انتفاضات العالم العربي (57)

تساءل الكثيرون حول مدلول تلك الكلمة التي اكتسبت في سياقنا التاريخي الحالي معانٍ ومضامين ضبابية : “الكرامة”… ماذا تعنى هذه الكلمة؟ لماذا يصرخ بها الناس في الشوارع والميادين كأنها سر الحياة المفقود؟ هل الشعور بالمهانة قادر على تحريك الملايين لتغيير معادلات السلطة والحكم على رقعة جغرافية هائلة تتنوع فيها الظروف وتكثر فيها الخصوصيات المحلية؟ كيف يمكن تعيين العوامل الاجتماعية والاقتصادية (الأساسية في أي تحليل كلاسيكي) بالنسبة لهذا الشعور الغائم بـ”الكرامة” الجماعية؟!!

إنها ليست هباتٍ يقوم بها الجياع، وليست ثورة طبقات اجتماعية واعية لذاتها يمكن تعيين موقعها بدقة في التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية، ولا يمكن اعتبارها تحركاتٍ لقوى سياسية لها برامجها وأهدافها المعلنة، كما يصعب إدراجها تحت خانة التمرد الثقافي والاجتماعي الذي طبع ثورات الشباب في القرن الماضي، وبالتأكيد ليست مجموع كل هذه العوامل.. فإذا أضفنا إلى كل هذا الشعار المحوري لهذه الثورات : “الشعب يريد ….” يمكننا أن نفهم غرق كثيرٍ من المحللين العرب في تقديم تفسيرات سيكولوجية لهذا الحراك اللامألوف، تفسيرات تعطي لــ”الإرادة” و”الشعور الجمعي” و”الحاجة للكرامة” دوراً أساسياً في تفسير حركة التاريخ ضمن سردية ميتافيزيقية تعطي الزمن العربي الراهن رنيناً ملحمياً محبباً للنفس!!
فهل يمكننا أن نجد لـ”الكرامة” تفسيراً موضوعياً يخرجها من مملكة الشعور إلى سياقات التاريخ؟

أصنام اقتصادوية!!

ثورات الـ”face book” (كما يحلو للبعض تسميتها) طرحت العديد من الأسئلة على البحث الاجتماعي الكلاسيكي العربي، فهذه الثورات التي تمت الدعوة إليها وتنظيمها بالاستعانة بمواقع التواصل الاجتماعي الحديثة على الانترنت، والتي أطلق شرارتها مجموعة من الشباب المنتمي غالباً إلى الفئات الوسطى، ثم التحقت بها مختلف فئات الشعب، تلك الثورات جعلت المفاهيم التقليدية مثل “الطبقة الاجتماعية” و”علاقات الإنتاج” و”الاغتراب الاقتصادي” تبدو قاصرة عن تقديم إجابات مقنعة عما يحدث في بلداننا الآن، خاصة في مجتمعات شبه ريعية اقتصادياً يحتل “الإنتاج السلعي” فيها مكانة ثانوية بالنسبة لبقية النشاطات الاقتصادية القائمة على تلقي الريع وتوزيعه (عائدات النفط، تحويلات اليد العاملة في الخارج، الخدمات، تجارة الترانزيت، السياحة)، حيث لا يمكننا الحديث عن طبقات اجتماعية “مُستغَلة” (والاستغلال كمفهوم اقتصادي يتحدد بما يقتطع من نصيب المنتج في منتوجه) بقدر ما يمكننا الحديث عن فئات اجتماعية “مظلومة” (والظلم هو التعبير الأنسب عن عدم العدالة في توزيع الريع على مختلف الفئات الاجتماعية).

إضافة إلى ذلك، لم تكن الثورات العربية ثورات “مظلومين” اقتصاديا فقط، فقد شارك فيها وساهم في تنظيمها كما أسلفنا عدد كبير من الشباب المنتمين إلى فئات اجتماعية تحتل موقعا جيدا على خريطة توزيع الريع الاقتصادي في بلدانها، مما يدفعنا إلى أخذ حديث أولئك الشباب عن “الكرامة” بمزيد من الجدية.

نعم، “السلعة صنم” في البلدان العربية، ولكن ليس بالمفهوم الماركسي الكلاسيكي عن “الاغتراب الاقتصادي”، فهي صنم المستهلك الذي حازها غالباً عن طريق الاستيراد من الخارج، وليست صنم المنتج الذي فُصِل عن منتوجه نتيجةً لعلاقات إنتاج قائمة على الاستغلال.. ولذلك ربما علينا التفكير بأصنام أخرى لتفسير تلك الرغبة الجامحة التي انتابت العرب في تحطيم الأصنام!!

المعلومة ونفي الاغتراب  

عامل آخر دخل إلى المعادلة الاجتماعية العربية يميل التحليل الاجتماعي الكلاسيكي العربي إلى تجاهله أو التقليل من أهميته نظراً لصعوبة دمجه في جهازه المفاهيمي، وأعني تدفق المعلومات الكبير عن طريق وسائل الاتصال الحديثة في مجتمعات يحكمها الاستبداد سياسياً واجتماعياً. ففي غضون سنوات قليلة صار باستطاعة أي مواطن عربي تلقي سيل من المعلومات يستحيل عملياً التحكم به أو مراقبته، والأهم من ذلك، بات باستطاعة العديد من الأشخاص (وخاصة من الفئات الشابة) إنتاج المعلومة وتسويقها عن طريق شبكة الانترنت. هذا العامل الجديد في البنية المعرفية-العقلية العربية أحدث رضاً كبيراً في بنية الاستبداد العربي، حيث اتسعت الهوامش لثقافة شبابية مضادة ضمن حاضن الكتروني عصي على الترويض، اتخذت في البداية شكل رفض غير واعي لسرديات السلطة (بالمعنى الواسع لمفهوم السلطة) يحتفي بالركاكة والخفة واللامبالاة في وجه اتساق وجدية والتزام لم يعد مقنعاً لأحد، هذا الرفض الذي يشبه الصرخة البدائية تحول تدريجياً إلى ما يمكن تسميته “تأتأة ما قبل لغوية” يمكننا أن نرصد فيها بدايات تشكل لغة خطاب جديد معارض لخطاب السلطة، خطاب قائم على نقض السائد والسخرية منه دون تقديم بديل واضح المعالم عنه، وهذه “التأتأة” تتحول الآن إلى لغة متكاملة العناصر تشحن عوامل الاحتجاج الاجتماعي بأيديولوجيا جديدة، وبخطاب معارض ينبني على القطيعة الكاملة مع السائد سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

أسلوب إنتاج المعلومة هذا بكل ما جلبه من تغيير وقطيعة وقع في تناقض مع “علاقات إنتاج” المعلومة في الدول العربية القائمة على احتكار السلطة ونخبها (بما فيها النخب التي تحسب على “المعارضة” التقليدية) للمنافذ الرسمية لإنتاج المعلومة والخطاب، ومعاقبة المتمردين على هذا الاحتكار، ومحاولة التضييق على كل المنافذ الأخرى من خلال فرض معلومة وخطاب مكرسين يفرضان حالة من “الاغتراب” على منتجي ومستهلكي المعلومة في عصر مشاعية المعلومات، هكذا لم يبق أمام هؤلاء، الذين ازداد عددهم واتسعت هوامشهم، سوى السعي لتغيير علاقات الإنتاج هذه، من خلال المطالبة بعلاقات إنتاج ديموقراطية جديدة تضمن إنتاج واستهلاك المعلومة بصورة أكثر حرية واتفاقاً مع روح إنتاج المعلومات في هذا العصر.

إذا كانت السلعة هي “صنم” المجتمعات الصناعية، فإن المعلومة في عصر المعلومات هي “أسطورة” المجتمعات ما بعد الصناعية في المركز والأطراف… ولكن ماذا عن كهنة هذه الأسطورة ومريديها؟!

التواصل وتحطيم العقل المركزي

يبدو سقوط النخب العربية ظاهرةً تستحق الدراسة في السياق التاريخي الراهن، فهذه النخب التي اعتادت الاستعلاء على الوعي الشعبي وجدت نفسها في ظرف جديد صارت فيه في مؤخرة الحراك السياسي والاجتماعي، تحاول لاهثةً اللحاق بحركة الشارع والالتحام به، أو تسعى دون جدوى للحفاظ على الأوضاع القائمة!!

يمكننا بسهولة أن نجد أسباب هذا فيما سلف ذكره عن أسلوب إنتاج المعلومة في عصرنا، فلم تعد “النخب” هي الفئة الوحيدة القادرة على الوصول إلى مصادر المعرفة بعد أن صارت هذه سهلة التداول ومشاعاً للجميع، ولم تعد الفئة التي تحتكر الحق في نشر آراءها وتحليلاتها ورؤاها بعد أن وفرت وسائل الاتصال الحديثة منابر ذات معايير جديدة في النشر والقبول والتداول.

هذا الظرف وسَّع مفهوم “النخب”، أو بالأحرى ألغاه ليصبح معظم الناس مشاركين في صياغة خطابهم والتعبير عن تطلعاتهم، وما تقتنع به وتتبناه الأغلبية لم يعد نتاجاً فردياً للمفكر أو المثقف، بل بات نتاجاً جماعياً ساهم كثيرون عبر تواصلهم في صياغته ونقاشه ونقده ورسم ملامحه (وهي ملامح سريعة التغير والانقلاب)… يمكننا إذن أن نتحدث عن عقل تواصلي جمعي لم يُبقِ مجالاً للعقل المركزي الفردي المتعالي.

وترتبط بهذا مسألة هامة وهي ظاهرة غياب “القيادة” في الثورات العربية، فقد أسقطت هذه الثورات كل التصورات التقليدية عن “التنظيم” و”الطليعة” و”القيادة السياسية”، ورأت “النخب” جموعاً مليونية تتحرك وتتنظم وتصوغ مطالبها وشعاراتها بأسلوب مدهش وفائق الفعالية دون الحاجة لـ”الطليعة المنظمة الواعية”، وكأنها تملك عقلاً سياسياً وتنظيميا واحداً تحقق به نتائج مبهرة لم يستطيع تحقيقها أكثر القادة التقليدين حنكة وأفضل الأحزاب السياسية تنظيماً!! 

ستفرز هذه التحركات بلا شك قوى سياسية جديدة في المستقبل، وستغيِّر (أو غيَّرت) بنية القوى السياسية القديمة التي استطاعت اللحاق بالأحداث، ولكن في كل الأحوال لن تستمد هذه القوى شعبيتها وقدرتها على التأثير إلا من امتلاكها عقلاً وأسلوب عملٍ تواصليٍ لم تصغه “نخب” أو “قيادات”.


من الأهلي إلى المدني

لعل الأسلوب الجديد في التحرك والتنظيم قد قدم حلاً سحرياً للمجتمعات العربية في ظل ضعف مؤسسات المجتمع المدني (وهي المؤسسات التي يفترض بها قيادة الحراك الاجتماعي وتأمين قنواته) أو غيابها التام بفعل الديكتاتورية الشرسة التي ترزح تحتها هذه المجتمعات. ولكن هذا الضعف والغياب يطرح إشكالية كبيرة، ففي مجتمعات حطمت السلطة فيها معظم أشكال التجمع والفعل المدني، وردت المجتمع إلى مكوناته الأهلية الأولية (روابط الدم والمنطقة والثقافة الشفوية والطائفة) تصبح الروابط الأهلية هي الجسم الاجتماعي الفاعل الوحيد مقابل الدولة الاستبدادية، مما يطرح عدة تساؤلات عن أفق التحرك ومستقبل الكيانات الوطنية العربية.

يشعر العديد من أبناء تلك الروابط كما أسلفنا “بالظلم” من سياسة الدولة الاستبدادية في توزيع الريع، حيث تستأثر أوليغارشية ضيقة بمعظم عائداته ومكاسبه وبالمناصب الحساسة في جهاز الدولة، وتحاول إيجاد عصبية داعمة لها من ضمن الروابط الأهلية الموجود. ومن جهة أخرى فإن سياسات تلك الدول في “التنمية” لا تتجه نحو إنشاء بنية اقتصادية تساهم في تطوير تلك الروابط وتحسين أوضاعها وتحويلها إلى تشكيلات اجتماعية متطورة، وتترك العديد من شبابها غارقين في بطالة لا منجى منها سوى مساعدات عائلاتهم وعشائرهم مما يزيد من اندماجهم بتلك الروابط الأهلية وتحسسهم لنبض احتجاجها.

 تندمج إذاً عوامل الاحتجاج الاقتصادي بعوامل الاحتجاج السياسي في عصر يطرح فيه نمط إنتاج المعلومة والخطاب حاجة عضوية للتخلص من الاستبداد، مما دفع الروابط الأهلية للثورة بأسلوب غير تقليدي في وجه الأنظمة الديكتاتورية لاستعادة “كرامتها” المسلوبة، أسلوب ينصهر فيه أحياناً الوجدان الجمعي شبه البدائي مع العقل التواصلي المؤتمت في مزيج غير مسبوق تاريخياً.

إلا أن تحرك الروابط الأهلية إلى ساحة الفعل السياسي الوطني بذلك الأسلوب “السوبر حداثي”، إن صح التعبير، سيؤدي حتماً إلى حدوث تغيرات بنيوية فيها، تغيرات تنقلها من المستوى الأهلي إلى المستوى مدني، مما سيؤسس لرابطة وطنية جديدة، ولعقد اجتماعي آخر، ولمدنية عربية ذات خصوصية محلية، وربما لخطاب تنويري من طراز جديد.
قد لا يبدو هذا التنبؤ مغرقاً في التفاؤل الرومانسي إذا ما لاحظنا التطورات التي طرأت حتى الآن على البنى التقليدية العربية أثناء تقدم الثورات، فلنتذكر خطب الجمعة في ميدان التحرير في مصر، وفتيات اليمن اللواتي نزلن رغم النقاب إلى الشوارع ليشاركن الشبان في الثورة وينمن قربهم في ساحات التغيير، ومساجد سورية التي فقدت صفتها الدينية البحتة وصارت مقصداً للكثير من غير المسلمين والعلمانيين واليساريين الذين تعلموا الصلاة حديثاً… فقط كي يتسنى لهم الخروج في مظاهرةٍ مناوئة للنظام!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق