انتفاضات العالم العربي (15)

إذا كان ارتباط الثورات العربية بطابعها الشعبيّ ارتباطا واضحا،  فإنّ السعي إلى تكريس الشبكات الاجتماعيّة شرطا ضروريّا لقيامها، مسألة تعود إلى وهم تكنولوجيّ عنيد، من اليسير دحضه.

فكلّ حدث تاريخيّ واقعيّ أمر غير مُتَوَقع. ولا أحد يعرف بالتدقيق متى ولا  لماذا بدأ كلّ شيء في تونس،  وفي هذا اليوم بالذات وليس في يوم آخر، وفي الأماكن تلك، والفاعلين أولئك، بالذات. غير أنه من المؤكّد أنّ اندلاع حدثِ احتجاج ضخم يفترض مسبقا وجود خبرة جماعيّة، بحيث يتشكّل معيارٌ عاطفيّ وتأويليّ يؤدّي وظيفة توحيديّة.


طبعا، تَوَحَّد الشعب المضطَهَد بفعل الاستبداد الذي تحمله. غير أن الاستبداد لا يُثابر على البقاء إلا بفضل الانقسام بين من لا ينالهم منه غير الضَيم، ومن يجنون بعض الفوائد من تعاونهم معه. وذات يوم، تُختَرَق عَتَبة لا توصف ولا تُحَلَّل : فمعاناة الأوّلين أكبر بكثير مما يمكن أن تستوعبه أرباح الآخرين. وكل شيء ينقلب رأسا على عقب في أيام قليلة.  


لكي يقدر على التمرّد، أصبح الشعب التونسي قبل ذلك مجموعة متماسكة نتيجة انتظام الاستبداد وتَشَابُه المعاناة. يتعلق الأمر ههنا بوحدة سياسية ما قبل تكنولوجيّة. لقد تحققت، ولا ندري الكثير عن الكيفية.  وإن كان ثمّة وسيط تقنيّ أسهم في هذا التوحيد، فهو بلا شك قناة الجزيرة التي تبُثّ منذ عشرين سنة (هكذا في النص الأصلي، والواقع أن الجزيرة بدأت البثّ سنة1996-المحرّر)، أي قبل زمن طويل من ظهور الفايسبوك الذي ظهر متأخّرا، لكنّ الواضح أنّ أنصاره يريدون تناول الثورات العربيّة كما لو كانت سِلعا إشهاريّة. (فذلك طابع مميّز لهذه الشبكة إذ يشعر مستخدموها أنهم مجبرون على التبشير بشركة لا تكافئ عمالها إلا بعملة رمزية.(

بعيدا عن كل لجوء إلى التكنولوجيات، فالعنصر الحاسم إنّما هو بالتدقيق تلك العاطفة الجماعيّة، تلك التجربة المشتركة للمعاناة التي شكّلت الشعب بما هو وعي بذاته، يظهر من خلال أحداث كانت زنادا لانتحارات سياسية فرضت أمرا واقعا : الحقّ في الإفصاح عن الأسى الذي لا يُحتَمل، بالوعي بآلاف الآلام المبدَّدة إلى ذلك الحين والتعبير عنها، فيما مجرّد الهمس بها قاتلٌ. وإن عبّر أحدهم عن تلك الآلام، مُضَحِّيا بحياته التي تُفنيها النار، فإن جميع الآخرين يرون أن من حقهم أيضا الإفصاح عن مأساتهم. حين يوجههم مصباح كشاف تراجيدي، وهم يُعَرِّضون حياتهم إلى الخطر، علنيا وجماعيا، يمكنهم حينئذ الرغبة في أنوار سياسية [تُشع] على بلادهم. فقط، يكفي أن يُعرف الحدث الأوليّ الذي سيكون له شأن، ولا تهم الوسائل المستعملة [لانتشاره].
يُملي التحرّر السياسي على الوسائل المتاحة منطقها الداخليّ، أي أنه يُشوِّه طبيعتها. وقد تمثّل التحرّر السياسي في حالة الفايسبوك في تغيير وجهة هذه الشبكة الاجتماعيّة، بما هي مستودع قمامة الرغبات الجنسيّة الممنوعة المكوّنة من أجزاء حياة منشورة للعموم، مما من شأنه إغراق الفضاء العمومي بمعلومات تؤدي إلى اختناقه، من استعمالها الأوّل. قرّر التونسيون، ثم المصريون ، إلخ، عوضا عن عرض مقاطع من حريتهم المنحلّة الممنوحة المُشبعة بمتعة استهلاكيّة، التعبير عن حريتهم السياسيّة المكتسبة، وقد فقدت صفتها الذاتيّة، وغدت ترنو إلى وحدة شعبيّة سياسيّة.

يكتسي الإيحاء بأن الأنترنيت اختزلت الثورة التونسية أو المصرية نفس الوجاهة التي نثبت بموجبها أن الضوء الكهربائيّ قد يَسَّر انتشار الديمقراطيّة في العصر الحديث.  ليس الفايسبوك، وبصورة أعمّ تكنولوجيا الإنترنيت، سوى أدوات ثانويّة للتحرّر السياسيّ الذي كان بوسعه أن يجد – وقد وَجد فعلا- وسائل أخرى للتحرّر. بلا شك، يرتبط نجاح هذا الاعتقاد بقدرة بعض المستثمرين في الالكترونيك على تقريظ أنفسهم، تحديدا، عن طريق هذه الوسائل (بعدما صاغوا مآثرهم في شكل روايات قابلة للاستعمال المباشر، يُزَوِّدون الصحافيين بتقارير جاهزة) وعلى رغبتهم الدفينة في التقليل من شأن هذه الثورات.

وأخيرا ، فقد كان استعمال تكنولوجيات التواصل السياسي مسموحا به من قِبل السلطة الدكتاتوريّة. ولو شاءت، لكان  في وسعها تماما قطع كل روابط استخدام [الانترنيت]. وقد حافظت عليها لأنها توفر  معلومات هائلة. لذلك، فليس ثمة علاقة داخلية بين هذه التكنولوجيات والحرية السياسيّة. فبفضل المراقبة والتدوين الدائم، تخدم تكنولوجيا الاتصال بصورة غريبة هيمنة الليبرالية الرأسمالية الاديولوجية، كما تخدم هيمنة الدكتاتوريّة. ولكن أيضا، ومن حين لآخر، تكون، في حالة وجود خراب كبير، في خدمة مشاريع تحرّر سياسيّ أو فكريّ، وهو تحرّر يبقى مرتهنا بموافقة السلطة.

حُلمُ أنه كان بوسع الفايسبوك أن يُسهم في ثورة العرب حلمٌ يَروق : يعتقد مستعملو الفايسبوك أن بيدهم مثالا مضادا قادرا على إفحام المنتقدين. غير أن مصلحة قذرة أخرى لا تزال ساهرة. يحجب اجترار الهراء الرقميّ أيضا هذه الثورات العربية الرائعة والمثاليّة مثلما تحجب المرآة الداكنة التي لا نريد أن نرى بها خمولنا الحميمي المعروض وخضوعنا لأمر عدم التسييس الالكتروني.

المصدر:

http://jjdelfour.blog.lemonde.fr/2011/03/12/facebook-en-tunisie-revolution-politique-et-illusion-technologique/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق