انتفاضات العالم العربي (55)

 

أبدت الشعوب العربية أسلوبا ًجديدا ًمن النضال الوطني السلمي والديمقراطي ضدّ أنظمة متكلسة كالحة لا تجيد السياسة، تقوم كلّ خياراتها على العنف المطلق العاري، وإن كانت هذه الأنظمة العربية الواحدية تتشابه من حيث احتكار السلطة والحقيقة “شبه دينية”، وتحطيم مؤسسات الدولة، والسيطرة على الفضاء العام، وسحق شخصية الفرد المستقلة، ومحو إرادته الذاتية، وتمجيد شرعية القوة، فإن بنية المجتمعات العربية التي تخوض هذا الصراع الخلاق مختلفة ومتباينة، ولعلّ أهم أسباب تفجر هذه الثورات هو تغير علاقة السلطة مع منابع المعرفة، أي انتقال الأفكار الإنسانية والقيم الكونية والمبادئ المشتركة بشكل أفقي تراكمي، مما ساهم تدريجياً في التأسيس لوعي جمعي فعّال، بعد أن كانت هذه الأفكار والحقائق محتكرة من قبل الإعلام السلطوي لتخرج من السياقات والمخاضات التي تولدت عنها وتلقّن بشكل عمودي انتقائي وعظي بغية تمييع الإرادة المستقلة والاختيار الحر.

 

بهذه السياسة تحول المواطن من متلقٍ سلبي مهمش ومسحوق إلى مساهم فعّال صانع للحدث، وبدأ الفرد يتحسس دواخله ويدرك أن الشعوب هي التي تصنع الأنظمة التداولية وتفرض عليها محاسبتها ورقابتها الشرعية وليس الأنظمة المطلقة هي التي تصنع الجماهير وتفرض عليها رقابتها الإيديولوجية الخانقة وتغرس قبضتها الأمنية في رقاب الناس.

 

الانتفاضة السورية بعين النظام

ستة أشهر مرت على بدء الاحتجاجات في سوريا، والنظام القمعي البوليسي لم يعترف حتى الآن بوجود أزمة بنيوية عميقة متجذرة ذات طبيعة سياسية وطنية عامة، أي إنه ًيحاول دوما نزع الصبغة السياسية عن الأزمة “نفي سياسي بامتياز”، حين يتحاور ويستدعي رجال دين يلوون عنق النص الديني لمصلحته “البوطي نموذجا ًالذي فصّل إسلاماً أسديا ًعلى مقاس السلطة تماماً”، أو وجهاء عشائر معروفين عند العامة بولائهم الصارخ للنظام، أو خلق معارضين جُدد كانوا قبل الأزمة لسان حال السلطة في المحافل “محمد حبش نموذجاً”؛ حيث يعيد إنتاج خطاب مراوغ مبهم ضبابي يستطيع كل الموالين والمعارضين تبنيه.

 

الطائفية السورية حالة أم مشكلة؟

 النظام لا يعترف بالوعي المدني الحداثي الذي أبدته هذه الكتلة الوطنية السلمية الشعبية الفعّالة، بل يتعامل مع الشعب بنظرة احتقار ودونية، وذلك بتحنيطه إياه على شكل عشائر و قبائل وطوائف تفضّل إراقة الدم على الواقع المعاش والانتماء المذهبي الجهوي الضيق على الانتماء الوطني العام الموحد.

توجد في سوريا حالة طائفية كامنة راكدة لم تتطور بعد إلى مشكلة طائفية حقيقية على نطاق واسع “كما حدث في لبنان و العراق مثلاً”، بسبب تدمير النظام السوري لأية مؤسسة ثقافية أو سياسية مستقلة، فضلاً عن قضائه على هيئات المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية الفعّالة، التي تساهم في تنشئة وتراكم وعي ديمقراطي مدني حقيقي وسليم يقضي على العصبيات الطائفية الموتورة، فالاستبداد السياسي هو الذي يؤدي إلى التقوقع الطائفي والتخندق المذهبي، والسيطرة بالهراوة الغليظة على الشأن العام المشترك سيقابله ارتداد الفرد إلى الشخصي. 

لذلك، هذه السلطة القاهرة المتجبرة الفوقية تقوم بتفكيك بنية المجتمع التحتي الخاضع إلى مكونات قبل مدنية تربطها علاقات ما قبل الدولة، أي أن الوحدة الوطنية التي يتفاخر بها النظام السوري هي تجانس قسري وتعايش إجباري ظرفي مؤقت وليست ناتجة عن مصالح اجتماعية حقيقية صريحة وروابط سياسية وإنسانية عقلانية.

هذه الحالة الطائفية يلعب عليها النظام دوماً كي يبرر وجوده كقوة قهرية جامعة، ولكي يخيّر الناس بين السيء والأسوأ في اللحظات الجدية والحاسمة، فعلى تعبير الكاتب “حازم صاغية” بأن “المشكلة الطائفية في كثير من البلدان صعدت من الصلب الاجتماعي إلى منصة السلطة، في حين أنها في سوريا يهبطها النظام من منصة السلطة إلى الصلب الاجتماعي”.

 

ثورة تحرّرية وطنية عامة أم انقلاب طائفة على طائفة؟

ربط النظام وجوده كنظام سياسي قائم على البطش والقتل بمصير مكوّن هام من مكونات المجتمع السوري “أقصد بالتحديد هنا الطائفة العلوية” ماسحاً ومزيلاً الحدود الفاصلة بينه وبين الطائفة. لذلك كان النظام يحاول دائماً أن يحوّر منحى الصراع الدائر عبر إعلامه السمّي وبعض ألاعيبه الميدانية “قطع الجثث وتشويهها، عمليات الاختطاف الغامضة.. “، من انتفاضة الحرية والكرامة والعدالة يقودها قطاع واسع من الشعب السوري بمختلف مكوناته ضدّ سلطة أمنية لا تستخدم سوى القوة الفيزيائية المحضة، إلى صراع طائفي ديني عبر استحضار الديني الموروث من المخيلة الإسلاموية الماضوية النازفة واستنفار الشعور الديني الغرائزي “شعور لا عقلاني قبل حداثي” الموجود في اللاوعي الجمعي الذي سيفضي إلى صراع داخلي طاحن، فالصراع الديني هو صراع لا يتم فضه وحله بالطرق السياسية السلمية، إنما هو صراع متأصّل متجذر وقدري حتمي امتد من الأزل وإلى الأزل، والنظام خاسر في صراع الحرية ومنتصر في التناحر الأهلي “هذا ترياقه”.

أما شعارات مثل “الله أكبر”، و”يالله مالنا غيرك يالله”، و”عالجنة رايحين شهداء بالملايين”، فتلك لأن عقوداً دامية كان عمادها الخوف تمارسه أجهزة أمن تحصي أنفاس الناس وتتدخل في حيواتهم الخاصة والعامة وتحتكر السياسية والفضاء العام، الأمر الذي سيجعل الناس يتجهون نحو الهامش الوحيد المتاح الذي لا يخضع إلى التدخل والمحاسبة والرقابة ألا وهو الدين “بعد اليأس من الأرضي الفردي الاتجاه إلى السماوي الجمعي”.

 لذلك، فهذه هذه الشعارات نابعة عن ثقافة إسلام اجتماعي بمعظمه وليس إسلاما سياسيا كما يحاول البعض ترويجه.

 

الانتفاضة والعنف

الثورة الشعبية، الحراك الشبابي، انتفاضة الكرامة، سمّها ما شئت، سلميّة في طابعها العام، وإن ظهرت ردود فعل انتقامية وثائرة ساخنة كانت موضعية و ظرفية، أي ليس كما يدّعي النظام بوجود حركات مسلحة مدربة ومنظمة تقوم بالقتل والترويع “كل الميليشيات الإسلامية المتطرفة ذات العقيدة الجهادية العنفية استخدمها النظام اثناء الحرب الأمريكية على العراق”، وردود الفعل هذه تظهر نتيجة عنف ممنهج ومنظم وبشع تقوم به قوات رديفة للجيش السوري والتي تسمى “الشبيحة”، فضلاً عن أجهزة أمنية تربّي أشخاصاً مسعورين موتورين مجبولين بالكره والحقد، وكما قال الأستاذ “ياسين الحاج صالح” بأن “العنف الذي يقوم به النظام ليس عنف دولة ضدّ مجتمع، بل هو عنف طائفي أعمى وعميق في حقده”.

 

المثقّف والانتفاضة

مهمة المثقف الحقيقي البقاء على مسافة نقدية صارمة من الشارع للغوص في تفاصيل الحدث وتفكيك المشهد العام والحفر في البنى المكونة، من أجل إعادة صياغة الصورة وفق المعطيات المتغيرة أبداً، فالشارع ليس خيرا ًمحضا ًوحذار من المثقف ومن “شبق الاندغام” في الشارع – التعبير للمفكر عزيز العظمة – مما يستوجب على المثقف أن يترفع عن مديح التلقائية والطبيعية والغريزية، فبدلا ًمن الذهول من هذه اليقظة المفاجئة والغضب العارم، عليه أن يربط هذا النشاط الميداني الجبار وهذه التضحيات المستمرة برؤية سياسية حداثية وإنسانية متماسكة ومتسقة.

 لا أقول هذا الكلمات اتهاماً للشارع بالشعبوية وبأنه بحيرة من اللاعقلانية والغرائز بقدر ما أناشد المثقف بأن يقوم بدوره الحقيقي من أجل سلامة الحراك والحفاظ على المبادئ القيمية والأخلاقية التي تشكل جوهر الانتفاضة وقوتها وسلميّتها ولاطائفيتها. مثلاً: الشارع في لحظات الغليان والتهيج مخدّر وحلمي وراديكالي “أحد المثقفين اعترف بخوفه من طرح أية مبادرة من أجل الحوار خوفاً من تخوين الشارع له”. وفي النهاية لا بديل عن طاولة الحوار من أجل الخروج من أية أزمة سياسية معقدة ومتشابكة.

 تاريخياً، كانت هذه الشعوب متهمة دوماً بالعبودية الجينية والخنوع الإرادي واللاقابلية للحداثة، كون الديمقراطية نبتة غريبة لا تستطيع النمو في هذه البيئة النكوصية الارتدادية نحو الماضي، ولكن هذه الانتفاضات الشجاعة كسرت هذه المقولات “التي كادت تصبح بدهيات ومسلمات” كونها تضفي على الإنسان خصائص جوهرانية ثابتة صميمية، ولا تنظر إليه كونه كائن اجتماعي تاريخي يخضع لقوانين التحليل المركب ويتغير بتغير اللحظات التاريخية المختلفة.

 وأخيرا،ً يجب حماية نتائج هذه الثورات من التيارات القومية العروبية المتطرفة التي تعتمد على المؤسسة العسكرية وتفضّل الصراع الخارجي مع “العدو المتربص” على التنمية الداخلية، وكذا من التيارات الماضوية الدينية المتطرفة التي تعتمد المؤسسة الدينية وتفضل عبادة السماء على قضايا الأرض.

حذار.. من سطوة الخوذة و إرادة العمامة.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق