انتفاضات العالم العربي (13)


" وطني يعلّمني

أن حروف التاريخ مزوّرة

حين تكتب بدون دماء"

مظفّر النواب
 

1- إرهاصات الثورة:

 

للتحوّلات التاريخية الكبرى في تاريخ الشعوب، إرهاصاتها، المنذرة بحدوثها. وإنّ لفعل التراكم دوره في إحداث النقلة النوعيّة المرجوّة، لم تكن تونس، ومنذ ثلاث وعشرين سنة ساكنة، هادئة ووديعة كما كان يصوّرها الإعلام المجيّر لخدمة السلطة وكما كانت تروّجها السلطة نفسها عن نفسها، في مختلف المنابر المحليّة والدوليّة.

إن السطح لم يكن سوى ذاك المظهر الخلّب الذي كانت تحتقن في باطنه اعتمالات ذات بعد اجتماعي وسياسي وثقافي محرّكها وقادحها شتى صنوف الظلم والقهر اللّذين لامسا كلّ جوانب الحياة. لم يكن منطق الإلغاء والإقصاء والتهميش في كلّ مظاهره، والذي مارسه النظام السابق على امتداد ما يزيد عن العقدين بخاف عن كلّ ذي بصيرة ولم تكن سياسة الترويع والتخويف الممارسة على كلّ أطياف المجتمع ولا سيما قواه الديمقراطية والإسلامية، غائبة عن كلّ من ألقى السمع وهو شهيد.

ما انفكت منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدوليّة ترفع عقيرتها بالصياح حول ما يحدث في تونس من انتهاكات صارخة لكلّ القيم الإنسانية ولا سيما في وجه دول الإتحاد الأوروبي التي كادت تمنح النظام في تونس صفة الشريك الأفضل وهي تعلم جيدا ما كان يفعله، وكانت تصمّ آذانها وتخون مبادئها والأسس التي  انبنت عليها أنظمتها أسس الديمقراطية وحرية التعبير والعدالة في مختلف تجلياتها. لقد استطاع النظام أن يرفع في وجهها فزّاعة الإسلاميين والتطرّف والإرهاب ويخوّفها بالمثال الجزائري وما آل إليه… إنّه النفاق بعينه وإنّه منطق المصالح الذي ساد كلّ منطق.

إنّ الإرهاصات التي كانت تؤشر على ترهّل النظام وبلوغه مرحلة الوهن والضعف وانسداد الآفاق وتآكل طروحاته وانقطاع تواصله مع الشعب كثيرة ومتنوّعة المؤشر الأوّل ظاهرة الهجرة السريّة أو ما يعرف بـ"الحرقان" وهي ظاهرة ما انفكت تتسّع، فالسنوات الأخيرة شهدت تزايدا في عدد العاطلين، وانتشارا رهيبا للبطالة التي تفشت لدى فئات عديدة من المجتمع ولا سيما أصحاب الشهائد الجامعيّة. لقد عجز النظام على معالجة الظاهرة وظلّ يخفي الأرقام الحقيقية لعدد العاطلين ويطرح بدائل واهية سرعان ما كشف الواقع زيفها.

المؤشر الثاني هو ظاهرة العنف في الملاعب والتي استفحلت وأصبحت شرارة العنف تندلع لأتفه الأسباب، أصبح فضاء الملاعب متنفسّا للظلم والقهر المختزنين على امتداد ما يزيد عن عقدين من الزمن، إنه عنف مموّه لأنه احتجاج مقنّع ذو خلفية اجتماعية وسياسية، احتضنته الفضاءات الرياضية التي أصبحت بديلا عن الفضاء السياسي أي بديلا عن الشارع حيث من المفروض أن يمارس فيه الشعب حقّه في التظاهر وفي الاحتجاج وفي التعبير عن رأيه على أكمل وجه.

المؤشر الثالث هو هروب الرياضيين الدوليين والتحاقهم بالبلدان المنظمة للتظاهرات الدوليّة. لقد كانت الظاهرة صادمة للرأي العام التونسي ولكنّها كشفت الوجه البائس للنظام الفاسد، فهؤلاء الرياضيون ولا سيما الذين ينتمون إلى النخبة في الرياضات الفردية كألعاب القوى والملاكمة والمصارعة… ورغم ما بذلوه في سبيل تحقيق نتائج تفخر بها تونس، استغلّها النظام لتلميع صورته، إلا أنهم قوبلوا بنكران الجميل فصدّت في وجوههم سبل العيش الكريم وكانت شهاداتهم تدمي القلوب لما تعرّضوا له من صنوف الإهمال والإقصاء، فهم ينتمون في أغلبهم إلى عائلات فقيرة، وكانوا يحلمون بأن انتمائهم إلى النخبة سيتيح لهم تحسين أوضاعهم الاجتماعية ولكن آمالهم تبخّرت وذهبت سدى.

المؤشر الرابع هو أحداث الحوض المنجمي في مدينة الرديف من ولاية قفصة حيث تجلّى الفساد الذي ينخر أجهزة الدولة في أبشع صوره. إن هذه المنطقة المهمشة منذ العهد البورقيبي، ظلت مناجم الفسفاط فيها الملاذ الوحيد لمتساكنيها من حيث توفير مواطن الشغل، إلا أن النظام المخلوع القائم على المسحوبيّة والرشى، عمد كعادته إلى تشغيل أشخاص من خارج هذه الولاية مستفزا في ذلك مشاعر السكان ومفاقما من أوضاعهم الاجتماعية البائسة. لقد تمكن النظام من قمع تلك التحركات الاحتجاجية بقوة الرصاص فاستشهد أربعة شبان وزجّ بالعديد من المتساكنين في السجون وظلّ الوضع بالرديف محتقنا إلى حين اندلاع الثورة وحتى إلى ما بعد ذلك.

تلك بعض الإرهاصات وليست كلّها التي توّجت بإقدام الشهيد محمد البوعزيزي على إحراق نفسه بتاريخ 17 ديسمبر 2010، فكان ذلك الحدث الفارق في تاريخ تونس الذي أعطى شرارة الثورة والتي امتد لهيبها أوّلا في المناطق الأشد فقرا والتي عانت على امتداد عقود من انعدام التنمية ومن التهميش والإقصاء  أعني بذلك سيدي بوزيد، القصرين، تالة،… ثمّ انتشرت جنوبا فوسطا ثمّ شمالا لتتوّج بانهيار النظام وفرار الرئيس المخلوع في يوم تاريخي خالد إنّه يوم 14 جانفي 2011.

لقد رفض محمد البوعزيزي أن يهان بتلك الطريقة التي نعرفها جميعا فأضرم النار في جسده ليحترق ويحرق معه عهدا كاملا ونظاما ديكتاتوريا. ولعلّ من الشعارات البليغة التي صاغتها الذائقة السياسية التونسيّة والتي راكمتها عبر سنوات من النضال، شعار "بائع متجوّل يطيح بالتحوّل".

"إنّ كلّ هذه المؤشرات مجتمعة ليس باستطاعتها أن تفسّر ما حدث لأن المعطيات الاقتصادية والاجتماعية توجهنا لحتمية وهمية وتضعنا أمام تصوّر ميكانيكي للمراكمة والانقطاع.

ثورة تونس مفاجأة، حتى لمن أطلقوا شرارتها، لقد اندلعت في زمن انسحب فيه مفهوم الثورة من فضاء تفكيرنا لقد انطلقت شرارة الثورة من زاوية ميتة هي منطقة خارج مجال مراقبة النظام والفجاءة التي تعني في اللغة "ما هجم عليك من أمر لم تحتسبه" فجاءة تستبدل كليا وفي مدة وجيزة ما كان يبدو من خضوع بعصيان واضح ومعمّم. سيكون لهذه الشرارة، من بعد اسم الفداء محمد البوعزيزي"، يقول فتحي بن سلامة في مقاله: "فجأة كانت الثورة"(1).
ثمّ يضيف :

"حين نصغي مليا إلى الكلمات التي يشرح الشارع التونسي هبته في علاقة بما صنعه البوعزيزي نتوقف عند دال يتردد لديه كاللازمة: القهر. إنه لفظ مرعب ينتمي إلى سجل القدرة في أعلى درجاتها، القدرة على إخضاع شخص مّا وإحالته إلى العجز التام، من جذر (ق،هـ،ر) اشتق اللفظ الذي يشير إلى الغالب الجبّار أو القهّار (وهو من أسماء الله) واشتق اسم القاهرة (بمعنى الحاضرة الظافرة) ومن الغريب أن مادة (قهر) في العربية الكلاسيكية تعني فيما تعنيه "اللّحم إذا أخذته النار فسال ماؤه…

البوعزيزي هو انتفاض رجل ريفي فقير ينحدر من جهة معزولة على نرجسيّة "القهر" أطلق مسارا من "التذويت" الجماعي، يستند بلا ريب على شروط اقتصادية واجتماعية سابقة ولكن تلك الشروط كان من الممكن أن تبقى في حالة خمول، دون أن تتحول إلى مسار لا رجعة فيه. هو مسار الثورة.."(2).

 

2- في خصائص الثورة التونسيّة:
 

الحركات الاجتماعية المولّدة للتغيير الجذري – ملامح تؤسس لخصوصياتها من ذلك حجمها- أي عدد المشاركين فيها ومداها هل هي حركة محليّة أم عالميّة، ومدّة بقائها أي هذا الزخم الذي تحمله في أحشائها وقدرته على إيصالها إلى أهدافها ثمّ النظر في هذه الأهداف هل هي موجّهة نحو تغيير الأفراد أو الأنظمة، في تونس امتدّ الحراك الاجتماعي الثوري بنسق متسارع ولعلّ من أبرز خصوصيات ثورة الكرامة أنّها أسرع ثورة في التاريخ وهذه السرعة لها استتبعاتها واستحقاقاتها لأنّها ستفرض حتمية الاستجابة لمتطلباتها بنسق سريع يوازي سرعتها في تحقيق أكبر أهدافها وهي الإطاحة برأس النظام، إن الثورة في تمدّدها على ذلك النسق، انتقلت من الأطراف نحو المركز وتلك أيضا إحدى خاصياتها فهي في ذلك نقيض لما حصل في مصر حيث كان اندلاعها من العاصمة باتجاه باقي الأقاليم. لقد اكتسحت مدن الدّاخل المهمّش منذ عقود ثمّ تمدّدت باتجاه المدن الساحليّة، ورغم أن شعاراتها في البداية كانت ذات منزع مطلبيّ، إلا أنها وهي تراكم نضالاتها وتدفع في سبيل ذلك أرواحا طاهرة زكيّة كان عودها يشتدّ ويكتمل وعيها وتتضح الرؤية لديها فتدرك في لحظة ما أن حتمية تغيير النظام هو قدرها وأن طموحاتها المشروعة تقتضي أسلوبا جديدا فكان شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي ردّدت صداه كافة نواحي البلاد وكلّ ربوع الوطن يعني القطيعة مع الماضي وأنّ زمام الأمور أصبح بيدها لتكرّس بنفسها مطالبها المشروعة في الحرية والكرامة والديمقراطية. لا بدّ إذن من نظام سياسي واجتماعي وثقافي واقتصادي جديد، تصوغه النخب الثقافية والسياسية، بعد أن أتاحت لهم الثورة منعرجا تاريخيا ووضعتهم أمام مسؤولياتهم حتى يكونوا أوفياء لدماء الشهداء ولروح الثورة ولنزعتها التواقة في إحداث الطفرة النوعية المولّدة للمختلف والمغاير، تتفاعل مع العصر بمسؤولية وتسترجع ملامح هوية ضائعة وانتماء هلامي كرسته الأنظمة الدكتاتورية على امتداد عقود.

لقد كان للقمع والاضطهاد المسلّطين سواء على اليسار أو على الإسلاميين –وإن نالهم منهما القسط الأكبر- أو على الليبراليين، وكذلك لسياسة تكميم الأفواه التي مورست على امتداد عقود من الزمن أثرها البالغ في جعل جيل السبعينات والثمانينات ممن مرّوا بالجامعة التونسية وانخرطوا في ذلك النضال الطلابي وتشبعوا بمختلف الرؤى الإيديولوجية: قومية ويسارية وإسلامية مع كل تفرّعاتها من خلال حلقات النقّاش الملتهبة التي تصل إلى حدّ ممارسة العنف فيما بينها، إلاّ أنّها شكلت وعيا سياسيا راقيا كان هو صمّام الأمان لأغلبها وأكسبتها مناعة داخليّة استطاعت تلك الأجيال أن تنقّل إلى أبنائها ذاك الإرث النضالي لتحصنهم ضدّ سياسات النظام القائمة على استقطاب الشباب ومحاولة تمييعه وذلك بتغييبه عن همومه الحقيقية وعن المشاكل التي تعاني منها البلاد. لقد كرّست سياسة النظام حالة من الانفصام الحادّ بين الشعارات الخلاّبة المرفوعة والواقع البائس الذي عشناه. إنّ هذا الانفصام ساهم في كي الوعي لدى الفئة العظمى من الشباب أبناء جيلي السبعينات والثمانينات فراحت تبحث عن فضاءات بديلة لحالة الاختناق التي تعيشها – تعبّر من خلالها عن رؤاها وعن أحلامها وحتى عن هذيانها وجنونها فكان فضاء الاتصال الاجتماعي Facebook الحاضنة التي صاغت الوعي وبلورة الأهداف وحدّدت المصير، فإذا نحن أمام معادلة جديدة خلاّقة – لم تكن تخطر ببال النظام ولو لحظة واحدة – إنها معادلة العالم الافتراضي Le virtuel يحرّك الواقع Le réel ويؤثر فيه بل يغيّره تماما. هذا الفضاء / الرحم شكل نواة الثورة المباركة.

يصف البعض ثورة تونس بأنّها ثورة تاريخية ليست على شاكلة سابقة ولا هي مستنسخة عن تجربة سابقة وهي كذلك، ولكن أن نصفها بأنها ثورة ما بعد حداثية، صحيح فهي في مستوى التحقيب التاريخي الغربي تقع في مرحلة "ما بعد الحداثة" ولكن في واقعنا التونسي والعربي هل عرفنا الحداثة في بعديها الفلسفي والاجتماعي أم أنّ مجرّد انجاز الثورة بوسائل ما بعد حداثية تبوّؤه ليكون كذلك: إن المسألة في نظري تحتاج إلى تمعّن ونقاش. إلاّ أنّ ما حدث في تونس له خاصيّة أخرى وهو أنه ذو طابع ديمقراطي بامتياز إنها ثورة بدون رأس – وهي من هذا المنظور تقع في صلب الثقافة الديمقراطية الحديثة. غاب "الزعيم" وغاب "الحزب الثوري"… عن قيادة الجماهير فاندفعت كالموج الهادر متسلّحة بإرادة قويّة ووعي بمقتضيات المرحلة. غابت "الكاريزما" والتي كانت في تجارب أخرى تحمل في جيناتها فرضية إمكانية استعادت المستبد المطلق أو حتى المستبد العادل. لئن كانت ميزة ثورات القرن العشرين أو التحوّلات السياسية الكبرى أنها أنجزت بزعامات كغاندي وديقول والخميني فإن ثورات القرن الواحد والعشرين على الأقل كما افتتحناها في تونس وكذلك الأمر في مصر كانت بدون زعامات ولا أحزاب.

إنّ ثورة تونس هي ثورة الكرامة، فليست انتفاضة جياع، فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان، والإنسان إذا جاع كثيرا لا يثور بل يبحث عن أكل، ولكن الإذلال المصحوب بالحرمان المادي المتأتي من الفساد يجعلك تشعر حينئذ أن الفقر ظلم وليس قدرا فتنتفض على ذلك. ثورة تونس ثورة شعبية بامتياز بل هي ثورة مجيدة Une Glorieuse Révolution.

لقد كان لامتناع الجيش الوطني عن إطلاق النار على الجماهير والتحامه معها وكذلك انضمام الاتحاد العام التونسي للشغل مبكرا إلى الانتفاضة فدعمها وساندها وتبنى مطالبها. هذان العاملان كانا حاسمين في إنجاح الثورة وجعلها تحقق أبرز أهدافها وهي الإطاحة برأس النظام.

إنّ طبيعة المجتمع التونسي المتجانس، مجتمع عربي مسلم سني مالكي، لا توجد
به طوائف ولا ملل ساهمت في التفاف الجماهير حول جملة من المطالب شكلّت إجماعا وطنيا. لقد تجلى هذا التجانس كذلك في مجموعة من السلوكيات الحضارية قلّ نظيرها في ثورات سابقة، من ذلك الامتناع عن الانتقام بكلّ أشكاله، فكلّما مرّت الأيام انضبطت الجماهير أكثر واتضحت الرؤية لديها وعملت على تحقيق مطالبها بوسائل حضارية.

3- في تقييم ما حدث: ثورة منقوصة

    إنّ ما وقع في تونس يمكن أن ننعته بثورة منقوصة "révolution inachevée" لأنها استطاعت أن تطيح بالرئيس ولكنها كانت تفتقد إلى إيديولوجيا –للثورة تعريفات متعدّدة ولكن القاسم بينها ينطبق في جزء كبير منه على ما حدث في تونس.

    الثورة هي تغيير مفاجئ وعنيف في البنية السياسية والإجتماعية للدولة يحدث عندما تثور مجموعة ضدّ السلطات القائمة وتمسك بزمام السلطة."(3)

    إنّ ثورة تونس لم تستطع إلى حدّ الآن أن تمسك بمفاتيح إعادة رسم المشهد السياسي مما فسح المجال للتصرّف بالوكالة عنها. فعلاقات الهيمنة الاقتصادية والسياسية مازالت قائمة ولربّما ستظل مفتوحة في المدى المنظور فلا أحد يستنقص ما تمّ تحقيقه وأساسا فيما يتعلق بالتخلص من نظام استبدادي.(4)

    إنّ هذا التوصيف للثورة في تونس يقتضي من قواها الحيّة أن تكون حذرة ومتنبهة إلى المخاطر التي تتهددها. فالثورة المضادة يمكن أن تتخذ أشكالا مختلفة وتلتحف بعباءة الثورة لتطعنها من الخلف وذلك حتى تجهض أهدافها فتنتقد مبدأ الثورة وتشكك في وجاهتها. إن قوى الردة هذه ستعمل على سرقة الثورة من أصحابها وذلك بالدّفاع عن الشرعيّة القديمة التي قد تتقمص أدوارا جديدة مخاتلة.

    فمسار الثورة ينبغي أن يظلّ مستمرا إلى حين الإمساك بالسلطة وصياغة نظام جديد قائم على دولة القانون والديمقراطية، مع إعلام حرّ وقضاء مستقل وإدارة نزيهة، لن يتسنى ذلك إلاّ حين يصرّ الثائرون على أن ثورتهم تعطيهم المشروعية للذهاب بأحلامهم حدّ قصيّا. فالثورة تستمد مشروعيتها من ذاتها لأنّها تؤسس ذاتها بذاتها وكلّ ما تتخذه من إجراءات يكون شرعيا بمقتضى المنطق الذي يحكم الثورات عادة من ذلك ممارسة نوع من العنف الرمزي بغاية حماية الثورة ومراقبة الأداء السياسي للحكومة الانتقالية وقد يتخذ هذا العنف شكل مؤسسة تتولى احتضان الثورة وتكون ممثلة لكافة أطياف المشهد السياسي والمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية وممثلين عن مختلف الجهات بالبلاد ولا سيما تلك التي كانت الوقود لهذه الانتفاضة.

    إنّ هذه السلطة المضادة le contre pouvoir يتجلى في الإعتصامات والمسيرات وهي تعمل على تصحيح المسار وضبط البوصلة إزاء الضبابية التي تلفّ أداء الحكومة وقراراتها المرتبكة ومواقفها المتردّدة وإزاء جملة من القضايا تهمّ الشأن العام وسيادة الدولة.

    لقد جاءت الثورة لتنتقد الدولة من احتكار النظام السابق لها وتعيد لها ألقها وبريقها من أجل ذلك ستظل الثورة ساهرة تلاحق فلول النظام السابق التي قد تلبس لبوسا جديدا مخادعا. لقد أثبت شباب الثورة وعيا راقيا ويقظة متوثبة في متابعة مجريات الأحداث سواء في الدّاخل أو في الخارج. إن لتونس تراث عريق قائم على بيروقراطية عقلانية تسيّر الإدارة مؤسسات سياسية تشتغل في استقرار نسبي، مؤسسة الرئاسة والحكومة والبرلمان والإدارات المحليّة وأجهزة الأمن، وغير ذلك من المؤسسات التي تمثل صمام الأمان إزاء أولئك الذين يهددوننا بين الفينة والأخرى بالفراغ وانهيار الدولة، والأهمّ من كل ذلك هو وجود كفاءات عالية في مختلف المجالات والميادين القادرين على توفير استمرارية الدولة في ظلّ أي ظرف طارئ. هذه الكفاءات هي القادرة على إنجاز عملية الانتقال الديمقراطي والوصول بالثورة إلى برّ الأمان.

    إنّ عملية تطهير ما تبقى من بقايا "النظام السابق" تستدعي اليقظة المستمرة، لأن أولئك قد بسطوا أذرعهم في كافة زوايا الدولة. إنّ الدولة الجديدة ينبغي أن تؤسس على الحقّ، وعلى أسس سليمة تضمن لها الاستمرار وتقيها شرّ الوقوع في الانحرافات والمزالق.

 

الهوامش:

1-فتحي بن سلامة "فجأة كانت الثورة"، ترجمة مختار الخلفاوي، نشر على موقع الأوان بتاريخ 12/02/2011

2-المرجع نفسه

3-« C’est un changement brusque et violent dans la structure politique et sociale d’un Etat qui se produit quand un groupe se révolte contre les autorités en place et prend le pouvoir ».  Nouveau Larousse Encyclopédique, Dictionnaire en 2 volumes, Ed. Larousse, Paris 1994 vol2, page 1344.

    4-حوار مع د.مهدي مبروك، جريدة الشروق التونسية، بتاريخ الأربعاء 02 فيفري 2011، ص 22.

   1. 5- Dominique colas,dictionnaire de la presse politique, Larousse Paris 1997, P.237.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This