انتفاضات العالم العربيّ (50)

منذ ثورة البوعزيزي في تونس ونحن نشهد موجة قوية من عودة الشعوب العربيّة إلى السياسة والمقاومة في سبيل تحصيل ما فاتها من حقوق أساسيّة.ذاك أنّ الأوضاع التي عانتها البلدان المنتفضة وصلت لدرجة لا تطاق من كافة النواحي حتى شهدنا ذلك الاندفاع الجماعيّ للمواطنين، المفاجئ بدرجة ما سيما في سوريا، وتطلّب الحرية والكرامة الشخصيّة والعامّة ولقمة عيش كريمة في مواجهة سلطات غاشمة احتكرت الدولة لصالح فئات أهل الحكم والقريبين إليها.

وفي تاريخ سورية لأول مرّة ومنذ عقود تخرج مظاهرات غير منظّمة من قبل السلطة لتمجيد الحاكم، لا بل تتحدّى السلطة الحاكمة وتنادي بشعارات ما كنا نحلم بها في سورية، أو كان الخوف يلجم دماغنا وألسنتنا من المناداة بها حتّى ونحنُ نيام..
مواطنون عزّل يخرجون إلى الشوارع للاحتجاج والتظاهر وهم يحملون أرواحهم على أكفّهم مقابل سلطة متجّبرة تتملّك الدولة بكل مؤسساتها وبناها. القتل ممارسة يوميّة، الاعتقالات بالآلاف، التعذيب في السجون روتين. وكان معروفاً سوريّاً أن الانتفاضة السورية لن تكون يسيرة كما في مصر وتونس إذ هي تواجه خصماً شرساً عدوانيّاً بسبب طابع السلطة الخاصّ في سوريا الذي يشابه ليبيا مع فوارق شكليّة(الواجهة الحزبيّة مثلاً) وبسبب نواة السلطة الضيّقة جداً و المتحمورة حول الرئيس وعائلته ومقرّبيه، وهي لن ترضى بأي انفتاح سياسيّ حقيقيّ ولا بالقبول بأهليّة المواطنين ومشاركتهم في شؤون بلدهم كمواطنين لا رهائن.

 صحيح أن الانتفاضة السوريّة لم تتعمّم بعد. هناك عدا القطاعات الموالية تماماً فئات كثيرة يقال أنها صامتة أو مترددة وخائفة. لكن النظام الحاكم اهتزّ بشدّة تحت ضغط الاحتجاجات وهو مرتبك رغم كل إدّعاءاته وإظهار جبروته. صحيح أيضاً أنه لم يحصل تغيير أي شيء في السلطة والنظام حتى الآن. لكن سورية الجديدة بدأت بالتكوّن منذ اليوم الأول للاحتجاجات. والانتفاضة اليوم تتحول إلى قطب سياسيّ فعّال مقابل السلطة الحاكمة بكل عتادها الحربيّ والسياسيّ والإعلاميّ الضخم. وحتى المعارضة التقليديّة التي ضحّت سنين من أجل “إعادة السياسة إلى المجتمع”، كما تكرر تلك العبارة في خطابتها، تفاجأت بهذا الزخم الشعبيّ.

في هذه الشهور الخمسة التي اندلعت فيها الانتفاضة السورية استفاق الشعب السوري لتقرير مصيره، والعزم على خوض معركة غير متكافئة البتة مع النظام الحاكم لاسترداد الدولة والجمهوريّة، اكتشف السوريون أن بلدهم ملك لهم جميعاً وليس لشخص أو عائلة أو أجهزة أمنية أو حزب. وحصل انخراط مدهش في الشأن الوطنيّ والقضايا العامّة، والسلطة بسلوكها الحربيّ والصلف تخلق مزيداً من المعارضين والمحتجّين بصورة يوميّة. ظهرت في سورية طاقات جديدة و ها هي سورية جديدة بكل المعاني، قيد الولادة، حتى مع بقاء النظام الحاكم راهناً. سورية مخضّبة بالدماء والأحزان لكنّها واعدة .

تكتيك “الإصلاحات” في مواجهة الاحتجاجات:
إلى جانب الحسم العسكريّ المعتمد لسحق الاحتجاجات وترويع المواطنين بالاعتقالات الجماعيّة ارتأت السلطة عرض رشى مزيفة سميّت بـ”حزمة إصلاحات”. كان من الممكن القيام ببعض الإجراءات الفعليّة التي ربما تخفّف من حدة الاحتقان الشعبيّ، في بداية الانتفاضة، شريطة أن تكون جديّة وحقيقيّة. وهذا ما لم يكن. لكن بعد أن سفكت دماء وافتدى سوريون دماءهم وحياتهم فقد قضي الأمر على الأرجح. ولا يبدو أننا محقّون في طلب الإصلاح الحقيقيّ من هذا النظام، لأن الإصلاح الفعليّ- و إن كان تدرجيّاً – سيؤدي إلى تغيير النظام في المحصلة. لنتخيّل مثلاً أن أجهزة الأمن لن تتدخّل في حياة المواطنين، كما هو الحال منذ عقود، وفي فرض الطاعة، وفي إذلال المواطنين و إهانتهم؟ لنتصوّر أنّ السجون لن تكون إلاّ لمرتكبي الجرائم واللصوص؟ لنتخيّل أن هناك قضاء مستقل ونزيه في سوريا؟ وأن تنظّم انتخابات حرّة ونزيهة؟ وأن تكون كلّ الأحزاب متساوية في المنافسة في الانتخابات؟

 ثمّ ما هي الإصلاحات الممكنة التي سيقدم عليها النظام؟ لازالت قصص الاعتقال الكيفي تتوالى يومياً ومعها قصص التعذيب في السجون. هل جرى محاسبة أيّ من رموز القتل والتعذيب، على الأقل منذ اندلاع الاحتجاجات؟ أين يمكن للمواطن السوري أن يقدم شكوى على عنصر أمن أهانه وعذّبه؟ لم يتم تقديم مسؤول أمني واحد إلى المحاكمة أو التلويح بإمكان ذلك. هل يمكن أن يتجرّأ رئيس الجمهورية، الذي ورث الرئاسة وراثة وحسب وتم تعديل الدستور في دقائق من أجل مناسبة سنه حينها، أن يعلن عدم ترشيح نفسه لولاية قادمة أو أن يتم تقييد دورات الرئاسة باثنتين فقط؟ لا بل هل يمكن أن تثبت السلطة فعلاً أنها تسمح بالتظاهر السلميّ ليوم واحد فقط؟ عندها يمكن أن نتوقع حصول إصلاحات.

 حتى الآن كل ما أعلن من “إصلاحات” ينطلق من نفس الموقع السلطويّ والعقلية الاحتكارية :السلطة هي المصدر الوحيد لإقرار أي شيء وعلى المجتمع الطاعة. فعلى سبيل المثال لم يشرك أي حقوقي مستقل ومعروف بدفاعه يوماً ما عن حقوق الإنسان والمواطنين في ما سمي بلجنة إلغاء قانون الطوارئ، ولا في لجنة صياغة مشروع قانون الأحزاب، ولا في أي هيئة أخرى.

المشكلة الأساسيّة في “الإصلاحات” الموعودة أنّ السلطة كانت وما تزال تنكر وجود معارضة حقيقيّة تقليديّة أم جديدة تزداد يوماً ما. وهي تنكر الجوهر السياسيّ للأحداث أصلاً. لكن السلطة تلهث طبعاً وراء أيّ مظهر شكلي، لا يفضي إلى تغيير في ممارسة السلطة بحد ذاتها. من قبيل عقد احتفال كبير في مجمع صحارى برعاية فاروق الشرع وبثينة شعبان سمّي بـ”اللقاء التشاوري”. وهي تقبل، على مضض شديد وكبديل عن الاحتجاج، أن يقوم بعض المثقفين و النشطاء بعقد جلسة نقاش في فندق سمير أميس. كل هذا يقع ضمن استراتيجية السلطة لمحاصرة الاحتجاجات عبر الإدّعاء أنّ ليس لديها مشكلة مع المعارضة بحدّ ذاتها، فمشكلتها مع الفتنة والتخريب والسلفييّن والعصابات المجهولة المتجوّلة في طول البلاد وعرضها كما تزعم. كأن العمل المعارض كان مسموحاً به من قبل.

الواقع أنّ السلطة تنظر إلى الدولة على أنها ملك شخصيّ وحصريّ لها وتعتبر المواطنين رعايا أو خدم. لم يتردّد ابن خال الرئيس، رامي مخلوف، الذي لا يشغل أي منصب رسميّ في الدولة أن يقول أننا نتخذّ القرارات بصورة جماعيّة-أي عائليّة-؟ و أن يصرّح :”سنقاتل حتى النهاية”. هذا منطق السلطة الحقيقيّ.( سرعان ما قالت وسائل إعلام رسمية أن رامي مخلوف “مواطن عادي” ولا يمثل رأي الحكومة)

 هواجس ومعضلات:
 النظام مازال قويّاً رغم اهتزازه. ثمة تقديرات تقول بأن النظام سينهار لأسباب اقتصادية بعد بضعة شهور بسبب تعطّل قطاعات مالية وسياحيّة، وبسبب العقوبات الاقتصادية. لكن النظام لن يتوانى عن اقتراض الأموال من هنا وهناك وبأية شروط كانت في سبيل الاحتفاظ بالسلطة. ويبقى احتمال الانهيار الاقتصادي وارداً. علماً أن طبقة رجال الأعمال وأثرياء البلد، من كافة الطوائف، تقف إلى جانب النظام حتى الآن، و لا يتوقع أن تصطفّ إلى جانب المعارضة والتغيير راهناً.
المشكلة الكبرى التي تبرز هنا هي عدم قدرة الانتفاضة على إسقاط النظام في المدى المنظور وأن تتراوح في مكانها مع ما يترتب على ذلك من خسائر وتضحيات – وهذا مفسّر في ضوء ما نعرفه من طبيعة النظام أولاً والانتفاضة الشعبيّة بقواها الذاتيّة الصرفة التي لم تستطيع اختراق بنية النظام السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة ولا تحريك مدينتي حلب ودمشق- و هي لن تتراجع أيضا كما هو واضح من مسار الاحتجاجات وأن النظام بدوره لن يقوى على القضاء عليها. و”التوازن” هذا يكلّف سورية المزيد من الدماء والضحايا. لكن ما حدث ويحدث في سوريا كبير جداً بالمقاييس السورية.

الطائفية والحرب الأهليّة؟
الواقع أن التهويل من خطر “حرب طائفيّة” محببّ جداً لدى موالي السلطة وأتباعها، لكن لا يقتصر عليهم فحسب. مستشارة الرئيس بثينة شعبان تذكرنا يومياً بذلك صباحاً مساء. و ما إن يفتح مواطن سوري فمه تردّد شعبان نفس الكلام عن ضرورة الحفاظ الوحدة الوطنيّة(التي تعني بقاء النظام عندها) وخطر الحرب الأهليّة!
الانتفاضة في سوريا ذات وجهة وطنية تحرّرية عامّة. ويشارك فيها مواطنون سوريّون من مشارب سياسية و مناطقيّة ومهنيّة وعمريّة متنوّعة. ليس فيها أية ملامح طائفيّة أو مذهبيّة بمقدار ما هي انتفاضة المهمّشين في النظام السياسيّ-الاجتماعيّ-الاقتصاديّ. لا ينتقص من شرعيّة هذه الانتفاضة ، ووطنيّتها، أنّ الأقليّات تتملّكها مخاوف من التغيير ولا أن هناك أغلبيّة طائفة سورية تقف مع النظام لأنّها ارتبطت مع أجهزة السلطة أكثر من غيرها، ولذلك ارتهنت غالبيتها للسلطة، من غير أن نقول أنّ هذا النظام يمثّل طائفة معيّنة دون غيرها أو نحمّل طائفة معيّنة أيّة مسؤولية عن موبقات النظام . من غير الجائز أصلاً أن نتكلم عن الجماعات كأنّها كتلة صماء أو وضعها في كبسولة واحدة (وليس في هذا الكلام إدانة بقدر ما هو إقرار بالوقائع ويلزمها شرح ليس هنا مكانه). كما أن الركون إلى التفسير الطائفيّ لديكتاتوريّة النظام واستمراره يحمل مجازفة علميّة و سياسيّة.

 لا يبرئ هذا الكلام بعض المعارضين لأسباب طائفيّة بالطبع و لا يمكن نفي وجود احتقان طائفيّ في البلاد، لدى بعض الفئات، بسبب جذور النظام الحالي(حضور أبناء الأقليات من الأرياف والمهمّشين في سلك الجيش الذي تحكّم في مستقبل سوريّة وأزاح أعيان المدن التقليدييّن وملاكي الأراضي (“السنّة”) قبل أن تتحول السيادة للأجهزة الأمنيّة في عهد حافظ الأسد وحتّى اليوم الذي جمع حوله الأثرياء من كافة الطوائف وأفسح المجال لهم شرط الابتعاد عن السياسة كما خلق أثرياء جدد)،و جرح الثمانينات العميق وبسبب تغييب السياسة و الحجر على المجتمع وعدم وجود قنوات يمكن تصريف الصراعات سلمياً عبرها، و لا ينفي أن هناك من يعارض النظام لأسباب طائفية مثلما لا يمكن نفي طائفيّة بعض القطاعات والأشد موالاة للنظام وعدوانية تجاه المعارضة والانتفاضة سيما الذين تطوعوا كـ”شبيّحة” وقوات أمن خاص، أي الجيش الموازي.. لكن يجب ألا ننسى أن الطائفيّة في حقيقتها هي تعبير عن صراعات سياسيّة وعلاقة قوّة. لا يخلق الناس طائفييّن لأنهم ينحدرون من طائفة أو مذهب معيّن. بل يجري تطييف الحقل الاجتماعيّ والسياسيّ عبر الصراعات على السلطة أو الاحتفاظ بها، وفي الأزمات الوطنيّة وانسداد الأفق السياسي فالطائفية ليست إلّا “سوق موازية، سوق سوداء للسياسة ” بتعبير برهان غليون، كما هي” محصلة لأزمة الهيمنة الوطنية و استراتيجية سيطرة سياسية” بتعبير ياسين الحاج صالح.

هناك إشكالات موضعيّة حصلت في حمص مثلاً (حيث قيل أن محتجّين هاجموا على ناس موالين للسلطة) وفي تلكلخ قبل ذلك( حيث هاجم أناس عاديون موالون للسلطة بيوت محتجّين وجرت صدامات،حسبما توارد). لكن تم إحاطتها على الأغلب وطبعاً لا يعرف بالضبط ماذا جرى.

 غير أن الطائفيّة ليست وجهة للانتفاضة بأيّ حال من الأحوال، إلاّ في نظر من يرى النظام ممثلّاً لـ”تحالف الأقليّات” سواء من يشرعن لوجوب ذلك،صراحة أو ضمناً من الموالين، أو من يعارض النظام للسبب ذاته. على أنّه يمكن بسهولة ملاحظة الشعارات الوطنية الجامعة والديمقراطية المرفوعة والتي تنادي بتحقيق المواطنة والمساواة و الكرامة و دولة القانون. لم يرفع أي شعار عكس ذلك. كما يمكن العودة إلى بيانات التنسيقيات الشبابيّة التي تحمل حسّاً عالياً بالمسؤولية الوطنية تجاه البلد وأهله، وكذلك مواقف القوى المعارضة والمثقفون والنشطاء ضمن صفوف المعارضة والحراك الشعبيّ. المخاطر الحقيقية على البلد ونسيجه الوطني تنجم عن استمرار حالة الحرب على المنتفضين وإنكار السياسة، واللعب على الولاءات وعلاقات القرابة لحماية النظام.
الانتفاضة السوريّة في مواجهة السلطة المطلقة تسعى إلى إعادة الدولة إلى نصابها ككيان عام وهيئة وطنيّة عموميّة، بعد أن جرى ابتلاعها من قبل السلطة الحاكمة و خصخصتها. الانتفاضة تسعى إلى تأميم الدول وتحويلها من الملكيّة الخاصّة إلى العامّة . وبعدها تبدأ سورية، ما بعد الأسد والمخابرات والبعث ، بالبحث الجديّ عن حلول لمشكلاتها الوطنيّة التي حجبها النظام التسلطيّ الفاسد وتلك التي تسبب هذا النظام بحدّ ذاته في خلقها.

•  كاتب سوري

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق