انتفاضات العالم العربي (35)

اليوم وقد تراكمت السحب مهددة برجوع الجليد، خلدت في ذهني تلك التحية التنبؤية لهيجل بخصوص ثورة 1789 حيث قال “لقد كان شروقا رائعا للشمس”. وثبة تونس الجارفة ثم وثبة مصر المنتصرة في آخر المطاف لطرد طغاتها، والموجة الكاسحة حتى ربوع الصين التي شقت العالم العربي، بما في ذلك غزة، شكلت بزوغا رائعا للشمس.

لقد مزق هذا البزوغ في أوروبا، وفي العالم بصورة أشمل، الكثير من الغياهب الذهنية التي كانت تحكم على العالم العربي بأن يبقى راضخا إمّا للدكتاتورية البوليسية العسكرية أو للتيوقراطية الإسلامية الرجعية. إن الانبثاق الجامح، انطلاقا من الشبيبة، للمطلب الهائل المُنادي بالحرية والكرامة والنبذ الجذري للفساد الذي يحيط بالمستبدين، أظهر لنا بصورة ثابتة أن الطموح الديمقراطي لم يكن حكرا على الغرب وحده بل هو طموح كوني تم ثبوت صحته في الصين عام 1989 (قبل أن تخنق أنفاسه تحت غطاء إرجاع الأمور إلى نصابها). من هنا صيحتي التي أطلقتها خلال اجتماع لا ينسى لتحية الوثبة الأولى لتونس ومصر: “العرب هم مِثلنا ونحن مِثل العرب”، مع أخذ كل الفروق التاريخية والثقافية بعين الاعتبار بطبيعة الحال.

هذه الموجة الديمقراطية الكبرى لا تَدين بشيء للديمقراطيات الغربية التي كانت تساند على العكس الأنظمة الاستبدادية وتسعى لتخليدها. لكنها تدين بكل شيء للأفكار الديمقراطية التي نشأت في الغرب. وسابقا، وباستحواذهم على أفكار حق الشعوب (في تقرير المصير) والتي وُلدت في أوروبا التي كانت تضطهدهم، استطاع العرب المستعمَرين تحقيق تحررهم السياسي من الاستعمار. واليوم باستحواذهم على أفكار الحرية، يحقق العرب التحرر من الاستعمار الذهني. بقي إذن التحرر من الاستعمار الاقتصادي… مطروح للانجاز.

غير أن المسار الموصل من مطمح الديمقراطية إلى الإنجاز الديمقراطي ومن تخطّي مرتبة الرعية إلى الارتقاء إلى مرتبة المواطنة هو مسار صعب وغير واثق.

الملفت للانتباه هو أنه كلّما منع القمع الأحزاب وحطّمها وسجن الديمقراطيين ونفاهم، تحوّل الضعف السياسي إلى قوة للانتفاضة. إنها قوة عفوية، ذاتية التنظيم، دوّخت في فترة أولى من خلال طابعها السلمي السلطات القمعية، مبدعة – انطلاقا من أدوات الهاتف الجوال والانترنت – قنوات اتصالها الآنية والدائمة، وبفضل ذلك، تنظيما شبكيا ليس له رأس يمكن قطعه، لكنه يملك رؤوسا عديدة.

لقد كانت هناك إبداعات رائعة لا يمكن فصلها عن الطابع السلمي للحركة تُستلهَم من الذكاء لا من القوة، سمحت للشبيبة من أن تستقطب الأجيال والطبقات الاجتماعية المختلفة وتنزع عنها ثقل الاستكانة التي كانت ترزح تحتها.

سمح هذا الدور المحرك والرائد للشبيبة العربية بأن تكون المعبّر عن طاقات وطموحات كل شباب العالم الذين نشّطوا المقاومات والثورات (العالمية) الكبرى.

غير أن قوة العفوية تصبح ضعفا عندما يتعلق الأمر- لا بإسقاط دكتاتورية – بل ببناء منظومة ديمقراطية. حينئذ يحل الشعور بالفراغ المؤسساتي والهيكلي والفكري الذي صنعه الاستبداد ورعاه. ولئن كان هناك غليان خلاق ينمو لدى الشباب المتمرد، فإن ذلك لا ينفصل عن فوضى خام تفضي إلى انقسامات وأخطاء ناتجة عن استسلام متسرع أو عن متطلبات من المستحيل تلبيتها على الفور.

وبفرنسا وأوروبا و كل مكان بالعالم تقريبا، يُفقدنا بالفعل غياب التفكير حول تعقد الواقع الإنساني وحول المجتمع وسير العملية التاريخية للعولمة، القدرة على رد الفعل على السباق نحو الهاوية التي يتجه إليها كوكب الأرض والقدرة كذلك على النظر في ضرورة تغيير المسار للإنقاذ.

أثار الانهيار السريع للحُكمين المستبدين في كل من تونس ومصر لدى الأنظمة المستبدة الأخرى العزم على منع أو قمع موجة الحرية التي اخترقت أمم تلك الأنظمة. كانت هناك إجراءات لخنقها في المهد كما وقع في الجزائر، وإعلان تنازلات مشفوعة بأعمال قمع قاتلة في اليمن وسوريا، وتدخل قمعي من العربية السعودية في البحرين. وفي ما كانت الموجة تبتعد عن مركز انطلاقها، استطاعت أن تكتسي بُعدا أثنيا/دينيا مثلما جرى ذلك في البحرين بالرغم من أنها حافظت في كل مكان على طابعها التحرري السائد.

كان موقف القوى الكبرى، على الصعيد الغربي، على غاية من التنوع. لقد اتخذت الولايات المتحدة موقف البطل المدافع عن الديمقراطية بخصوص تونس ومصر وفي مرحلة أولى ليبيا. ثم إنها أظهرت تحفظا بالنسبة لسوريا ولم تضع قط موضع التساؤل نظام العربية السعودية. فرنسا الرسمية لم تحيّ الربيع التونسي إلا بعد تأخر كبير، ثم إن رئيسها قرر (فجأة) التدخل العسكري لإنقاذ مقاومي بنغازي الذين أصبحوا ثوارا.

وتشكل الحالة الليبية مُجمّعا من المفارقات والتناقضات والشكوك. أولى المفارقات ليس المرور فحسب من التعاون المفرط إلى العداء المعلن بين الرئيس الفرنسي والمستبد الليبي، بل هو أيضا تدخل القوى الاستعمارية السابقة لنجدة الانتفاضة الشعبية.

فهل هذا التدخل إنساني؟ وديمقراطي؟ وهل يحمل بُعدا اقتصاديا (البترول؟). وبما أنه يقتصر على ليبيا دون غيرها بينما يسود القمع العنيف في سوريا واليمن كما سادت اللامبالاة في السابق أثناء تنفيذ العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة، فإن الرأي العام العربي هو (اليوم) مرتاب ومقسّم. صحيح أن تدخّلا فريدا هو أفضل من عدم التدخل، لكن ملاحظة أن الغرب يكيل بمكيالين تطفو مرة أخرى على السطح.

اللايقينيات السياسية والعسكرية كبيرة جدا: ما هي أهمية النزعة القبلية داخل هذه الأمة التي أصبح العمران فيها منتشرا بشكل واسع؟ ما هي أهمية الاتجاه الديمقراطي داخل الانتفاضة؟ ما هي المساعدة التي قدمتها الجزائر وبلدان أخرى إلى القذافي؟ وأخيرا هناك خطر السقوط في مستنقع الحرب وأيضا خطر التطرف لصالح الأسوإ من كِلا الجانبين.

يأتي المصدر الأكبر لللايقين من ها هنا: ألا يمكن للطابع الإنقاذي الذي وسم بداية التدخل أن يتحوّل إلى كارثة؟ تُظهر لنا إيكولوجيا الفعل أنه إثر انطلاقته مباشرة، يصبح الفعل غالبا غير خاضع لنوايا الذين أطلقوه، فينحرف ويزوغ في بعض الأحيان نحو اتجاه معاكس تماما.

أما بالنسبة للمغرب الأقصى، فإن له تشابهات واختلافات كبرى مع الأمم العربية الأخرى. الاختلاف الكبير يتمثل في تأصّل الملكية في تاريخ هذه الأمة وفي أن ملكها أنجز في صلبها إصلاحات ديمقراطية وتحررية أولى ليّنت بعض الشيء من طابعها المطلق، زد انه أظهر مؤخرا إرادة إصلاحية متجددة وتم الاعتراف بصورة كاملة بالتعددية الأثنية والثقافي للبلد. أما التشابه (مع الأمم العربية الأخرى) فيتمثل في التفاوت (الاجتماعي) المفرط و في الفساد المتفاقم مع النمو الاقتصادي.

حل الربيع الديمقراطي العربي في فترة أصبحت فيها الديمقراطيات الأوروبية فاقدة للحيوية ومتعرضة لأخطار التقهقر إلى الوراء. فأوروبا، بعد أن حيّت الربيع العربي ببعض التأخير، هي الآن غائبة ومقسّمة. إن مجرّد الخوف من فشل الديمقراطية يحبط العزائم عوض أن يحث على درء الفشل. لا يجوز لفعل الدعم والمساندة أن يكون مواصلة لسياسة الاستعمار الاقتصادي، بل عليه أن يعد خطة مارشال جديدة في نمطها ويتجاوز الفكرة (التقليدية) للتنمية عبر مفهوم تعايشي تحافظ من خلاله كل ثقافة عربية على قيمها النبيلة وعلى أرقى ما أنتجت وتدمج داخلها أفضل ما قدم الغرب بما في ذلك حقوق الإنسان وحقوق المرأة.

إن الخوف من الهجرة والخوف من المد الإسلامي لا يمكن تجاوزهما إلا بمساندة المغامرة الديمقراطية مساندة تامة.

دخلت الآن الانطلاقة الرائعة التي عرفتها الأشهر الأولى لـسنة 2011 إلى متقلبات التاريخ. ومثل كل انطلاقة تنشد الحرية فهي رهان، ومثل كل رهان لا بد أن ترفق بإستراتيجية، أي بمرونة وإبداعية أمام العراقيل والمتقلبات وأن تتغير باعتبار المعلومات الجديدة التي تأتي في أثناء الطريق. ولسوف تشهد تلك الانطلاقة لا محالة هزائم ومحن. غير أنها تحمل في طياتها مبدأ الإحياء وإعادة الإحياء وهو ما سيثير إشراقا للشمس من جديد.

من الطموح إلى الانجاز الديمقراطي:
 

تطرح في اغلب البلدان العربية المسائل العويصة المتعلقة بالانتقال من التطلع للديمقراطية إلى تحقيقها.

وهنا يجب علينا أن نأخذ العبرة، لا من دروس التاريخ بل من دروس التأمل في التاريخ. الدرس الأول هو أن الديمقراطية كانت هشة ومؤقتة في أوروبا المعاصرة. ففي فرنسا تحولت ثورة 1789 إلى حكم الإرهاب ثم حل بعده انقلاب ترميدور وقيام الإمبراطورية التي أدّى سقوطها إلى عودة الملكية؛ وكان يجب أن ننتظر حتى نهاية القرن التاسع عشر كي تنصّب الجمهورية الثالثة التي محقتها الهزيمة العسكرية لفرنسا في جوان 1940 ويحل محلها نظام فيشي.

لنذكر بأنه في القرن العشرين قوّض النظام الفاشي الديمقراطية الإيطالية والنظام النازي الديمقراطية الألمانية وأطاح نظام فرانكو بالديمقراطية الاسبانية وبسط الاتحاد السوفيتي إلى حدود سنة 1989 كليانيته على البلدان الأوروبية التي استعبدها.

لكن يجب أن ندرك أيضا أن مُثل وأفكار الثورة الفرنسية (1789) قد ولّدت ونصّبت الديمقراطية من جديد بكل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والديمقراطيات الشعبية وحتى في الاتحاد السوفيتي، وإن كان ذلك بطرق غير متكافئة.

يستطيع الربيع العربي لسنة 2011 أن يعرف بالمِثل عمليات تحويل اتجاه وخنق واستلاب، غير أن الرسالة سوف تنهض وتبعث من جديد: إنها أصبحت قوة مولّدة ومجددة للتاريخ (ما عدا طبعا إذا ما اتجه التاريخ الإنساني نحو كارثة معممة).

مبدأ الحرية:

الدرس الثاني للتاريخ هو درس ايكولوجيا الفعل المذكورة أعلى: يمكن لاستفحال الممارسات الدكتاتورية أن يثير انتفاضات ثورية، وتستطيع اندفاعات الثورة أن تطلق دكتاتوريات رجعية مثلما كان الحال بإسبانيا سنة 1936. ولنضف إلى ذلك أن انقسامات الجمهورية الاسبانية العميقة، ما بين فوضويين وشيوعيين وليبراليين، ساهمت في حصول الهزيمة.

بمعنى من المعاني، نتج الربيع العربي عن تفاقم قهر الأنظمة الاستبدادية وسيطرتها على خيرات بلدانها، غير أنه يمكن أن نخشى أيضا أن الربيع عندما ينقسم ويتجزأ أو يتعثر يمكن له أن يؤدي إلى حلول رجعية جديدة.

الدرس الثالث للتاريخ هو صعوبة الترسيخ الديمقراطي. أشرنا إلى ذلك أعلى بالنسبة لأوروبا ويتعين علينا معرفة الأسباب:

1 – الديمقراطية تتغذى من نزاع الأفكار حتى ولو كانت غير متجذرة في وعي المواطنين؛ إن نزاع الأفكار يمكن له أن يؤدي إلى انتصار حزب قد يلغي الديمقراطية ( ألمانيا 1933) أو يؤدي إلى قيام حرب أهلية (اسبانيا 1936).

2 – واجب على الديمقراطية السماح للفكرة اللاديمقراطية بالتعبير عن نفسها، غير أنه يمكن للديمقراطية أن تدمَّر بواسطة حزب لا ديمقراطي؛ فإلى أي حد وإلى أي وقت يجب علينا التمسك بالتسامح، باعتبار أن المبدأ القائل بأن “لا حرية لأعداء الحرية” يؤدي إلى خنق الحرية.

3 – ترضخ الديمقراطية إلى قانون اللعبة التنافسية للحقائق المتقابلة، غير أنه ليس لديها من حقيقة أخرى سوى مبدؤها في الحرية، والانتخاب العام ليس بمنأى عن الخطإ.

4 – الديمقراطية تذبل من دون مشاركة نشيطة للمواطنين في الحياة السياسية. وفي الحاصل، تغدو الديمقراطية مغامرة كبرى في خضم مغامرة التاريخ.
 

نشر النص بصحيفة “لومند” الفرنسية بتاريخ 26 أفريل 2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق