انتفاضات العالم العربيّ(6)

لم يَكنْ فعل الثورات المُمتدّة اشتعالاً في غير دولةٍ عربيةٍ مُقتصراً على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعيّ، بل عَصفَ أيضاً بالحقل الرمزيّ لهذه المجتمعات، مُثبِتاً كونه فعلاً تاريخيّاً مؤسّساً على كُلّ الصُعد، وانقلابيّاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

فالثورة في المجتمعات العربية لم تقم بعمليّة هدِمْ كُلّيّ للرمز، فليس هناك من مجتمع يستطيع العيش دون حقل رمزيّ ودلاليّ خاصّ به يستقي منه معانيه، إنّما أحدثت هذه الثورة "حراكا" في الحقل الرمزيّ لهذه المجتمعات. وكذلك عملية "استبدال" في سُلّم رموزها، وإعادة انتاج لحقلها الدلاليّ وللمعاني الوطنيّة والاجتماعيّة والسياسيّة في هذه المجتمعات.

إنّ أهم رمز أسقطته هذه الثورات في بداياتها كان صور الرؤساء العملاقة التي تتربّص بالجماهير في الشوارع والساحات، ترفع أياديها حيناً مُحيّيةً لتؤكد أنّ يدها فوق الجميع وعينها على الجميع أيضاً. نعم لقد مُزّقت صور "الأخ الأكبر" منذ الأيام الأولى تحت وقع التصفيق والهتافات والصفير، ليعلن الثائرون أن لا أحد فوق سلطة الشارع في الشارع. فالصورة "رمز" ، والتمثال "رمز" والكتاب الأخضر "رمز"، حين هدّمت ومُزّقت انتاب هؤلاء الشباب حماسٌ للمضيّ في الثورة بعدما أخذوا جرعة قوّة من قتل "رمز" الرئيس، ليذكّرونا برجل الكهف الأوّل عندما كان يشعر بالإنتشاء حين يقتل الثور المرسوم على كهفه حين يعجز عن قتله في الغابة فيزداد شجاعة وما يلبث أن يتغلّب عليه بعدها في الغابة. ولقد فعلوها وأسقطوا فيما بعد الرئيس "الرمز" الذي شخصن الوطن والشعب وحياتهم كما كانوا قد لُقّنوا في المدارس والإعلام، أسقطوا رمز السلطة البطريركيّة الشموليّة والأبويّة المُدّعاة والتي فُرضت عليهم كقدرٍ نهائيِّ، لقد أسقطوا رمز ثقافة قروسطيّة تتعلّق بالأسرة الممتدّة التي يحكمها الأب البطريرك الواجب احترامه والخضوع له، وأنهوا امتداد هذه الثقافة على الدولة وهي مؤسسة مدنيّة حديثة، لقد قال الثوّار "لا" للرئيس الإله الأب. ببساطة هؤلاء الشباب قتلوا أباهم بالمعنى الفرويديّ الرمزيّ للكلمة.

لكنّ السؤال لماذا استطاع الشباب اليوم فعل ما لم يستطع فعله الجيل السابق؟ إنها مسألة الرمز أيضاً. فإذا نظرنا للسياق السياسيّ والاجتماعيّ- الثقافيّ الذي نشأ فيه الجيل الحالي، نرى بوضوح تفسّخ الرمز الأيديولوجي السياسي في الحياة العامّة من ناحية التعددية الحزبية والأيديولوجية (وذلك بفضل سيطرة الحزب الواحد وأيديولوجيته الواحدة؟)، وبالتالي سيطرة رموز هذا الحزب وهذه الأيديولوجية فقط التي لم تعد تقنع أحداً، خاصةً مع هذا الانفصام الهائل بين شعاراتها – رموزها وبين واقع الشعب وطموحاته. بالتالي نشأ جيل شابّ غير مؤدلج وغير مُسيّس وغير مُرمّز – حتى أنّ جزءا منه كان في الفترة السابقة ضحيّة لانتماءات تحت أو فوق وطنية في كثير من الأحيان – هذه الأرضية غير الملوّثة بصراعات الأيديولوجية الضيّقة وخصاماتها الإقصائيّة ساهمت في خلق مظاهرة مليونيّة جامعة لكلّ الأطياف والفئات والطوائف والإنتماءات، لأنّ الأهداف انتصرت على المنابت الأيديولوجية لأفرادها، ولأنّ رمز الحرية امتصّ فُتات الرموز الثانوية المُبعثرة.
 

النقطة الثانية المهمّة في بنية تكوين هذا الجيل الشابّ المتعلّق بالسياق الاجتماعي – الثقافي الذي نشأ فيه، هي الاختلاف الملحوظ في قواعد التربية التي كَبُرَ عليها، والمختلفة عمّا لدى جيل السبعينات والثمانينات. فلا أحد ينكر تطوّر أساليب التربية وتغيّر العلاقة بين الأبناء والآباء والانفتاح التواصلي الإعلامي الحديث وما أضفاه على شخصية الطفل والشابّ من استقلاليّة في شخصيته وقراراته و آرائه ونقاشاته سواء مع أهله أو غيرهم عبر الإنترنت. هذا التكوين الأكثر انفتاحاً وحريةً وغير الخاضع لتراتبيّة هرميّة أسريّة بشكل عموديّ إلا في بعض الأسر، لا نستطيع نكران أثره في تكوين جيل، أوّلاً : بذاكرة إلى حدٍّ ما نظيفة من مجازر هؤلاء الحكام العرب. ثانياً بقلب أقلّ ورعاً من سطوتهم بعد هذا الانفتاح الإعلامي الذي يرونه بأمّ أعينهم يوميّاً في الفضائيات والإنترنت. ثالثاً والأهمّ : ضعف سلطة الأب البطريرك في وعيهم وهم أبناء هذه المجتمعات الحديثة اليوم.
 

وليس "استبدال" الرموز الدينيّة بحدث أقلّ أهميّة من "هدم" الرموز الشخصيّة. فمنذ شهرين كانت نواقيس الخطر تدقّ في أكثر من بلد عربي مُشيرة إلى تفشّي الطائفية والتعصّب والتطرّف وما إلى ذلك من انتشار للرموز الدينيّة. وإذ بساحات الحرية تخلع كلّ هذه الرموز مرّة واحدة و"تستبدل" هذه الرموز الثانوية، دون أن تلغي كونها انتماءات بشكل أو بآخر، لتعلن رموزا أكثر انفتاحاً وأكثر تجدّداً وقدرة على تقبّل الآخر ومُشاركته. لقد انكفأت الرموز الطائفية الضيّقة وارتفعت الأعلام والأناشيد الوطنية فقط. هذا الإستبدال للرمز نقرؤهُ في الحقل الدلاليّ على أنّه استبدال لفكرة المقدّس الذي أصبح منذ الآن الوطن والحرية والديمقراطية والكرامة أولاً، ونقرؤهُ أيضاً بكون الساحات العامة والمُشتركة للوطن لم تعد

بعد الآن حكراً على فئة أو طائفة أو حزب، بل هي لكل المواطنين. أمّا الرموز الطائفيّة فمكانها ليس الساحات العامة والمشتركة والحقل السياسي إنّما دور العبادة والمنازل والمجال الخاصّ.
 

كما أحدثت هذه الثورات "حِراكا" في الحقل الرمزيّ للأحزاب والتقسيمات المتعارف عليها في المجتمعات. وأهمّ تجلّيات هذا "الحراك" أن صار الشعب لأوّل مرّة يقود السلطة والمعارضة، بعد أن كان قابعاً في القعر مُهمّشاً ومخصيّاً ومُكتسحاً بالقمع المباشر والرمزيّ من السلطة والنخب. وأفرز هذا الحراك صورة مُفاجئة لوعي سياسيّ مغمور لدى الشعب فاجأ تلك النخب التي طالما اتّهمته بالجهل السياسي.

وكانت للشعب رموزه أيضاً، مع فارق كبير : أنّ رموز الشعب وإن كانوا أشخاصاً فهم لا يطالبون بِـ"الشخصنة" عكس رموز السلطة. فـ"البوعزيزي" مثلا كَـ"رمز" وإن كان شخصا فلا هو كان يفكّر ولا أحد من أقاربه أو مًحبّيه فرض أو سيفرض بالقوة على أحد تقديسه وحبّه وتأليهه، كما أنّه رمز للحرية والانفتاح على عالم اللاسلطة واللاقمع، وبالتالي هو رمز للتجدّد والتغيير والرفض والفناء من أجل الكرامة. هكذا فإنّ رموز الشعب لا تتشابه أبداً مع رموز السلطة التي ابتلعت الوطن بالأنا وأغلقت المستقبل بتارخ مكتوب لها.
 

لقد أعادت الشعوب العربية ترتيب رموزها ومعانيها في هذه الثورات بما يتناسب مع عصرها ومع كرامتها ووعيها. بدءاً بكسر حاجز الخوف من سلطة الأمن ورموزه التي أُحرقتْ وأصبحت الآن في تونس ومصر رمزاً لعهد بائد من التعذيب والإهانة، مروراً بهدم رمز الأب الرئيس الإله، إلى استبدال الرموز الثانوية الضيّقة برموز مُشتركة أكثر انفتاحاً، نهايةً بإعلاءِ كلمة "اللا" بعد مسيرة "النعم" الطويلة المُذلّة، وليست "اللا" برمزٍ لُغويٍّ ودلالّيٍّ قليلٍ لشعبٍ لُقّنَ "النعم" رمزاً وشعاراً ليل نهار في الشارع، على الجدار، في الحيّ، في المدرسة وفي التلفاز، في الجريدة، من نهد أمه، على شفتيْ حبيبته ومن جيبهِ المثقوب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق