انتفاضات العالم العربي (51)

فاجأت الانتفاضة السورية المثقفين السوريين بمن فيهم أولئك الذين دعوا إليها وشاركوا في فعالياتها منذ اللحظة الأولى، إذ لم يكونوا يتوقعون أن تتجذر وتتسع بهذه السهولة لتمتد إلى كل البلاد، يعينهم في ذلك تشاؤم مديد وانغلاق عن الواقع والقواعد الشعبية غرقت فيه الثقافة العربية عموما منذ عقد على الأقل.

 

وعليه، انقسم المثقفون السوريون إلى ثلاثة أقسام بفعل موقفهم من الانتفاضة السورية التي اندلعت في الخامس عشر من آذار، قسم انخرط فيها منذ اللحظة الأولى، مشاركا ومنظرا وفاعلا ومطوّرا لآليات نجاحها، متحملا في ذلك عسف السلطة الذي لا يرحم ورشاشات الكلام المحرّض على القتل من زملاء آخرين، وعلى إثره دخل العديد من المثقفين السوريين السجن، ولا يزال بعضهم حتى اللحظة، وهرب البعض إلى خارج البلد، رغبة بقول ما يشاء دون قيد، وهربا من رصاصة قناص غادر، وبقي القسم الأكبر هنا مقاوما بكلامه وجسده آلة سلطة لا ترحم.

والقسم الثاني من المثقفين، وقف على الحياد متفرّجا على دم شعبه ينزف في الساحات بحجة خروج التظاهرات من الجامع، أو غياب البديل، دون أن يقدم أحد منهم بديلا أو أفقا أو رؤية، أو حتى يهجو الاستبداد الذي هو السبب والمسبب لانعدام البديل ولخروج التظاهرات من الجوامع، وقسم كبير من هؤلاء ينتمي إلى العلمانية فكرا ومنهجا، وبالتالي يبرر صمته وحياده بأنه لن يكون جسرا لوصول التيارات الإسلامية إلى السلطة، مما يعني ضمنا تأييد بقاء الاستبداد، خوفا من بديل إسلامي مفترض.

ينسى هؤلاء أو يتناسون، أن الاستبداد هو ما أنجب التطرف الديني واستولده، وأن التطرف الديني هو أولا وأخيرا نتاج تطرف سلطوي أفضى إلى ما أفضى إليه، بعد أن حرق كامل المساحات المدنية وأعدم السياسة وأبقى المجتمع في دائرة طوائفه، معبّدا الطريق بذلك لانتشار التديّن كملاذ للبشر، مما يعني تهيئة الأرض الخصبة لنشوء تيارات الإسلام السياسي، وبالتالي فإن أول خطوة لمحاصرة التطرف والتيارات الإسلامية تبدأ من القضاء على مسببها، ألا وهو الاستبداد.

ومن جهة ثانية، ينسى هؤلاء أنهم إذا أرادوا أن يوقفوا المد الإسلامي من الوصول إلى السلطة عليهم أن يوقفوه من موقع الفاعل، لا الصامت والحيادي والمتفرج.

على العكس تماما، إن وقوفهم الصامت والحيادي هذا تجاه الاستبداد، يجعلهم خارج دائرة الفعل، وسيجعل من مطالبتهم اللاحقة فيما بعد بالدولة العلمانية أو المدنية بحدها الأدنى، مطالبة لا معنى لها، لأنها تصدر من موقع خارجي، متعالي، لا من موقع داخلي، متفاعل، وتشبه إلى حد بعيد مطالبتهم في العقود السابقة للسلطات المستبدة بوقف المد الديني وعدم استغلاله لتخويف العلمانيين.

ينسى هؤلاء أو يتناسون مرة أخرى، أن المستقبل يصنع بإرادة الفاعلين لا الصامتين أو المتمنين، وأن الدولة العلمانية الديمقراطية المدنية التي يشتهون لن تنشأ دون نضال حقيقي، نضال يبدأ من مغادرتهم مواقعهم المحايدة باتجاه الجموع المنتفضة في الشوارع، ولا ينتهي عند حدود الانخراط الفاعل في الحراك الفكري الدائر حاليا حول شكل الدولة المقبلة بتفاصيلها القانونية والتشريعية والتنفيذية والقضائية.

 

وإن انتصرت التيارات الإسلامية مستقبلا، سيكون هذا لأن “جهادها” الآن أكبر بما لا يقاس من “نضال” العلمانيين وانخراطهم، لأنه – وبعيدا عن تمنياتنا الخاصة- في كل الثورات التي حصلت عبر التاريخ يصل إلى السلطة من يفعل لا من يتفرج، سواء كان مجاهدا( من موقع ديني) أم مناضلا ( من موقع علماني)، علما بأنني أستبعد هذا الخيار كليا لسوريا، رغم تقاعس بعض العلمانيين، دون أن يعني أيضا أن الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية ستكون تحصيل حاصل، بل ستكون نتيجة مخاض ونضال طويل بسبب التركيبة السكانية لسوريا، وسيجعل من بنائها أكثر صعوبة إن تأخر العلمانيون في الانضمام للحراك الحالي.

 

والقسم الثالث من المثقفين، بقي في مكانه المعروف، فهو منذ البداية كان في صف الاستبداد وسيبقى، لأن الثقافة تتحدد لديه بمقدار المكاسب المتحصلة، وعليه يتحدد دوره ككلب حراسة لمصالح الاستبداد التي توحدت مع مصالحه، وبالتالي سيبقى في موقعه إلى حين سقوط الاستبداد، ليعود ويبحث عن دوره بعد سقوطه دون أن تتغير وظيفته ودوره.

 

هذا من ناحية تموضع المثقفين السوريين من الانتفاضة حاليا، أما عن طبيعة دورهم كمثقفين فيختلف الأمر، إلى درجة يتوحد فيها الجميع في خيانة هذا الدور، إن اعتبرنا أن دور المثقف يتحدد بصفته النقدية، أي أن ينتقد كل ما لا يراه صوابا، حتى لو تجلى هذا اللاصواب في بعض أفعال الانتفاضة ذاتها.

 

إن كان المثقف الحقّ ينتمي تاريخيّا إلى ضفة المهمشين والمعذبين والأحلام الكبرى، ضد ضفة الاستبداد والقتلة، فإن موقعه هذا لا يكتمل إلا ببعده النقدي ونظرته الناقدة لما ينتمي إليه قبل نقده لما لا ينتمي إليه ويمثله.

ومن هنا جاء تطور مفهوم المثقف النقدي من مفهوم المثقف الرسولي الذي ساد في ستينيات القرن الماضي، و الذي كان يبشر بالأفكار والإيدلوجيات دون نقدها، من موقع أنها تحمل الخير للبشرية جمعاء، قبل أن يكتشف أنه ساهم من موقعه هذا في تكريس قبضة استبداد عضوض، فعمل على سحب تأييده ومراجعة موقفه ومعرفته وتبرؤه مما آل إليه وضع إيدلوجيات أيدها فخيبت ظنه، ليولد من مراجعته تلك مفهوم المثقف النقدي، الذي يُعمل آليات نقده في كل شيء، حتى لما يؤيده وينتمي إليه، لأن النقد والنقد المضاد وحده يكشف الأخطاء ويصوبها على ضوء المعارف الجديدة التي تتولد كل يوم.

 

وبسحب ما سبق، على مواقف المثقفين السوريين من الانتفاضة، سنجد غيابا كليا لهذا الدور، حيث يبدو المثقف مسحورا ومباغتا ومبهورا بما يراه على الأرض من انتفاضات كان يحلم برؤيتها، بل كان قطع الأمل برؤيتها على مدى عقود تالية، ونتيجة انبهاره وانطلاقا من موقعه كمثقف ينتمي للجموع ضد سلطة الاستبداد أعطى الانتفاضات كامل مشروعيتها وأيدها، وهو محق في ذلك، ولكن في غمرة انبهاره وفرحه نسي دوره النقدي، عبر زج كل قواه الفكرية لصالح الانتفاضة، مرتدا إلى فكرة رسولية ( عودة إلى المثقف الرسولي) تقول أن كل الخير في الانتفاضة، وكل الشر في الاستبداد، متناسيا أن الانتفاضة كي تستمر وتنجح وتصل بر الأمان تحتاج صوته النقدي، أكثر مما تحتاج رسوليته وفرحه بما تراه عيناه.

 

إذن على المثقف، ومن موقع انتمائه للانتفاضة وفرحه بها، أن يستعيد دوره الفاعل من موقعه المتفاعل ( وفق تعبير الباحث سعيد ناشيد)، ولكن من موقعه النقدي أيضا، ليصبح هو “المتفاعل ناقدا”، أو “الناقد متفاعلا”، الذي يستشف مالا يراه الآخرون من أخطاء، بغية تصويبها وتطوير الانتفاضة وتجذيرها، وذلك كي يصبح فرحه بالانتفاضة فاعلا، لا متفاعلا فحسب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق