انتفاضات العالم العربي (7)

   تقديم

عندما كتبت ناهد بدوية لـ"الأوان" مقالتها "الثورات العربية والفلسفة النسوية" لم يكن يخطر ببالها أنها ستذهب بعد أيام إلى المعتقل، لأنها ساهمت في فعل احتجاجي بسيط. اليوم ناهد متهمة بجناية يمكن أن تؤدي بها إلى السجن لفترة تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة. التهمة هي النيل من هيبة الدولة. أما كيف نالت ناهد من هيبة الدولة، فهو أنها شاركت في اعتصام لأسر معتقلين سياسيين سوريين اعتقلوا بسبب إبداء آرائهم. لم تحمل ناهد السلاح، ولم تطالب بإسقاط النظام، ولم تطالب حتى بإلغاء حالة الطوارئ المستمرة في سورية منذ خمسة عقود، ولكنها طالبت فقط بإطلاق سراح معتقلي رأي سلميين ومسالمين. من المحزن أن يصر البعض على ألآ يرى ما الذي يجري حوله.  ننشر مقالة ناهد اليوم تحية لها ولكتاب الأوان وقرائه في سورية.

الأوان
  

 

الثورات العربية سوف تغيّر صورة العالم، تلك الصورة التي بدأت تتغيّر بدءاً من سبعينات القرن الماضي تحت الضربات المعرفية لمفكّري ما بعد الاستعمار والفلسفة النسوية الحديثة. سوف تتغيّر صورة العالم الذي تتربّع في متنه الحضارة الغربية وحدها. تلك الحضارة التي تتركّز فيها الهيمنة والسيطرة على بقية شعوب العالم وتستند في تعاملها مع هذه الشعوب على الصورة النمطية التي أنشأتها لهذه الشعوب من موقعها المركزي، موقع الغازي والمسيطر، لا على أساس الواقع المتعيّن وما يحفل به من تنوّع واختلاف. وتستند كذلك على أساس من القناعة الخفيّة، بل المعلنة أحيانا، بأنّ في العالم شعوباً غير مؤهّلة لإنتاج الحضارة والثقافة والمدنية، وغير قادرة على بناء مجتمعات ديمقراطية. ولا يخفى على أحد اليوم ارتباك الحكومات الغربية -وارتباك شعوبها أيضاً- أمام الثورات العربية التي أبرزت الشرخ الكبير في مفهوم الديمقراطية لديهم.
 

      أجل لقد بدأت صورة العالم بالتغيّر منذ أواخر سبعينات القرن العشرين عندما أصبحت دراسات ما بعد الاستعمار مجالاً مرموقا تساهم في صياغة فكر عالميّ جديد متعدّد الثقافات. لقد لفت إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق"، إلى الطريقة التي انتهجها الخطاب الأدبي الغربي في وصف الشرق أو اختلاقه، إذ نظر هذا الخطاب إلى الشعوب والثقافات غير الأوروبية بصفتها "الآخر" بالنسبة إلى الغرب، لا بصفتها جزءاً من الثقافة الكونية، التي يمثّلها الغرب وحده! وقد لعبت المفكّرات النسويات من العالم الثالث دوراً نقدياً مزدوجاً باعتبارهنّ "الجنس الآخر" بالنسبة إلى الرجل -على حدّ تعبير سيمون دو بوفوار-، وباعتبارهنّ ينتمين إلى "الآخر" بالنسبة إلى الغرب في الوقت نفسه.

      لا تتلخّص أسباب العنصرية الأوربية تجاه منطقتنا في التسيّد والإصرار على عدم رؤية الشعوب العربية وعدم سماعها فحسب، بل لأنّ هذه الشعوب في الحقيقة لم تكن تصنع حاضرها بنفسها، ولم تحقّق إنجازات ذات شأن في بناء مجتمعات مدنية حديثة، ولم يكن لديها رصيد معنويّ تستند إليه كي تتمكّن من انتزاع الاعتراف بالندّيّة. على خلاف الاعتراف المؤسّس على نوع من التنازل الذي يتضمّن دائما قناعة ضمنية بانعدام الندّية وعنصرية خفيّة غير مصرّح بها. عندما حلّل ماركس أمراض أمّته، الأمّة الألمانية، في القرن التاسع عشر لاحظ أنّها أمّة بلا إنجازات، فهي لم تنجز ثورة على غرار الثورة الفرنسية أو الإنكليزية أو حتى الأمريكية، حتى الوحدة التي أنجزها بسمارك لم تكن سوى مجرد وحدة جمركية. ومن ثمّ فإنّ العنصرية التي ظهرت لدى الأمّة الالمانية وتجسّدت في النازية يمكن فهمها اليوم على أنّها ردّ فعل على شعور الألمان بالدونية والاضطهاد، أو على نزعة التفوّق لدى الشعوب الأوربية الأخرى. وكذلك لم تكن النزعة السلفية والعودة إلى الماضي عند الشعوب العربية إلا تعبيراً عن شعور العرب بالدونية إزاء الشعوب الأخرى وعن عجزهم عن صناعة حاضرهم.
 

      الإنجاز الأوّل الذي حققته الشعوب العربية في سياق "حركة التحرّر القومي" في منتصف القرن العشرين كان التحرّر من الاستعمار ولكنها، رغم هذا الإنجاز الذي بذلت في سبيله الغالي والنفيس، خضعت في الوقت ذاته لسطوة المستعمر كمعيار، إذ عدّت الدول الاستعمارية نموذجاً ومعياراً للحضارة والمدنية باعتبارها الطرف الذي ينتج العلم والتقدم والحداثة والقيم الإنسانية العامة. وسادت مفاهيم سطحية عن الحداثة بحيث أصبح الإعجاب بالشعر الأشقر والعيون الزرقاء والرقص الأجنبي والانسياق وراء (الموضة) تعبيراً عن الرغبة في الحداثة والتحضّر. واعتبرت العادات المحلية واللباس المحلّي ضعفاً وعبودية. ذلك كله كان اعترافاً ضمنياً بالدونية تجاه الشعوب الأوربية صاحبة الإنجازات.  

      أمّا الثورات العربية الحالية، ولا سيما ثورة تونس وثورة مصر، فسوف تصنع الإنجاز الثاني للشعوب العربية ألا وهو دخول عصر الحداثة من البوابة العريضة، من بوابة التحقق كشعوب تصنع حاضرها وتستطيع أن تقف موقف الندّ أمام شعوب العالم الأخرى. وقد رأينا كيف فرضت الشعوب العربية الثائرة نفسها على المجتمع الدولي، وكيف انتقلت المواقف الأوربية والأمريكية وتبدّلت، وسوف تتبدّل، والمشوار ما زال طويلا في هذا السياق.

      كذلك كان الإنجاز الأوّل الذي حققته المرأة، في مرحلة الموجة النسوية الثانية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، هو التحرّر من الهيمنة الذكورية بالاستقلال الاقتصادي واكتساب الحقوق المتساوية، ولكن المرأة ظلت خاضعة للرجل وترى فيه معياراً للنجاح. لذلك انتهت إلى قمع الأنوثة وتقليد الرجال ومحاكاتهم حتى في اللباس، وإلى اعتبار المظاهر الأنثوية ضعفا وعبودية. أمّا الفلسفة النسوية الحديثة وما حققته المرأة في الموجة النسوية الثالثة فتحاول أن تصنع الإنجاز الثاني للمرأة في الوقت الراهن، وهو تحقق المرأة كائناً إنسانياً تصنع حاضرها. فبعد أن استقلّت اقتصاديا وتلقّت العلوم التي يتلقّاها الرجل، بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي بإنتاج فكرها وفلسفتها ونقدها لأحادية الحضارة الذكورية ونقد عرج البشرية وعورها باعتبارها كانت ترى بعين واحدة هي عين الرجل، وبدأت تسهم في توازن الفكر البشري بعد أن بدأت تتعافى وتصير العين الثانية للوجود الإنساني. والمشوار ما زال طويلا في هذا السياق أيضاً.

      وفي ضوء ما سبق يمكن إعادة النظر في أشكال النضال ضد العنصرية، والدخول في مرحلة أعلى وأشمل في مناهضتها. إذ تكمن العنصرية الخفية في المرحلة السابقة كما رأينا في طغيان نموذج  ومعيار أحاديين في تعريف الإنسان. لذا فقد تعالت الأصوات من مختلف أنحاء العالم في سياق بناء العالم متعدد الثقافات، لتقول إنّ مفرد الإنسان ليس الرجل الأبيض الغربي وإنما مفرده هو النسل الإنساني كله. لا كما عبّر أحد مديري المدارس الداخلية التي كانت تقبل الهنود في صفوفها في العام 1887 أي في المراحل الأخيرة من الغزو الأوروبي للعالم الجديد : "إن هدفنا هو "قتل الهندي …. وإنقاذ الإنسان". كذلك تعالت أصوات النساء لتقول : إنّ مفرد الإنسان ليس الرجل وإنما مفرد الإنسان اثنان، رجل وامرأة.  

      إنّ التحدّي الأساسي في العالم الراهن يكمن في مدى تنامي القدرة على مساهمة الأطراف المهمّشة المختلفة كشعوبنا وكلّ شعوب العالم الثالث والنساء …الخ، في صياغة الحاضر وفي كيفية التعبير عن الذات المتعيّنة، وقدرتها الذاتية على التحقّق كذات محاورة. لقد مهّد الطريق لهذه القدرة تزايد الإنتاج الفكري والثقافي، الآتي من كلّ أصقاع الأرض والذي سوف يؤدّي إلى التراكم المنشود للتغيير. إضافة إلى "تزايد نفوذ أصحاب نظريات ما بعد الاستعمار مثل جايا تري شاكرافورتي سبيفاك وهومي بابا وشاندرا تالبيد موهانتي وايله شوحاط…الخ. لقد أسهمت الأصوات التي رصدت الفكر الحديث، والآتية من الهامش العرقي والجغرافي والطبقي والجنساني في توضيح مدى طغيان الذات الأوربية المتربّعة في المتن. ومن هنا جاءت ضرورة تقويض هذه الهيمنة حتى يتسنّى، حسب المنجز الأوروبي- الغربي نفسه، الاعتراف بالتعدّد والتنوّع والاختلاف. إنّ ما تصنعه الثورات العربية اليوم. هو الخوض في ذلك التحدّي الأساسي أي القدرة على التعبير عن الذات المتعيّنة والتحقّق كشعوب عبر صياغة حاضرها بنفسها. وباعتبارها تعبيراً عن الذات المتعيّنة  سوف تختلف أشكال هذه الثورات ومساراتها من بلد عربي الى آخر.

      لم أبالغ في دور الثورات العربية، وفي دور المرأة في تغيير صورة العالم، لأنّ عصرنا الراهن عصر التعلّم والعلم والاتصالات الرائع سوف يعطي الأطراف الحيوية الراغبة في التغيير قوّة إضافية عالية القدرة وسوف تنجح في مبتغاها. فمثلما هو معروف كان ضعف الثورة المكسيكية من ضعف ثورة الفلاحين. فقد كان الفلاحون أقوياء بما يكفي لإسقاط النظام القائم، ولكن ليس بما يكفي للتأثير الحاسم في مصير المكسيك. وكذلك جاء استبداد نابليون الثالث بعد الثورة الفرنسية نتيجة ضعف الوعي وانعدام التعليم عند غالبية الفرنسيين الذين كانوا وقود أعظم ثورة في التاريخ. أما ما يميز ثورات الشعوب العربية اليوم أنّ مفجّريها وقادتها هم الشباب المتعلّم الذي يمتلك العلم ووسائل الاتصالات والاطلاع والمراقبة، أي إنّ القوى التي تقوم بالثورة هي ذاتها من ستقوم بقيادة جميع مؤسسات ومفاصل الدولة والاقتصاد وتمارس الديمقراطية وتبنيها لبنة لبنة.
 

      وكما كان الفكر النقدي لما بعد الاستعمار والفكر النقدي النسوي من أهم إنجازات الفكر البشري في العقود الثلاثة الأخيرة والذي وضع تحت المساءلة هذه المركزية الطاغية والخلل المعرفي والفكري والاجتماعي الناتج عنها، وأعاد تجذير مفاهيم التعدد والتنوع والاختلاف، فسوف تجبر هذه الثورات العربية الحالية العالم على التعامل الندّيّ مع المنطقة العربية وتجاوز العنصرية الخفيّة والمعلنة الحالية. وبذلك سوف تسهم هذه الثورات في استكمال الثورة الديمقراطية العالمية وتجديد شبابها وسوف ترفعها إلى درجة أعلى من درجات سلم الديمقراطية الطويل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق