انتفاضات العالم العربي (45)

تجتاح المنطقة موجة من الاحتجاجات الشعبية المتلاحقة فى عدد من الجمهوريات العربية، وأصبح يوم الجمعة نوعا من سباق الماراثون بين الجماهير العربية فيمن سينجح أولا فى إسقاط نظام دولته. واختلفت المصطلحات التى تطلقها وسائل الإعلام على تلك التظاهرات الاحتجاجية، فالبعض وصفها بالثورة، وآخرون يصفونها بالانتفاضات والاحتجاجات أو الهبّات الشعبية! وبصرف النظر عن التعريف الدقيق لها، يصبح السؤال لماذا يهبّ الناس بالتظاهرات الاحتجاجية؟! توجد الكثير من الدراسات التي تعرّفنا لماذا يحتجّ الناس خاصة وهم على استعداد للتضحية بالثروة، والحياة السعيدة والهانئة، بل وأحيانا حياتهم نفسها من اجل قضية عامة. هذا السؤال يثير فضول العلماء، ويقودنا إلى مستوى التحليل الفردي، وبالتالي إلى علم النفس الاجتماعي، مع ملاحظة ان التخصصات العلمية الأخرى مثل علم الاجتماع، وعلم السياسة تناولت ظاهرة الاحتجاجات أيضا. ولكننا نركز فى هذه العجالة على مدخل علم النفس الاجتماعي، ونشير فى نفس الوقت إلى أدبيات من علم الاجتماع وعلم السياسة.

النفسية الاجتماعية للسلوك الاحتجاجي:
اهتم علم النفس الاجتماعي منذ أكثر من ثلاثة عقود بدراسة سلوكيات الاحتجاج. والاحتجاج هو شكل من أشكال العمل الجمعي، ويتشارك في نفس الوقت مع مفهوم الحركة الاجتماعية. وهناك مجموعة واسعة من أنماط السلوكيات الاحتجاجية، مثل الإضراب عن العمل، واتخاذ الإجراءات التي تستهدف تحسين ظروف المرء الشخصية (عمل فردي)، والإجراءات التي تستهدف تحسين أوضاع مجموعة معينة في (عمل جماعي). والإجراءات هذه قد تتفق مع قواعد النظام الاجتماعي القائم، أو تلك التي تنتهك قواعده الاجتماعية القائمة مثل الاحتجاجات غير القانونية، والعصيان المدني. هذا التمييز مهم جدا لأن ديناميات التحفيز الكامنة وراء الاحتجاجات المختلفة متنوعة وتختلف مع كل نوع. وبالفعل، فإن الشخص الذى يشارك في مظاهرات الشوارع لا يعني تلقائيا أنه يميل رجلا كان أم امرأة لاستخدام العنف لتحقيق أهداف المجموعة المنتمى إليها. وتبين النظريات الكلاسيكية أن مشاركة الناس في الاحتجاجات والتظاهرات هى للتعبير عن شكاواهم النابعة من الحرمان والإحباط، أو الإحساس بالظلم. ورغم نتائج الدراسات العلمية لم تثبت نتائج حاسمة أنّ الناس المنخرطين فى المظاهرات الاحتجاجية هم المظلومون والمتضررون، لكن الواقع والموارد والفرص تتوقع مشاركة المظلومين والمتضررين فى الاحتجاجات، وفى نفس الوقت أوضحت دراسات أخرى دور وأهمية الهوية الجماعية فى السلوك الاحتجاجي. ومؤخرا فى دراسات حديثة اكتشف دور العواطف فى السلوك الاحتجاجي. ودراسات أخرى ركزت على دور التضمين الاجتماعي، حيث تتزايد فعالية دور الشبكات الاجتماعية فى تحويل الشكاوى الفردية إلى مظالم مشتركة وغضب جماعى، وهو ما يترجم عادة إلى مشاركة فى الاحتجاجات.

نظرية التظلم والشكوى من الحرمان:
من أبرز النظريات فى تفسير التظاهرات الاحتجاجية، نظرية الحرمان النسبيّ. وهو مصطلح يستخدم في العلوم الاجتماعية لوصف مشاعر أو تدابير من الحرمان الاقتصادي والسياسي، أو الاجتماعي، وهو الحالة التي يحرم فيها شخص أو مجموعة من الأمر الذي يعتقدون أنهم يحق لهم، في حين أن شخصا آخر أو مجموعة أخرى تمتلكه، فهو حرمان نسبي بين طرفين، فهناك شخص أو مجموعة تمتلك هذا البند في حين أن الآخر لا يملكه. والمشاعر الناتجة من الحرمان النسبي تتولد عند المقارنة مع حالة معيارية واحدة، سواء كانت فى الماضي، أو بشخص آخر فى نفس الموقف، أو بالإدراك المعياري للمساواة والعدالة. وإذا كانت نتائج المقارنة فى النهاية أن الشخص لا يتلقى ما يستحقه، تتكون لدى الشخص خبرة بالحرمان النسبي. والحرمان النسبي المحسوب على أساس المقارنة الشخصية يعتبر حرمانا شخصيا متمركزا حول الذات، حرمانا أنانيا. والحرمان النسبي القائم على المقارنة الجماعية يعتبر حرمانا جماعيا مشتركا. وتشير الأبحاث أن الشعور الجمعي المشترك بالحرمان النسبي له أهمية خاصة فى المشاركة فى التظاهرات الاحتجاجية. ومع ذلك، أظهرت الدراسات أن العلاقة أكثر تعقيدا من هذا التبسيط فالناس يتظاهرون احتجاجا عندما يملكون خبرة جماعية مرتبطة بخبراتهم الشخصية فى الحرمان النسبي، وعندما يصبح الشخص سياسيا ومهتم بالسياسة تزيد دوافعه للاحتجاج والتظاهر. والناس الذين يملكون خبرات حول معاناة شخصية من الحرمان، وسلبت حرياتهم، وفى نفس الوقت يملكون خبرات حول معاناة جمعية مشتركة فى الحرمان وسلب الحريات، هؤلاء يملكون دوافع أكثر قوة للنزول إلى الشوارع تظاهرا واحتجاجا. وأكدت الدراسات أن المكون المعرفي فى الحرمان النسبي أقل تأثيرا على فعل المشاركة فى الاحتجاجات، بالمقارنة بالمكون العاطفي الذى يعكس مشاعر السخط وعدم الرضا والاستياء. وبجانب نظرية الحرمان النسبي، اختبر علماء النفس الاجتماعي نظرية العدالة الاجتماعية على نظريات المظالم والاحتجاجات. وتميز أدبيات العدالة الاجتماعية بين فئتين من الأحكام العدالة، العدالة التوزيعية والعدالة الإجرائية. العدالة التوزيعية تشبه الحرمان النسبي، بل تشير إلى نزاهة ومشروعية النتائج. العدالة الإجرائية تشير إلى نزاهة إجراءات اتخاذ القرارات والجوانب المرتبطة بالعملية الاجتماعية (المعاملة بكرامة واحترام ، وما إلى ذلك )؛ فالناس يهتمون أكثر بكيفية معاملتهم من قبل السلطات، وهل يمكن للسلطات الوثوق بهم. لذلك العدالة الإجرائية قد تكون مؤشرا أقوى من العدالة التوزيعية للمشاركة فى الحركة الاجتماعية، مثل التظاهرات الاحتجاجية. إن جوهر السلوك الاحتجاجي هو الشعور بالظلم، حتى لو كانت مشاعر الحرمان النسبي غير شرعية. ومن ناحية أخرى عرفت الدراسات الغضب الأخلاقي أو السخط الأخلاقي على بعض الشؤون بأنه الإحساس بأنّ القيم أو المبادئ المهمة قد انتهكت، وأصبح هناك تهديد غير متوقّع على الحقوق أو ظروف الناس. وبصورة عامة يمكن صياغة الصراعات والنزاعات داخل الجماعات كصراع على المبادئ أو تضارب المصالح المادية. هذا التمييز والفرق مهم جدا فى سياق الاحتجاجات لأنه فى تضارب وصراع المصالح بين الناس، يكون الناس أكثر ميلا لاتخاذ دور فعال للاحتجاج لفرض التغيير ، في حين فى الصراع على المبادئ يؤدي على الأرجح إلى احتجاجات يقوم فيها الناس بالتعبير عن آرائهم وإعلان سخطهم او غضبهم الأخلاقي .

نظرية الفاعلية:
تعرضت نظريات التظلم فى تفسير السلوك الاحتجاجي لهجوم في السبعينات من قبل العلماء بحجة أن المظالم لا توفر سببا كافيا للمشاركة في الاحتجاج. فالواقع أن العالم تكثر فيه الشكاوى من المظالم ولا تقوم احتجاجات؟! لذلك، لا يزال السؤال الرئيسي هو : لماذا بعض الناس المتضررين من الظلم يحتشدون احتجاجا! في حين أن البعض الآخر لا يحتجون!؟ اقترح بعض علماء الاجتماع وعلماء السياسة أن توافر الموارد، ووجود الفرص السياسية هى مفاتيح التعبئة للاحتجاج. فالمجموعات التى تتوفر لها المزيد من الموارد والفرص أكثر عرضة للتعبئة الاحتجاجية. وعلماء علم النفس الاجتماعي يطرحون سؤالا آخر ويقدمون الإجابة. لماذا بعض الناس تحتشد احتجاجا بينما البعض الآخر لا يملكون الفعالية على ذلك؟! وهل يتوقع الناس من الجماعات المرتبطة بالمشاكل ان يستطيعوا حلها بالجهود المشتركة ؟ هل يشعر الناس بالفاعلية السياسية ؟ هل يثقون فى رجال السياسة؟ او يسخرون منهم ويتهكمون على سياستهم؟ تعكس نظرية الفاعلية توقعات الأفراد للتغيير الممكن للظروف أو السياسات من خلال الاحتجاج. وهذه النظرية ترجمة لبعض سمات علم الاجتماع الكلاسيكي ، التى تشير إلى ان معتقدات الفرد لديها القدرة على تشكيل وتغيير البنية الاجتماعية، ولفهم إمكانية تغيير الناس هناك الحاجة إلى إدراك الجماعة القادرة على توحيد صفوفها والكفاح من أجل هذه القضية، ويجب أيضا أن يدرك السياق السياسي على انه مقبول ومتفق مع مطالب جماعتهم. وأول مؤشر فى فعالية الجماعة : الاعتقاد بإمكانية أن تحل المشاكل من قبل المجموعة ذات الصلة بالجهود الجماعية، والمؤشر الثاني يشير إلى فعالية السياسية : الشعور بأن العمل السياسي يمكن أن يكون له تأثير على العملية السياسية. والفاعلية السياسية لها بعدان :الفاعلية الداخلية وهو مدى الاعتقاد بأن شخص ما يفهم ويشارك فى السياسة، والفاعلية الخارجية هى مدى إيمان وثقة المواطنين فى الحكومة. ويرتبط بالفعالية السياسية السخرية والاستخفاف السياسي التى تعرف عكس الفعالية السياسية، وعكس أيضا الثقة بالحكومة. وبشأن العلاقة بين الفعالية والاحتجاج، أظهرت عدة دراسات أن مشاعر الفعالية مرتبطة ارتباطا وثيقا مع المشاركة في الاحتجاجات، وأيضا التعريف التحليلي أثبت هذه العلاقة وأكد أهميتها. وأن فعالية الجماعة أكثر أهمية من الفعالية الشخصية فى مدى التوقع فى المشاركة فى الاحتجاجات. وعلاوة على ذلك، أظهرت دراسة أخرى أنّ هناك احتمالا أكبر فى مشاركة الناس في أنشطة الحركة عندما يرون أنّ هذا سيساعد على إنصافهم فى مظالمهم وبتكاليف معقولة. وأجمعت عدد من الدراسات على وجود علاقة واضحة وصريحة وموجبة بين الفعالية والمشاركة فى الاحتجاجات، فالناس الأكثر فعالية يميلون إلى المشاركة فى الأشكال المعيارية للاحتجاجات (التظاهرات، تقديم الشكاوى والالتماسات ) بدرجة أكبر من الأفراد الأقل فعالية والذين يميلون بدورهم للمشاركة فى الأشكال غير المعيارية للاحتجاجات ( السخرية والسخط)، وفى نفس الوقت فإن المشاركة فى الأشكال المعيارية وغير المعيارية للاحتجاجات تتأثر اعتمادا على مدى إدراكهم للمظالم وعدم الإنصاف.

نظرية الهوية الاجتماعية:
 فى الثمانيات قررت دراسات متنوعة، أن الفوائد والمنافع ليست سببا كافيا لتفسير المشاركة فى الاحتجاجات. وشددت على نحو متزايد على أهمية الهوية الجماعية باعتبارها عامل تحفيز على المشاركة في الاحتجاجات. وعلماء الاجتماع أول من أكد على أهمية الهوية الجماعية في المشاركة فى الاحتجاجات، وتجادلوا حول أهمية نشوء الهوية الجماعية كأمر حاسم لانبثاق الحركة، وبالمثل، الدراسات النفسية الاجتماعية قررت أيضا أن الناس الأكثر تحديدا لهوية جماعتهم يميلون أكثر للاحتجاج بالنيابة عن تلك الجماعة. والهوية هي فهمنا من نحن ومن الآخرون، والفهم المتبادل بين أنفسنا والآخرين. ووصفت الهوية بإيجاز بأنها مساحة في المجتمع. والمساحة هى تعبير مجازى تعبر عن الأبعاد الاجتماعية ذات الصلة، مثل الجنسية والعرق والجنس والسن وهكذا دواليك. والشخص عادة ما يملك هوية شخصية والعديد من الهويات الاجتماعية. والهوية الشخصية تشير إلى تعريف الذات من حيث الصفات الشخصية، في حين أن الهوية الاجتماعية تشير إلى تعريف الذات من حيث العضوية في فئة اجتماعية. والهوية الجماعية تتعلق بالإدراك المشترك بين أفراد الجماعة. والهوية الجماعية تشكل الرابط بين الهوية الجمعية والهوية الاجتماعية. ودرس علماء الاجتماع وعلماء الانثروبولوجيا الهوية الجمعية من خلال دراسة ظواهر مثل الرموز والطقوس، الشعائر والمعتقدات، والقيم المشتركة بين أعضاء الجماعة. والباحثون فى علم النفس الاجتماعي درسوا هوية الجماعة عن طريق دراسة معتقدات ومشاعر الفرد ومدى الالتزام بالجماعة. والهوية الاجتماعية أكثر بروزا من الهوية الشخصية. فالناس تميل لتحديد ذواتهم الشخصية بتعريفات تجعلهم مختلفين عن الآخرين. فى حين يميلون لتحديد هويتهم الاجتماعية بمصطلحات تجعلهم متشابهين مع الآخرين. فإعادة تعريف الأنا والنحن كمساحة لتعريف النفس تجعل الناس تفكر وتشعر وتعمل كأعضاء فى جماعاتهم ويتحول السلوك الفردى إلى سلوك جمعى. 

فى السبعينات انبثق منظور الهوية الاجتماعية النفسية وتأثيرها على سلوكيات الاحتجاج من نظرية الهوية الاجتماعية. فالتصنيف الاجتماعي وفقا لبعض المعايير العادية يكفى لجعل الناس يشعرون ويفكرون ويتصرفون كأعضاء فى مجموعة معينة. عموما الناس عادة ما تناضل للانتفاع والاستفادة من الأبعاد الإيجابية للهوية الاجتماعية المرتبطة بجماعتهم. ورصدت الدراسات عدة خصائص لبنية الجماعة تؤثر على الكيفية التى يديرون بها هويتهم المرتبطة بالجماعة. أولها مدى النفاذيه لحدود الجماعة. بمعنى هل تسمح الجماعة للفرد بترك الجماعة للحصول على عضوية جماعة ذات مكانة اجتماعية أعلى ، فعندما لا يدرك الناس أمكانية الالتحاق بجماعة أخرى ذات مكانة أعلى، ربما يشعرون بالانتماء لجماعاتهم ذات المكانة المنخفضة!؟ ثانيا مدى استقرار البنية الاجتماعية للجماعة، وإلى أيّ مدى المكانة والوضع الاجتماعي ثابت او متغير؟ فعندما يعتقد الناس أن ترتيب مواقعهم ومكانتهم متغيرة، يحتمل ان يروا سلوكيات الاحتجاج كطريقة ممكنة لارتفاع بمكانة جماعتهم خاصة اذا كانت منخفضة المكانة وينظر لها كجماعة غير شرعية. أما أعضاء الجماعة منخفضة المكانة، والذين يرون موقف الجماعة المهيمنة على أنها جماعة غير شرعية وغير مستقرة يستطيعون استخدام مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات للحصول على مزيد من ايجابيات الهوية الاجتماعية، وهنا يجوز لهم، على سبيل المثال، إعادة تعريف خصائص جماعتهم السابقة، والنظر إليها على أنها سلبية، أو أنهم قد ينشغلون في المنافسة الاجتماعية التى تعتبر الاحتجاج أوضح تعبير. والجماعة المحددة الهوية تملك حافزا أقوى للاحتجاجات؟ لأن الكل يملك وعيا متشابها ومصيرا مشتركا وينتمون إلى نفس الفئة. وعندما تسييس الهوية الجمعية تصبح المحرك للفعل الجمعي للاحتجاج. وتسييس الهوية الجمعية عادة يبدأ بالوعي بالمظالم المشتركة، ويحمل معه ضمنيا صراعا على السلطة كسلسلة متعاقبة من الأحداث المسييسه التى تحول تدريجيا علاقات الجماعة ببيئتها الاجتماعية، حيث تتشكل خيارات تكتيكية من خلال الهوية، مثل إضرابات العمال، وأحداث الشغب والفوضى ضد البوليس. وفى سياق هذا الصراع تسعى الجماعة لكسب تأييد طرف ثالث أكثر قوة وسلطة مثل الحكومات الوطنية او عامة الجمهور، وهنا يتم تسييس الجماعة بالكامل. وعادة أعضاء الجماعة الأكثر تسييسا هم على الأرجح سوف يشاركون فى اى فعل احتجاجي جماعي .

عاطفة الغضب:
دراسة العواطف لها شعبية كبيرة فى دراسات علم النفس الاجتماعي للاحتجاجات. والمناهج الاجتماعية في دراسة العاطفة تركز على الطابع الاجتماعي لها من حيث معاييرها، وأفعالها وثقافتها التي تلعب دورا محوريا فى سلوكيات الاحتجاج. فالغضب ينظر إليه كاحتجاج عاطفي نموذجي. ومن يشارك فى الاحتجاجات، أو يراقب أحداثها ويشاهدها من خلال وسائل الإعلام الجديدة يندهش بقوة، فمن الصعوبة الشديدة تخيل احتجاجات منفصلة عن مشاعر الغضب. والانتماء لجماعات الغضب يعتبر محفّزا قويّا للمشاركة فى الاحتجاجات. والتمييز الرمزي، والحرمان النسبي يثير جماعات الغضب التى بدورها تعزز الاستعداد للعمل السياسي. والغضب مرتبط أيضا بالفائدة التى يحصل عليها الفرد من الجماعة فإذا شعر ان توزيع فوائد الجماعة غير عادل يشعر بالغضب، وهو مؤشر للاحتجاج. فالغضب يحرك الناس لتبنى علاقة أكثر تحديا مع السلطات بدرجة أكثر من عواطف العار واليأس او الخوف. وأظهرت الدراسات ان الفعل المعياري لجماعات الغضب هو الاحتجاج، وفعلها غير المعياري هو العنف وإظهار الكراهية. وهناك طريقتان للاحتجاج العاطفي طريق الغضب على أساس الفعالية، وهو يوصل إلى فعل معياري وازدراء وكراهية. لكن عندما تغلق القنوات الشرعية للاحتجاج ويصيح الموقف ميؤسا منه، ولا يوجد شيء يخسره الفرد، هنا يصبح الاحتجاج سلوكا غير معياري. 

التضمين الاجتماعي:
ان قرار المشاركة فى الاحتجاجات لا يتخذ فى عزلة اجتماعية، بمعنى ليس قرارا فرديا. والعكس نجد الإحساس بالمظالم والمشاعر المختلفة بالحرمان ذات طابع فردي وتتحول تدريجيا إلى مظالم ومشاعر جماعية من خلال الشبكة الاجتماعية للفرد. وظهر فى دراسات علم النفس الاجتماعي وجود ارتباط إيجابي بين المشاركة الطوعية الفعالة، والفعالية السياسية. وتجادل العلماء حول المدى الذي يتعلم فيه الناس العمل فى المؤسسات السياسية من خلال انخراطهم فى الجمعيات التطوعية، وهو ما يعرف برأس المال الاجتماعي، الذي يعرف كمورد وثروة وجزء لا يتجزأ من البنية الاجتماعية يتم الوصول إليه او تعبئته فى أفعال هادفة. ومفهوم رأس المال الاجتماعي له انعكاسات هامة على تعزيز فهمنا لدور التضمين الاجتماعي فى المشاركة في الاحتجاجات. فالتضمين الاجتماعي يلعب دورا محوريا فى سياق الاحتجاج، فتأثير التفاعل فى الشبكات الاجتماعية على الميل إلى المشاركة السياسية يتوقف على كمية المناقشات السياسية التى تحدث داخل الشبكة الاجتماعية وعلى المعلومات التى يجمعها الناس عن السياسة ، حيث تتوفر فرصة للمناقشة ومعرفة المزيد عن السياسة، ويتوفر أيضا مساحة لإنشاء ونشر خطاب نقدي ضد السلطات، وإيجاد وبناء وسيلة للمعارضة نشطة لهذه السلطات ، فهى المكان الطبيعي الذي يتحدث الناس فيه السياسة وبالتالي يتم حشدهم للاحتجاج . وبتراكم رأس المال الاجتماعي والثقة والولاء تتوفر الموارد اللازمة للاستثمار في الاحتجاج الجماعي .

التعبئة والحشد:
المشاركة في الاحتجاجات نتيجة مراحل طويلة في بعض الأحيان لعملية التعبئة ?! والتعبئة عملية معقدة، وهى ومرتبطة بعملية أخرى تعرف بالتأطير او التشكيل، وهى آلية تربط بين الإطار الأيديولوجي للمنظمين للمظاهرة الاحتجاجية وتلك المنظمات المشاركة فيها من أجل إنشاء تعريف مشترك للوضع، أو تحديد مصالح مشتركة، او تفسير مشترك لأيديولوجيات. وعملية التعبئة والحشد يمكن تقسيمها إلى عدة مراحل من الناحية النظرية : الحاجة إلى التعاطف مع القضية، الحاجة لمعرفة الحدث المرتقب، الرغبة فى المشاركة ثم القدرة على المشاركة. نتيجة هذه المراحل مجمعة، نجد نسبة صغيرة من عامة الجمهور تشارك فى الاحتجاجات. حيث تخرج نسب صغيرة أو كبيرة منهم مع كل مرحلة، حتى يأخذ الفرد فى نهاية المطاف الخطوة النهائية للمشاركة في العمل السياسي الجماعي.

وبعد هذه العجالة المختصرة، نرجع للسؤال الرئيسي لماذا يحتج الناس ؟! تناولنا بشكل منفصل نظريات المظالم والفعالية والهوية والعواطف ثم التضمين الاجتماعي وأخيرا التعبئة والحشد فى تفسير السلوك الاحتجاجي، لكن فى الحقيقة لا نستطيع الفصل بين تلك المفاهيم فهي جميعا تتشابك، وتؤثر مجتمعة فى سلوكيات الاحتجاج.

—————

قراءة فى :
The social psychology of protest, Jacquelien van Stekelenburg and Bert Klandermans, VU University, The Netherlands , Sociopedia.isa,2010
http://www.scribd.com/doc/56263928/…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق