انتفاضات العالم العربي (56)

بعد نجاح ثورتي تونس ومصر، وكنتيجة من نتائجهما القوية والمؤثرة على المحيط العربي، بدأت الانتفاضة السورية أواسط آذار الماضي. والغريب أنها بدأت من طرف فئات أهلية غير سياسية. إنّ العامل الأهليّ المدنيّ الذي رفض الإهانة شكّل الشرارة الأقوى للانتفاضة التي غدت ثورة وطنية عامّة. بدأت الانتفاضة السورية من مكان صغير لكنّه شديد الألم والمعنى، من تحت أظافر أطفال درعا المقتلعة.. درعا هذه المدينة التي قاست حملات شرسة جرّاء تمرّدها المستمرّ ضدّ المذلّة التي رفضت تحمّلها، وإلى الآن ما زالت تسمع في شوارع درعا وبلداتها شعارات تحوّلت إلى أغنيات جماعية تنشدها جموع غفيرة وسط ساحات عامّة : الموت ولا المذلّة. أطفال درعا هؤلاء، ومنهم الرمز- الضحيّة حمزة الخطيب، غدوا أيقونة من أيقونات المجتمع السوريّ الجديد. والقراءة الموجزة التالية تحاول تسليط الضوء على البعدين الاجتماعي والاقتصادي، غير الدينيّ وغير القوميّ، في الحركة السورية المذهلة التي قوبلت بمظاهر قسوة وحشية مرعبة من قبل آلة النظام العسكرية والأمنية.

***

خلال سنوات العقد الأخير، 2000- 2010، حدثت تحوّلات اقتصادية واجتماعية ربّما تكون الأخطر في نتائجها الكارثية على أحوال عموم المجتمع السوريّ. فقد ارتفع متوسّط الحاجة المعاشية للموظف السوريّ الحكوميّ، كمثال غير حصريّ، من 12 ألف ليرة سورية إلى 26 ألف ليرة كحدّ أدنى، أي بمعدل يزيد على المئة بالمئة، هذا حسب اقتصاديين ينتمون إلى الوسط العلمي الرسمي، ثم ارتفع تالياً إلى مستوى أعلى بكثير، وسبب هذا الارتفاع المفاجئ، والذي لم يكن في مقدور معظم السوريين تحمّل تكاليفه الباهظة، في القضاء السريع على طبقة متوسطي الدخل الذين كانوا يشكلون عماد الاستقرار الاجتماعي. ترافق ذلك مع تزايد نسبة الفساد الحكومي بدرجة مرعبة، وحسب مصادر سورية رسمية فقد تقدّمت وزارتا التربية والعدل على بقية الإدارات الحكومية في ارتفاع منسوب الفساد. عدا ذلك فقد شهدت سوريا أسوأ سنوات الجفاف، وقد شمل بالأخص مناطق الجزيرة وشمالي شرقي سوريا، ممّا تسبّب بنزوح عشرات آلاف العائلات نحو مدن الداخل، وسكن قسم كبير منها ضواحي دمشق الجنوبية في بيوت الصفيح، وقسم منها ذهب حتى حدود درعا الجنوبية القريبة من الأردن. أمّا المستفيدون من تحرّر السوق الاقتصادية السورية، المرافق لحدّة الفقر وتخلخل البنى الاجتماعية وزيادة عدد الفئات الشابة الفقيرة، فقد تركّزوا ضمن النخبة المرتبطة بالنظام وبالأخص في مركز مدينتي دمشق وحلب دون ضواحيهما وريفهما. وممّا يلاحظ أنّ أكثر مظاهر الاحتجاج والبؤر الناشطة تشمل مناطق وبلدات ريفية مهملة وفقيرة، أقواها وأكثرها استمراراً ريف دمشق وضواحي حلب بشكل أقلّ، عدا بلدات ومدن حماه وحمص ودير الزور وادلب.

***

مما سبق، وبشكل جزئي، نلاحظ أن تزايد الفقر، والزيادة السكانية غير المتناسبة مع توفير فرص العمل، إضافة إلى استفحال الفساد، راكمت أسباباً عميقة لانتشار الانتفاضة في مدن وبلدات غير متوقعة، ولم يسبق لها أن وقفت مواقف معارضة سياسية علنية ضد الحزب الحاكم. أمام ذلك الانسداد المعاشي الخانق والتراجع الاقتصادي الكبير، كان السوريون يرون بالمقابل بداية نشوء مجتمع مخمليّ غريب عن الوسط السوري الفقير في عمومه. حدث نوع من الكسر الداخليّ بين الفئات السورية لصالح فئة غير منتجة تحوز على ثروة ضخمة، ويعود سبب اكتساب هذه الثروة إلى وسائل غير شرعية، وأخذت الثروات الضخمة تتراكم في أيدي القلّة، مما ولّد احتقاناً داخلياً كبيراً. ولعلّ إحراق مراكز خدمة الخلوي لشركة سيرياتيل ومقرَّيّ المحكمة والمحافظة وسط درعا بداية الاحتجاجات تتضمّن إشارة واضحة إلى ارتباط الفساد السلطوي بإثراء غير مشروع، ومحميّ من أيّ نوع من التساؤل والمحاكمة إضافة إلى تمتّعه بالاحتكار شبه الكلّيّ لنشاط القطاع الخاصّ في سوريا.

***  

الذين خرجوا في سوريا أناس عاديون، غير مثقفين في عمومهم، وغير مرتبطين بأحزاب سياسية ولا حركات دينية. إن الإهانة العميقة التي كان يستشعرها المواطن السوري العادي، ويحاول تناسيها، حفّزت وراكمت داخله أسباب التفجّر القويّ ضدّ نظام الاستبداد البعثي. بالطبع ساهمت الجماعات الحقوقية والنشطاء السياسيون ووجوه ثقافية معارضة على مدى عقود، في الحفاظ على جوهر أخلاقيّ وسياسيّ رصين، عبر رفض التلاؤم مع الحالة غير الإنسانية التي عانى منها المجتمع السوريّ.

***

هكذا تمكّن شبان غير سياسيين من إحداث تحويل سياسي غير مسبوق في سوريا. ومما يلفت الانتباه أن مستوى الوعي السياسي لهؤلاء المفتقرين إلى الخبرة السياسية الكلاسيكية، وربما نتيجة براءتهم من هذه الخبرة “القديمة” التي وصلت إلى حدود اليأس وفقدان الأمل بأيّ تغيير ممكن في سوريا، قد حفزتهم أكثر على حيوية يفتقر إليها الجيل القديم. يشهد على ذلك غلبة اللغة الاجتماعية العامية والأهلية والمحلية في صياغة شعارات الرفض والتمرّد. والأغنية الأكثر شعبية والتي انتشرت في كامل سوريا إنما كتبها وغنّاها أحد أجمل شهداء الانتفاضة السورية، الشابّ المجهول، ابراهيم قاشوش ابن مدينة حماه.

***

كثير من وسائل الإعلام تحاول تبسيط التفسير واختزال أسباب الاحتجاج والثورات الراهنة في أبعاد دينية ومذهبية. وتفسير مثل هذا يلغي القيمة الأهمّ في الانتفاضة السورية على وجه خاص. إنّ أقوى ما تتمتع به الانتفاضة السورية هو بعدها عن الطائفية والمذهبية. الذين تضامنوا مع مدينة درعا هم الفئة الممحوة في سوريا، هم المجهولون، و”النكرات” الذين ألغى الاستبداد الأمني والنهب الاقتصادي وجودهم، وحرمهم من أي نوع من التعبير الاجتماعي والاقتصادي عن أنفسهم وحاجاتهم. لكن هؤلاء هم الأكثرية في المجتمع السوري الجديد. ولأنهم كذلك فهم قد تجاوزوا سلفاً أيّ نوع من انتماء سياسي أو ديني. إنّ حالتهم الدينية هي نوع من تقليد اجتماعي غير مرتبط بالكراهية أو العنف. إنّها علامة على حسّ أخلاقيّ رفيع، وليس على تخندق طائفي أو مذهبي. عندما يهتف السوريون “إنّ الله معنا” فهم إنّما يصرخون ضدّ كلّ من لم يقف معهم في محنتهم. هنا يتحوّل النداء إلى الله عن بعده الديني ليتحوّل إلى قوة اجتماعية مطلقة تقف بشجاعة نادرة ضد قوة سياسية مطلقة لم تحترم إنسانية المواطن السوري، وهدرت كرامته. إنّ التركيز على بعد الحرية والكرامة التي جمعت عموم السوريين، وأعادت وحدتهم الوطنية بقوة أضعاف ما كانت عليه، إنما هو تركيز على لادينية هذه القوة. الإعلام وحده يصنّف السوريين إلى سنّة وعلوية وأقليات أخرى. المدن الكردية السورية، كمثال آخر، والتي خرجت ضدّ النظام، لم تخرج لأنها كردية، بل لأنها رفضت الصمت عن جرائم قتل علنية سافرة ضدّ إخوة لهم في درعا وبانياس وريف دمشق وغيرها من مناطق سوريا. أغلبية المجتمع السوري لا تتعامل على هذا النحو الذي يركّز عليه الإعلام الذي لا يملّ من تصنيف السوريين إلى مذاهب وأقليات. السوريون لا ينظرون إلى بعضهم البعض كأقلية أو مذهب. فتصنيف مثل هذا بعيد عن تفكيرهم.

***

انتهت سوريا القديمة المغلقة في “أبدية” احتقرت الإنسان السوري. سوريا الجديدة، التي هي ضد الفقر وضد العبودية السياسية وضد الإهانة الإنسانية بدأت. المجتمع غير السياسي ولد روحاً سياسية جديدة. ولأن هذا المجتمع الجديد هو وليد المحنة الاقتصادية والقوة الاجتماعية، الصبر النادر والشجاعة الاستثنائية، التضامن الأخلاقي والوحدة الكيانية، فإن حصره وتمييزه بتعبيرات دينية وطائفية ما هو إلا إهانة لروحية انتفاضته التي بلغت من السموّ والرفعة حداً يبكي السوريين، لا من الألم فحسب، بل من الفرح أيضاً. فرح أن سوريا جديدة قد ولدت، وأنها لن تعود إلى الوراء أبداً. ثمة لاءات ثلاث تميز الانتفاضة السورية، وهي تختزل عمق وجوهر هذه الانتفاضة : لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي. بمعنى آخر السوريون مسالمون، وسيبقون مسالمين. شعب سوريا شعب الوطن السوريّ، لا شعب أيّ دين أو أيّ طائفة. سيادة سوريا هي من كرامة الشعب السوري، الكرامة التي دفع السوريون ثمنها دماً كثيراً، وعذاباً أكثر.
لقد انتصر السوريون كشعب واحد، ومما كتبوه أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان إنما يدل على تجاوزهم أخطر ما كان يمكن أن يبقيهم رهناء الاستبداد: “رصاصكم لم يقتل فينا إلا الخوف”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق