انتفاضات العالم العربي (44)

كيف يمكن للثورة أن تفضي إلى تحقيق أهدافها؟ كيف يمكن لشعب أعزل، يُواجه بمعظم أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، أن ينتصر على نظام يملك كل شيء باستثناء الشرعية وحسن الأخلاق ورضا من يحكمه؟ كيف يمكن لثورة أن تنجح رغم تآمر الساسة الحكام وأدوات قمعهم الهائلة والذين لا يرون فيها، مع ذلك، إلا مؤامرة؟ وفي الحقيقة هي بالفعل مؤامرة من الشعب ضد الحاكم المستبد وأعوانه.
 
هذه الأسئلة وأمثالها يطرحها العقل، يطرحها العقل السياسي، الذي يبحث عن معرفة وتحقيق أفضل الممكنات الواقعية أو أقلها سوءاً. والثورة تمثِل حراكاً سياسياً بالدرجة الأولى. فحتى إن كانت أسباب الثورة أو عوامل نشوئها القريبة أو البعيدة هي أسباب اقتصادية أو اجتماعية وما شابه، فإنَّ الثورة هي فعل سياسي بالدرجة الأولى لأنَّ هدفها الأساسي هو القضاء على النظام السياسي القائم وتغييره بشكلٍ جذري. لكن كيف يمكن للفعل السياسي أن يخرج عن أطروحات العقل السياسي المتمثلة في عقلانية البحث عن معرفة وتحقيق ما هو ممكن وما هو واقعي؟ الثورة تعبير عن الإرادة أكثر من كونها تعبيراً عن العقل. وإذا جاز الحديث عن العقل بخصوص الفعل الثوري، فيمكن القول إنَّ هذه الإرادة هي التي تمثِّل هذا العقل. والإرادة، على عكس العقل، لا تهتم كثيراً بالبحث النظري في ممكنات الواقع، الإرادة تريد وتنزع إلى تحقيق ما تريد، وهذه هي ماهيتها. وفي السياسة يتم إخضاع الإرادة لتنظيرات العقل وما يعتبره كممكنات الواقع. أما في الثورة فإنَّ الإرادة –رغم لا-عقلانيتها ولا-واقعيتها، بمعنى عدم خضوعها لما ينظر إليه العقل السياسي أو النظري على أنَّه ممكنات واقعية – إلا أنها هي من يمكنه أن يغير الواقع ويصنع الأحداث بالمعنى القوي لكلمة حدث. وعلى العكس مما يظنه البعض فقوة الثورة والإرادة المؤسِّسة لها، تكمن خصوصاً في لا-واقعيتهما. فالواقعية تعني، فيما تعنيه، الخضوع لتحديدات العقل وشروط الواقع. في حين أنَّ رفض الخضوع، بكل معانيه وأبعاده، رفض الواقع وممكناته المتاحة، هو أساس الفعل الثوري.
 
العقل السياسي يسعى للتكيف مع الواقع، أما العقل الثوري فيسعى لتكييف هذا الواقع معه. العقل في ماهيته هو أداة حساب، والدخول في عالم الحساب السياسي يترافق غالباً عملياً مع ما يمكن تسميته بالحذر أو بالجبن. أما الإرادة أو العقل الثوري فيمكن وصفهما بالتهور أو بالشجاعة. وكما هو معروف لقد ربط الكثير من الفلاسفة والأدباء (كأرسطو وتولستوي مثلاً) الشجاعة بالعقل. بحيث تصبح الشجاعة هي السير وفق مقتضيات العقل سواء من حيث الإقدام أو من حيث الإحجام. لكني أرى أنَّ ماهية الشجاعة الحقيقية ترتبط بالإرادة والقيَّم الأخلاقية والنفسية، أكثر من ارتباطها بالعقل والقيم المعرفية والحسابية. وفي الثورة يكون الرهان على الإرادة المندفعة لا على العقل المتروي.
 
العقل السياسي يسعى لتحقيق أفضل الممكنات، أما الإرادة الثورية فتسعى لتحقيق ما يبدو للعقل مستحيلاً. ويجب التأكيد هنا على كلمة “ما يبدو”، أي على مسألة أن المستحيل والممكن هما مقولتان منطقيتان عقليتان تحيلان عموماً، وفي السياسة خصوصاً، إلى العقل، أو إلى ما يراه العقل، أكثر من إحالتهما إلى الواقع بذاته. من البديهي القول إنَّ الصياغة النظرية للواقع هي تشكيل هذا الواقع نظرياً كما هو بالنسبة إلينا، وليس بالضرورة كما هو في ذاته. وإذا طبَّقنا هذا الذي يبدو بديهياً، بالنسبة لي، على مقولات الممكن والمستحيل في عالم السياسة، يمكن القول إنَّ العقل السياسي بارع في تفسير المستحيل السابق بأسباب وعوامل تبدو له موضوعية، لكن يبدو غالباً أنَّه فاشل في رؤية الكثير من الممكنات الحاضرة أو المستقبلية. وتفسير العقل لهذا المستحيل يجعله يحيله إلى دائرة الممكن. والإرادة الثورية هي التي تبيِّن أنَّ ما يعتبره العقل مستحيلاً، في الكثير من الأحيان، يتحول حتى في نظر العقل نفسه، إلى ممكن وممكن جداً، لاحقاً. ويضطر العقل السياسي إلى الاعتراف بإمكانية ذلك لأنَّه ببساطة قد حصل. فمن الصعب على العقل قبل ثورة محمد السياسية الدينية مثلاً أن يتصور مدى النجاح الهائل الذي يمكن لهذه الدعوة الثورية أن تحققه. وكان هذا ببساطة مستحيل. لكنَّنا نرى الآن الكثير من التحليلات العقلانية التي تبين الممكنات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية وو إلخ التي ساعدت محمَّد وحلفاءه وخلفاءه على النجاح في ترك بصمة كبيرة جداً في التاريخ السياسي والإنساني للعالم قديمه وحديثه. ولا عجب في ذلك، فالإرادة تصنع التاريخ باختراقها لحدود الممكن، والعقل يقوم بتفسيره والتحرك داخله. الإرادة أقدر على صنع المستقبل، والعقل مختص أكثر بتفسير الماضي. لكنَّ العقل يخون نفسه باستمرار حين لا يعترف بقدرة الإرادة على صنع ما يبدو له مستحيلاً. فطالما أنَّ العقل لا يمكنه العمل إلا في حقل الممكن، فهو لا يرى في التاريخ إلا تحقيقاً للممكنات، ويجهل أو يتجاهل أنَّ الكثير مما بدا بالنسبة له مستحيلاً قد تحقق رغمَ انَّه لم يكن ممكنا وفقاً لمعايير هذا العقل نفسه.
 
لعل خطأ العقل يكمن في افتراضه أنَّ الإنسان مشروط بممكنات واقعية لا يمكنه تجاوزها. وخطأ العقل هنا مزدوج أو ثلاثي. فمن ناحية أولى، لا ينتبه العقل غالباً إلى أنَّ الممكنات النظرية لا تعبِّر بالضرورة عن كل الممكنات الواقعية، فالممكنات النظرية تظل دائماً وجهة نظر بالمعنى القوي والأصلي للكلمة، أي رؤية من زاوية واحدة مهما حاولت أن تتزين بالتعدد. ومن ناحية ثانية مرتبطة بالأولى، ينسى العقل أنَّ الممكنات التي يراها لا تعبر إلا عن ممكنات الواقع العقلية أو العقلانية. ففي الواقع ممكنات مرتبطة ومرهونة بالإرادة، وهذه الممكنات الإرادوية هي ما يعتبره العقل مستحيلاً. وليس الغرض هنا انتقاد العقل بل نقده أي تحديد حدود مشروعية وممكنات نظرته. ومن ناحية ثالثة، ينطلق العقل السياسي من افتراض أنَ الواقع يفرض ممكنات على الإنسان، وينسى أنَّ الإنسان يخلق ممكنات في الواقع، يخلق الواقع، ولا يكتفي بالخضوع للممكنات الواقعية المفروضة عليه. ومن هنا يمكن القول بأنَّ الثورة هي فعلٌّ خلَّاق يصنع الواقع وممكناته أكثر من خضوعه له ولها.
 
ربط بعض الفلاسفة الحقيقة بالعقل والخطأ بالإرادة. فديكارت مثلاً رأى أنَّ الخطأ ناتج عن التفاوت بين لا تناهي الإرادة وتناهي العقل. ويحصل الخطأ حين يخضع العقل المتناهي للإرادة اللامتناهية. أمَّا نيتشه، وهو أحد فلاسفة الإرادة، فلم ير في الخطأ إلا حقيقة تم تجاوزها، وفي الحقيقة إلا خطأ لم يتم تجاوزه بعد. والتجاوز للحقيقة- الخطأ أو الخطأ الحقيقة لا يتم هنا إلا عن طريق الإرادة. وأرى أنَّ لنظرة ديكارت معقولية كبيرة لكن بخصوص العقل النظري، أما نظرة نيتشه فتعبّر بشكلً أفضل عن العقل العملي. وعلى الرغم من أنَّ السياسة وفلسفتها تنتميان إلى ما يسمى بالعقل العملي، إلا أنَّ علم السياسة أو العقل السياسي يدور في فلك العقل النظري. فإذا صحَّ أنَّ العقل هو مصدر الحقيقة والإرادة هي مصدر الخطأ في نظرية المعرفة، فالعكس صحيح في العمل الثوري حيث لا حقيقة ولا قيمة إلا لما تريده الإرادة. فالإرادة الثورية هي وحدها التي يمكن أن تصنع الواقع بممكناته وأحداثه. في الحقل المعرفي والسياسي العلمي الإرادة تخضع للعقل، في العقل العملي والثوري، العقل تابع للإرادة. مع العقل والمعرفة نحن نخضع لما هو كائن، أمَّا مع الإرادة نحن نتوجه إلى ما يجب أن يكون، إلى ما نريده أن يكون. وما نريده أن يكون وما يجب أن يكون لا يظهر في الفعل الثوري إلا في كونه رفضاً وسلباً لما هو قائم. وفي هذه النقطة خصوصاً تكمن هشاشة الثورات نظرياً وإمكانية مقتلها عملياً. فهذه الإرادوية المحايثة والمؤسسة لكل ثورة تنزع إلى الرفض لكنها تعجز غالباً عن البناء. وتعب الإرادة وضعفها أثناء قيامها بالعمل الثوري قد يدفعها بالتوقف عند حصول تحقق جزئي لأهدافها ويتوقف الهدم (هدم النظام القائم) لصالح البناء (بناء النظام البديل). وتخضع عندها الإرادة للعقل، ويدخل الحراك السياسي الثوري في حسابات الممكن والواقعي العقلي، وننتقل من أحلام الإرادة وتطلعاتها إلى حسابات العقل وممكناته. مقتل الثورات هو في خضوعها أو إخضاعها لمتطلبات العقل. ويبدو أنَّ هذا هو قدرها دائماً. فالثورة كما ذكرت في مقالة سابقة هي في طبيعتها رفض وسلب لما هو قائم، أكثر من كونها تنظيراً واضحاً ومحدد المعالم للبديل الذي يجب أن يكون.
 
هذا هو الأساس الذي أقرأ من خلاله واقع الثورتين المصرية والتونسية، وما أفضتا إليه. فهاتان الثورتان انتقلتا من مبدأ الثالث المرفوع الذي يحكم المنطق الثوري الثنائي القيم إلى المنطق المتعدد القيم بل وإلى المنطق الضبابي. ففي المنطق الأول، الحق أو الحقيقة واضحة وجلية وكذلك هو حال الباطل. والحقيقة تكمن تماماً في القضاء على هذا الباطل. لكن ما أن تمَّ القضاء على جزء من هذا الباطل (والمتمثل في رأس النظام وبعض أعوانه)، حتى تمَّ الانتقال من الفعل الثوري إلى الفعل السياسي وتم الدخول في مساومات وأصبحت الحقيقة حقائق والباطل جزءاً من هذه الحقائق. ولا أرى أنَّ مشكلة مثل هذه الثورات هي في الثورات المضادة كما يرى البعض، بل أرى أن سبب المشكلة هي في سيادة العقل المضاد للثورة عند الثوار أنفسهم. فبمجرد ان ساد العقل على حساب الإرادة، عند هؤلاء الثوار، توقفت الثورة بالمعنى الدقيق للكلمة، وهذا يجعلهم يقبلون بطريقة أو بأخرى وبوعي أو بدونه الكثير الكثير مما لم يكن بإمكانهم كثوار أن يقبلوه أو يتقبلوه. العقل الثوري الإرادوي أعمى لأنَّه لا يرى بديلاً عما يريده، وهنا مكمن قوته وخطورته، لكن المشكلة أنَّ الاستسلام للعقل السياسي العقلاني يعني غالباً توقف الفعل الثوري والاقتناع بعدم جدواه أو مناسبته.
 
أثناء متابعتي المتحمِّسة للثورة المصرية كنت مندهشاً لما أسميته حينها بذكاء ودهاء الثوار. وتجلى هذا الدهاء بالنسبة لي في توجيه كل الثوار طاقاتهم نحو نقطة محددة إسقاط النظام الذي يتطلب أولاً إسقاط مبارك، وعدم تبديد الطاقات في أي معارك جانبية بين الثوار أنفسهم أو بين الثوار والخارج (إسرائيل أو أمريكا أو الامبريالية أو ما شابه) أو بين الثوار والجيش. لكنني كنت أعتقد أنَّ إسقاط مبارك سيكون خطوة أولى نحو إسقاط فعلي للنظام (بما في ذلك قيادات الجيش التي كانت من وجهة نظري جزءاً من النظام ومتواطئة معه). لكن ما أن سقط مبارك حتى بدأت قوة الثورة تتراجع وتراجعت الإرادة الثورية شيئاً فشيئاً لصالح مساومات العقل السياسي. وبدلاً من السعي لتشكيل مجلس ثوري يقود البلاد في هذه المرحلة الانتقالية وتكون مهمته الأولى استبعاد كل قيادات وأسس وحلفاء نظام مبارك، تم القبول بأن يقود بعض أطراف وأركان النظام السابق عملية التحول نحو الديمقراطية. لا شك في أنَّ هذا أسلم وأقل خطورة؛ لأنَّ الدخول في مواجهة مع كل أركان النظام السابق يستلزم تضحيات كبيرة ونفساً طويلاً كما أنَّ احتمالات أن يفضي ذلك إلى فوضى وخسائر كبيرة، أكبر. وأنا نفسي كنت راضياً عما حققته الثورة حتى الآن، وآثرت السلامة والتغيير البطيء على الخطر والتغيير الثوري السريع. لكن يبدو أنني لم أكن أفكر وفقاً للمنطق الثوري، المنطق الذي لا ينظر إلى الخسائر بقدر نظرته إلى ضرورة تحقيق ما يريده. ألم أقل أن منطق العقل السياسي يفضي إلى الجبن، وإلى التكيف مع الواقع، بدلاً من السعي إلى تكييفه.
 
آمل أن يسود المنطق الثوري لأطول فترة ممكنة في كل البلاد التي قامت أو ستقوم فيها الثورات. فكلما طال أمد الثورة كانت إمكانية القطع مع النظام السابق أكبر. وأملي أن تتوقف الثورة في حالتين فقط: الأولى تحقيق هدفها في هدم النظام البديل ووضع الأسس الأولى والقوية للنظام البديل، والثانية هي حين تتحول الثورة لسبب أو لآخر إلى حركة تأكل أبناءها كما حصل للثورتين الفرنسية والبلشفية مثلاً. ففي الحالة الأولى لا يكون هناك ضرورة لاستمرار الثورة طالما أنَّها أنجزت أهدافها، وفي الحالة الثانية، يكون هناك حاجة لثورة مضادة للثورة التي انحرفت عن مبادئ الثورة وغاياتها الأولية. وعلى الرغم من أنَّ العدو الأكبر للثورة هو النظام وأزلامه وأعوانه إلا أنَّ مقتلها قد يأتي عن طريق العقلانيين الخائفين أصحاب الحلول الوسطى التي لا تفضي غالباً إلا إلى إصلاح، لا معنى له، يسهم في تكريس النظام القائم أكثر من إسهامه في تغيير هذا النظام الذي يجب أن يتغير. ومن بين أعداء الثورة يبرز هؤلاء الذين يؤيدون الثورات من حيث المبدأ، لكنهم يعارضون أي تجسُّد فعلي للثورة، فيتصيدون سلبياتها وأخطاءها: فهذا يهاجم الثورة لأنها تخرج من الجوامع، وذاك لظهور بعض الشعارات والاحتقانات الطائفية فيها، وذاك لأن معظم الثوار هم في نظرِّه من الرعاع أو الغوغاء أو العامة الذين لا يفقهون من وجهة نظره لا معنى الحرية ولا معنى الديمقراطية إلخ (وأعتقد أنَّه يجب الاعتبار لهؤلاء الرعاة أو العامة أو الغوغاء. فإذا كان الرعاع أو العامة أو الغوغاء هو الذين يشكلون الجسم الأساسي للثورة وكان هؤلاء الرعاع أو العامة أو الغوغاء هم في أسفل العالم تقييماً وواقعاً، فيجب بالفعل قلب هذا العالم رأساً على عقب). وعلى العكس مما يعتقده ويروِّج له البعض، يكون العقل الطائفي أو الانتهازي أو النفعي هو المحرك لأعداء الثورة ومنتقديها، أكثر مما هو محرِّك للثوار ومؤيديهم.
 
الموقف من الثورة هو موقف نفسي أخلاقي بالدرجة الأولى، فإما أن نكون في موقف الغاضب من الظلم والظالم والرافض لهما، أو نكون في موقف الخائف المذعور من التضحيات التي قد يتطلبها التخلص من الظالم. وتضخم خوفنا من ذلك ومن البديل المفترض أو المظنون قد يدفعنا بطريقة أو بأخرى إلى اتخاذ موقف مضاد للثورة بدرجة أو بأخرى. طبعاً أنا أتحدث في الحالتين عن أصحاب النية الحسنة، ولا أتحدث هنا عن أصحاب النية السيئة من المنتفعين من وجود النظام المستبد بطريقة أو بأخرى والذين قد تدفعهم انتماءاتهم الضيقة أو مصالحهم المباشرة أو غير المباشرة، إلى ممارسة التشبيح بالهراوة والمسدس أو باللسان والقلم، أو بالأمرين معاً على حدٍّ سواء.
 
ختاماً أقول الثورة فعل سياسي تلتهمه غالباً السياسة أو العقل السياسي وتفقده الكثير من معانيه. وعلى الرغم من أنَّ الثوار هم من يصنعون التاريخ غالباً، إلا أن الساسة وأصحاب العقل السياسي هم من يحصدون معظم ثماره ونتائجه الإيجابية غالباً أيضاً. أما النتائج السلبية فيحصدها معظم أفراد الشعب ويؤدي تراكمها في مطبخ التاريخ إلى زرع بذور ثورات جيدة تنبثق في لحظات تاريخية مفاجئة رغم الظروف التي تمنع انبثاقها وليس فقط بسبب الظروف التي تؤدي إلى انبثاقها. التاريخ يكتبه المنتصرون، ورغم الانتصار الجزئي والنسبي الذي حققته الكثير من الثورات إلا أنَّه يبدو أنَّ تاريخ هذه الثورات يكتبه أصحاب العقل السياسي وليس أصحاب العقل أو بالأحرى الإرادة الثورية. التاريخ هو تاريخ الإرادة الثورية، لكن التأريخ كان غالباً هو تأريخ العقل السياسي. وبكلمات أخرى، التاريخ يصنعه المجانين المؤمنون بإمكانية صنع ما يبدو للآخرين مستحيلاً، أما التأريخ فهو تأريخ العقل السياسي حبيس ممكناته وواقعيته وعقلانيته. وأظن أنَّ واقعنا الحالي يتطلب وجود المجانين، فقد سئم من الركود الذي كرسته تنظيرات وعقلانية العقلاء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق