان عريقة في هذه التجربة، على برامج واقعية وملموسة تخص حياة الفرد المعيشية بالدرجة الأولى، بعضها قد يتقاطع تماماً مع البعض الآخر. وهذا ما يجعل تلك البرامج واقعية، ومقنعة. لأنها في هذه الحالة، تعكس تناقضات المجتمع، وتجاذباته، ومصالح شرائحه وطبقاته. إن ما نراه هو عزف على الوتر ذاته، الخير المطلق القادم مع المرشح المحترم، الذي سيجلس بعد زمن على كرسيه الوثير، في مجلس المحافظة. قليلا ما رأينا مرشحين ذوي صبغة عامة، ينزل في مدينة الشعلة كما ينزل في مدينة الدورة، في البتاوين مثلما ينزل في الجادرية، بل ثمة احساس مناطقي يعول على بيئة ضيقة، من دون أن يرتقي إلى تمثيل العاصمة برمتها، وقد يكون هذا جزءاً من الإشكالية السابقة التي حكمت الإنتخابات: أغلبيات مذهبية وأقليات وطنية. وكأننا ندور في الحلقة ذاتها، حلقة المحاصصات، والنسب المتوزعة على أساس مناطقي لا على أساس برامج عامة تنال ثقة المواطن.

صحيح ان بغداد بحاجة قصوى إلى تنمية وبناء ما خرب في العقود الماضية، من بنية تحتية وخدمات، ولكنها كمدينة تضم الطوائف والأعراق والأديان المنتشرة في البلد، هي اليوم بحاجة ملحة، وحسب الواقع الفائر والمتحرك على أكثر من صعيد، إلى برامج ذكية ومسؤولة تعيد إليها الإنسجام الاجتماعي، وروح المدينة الجامعة للعراقيين كلهم، وإلى معالجات سياسية تنزع فتيل الاحتقان البالغ، والتوتر المتصاعد يوما بعد آخر. وهذه النقطة نادراً ما لمست في شعارات المرشحين وأهدافهم. لهذا، فثمة صرف نظر عن الأكثر أهمية، والاتجاه إلى ما هو أقل شأنا. ماذا تفيد التنمية والبنية التحتية والخدمات دون وجود سلم أهلي حقيقي يحافظ على أي منجز إيجابي، يمكن أن يحققه المرشح أو العضو المحلي القادم إلى سدة السلطة؟ لكن الأخطر في سلسلة المشاهد الإنتخابية بروز روح عدوانية في الشارع تجاه مرشحين قد لا يتفقون مع هذا الطرف أو ذاك، جاء ذلك من خلال تمزيق عدد لا يستهان به من “البوسترات” واللافتات، أو تشويه صور المرشحين، ما يثير القلق لاحقا على نزاهة الإنتخابات التي يفترض أن يتساوى الجميع فيها بحق الحصول على الأصوات. مؤشر سلبي آخر على نقص في الثقافة الإنتخابية، بل يمكن القول نقص في الثقافة الديموقراطية، يقع على عاتق الجميع التوعية بشأنه، والترويج إعلامياً لمعالجته، وقد تكون مفوضية الإنتخابات طرفاً فاعلاً في رصد هذه الظاهرة وتنوير المواطن بها. وهذا لا يعفي دور القوى السياسية والفاعليات الثقافية والفكرية والدينية ومنظمات المجتمع المدني من تحمل مسؤولية استثنائية بشأنها، فالخلل في الإنتخابات يمكن أن يطال الجميع، ان كان في هذه المنطقة أو تلك، في هذه المحافظة أو غيرها. فرص الفوز، حسب الدستور والأعراف الديموقراطية، ينبغي ان تكون متاحة للجميع. أما في ظل “حيتان القوائم الكبيرة”، المدججة بالإعلام، والسلطة، والمال، فمبدأ تساوي الفرص ليس أكيداً.

ومن المفارقات الفاقعة في دعايات المرشحين والتي لاحظها عدد كبير من المراقبين، سواء في بغداد أو المحافظات، ونالت تعليقات وسخريات شتى على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتماد بعض المرشحين على زوج أو زوجة مشهورة برلمانياً أو اجتماعياً، وكذلك حجب اسم المرشحة أو صورتها ونسبتها إلى الزوج، التحفظ على ظهور صورة المرأة، وكأن بعض المرشحات أو المرشحين لا يمتلكون الأهلية لدخول المنافسة إلا بالاستناد على حائط آخر، كأن يكون قبيلة أو شخصاً ذا نفوذ. فكيف في هذه الحالة يمكن لهكذا نمط من المرشحين كسب ثقة ناخب يعقد الآمال على تغير الحال بعد سنوات من الإحباط واليأس والفشل؟ ألا يعتبر ذلك استهانة بعقل الناخب وذائقته الجمالية وحسه في التمييز بين هذا وذاك؟ ثم هل تتحمل القوى السياسية الداعمة لهؤلاء مسؤولية تلك الاستهانة؟

كان من المفترض اجراء مراجعات شاملة بعد كل إنتخابات جرت في العراق، منذ سقوط نظام التفرد، يجري فيها صناعة رأي عام حول نقاط الفشل، والتزوير، والمظاهر الشاذة المرافقة. عبر ذلك تتخلق بعد كل ممارسة اضافة ولو ضئيلة إلى الثقافة الإنتخابية. وقد رأينا أن العكس هو ما كان يحصل دائما، تحويل أجواء الإنتخابات إلى روتين لا يستغرق سوى شهر، بعدها يفوز من يفوز ويخسر من يخسر، ثم تعود الحياة إلى جريانها البطيء الممل، المقلق، والفج، كما في أي يوم بائس آخر من أيام بغداد.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق