انحرافات الخطاب الحداثي في تونس اليوم

تمهيد:

ماذا تشهد الساحة السياسية في تونس اليوم على مستوى الخطاب السياسي؟ “تشوّهات” للخطاب الحداثي أم “انحرافات”؟ أن كلمة “تشوّهات” تصطبغ بدلالة غير واعية للفاعل، في حين أن كلمة “انحرافات” تدل على الوعي بالفعل، ذلك أن أغلبية النخبة المثقفة والمتعلمة المعنية بإنتاج الخطاب الحداثي أو التقليدي الأصولي في تونس اليوم، تعي جيّدا مقومات ومعالم جوهر الحداثة ومتطلباتها، لكنها تنظّر وتمارس ما يناقضها على كل المستويات العمليّة : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والثقافية وحتى على المستويات التربوية والعائلية.

لن أخوض كثيرا في هذه الجوانب السالفة، وسأقوم بحصر البحث على مستوى الإشكالية المقترحة وهي الخطاب الحداثي في تونس اليوم، أي أنني سأتطرّق إلى بعض جوانب الخطاب السياسي والثقافي، انطلاقا من بعض البرامج والكتب والتصريحات المقترحة اليوم على المجتمع التونسي.

ماذا يشهد المجتمع التونسي اليوم، انخراطا في الحداثة أم تحديثا قسريا؟ اندماجا في مسار الحداثة أم تركيبا لجملة من العناصر الهلامية على مفهوم الحداثة ؟ قولبة وانتقاء أم إضافات ومشاركة وتأصيلا؟

من المؤسف أن يظل النقاش حول الحداثة عند هذا المستوى في تونس اليوم بعد انقضاء عدة قرون من الزمن على انتساب الإنسانية إلى منظومة الحداثة وعلى المحاولات الأولى للتجربة التونسية التي انبرت مع عهد الأمان (1857) ودستور 1861، وكتابات خير الدين وابن أبي الضياف والطاهر الحداد وصدور مجلة الأحوال الشخصيّة.

هل نشهد سكونا أم تراجعا؟ أم أن هنالك تطوّر خفيّ متزامن مع نسق التغيّرات الاجتماعيّة؟

يؤكد عبد المجيد الشرفي « إننا لا نعيش زمن الحداثة متفرجين عليه في التلفزة أو في السينما ومستمعين إليه في الإذاعة وقارئين إيّاه في الكتب والمجلات فحسب، وإنما نحن نعيشه في الحياة اليومية والاجتماعية والخاصة، ونتأثر به تأثرا إيجابيا وسلبيا، نتأثر به حين نتبناه تبنيّا واعيا صريحا وحين نتبناه بصفة ضمنية مغلّفة وكذلك حين نرفضه أو نحترز على بعض تجلياته وآثاره.»[1]

هل من الضروري اليوم العودة إلى تأمل واستجلاء مفهوم الحداثة لإعادة النظر في مدى مشروعيتها ومراجعة ثوابتها والقواسم المشتركة التي تبنّتها شعوب العالم؟ هل لازال بالإمكان النظر إلى الحداثة من زاوية البدعة والضلالة والاغتراب؟

I. الحداثة : المفهوم والجوهر:

قبل الخوض في صلب الموضوع، دعونا نلخّص المسار التاريخي للحداثة ولمادتها ومضامينها حتى نستطيع القيام بعملية المقارنة دون التيه في تشعباتها، فعدم الوصول إلى تصوّر مشترك للمفهوم، وعدم التفاهم حول صياغته وجوهره قد يؤدّي بنا إلى استحالة التواصل، وبالتالي إلى العبثية.

أعتقد أنّ الحداثة ليست مفهوما أو مجرّد مصطلح يمكن الاختلاف حوله، إنها أعلى نمط حضاري وصلت إليه الإنسانية في مسيرتها التاريخيّة، إنها ثورة على النمط القديم في التفكير والتحليل والاستنتاج وفي الإنتاج المعنوي والمادي، إنها الطريقة الجديدة المستنبطة لضرورة التعايش السلمي بين البشر، وبالتالي فهي ليست حكرا على موقع جغرافي أو على مجموعة بشرية بعينها لأنها ترنو إلى الكونية، أي إلى إنسانية الإنسان وقدرته على تجاوز حدود المعرفة. إنها تَحَوُّلٌ لوضعية الإنسان والمجموعة البشرية من مقام القاصر إلى مقام الراشد، من حال الرعيّة المستجيبة والمقهورة إلى حال المواطنة الحرّة والمسؤولة. إنها كما يقول آلان تورين (Alain Touraine : Critique de la modernité)« انتشار لمنتجات النشاط العقلي : العلمية التكنولوجية الإدارية، وتشمل كل قطاعات الحياة الاجتماعية : السياسية والاقتصادية والحياة العائلية والدين والفن.»[2]

إن شمولية المنظومة الحداثية في هدفها الإنساني، تجعلها تستوعب المحلي الفئوي دون إقصائه أو رفضه، بل تجعله ينمو ويتطوّر حسب نسق تقبّله لأدواتها وآلياتها، وهي أولا وبالذات : الديمقراطية والعَلمنة. « ففاعل التحديث ليس فئة أو طبقة اجتماعية معينة وانما هو العقل البشري والضرورة التاريخية التي مهّدت لانتصاره. التحديث ليس إنجازا لطاغية مستنير ولا لثورة شعبية، ولا لإرادة نخبة حاكمة، إنها إنجاز للعقل نفسه، وبالتالي للعلم والتكنولوجيا والتربية. »[3]

إن مراجعة مكتسبات الحداثة في تونس اليوم تدعونا إلى ضرورة تفادي الحماسة الإيديولوجية والعقائدية والحقائق المطلقة، وتجنّب الأفكار الدوغمائية التي تحوّل المفاهيم إلى أوثان، وتحاشي التحاليل السياسوية الظرفية والنفعية المتسرّعة عند معالجتها للقضايا المصيرية للمجتمع، ولا فائدة من محاولة استبلاه الخصم السياسي بتكرار خطاب يفتقد لكل مصداقيّة بتراجعه عن ثوابته الأصليّة ومرجعيّاته الفكرية، من أجل مصادرة الاستحقاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع والدولة، فلن يزيد هذا الخطاب الظرفي “المطمئن” سوى تعميق حالة الشك والخوف « تجاه هذا الوجود العابر المتجه إلى الامّحاء بدون شكّ، لكن خلال مدة لا نتحكّم نحن فيها، التخوّف من أن نحسّ بأن تحت هذه الحركة، التي هي مع ذلك حركة يومية ورماديّة … أخطارا لا نتصوّرها جيّدا، التخوّف من توقّع وجود صراعات وانتصارات وجروح وسيطرات وعبوديّات عبر الكثير من الكلمات التي قلّص استعمالها منذ زمن طويل من فظاظتها.»[4] لا فائدة من الخطابات المزدوجة المراوحة بين الشكل الحداثي والسلوكات المتسلطة والمتغطرسة وحتى العنجهية أحيانا، لأن عقليّات الأسئلة النقديّة، حتى وإن غابت أو غُيّبت في الوقت الراهن، فلن يكون ذلك طويلا، وسيكتشف التاريخ هذه المزاوجة الفَضّة عاجلا أم آجلا، وسيتحوّل خطاب هؤلاء من خطاب مُدّعٍ للحقيقة المطلقة إلى كلام أحمق وضجيج لا طائل من ورائه إلاّ العبث بفكر الأجيال الحاضرة والقادمة التي سوف لن تستطيع التمييز بين الفكر الأسطوري والإيديولوجي من ناحية، والفكر السياسي والتاريخي من ناحية أخرى؛ هذا الفكر الذي يخرج من دائرة الإيمان والمعتقد لأنه يطرح موضوعا ويتّخذ مناهج خاصّة ويرنو إلى المفهوميّة، وبالتالي إلى العالميّة.[5]

تتلخّص قيم الحداثة في ما يلي:

1) التفكير العقلي والدفاع عنه ضدّ الدعايات السياسية والاعتقادات الدينية، لأن التعقّل وعقلنة الأشياء والظواهر، رغبة إنسانية تجلّت ضمن المسار التاريخي للإنسان منذ أقدم العصور.[6]

2) تحديد مواقع الانحرافات العلميّة أو العلمويّة.

3) التخلّص من المعتقدات وأشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي غير المؤسسة للمساواة والعدل بين البشر.

4) القبول بالآخر مهما كان انتمائه الجغرافي ومهما كان معتقده الديني.

5) التنديد والتشهير بمواقع الظلم والفساد والمحسوبية والمحاباة.

6) الفصل بين مجالات الحياة العامة ومجالات الحياة الخاصة.

7) الفصل بين الثروة العامة والثروة الخاصة من أجل توزيع الثروات بصفة عادلة حسب الجهد والكفاءة.

8) انتشار العلم والمعرفة اعتمادا على القيم الكونية للحريّة والحق والخير والجمال.

إذا تمّ الاتفاق حول هذه النقاط كقيم جوهرية وكونية للحداثة فإنه بإمكاننا الآن النظر في مدى انسجام الخطاب الحداثي لتونس مع هذه العناصر.

II. الخطاب الحداثي لدى ذوي المرجعيّات الدينيّة:

يجدر التذكير أوّلا أن إنتاج الخطاب الحداثي لم يكن حكرا على من يصفهم القاموس السياسي والصحفي بالليبيراليين والتقدميين والعلمانيين والقوميين… بل أن كل القوى الفاعلة في المجتمع قد شاركت بطريقة أو بأخرى في هذا الإنتاج المعرفي، حتى أولئك الذين من نصفهم بالسلفيين، وذلك بواسطة تبنّيهم لأشكال وآليات التنظيم الجماعي أو الحزبي.

وفي محاولة لوضوح وشفافية الطرح، كان من الضروري وضع منهجيّة موضوعيّة مؤسسة على أقرب هذه التيّارات إلى الانسجام أو التعارض مع قيم الحداثة في مفهوما الكوني؟

مثل كل المجتمعات العربية الإسلاميّة، وبخصوصيّة جغرافية ومغاربية تاريخية، يشهد المجتمع التونسي اليوم مجموعة من الإشكاليّات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تُجبر التيّارات الفكرية على اتخاذ مواقع لها من أجل الدفع نحو ما يعتقده كل واحد منها حقيقة مثلى، سواء على المستوى الاقتصادي التنموي أو على مستوى وجوده وكينونته. وبما أن هذا المجتمع ليس معزولا عمّا يحيط به من مؤثرات وتجاذبات فكرية محلية وعالمية، فإننا نلاحظ اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن هذه التيّارات قد أصبحت في موقف الحسم من الحداثة. فإما الانخراط والمواكبة، أو النكوص والاندثار. ولا نعني هنا الاندثار بالمفهوم المادي، بل نعني انتكاس ومحدودية الفعل في المجتمع.

عند استعراضنا لمختلف التيارات الفكرية والسياسية في تونس اليوم، نجد خريطة فسيفسائية تتراكن من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، قدّمت لنا أكثر من 100 حزب قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011، لكنها لا تخرج، في حقيقة الأمر، عن أربعة تيّارات كبرى وهي :

 اليسار الاشتراكي التقدمي.

– الوسط الليبيرالي.

– القوميون الوحدويون.

– الأحزاب ذات المرجعية الدينية.

لكن العديد من مكوناتها تلتقي في الكثير من الأفكار والأهداف والمرجعيّات، لذلك نشاهد اليوم تشكّل عدّة جبهات وتكتلات تسعى إلى إعادة تنظيم نفسها وتوحيد رؤاها خاصة بعد الهزيمة الواضحة لتيار اليسار وحتى لقوى الوسط الليبيرالي خلال انتخابات 23 أكتوبر 2011 والتي أفرزت انتصار حزب النهضة.

الشيخ راشد الغنوشي والتحايل الحداثي:

من عادة التحاليل السياسية والتاريخية الحديثة تصنيف التيّارات الدينية خارج المسار الحداثي لأنها تعتبر أن هذه الأحزاب هي حركات إيديولوجية تستعمل الدين لبلوغ مآرب سياسية، وترفض المبادئ الأساسية للعملية السياسية وهي الديمقراطية والقبول بالتداول السلمي على السلطة وعدم القبول بالفصل بين المجال الديني والمجال المدني.

لكن هذه التيارات ذات المرجعية الدينية نفسها شهدت حراكا وتطوّرا في فكرها وفي خطابها مما جعلها تستوعب ظاهريا آليّات ودواليب المسار الديمقراطي الحديث معلنة الهدف من ذلك، وهو الوصول إلى السلطة لإدارة شؤون المجتمع حسب برامج مُعلنة واضحة المعالم وأهداف قصيرة المدى. لكن هذه التيارات أعلنت صراحة عن إرادتها في تغيير نمط المجتمع، لذلك فإن تقييمنا لها لا ينبع من أهدافها الحينيّة بل من مرجعيّاتها ومن فلسفتها السياسية والنظر في مدى انسجامها مع متطلبات المسار الحداثي.

يمثل حزب النهضة في تونس أقوى الأحزاب والحركات الدينية ويعتبر مؤسسه الشيخ راشد الغنوشي أكبر منظريه دون منافس، لذلك سننطلق أوّلا من كتاباته، ثم سنعود إلى بعض البيانات الصادرة عن النهضة منذ تأسيسها إلى اليوم، لا سيما وإن وصول هذه الحركة إلى السلطة سيسمح لنا بوضع مقارنة أعمق وأكثر موضوعيّة.

بعد التسليم والإقتناع بأن حركة النهضة قد صرّحت دون مواربة وبوضوح تام أن مرجعيتها الإيديولوجية هي الإسلام والسنّة و”العلماء ورثة الأنبياء”[7]وكما يؤكّك الشيخ راشد الغنوشي « أن الإسلام منهاج شامل للتحرّر … إنه منهاج شامل للحياة يوجب على المؤمنين ليكونوا صادقين في إيمانهم أن ينظموا حياتهم الخاصة ويعملوا على تنظيم الحياة عامّة وفق إرادة الله التي كانت دعوة النبيّ العربي محمد صلى الله عليه وسلم آخر وأشمل تعبير عنها والمتمثلة في القرآن والسنة.»[8] يتبيّن لنا أن الديمقراطية في فكر النهضة مجرّد شكل من أشكال الشورى ومرحلة من المراحل المؤدية إلى بسط السلطة، وعندما ترضى « الجماهير في قطاعها العريض تحكيم الإسلام، وقامت للإسلام دولته، مارست تلك الدولة سيادتها ونفّذت أحكام الله فنشرت العدل ومنعت الظلم والاستغلال والفساد ولو بالقوّة. »[9]

يبدو جليّا هنا أن منظّر الاتجاه الإسلامي قد كشف عن استراتيجية للعمل وفق آلية الديمقراطية دون تبنٍّيه للمنظومة كجوهر وكآلية مستمرّة تدعو إلى التداول السلمي على السلطة، فعندما تصبح آليات الدولة بيد الحكومة الإسلامية، ستسعى هذه الأخيرة إلى « تنفيذ أحكام الله ولو بالقوّة.» ولا يتراجع الغنوشي عن هذا التوجّه بل يقوم بتأكيده في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة”، فيقول : « …إننا مع الديمقراطية البرلمانية التعددية وإنها الأداة المثلى المتاحة لوضع شريعة الله موضع التطبيق… إن أفكار وتقنيات الحداثة التي قوّضت الأديان الأخرى، نرى أن كثيرا منها قمينة أن تمثل أدوات نهوض وتحفيز لأمة الإسلام. »[10]

لقد استوعب الفكر الديني المعاصر مسألة « الديمقراطية على أساس تسلّط الأغلبية العددية على الأقليّة، وتغافل على إنها في الأصل أخلاق وآداب وممارسة للاختلاف في الرأي والسلوك.»[11] كما اعتبر الحداثة فكر وتقنية يمكن رفض جوهرها لاعتبار مصدرها الجغرافي الغربي مع القبول بآليّاتها لما فيها من إمكانيّات “نهوض وتحفيز لأمة الإسلام”، في حين أن الحداثة كما أسلفنا سابقا لها بعد كوني وهي حصيلة العقل البشري، وليست حكرا على المجتمعات الغربية.

كما لم يوضّح الغنوشي نوعيّة “القوّة”، هل هي “قوّة القانون” أم “القوّة الصرفة”، ولم يشرح كيفيّة استعمالها، ولا مأتاها، أي هل هي القوّة الشرعيّة للدولة، أم قوّة طوائف الفتوة والعيّارين.[12] هل هي القوّة الراهنة أم القهر المصروف لغاية الإخضاع السياسي والديني والاجتماعي؟ ولا نفهم سوى أن الكاتب يبرّر استعمال العنف المادي المبرّر بواسطة تسلم السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، أي أنه يوظّف الشرعيّة الانتخابيّة لاستعمال العنف. هنا تتماهى استراتيجية وأهداف حركة الاتجاه الإسلامي مع الأحزاب الكليانية الساعية إلى الهيمنة الكلية على النشاطات الفردية والجماعية. وهذا ما يتنافي مع المسار الحداثي في استعمال القوّة الشرعيّة التي تكون حكرا للدولة، ولا يمكن ممارستها إلا في أُطُرٍ قانونية ووضعيّات محدودة ومضبوطة.

إن خطاب راشد الغنوشي لا ينمّ إلا عن براغمتيّة سياسية تجسّدت في قالب فتوى مؤقتة مركبة في شكل ما يسمّى بالحيل الفقهيّة[13] التي يلجأ إليها الفقهاء لحلّ الإشكاليّات المطروحة. وهنا تطرح إشكالية أخرى أكثر تعقيدا وهي تصوّر فكر النهضة لمفهوم القانون وعلاقته بالدولة والمجتمع. وهذا الخطاب ليس تأسيسيّا حتى داخل الفكر الإسلامي المعاصر والجديد ــ كي لا نقول حديث ــ ، بل هو خطاب سياسي دوغمائي مهوس بالإيديولوجيا الدينيّة ويسعى إلى تجييش الطاقات الفكرية والبشرية المؤمنة، لصالح تصوّر أحادي للإسلام ضمن المنظومة السنيّة المالكية والأشعرية التي تُقصي بالتالي كل الرؤى الدينيّة الأخرى داخل الإسلام وخارجه.

وفي آخر حيله الفقهية السياسوية عبّر الشيخ راشد الغنوشي عن تبنيه للعلمانية[14] معتبرا إيّاها « فلسفة غير إلحاديّة وإنّما ترتيبات تنظم العلاقات بين الأفراد وتضمن حريّة المعتقد والفكر، فلا إكراه في الدين، فمن شاء آمن ومن شاء الخروج عنه فليفعل، لأنّ الإسلام لا حاجة له بالمنافقين.» لكننا لا نفهم من كلام الشيخ راشد سوى أنه يقسّم أفراد المجتمع إلى قطبين : مسلمون مؤمنون من ناحية، وغير مسلمين من ناحية ثانية. هنا، يتغافل الغنوشي عن القيمة الجوهرية للعلمانية والحداثة وهي الحرية الفردية واحترامها لاختيارات الذات البشرية. إن العلمانية حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية وليست فصل الدين عن الدولة. والدولة الحديثة تحترم المعتقد والدين دون وصاية، بل إنها تثريه عندما لا تتدخّل في شؤونه، وعندما تؤسس للفرد على أساس المواطنة بغض النظر عن العقيدة الدينيّة والانتساب الديني الذي وضعه الغنوشي كمعيار أوّل للمواطنة ثم معيار الإقامة كمعيار ثانٍ. والدفاع عن المواطنة هو عنصر جوهري في النظام السياسي التعددي الذي يحترم حق مشاركة الأفراد كمواطنين في بناء مؤسسات سياسية قابلة للنقد وبالتالي للتطور.

بهذا الخطاب الجديد كل الجدّة، والذي هلّلت له واستبشرت به بعض قوى اليسار، قام رئيس حزب النهضة بعملية توفيقية تلفيقية بين ما يعتبره من قيم الإسلام الثابتة وبين التقنيات السياسية الغربية. فكل تقنيات العالم المتقدّم، الصناعية والسياسية تصبح جائزة، أما الحكمة الإنسانية، فهي مرفوضة لأنها تؤدّي إلى الإلحاد!!

وقد سبق للشيخ الغنوشي أن حسَم موقفه من الحضارة الغربية معبّرا منذ الثمانينات عن رفضه لقيمها قائلا : « كما يجب تحديد موقفنا من الغرب وذلك بتناول حضارته بمنهجية نقدية تنقي علومه وفنونه العمليّة التي يجب العمل على استيعابها في أقرب الآماد بعد تنقيتها من فلسفاته وآدابه وقيمه وفنونه ونُظم حياته التي يجب إخضاعها لنقد صارم على ضوء الإسلام وقيمه وآدابه.»[15]

خلال نفس المحاضرة المذكورة أعلاه، يؤكّد الشيخ راشد من جديد على فساد المنظومة السياسية الغربية مصرّحا أن « تحرير الدولة من الدين نوع من تحويل الدولة إلى عدد من المافيات مثلما حدث في بعض الدول الأوروبية وإن تحرّر الدين من الدولة قد يكتسي خطرا، فالدين قد يؤدّي إلى جملة من الإنفلاتات التي قد تضرّ بالمجتمعات». فعلى خُطى الحسن البنا، لازال الغنوشي متشبّثا بأن الإسلام دين ودولة، عقيدة وعبادة؛ مستشهدا بدولة المدينة في عهد الرسول، متغافلا عن الفاصل التاريخي وعن أطر الأحداث ضمن فضائاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مزكّيا نظريّات « محمد بن عبد الوهاب (ت: 1791) والدهلوي (ولي الله الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم ت: 1762) والأفغاني (ت: 1897) ومحمد عبده (ت: 1905) والبنا(ت: 1949) والمودودي (ت: 1979) وسيد قطب(ت:1966) رضي الله عنهم، هؤلاء الذين صححوا المسار ورسموا معالم الطريق.»[16] وعندما يتطرّق إلى روّاد النهضة والإصلاح خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فإنه لا يخصص لهم إلاّ بعض الأسطر في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة”، فيشير إشارات عابرة إلى رفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز 1834)[17] وعبد الرحمان الكواكبي (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد 1902). لكنه لا يذكر قاسم أمين(تحرير المرأة 1899 – المرأة الجديدة 1901) ولا الطاهر الحدّاد (امرأتنا في الشريعة والمجتمع 1930) ولا علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم 1925).

إنه خلط للمفاهيم وللمصطلحات، وللأطر التاريخية، وإسقاطات تحاول التأكيد على أن المجتمع الإسلامي قادر على تبنّي النظام الغربي للتبادل التجاري والإنتاج والاستهلاك دون أن يصاب بآثاره التفكيكيّة والتنميطية الموحّدة على صعيد الفكر والسلوك.[18] إنها “مقاربة” عجيبة تلفيقية غير منطقيّة وغير مؤهلة للتجانس والتطبيق، لأنها تريد إقحام أدوات الفكر السياسي الحديث داخل تركيبة اجتماعية عتيقة البُنى والهياكل.[19]

لن أطيل كثيرا في البحث حول فكر النهضة ومدى انسجامه مع الخطاب الحداثي لأنه من البديهي أن هذا الفكر، وكل الفكر الديني المعاصر، يعترف بمعارضته للحداثة ولا يأخذ منها سوى “تقنياتها” العملية التي تمكنه من الإستفادة منها، كما اعترف بذلك الشيخ راشد الغنوشي.

III. اليسار التونسي و الممارسة الخطابية:

لقد كشفت نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 عدة حقائق سياسية واجتماعية، كما قامت بتعرية العديد من التوجهات الإيديولوجية البالية وأثبتت للتونسيين وللعالم أن مكتسبات الحداثة لا يمكن التراجع عنها، بل قد تم ترسيخها والتأكّد منها بصفة رسمية في صلب المجتمع التونسي بصفة نهائية. فلا خوف بعد اليوم، لأن مجرّد انخراط الشعب التونسي في العملية الانتخابية ومناداته بالديمقراطية كأداة لحل المشاكل السياسية وقبوله بنتائجها، هو إعلان رسمي عن إنخراط الشعب التونسي في عالم الحداثة الذي ظل حكرا على العالم الغربي وعلى من يدّعي الانتماء إليه من بين نخب اليسار داخل المجال العربي والإسلامي.

لقد مكنتنا انتخابات المجلس التأسيسي من الدخول في منظومة الحداثة من الباب الكبير بفضل المشاركة العريضة لكل فئات الشعب التونسي بمختلف اتجاهاته السياسية الفسيفسائية. لكن بعض القوى لم تستوعب التاريخ وظلت تلوك شعارات الكتب الحمراء والخضراء والبنفسجية التي أصبحت صفراء بمرور الزمن، واعتبرت القوى ذات التوجه الديني كحركات مرتدّة وصنفتها في خانة الرجعية والظلامية وسلكت تجاهها سلوك العدوّ وقارنت خطاباتها بالخطاب الطالباني، وحسمت في مواقفها ومرجعيّاتها دون اللجوء إلى تحليل منطقي وعقلاني، متغافلة عن الإشكاليّات الأساسية للمجتمع وهي البطالة المستفحلة والفقر المدقع وامتداد الفوارق المادية بين الطبقات الاجتماعية وتفشي الفساد واللامساواة والرشوة والمحسوبية وتدهور الأخلاق… لكن ما أعتقده من إشكاليّات “حقيقية” للمجتمع التونسي اليوم، لا يجب أن تطوّق الحقيقة، ولا يجب أن تحجب عن رؤانا ضرورة البحث في الأبعاد الروحانيّة والدينيّة التي تساهم في انسجام فئات المجتمع ومكوّناته، بل بالعكس، لأن هذه الأبعاد هي عنصر أساسي وحلقة من الحلقات المفضية إلى الانسجام والسلم الإجتماعي، إنه البعد الذي تغافلت عنه وغيّبته خطابات وسلوكات التيّار اليساري والديمقراطي في تونس عندما قام بإنتاج وتصنيف وتوزيع وترديد ما اعتقده من إشكاليّات “حقيقية” للمجتمع، في حين إنها لن تكون إلا « تلك الضوضاء الجانبية التي تثيرها الكتابة اليومية التي تختفي بسرعة ولا تحصل أبدا على صفة الأثر.»[20]

لأنها منظومات شموليّة في أصلها، لا تعترف بالتعددية والديمقراطية وبالحريات الفرديّة؛ لم تستوعب النخبة المثقفة ذات التوجه اليساري والقومي أن الفكر الوحدوي والناصري والبعثي والشيوعي قد تجاوزه التاريخ منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي. ولأنها كذلك، فقد اضمحلت تدريجيّا بمفعول الإرادة الشعبية أحيانا وبمفعول القوة الغربية أحيانا أخرى. لقد نالت هذه القوى اليسارية حظّها ضمن سيرورة التاريخ لكنها لم تخلّف إلا الدمار المادي والفراغ الفكري فعمّقت التشرذم العقائدي وجعلت من التفكير الغيبي ملاذا، فخنعت الشعوب خوفا من البطش والقهر. ولنتذكّر فقط ما خلّفته التجارب السياسية من محن بكلٍّ من مصر (1952-2011)، والعراق (1958 إلى اليوم)، وسوريا (منذ سنة 1963 إلى هذه اللحظة)، دون أن نغفل عن منظومة اللانظام التي وضعها القذّافي بليبيا منذ سنة 1969. ولا فائدة من العودة إلى الأنظمة الشمولية بالإتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية…

ورغم ذلك لازالت بعض الحركات والأحزاب في تونس اليوم تستلهم أفكارها من هذه التجارب وتعلن أن مرجعياتها تعود إلى هذه السياسات العربية والأجنبية، وتتشدّق بكلمات رنانة طنانة لا هدف منها سوى ترسيخ البلادة الفكرية وتكريس الجمود وتعميق هوّة التفاوت التاريخي بين المجال العربي الإسلامي من ناحية والمجال المتحكّم في العلم والتقنية والثروة من ناحية أخرى.

خلال شهر فيفري سنة 1986، أي قبل سقوط جدار برلين(9 و10 نوفمبر1989)، وبمناسبة ” ذكرى” صدور “البيان الشيوعي” (6 فيفري 1848)، لازال حمة الهمامي يعتقد في إبداعات ماركس وأنجلس، فيقول : « أن التعاليم الأساسية للبيان الشيوعي ما تزال تكتسي أهمية بالغة، لفهم قوانين المجتمع الرأسمالي، والإلمام بملامح المجتمع المستقبلي، الشيوعي، الذي تنشده الإنسانية المضطهدة.» [21] وقد سعى في ذلك الوقت إلى إعادة ترجمته إنطلاقا من اللغة الفرنسية، غير مكتف بالترجمات المشرقيّة السابقة. وهكذا يحتل هذا البيان مرتبة التقديس في فكر حزب العمّال الشيوعي التونسي.

قبل ثورة 14 جانفي وخلالها، وأثناء الحملة الانتخابية، ركّزت قوى اليسار في تونس على جرائم النظام المنهار وعلى حزبه البائد المنحل، ثم على “أخطاء” الأحزاب ذات المرجعيّة الدينية والتي لم تقم بتوضيح موقفها من مشكلة تعدد الزوجات والمساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، وهل ستصبح الشريعة الإسلاميّة مصدرا للقوانين…، دون السعي إلى تقديم بديل أو حلول لما كابده المجتمع التونسي منذ نصف قرن. فكأن قوى اليسار غير قادرة على إنتاج منظومة ذاتية مستقلة بذاتها ولا يمكنها توليد فكر أو عمل سياسي إلا من خلال معارضتها إما للنظام البائد أو للفكر الديني، وذلك هو الفشل بعينه.

لقد تبنت هذه “الأقطاب” والأحزاب شعارات العلمانية والديمقراطية، وادّعت إنها الوكيلة على الحداثة وعلى أنها درع للمكتسبات التقدمية للمجتمع التونسي، في حين أنها سلكت مجموعة من السلوكات التي تتنافى أصلا مع مبادئ الديمقراطية وأوّلها العمل على تحقيق التعايش السلمي بين المواطنين والقبول بالاختلاف في الرأي وحريّة التعبير.

ماذا يعني تأكيد الأحزاب اليسارية لمبدأ عدم التفريق بين المواطنين على أساس الجنس واللون والدين وتحبيرهم لهذا المبدأ بالبنط العريض ضمن مشاريعهم السياسية التي ستعمل على «القطع مع كل أشكال الدكتاتورية»، في حين أنهم يعلنون عن مواقف إقصائيّة لكل من لبس لباسا يختلف عن رؤيتهم للمظاهر “الحداثية” وكأن الحداثة تنحصر في المظهر الخارجي للإنسان ويعتبرون ذلك نشازا داخل المجتمع المنسجم!

ألم نر ببريطانيا وبالولايات المتحدة الأمريكية –وهي عقر دار الحداثة وما بعد الحداثة- العديد من الأشخاص يتجولون ويسبّحون ويتأملون ويتنفسون الحياة وهم يرتدون ألبسة مختلفة كل الإختلاف عن النسق المعهود؟ فهذا بوذي بجلباب اصفر، وهذا برهماني بخرقة تستر عورته فقط، وهذا سيخي بعمامته ضمن الشرطة البريطانية وهذه مسلمة بحجابها ضمن الدائرة الضيقة لمستشاري الرئيس الأمريكي بالبيت الأبيض، والعديد من الطلبة الملتحين بجامعات أكسفورد وهارفارد وبوسطن…

ماذا يقول حداثيو تونس عن المهاتما غاندي عندما آلف بين المئات من الملايين وهو بنعل جاب به آلاف الكيلومترات وبقطعة قماش يلفها حول جسمه النحيل؟ وبماذا يصفون نيلسون مانديلا عندما يرتدي قميصه الإفريقي المزخرف بكل ألوان الربيع ؟

أليس رفض الحجاب والنقاب على الفتاة والمرأة التونسية هو نوع من أنواع الإقصاء؟ ألا يتناقض هذا الموقف مع مبادئ الحرية الشخصية؟ ألا يحمل هذا الموقف بذور تطوّر الإقصاء إلى درجات أكثر خطورة؟ ألا يعني ذلك أن من يتبنّى هذا الموقف يحمل في رحمه وفي طريقة تفكيره بذور الفكر الشمولي المقولب لكل أشكال ونماذج الحياة؟

وبعد هذا وذاك، ألم يقدّم هؤلاء الحداثيون الديمقراطيون مجالا واسعا ومساحة سياسية مجانية لفرقائهم الذين يعتبرونهم أعداء التقدم والحداثة فيثبتون عليهم كل الصفات المشينة التي لا تليق بالعمل السياسي المتحضّر.

أليس من الأفضل اعتبار الاختلاف الثقافي ثراء للمجتمع؟ أليس من الواجب الانتباه إلى مكامن الضعف الحقيقية الاقتصادية (البطالة والتنمية) والاجتماعية (الصحّة والتعليم)، إلى مواقع الألم المزمن والمستفحل منذ عقود في جسم هذا المجتمع؟ ألم يكن من المفيد العمل على تقديم البدائل الناجعة لتجاوز الهنات عوض الركون وراء الحوارات الافتراضية السفسطائية عبر مواقع الشبكة العنكبوتيّة والدعوة إلى تظاهرات إحتجاجية أمام الكليات والوزارات بأعداد لا تفوق المئات؟ ولا أمل لها في الرقيّ إلى عمل سياسي شعبي ومنظم يستقطب ويستوعب فعلا طموحات الشعب في الكرامة والمساواة والعدالة وفي التوزيع العادل للثروات.

ما المشكلة إن دخلت فتاة طالبة الحرم الجامعي أو قاعة الدرس وهي محجّبة أو ترتدي النقاب؟

يدّعي البعض إن الإشكاليّة ذات طابع بيداغوجي، فالمدرّس في حاجة للحملقة في وجه الطالب والتثبت من ملامحه لمعرفة مدى فهمه للدرس، وكأن الضرورة البيداغوجية في حاجة إلى أن تسفر الطالبة عن وجهها. ويصبح المدرس في هذه الحالة عالما إرتساميّا!! لكنه لا يعلم أن “علم الفراسة” هو شكل من أشكال التمييز العنصري.

ويضيف آخر أن ذلك من اللباس الطائفي الذي يمنعه القانون !!

أي قانون يتحدثون عنه؟ أهي قوانين النظام الفاسد المفسد البائد؟ الم تقم الثورة ضدّ هذه القوانين الجائرة ونظامها؟ الم تقم الثورة من أجل نبذ العنف والإقصاء بمختلف أشكاله؟

إن ظلت هذه الأحزاب اليسارية على مواقفها الإقصائية، وقبعت في أماكنها داخل ردهات النزل الفخمة ووراء الحواسيب تستقصي تحركات وأقوال ذوي التوجه الديني للتنديد والشتم، فلن تستطيع فهم متطلبات المرحلة التاريخيّة وسيتجاوزها التاريخ.

خلال فترة الحملة الانتخابية لم ألاحظ عملا سياسيا شعبيا فعليا وناجحا إلا لمناصري التوجّه الإسلامي الذين جابوا الأحياء وطرقوا أبواب المنازل وحاوروا السكان، ولم يهتموا بما كان يُقال عنهم، فكانت قناعاتهم الشخصيّة خير دافع لما يقومون به. لكنني لم أر أحدا ولا ممثلا للأحزاب اليسارية قد تجرّأ على بذل الجهد للتوغّل في صميم صفوف الشعب، واكتفوا بلقاءات عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع، وذلك ليس بالغريب، لأن هذه الأحزاب لا تمثل فعلا الإرادة الشعبية ولا تعكس تطلعاتها وطموحاتها، وما نتيجة الانتخابات إلا خير دليل على ذلك، إذ أن ثلاثة أحزاب من قوى الوسط الليبرالي واليسار (المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والحزب الديمقراطي التقدمي) إضافة إلى القطب الديمقراطي الحداثي الذي ضم في بدايته 11 حزبا من بينهم حزب التجديد، لا يستطيعون وهم متآلفين مواجهة قائمات الأحزاب ذات المرجعيّة الدينية!!

أما آن الأوان لكل هؤلاء الاعتراف بأخطائهم والنظر بعمق في أسباب هزيمتهم الانتخابية الشنعاء؟ فإن لم يقم اليساريون والقوميون بنقد لمسيرتهم السياسية ولطريقة تفكيرهم في الآخر، فإنهم سيقبعون في خلواتهم دون تأثير يذكر.

لقد شاركت بالحضور في عديد اللقاءات ذات الطابع الدعائي لبعض الأحزاب والقائمات المستقلة ذات التوجه اليساري وكلّي إصغاء لخطاباتهم، لكنني أغادر في كل مرّة هذه الاجتماعات وأنا محبط ومخذول ومهزوم؛ ليس لأنني أعتقد في نفسي مالك للحقيقة وإنني أريد أن أسمع منهم ما أريد سماعه، بل لأنهم لم يضيفوا لمكتسباتي ما كان عليهم إضافته، فقد كان جلّهم غير قادر على الارتجال والإصداع والإقناع.

يعلّل اليساريون والليبيراليون والقوميون هزيمتهم الانتخابية بالقمع المسلط عليهم منذ السبعينات وخاصة مع عهد بن علي، وهم المهللين له والذين أمضوا على وثيقة الميثاق الوطني سنة 1988،[22] وقد أدى هذا القمع حسب رأيهم إلى تقوقع اليسار سواء على مستوى إمكانيّات التنظير والتشخيص والنقد والبناء والتكتيك المرحلي أو على المستوى الحركي، إضافة إلى الشوائب التي أُلحقت به والمتمثلة أساسا في تشويه صورته داخل المجتمع بربط الشيوعية بالإلحاد وسوء فهم أغلبية الشعب لأهدافهم الرئيسية ألا وهي الكفاح ضدّ الإستغلال والدفاع عن الطبقات المحرومة والمهمشة.

لا يمكن لليسار اليوم تبرير واقع هزيمته وعدم إمكانية اندماجه في المجتمع بالقمع البورقيبي والنوفمبري، ذلك أن الحركة الإسلامية قد شهدت نفس أشكال العنف والإقصاء، وربما بصفة أكثر وحشية. فاليسار مدعو إلى تغيير خطابه واستراتيجيته ونظرته للمجتمع وللدين وللفرد كمواطن قبل كل شيء.

لقد اتّسم موقف اليسار من الدين بالسلبية وكان ينظر إلى المتدينين باستخفاف إن لم نقل بسخريّة فوصفهم بالرجعية والظلامية، ورفض كل أشكال الحوار معهم فتماهى هنا مع استراتيجية نظام بن علي الديكتاتورية. وقد لاحظنا مباركة وحيادا، إن لم نقل مشاركة بعض حركات اليسار في قمع مناضلي التيّار الإسلامي خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، باستثناء بعض الحقوقيين الذين ندّدوا بهمجية بن علي السافرة، وساندوا المعتقلين والمهجّرين والمعذّبين. وقد كانت الحركة الإسلامية في تونس واعية كل الوعي بهذه المفارقة، إذ ندّد الشيخ راشد الغنوشي بهذا التواطئ منذ بداية التسعينات عندما صرّح قائلا :« أحسب هذه النخبة، أو قل نظام الأقليّة في تونس، وهي عبارة عن تحالف بين عصا الشرطي، وبين رجال المال الفاسدين وجزء لا بأس به من اليسار الماركسي الذي يئس من الوصول إلى السلطة ومن منافسة الإسلاميين، لم يعد لها من مشروع بعد إفلاس الشيوعية غير هدم مشروع الإسلاميين حتى بالتحالف مع أعداء الأمس … لم يبق لهذه النخبة المفلسة من مشروع … غير ما تدعوه مقاومة الأصولية باسم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة والمجتمع المدني. وهي مجرّد شعارات أو قلاع فارغة حسب تعبير المناضل الدكتور المنصف المرزوڤي .»[23]

إن تبني مثل هذه المواقف من قِبل بعض تيارات اليسار ليست من الحداثة في شيء لأن الحداثة تقوم بتدبير الاختلاف ضمن المعالجة الديمقراطية للتناقضات، وترفض الإقصاء والتهميش لأي شكل من أشكال التعبير، مثلما تندّد بكل أشكال الاستبداد، وتستوعب المجال الديني على أنه عنصر من عناصر المعتقد الإيماني ومكوّن أساسي لشخصيّة الفرد ولحرّياته مع الدعوة إلى الفصل بين المقدّس الديني والدنيوي المحض، وهذا الفصل ليس عضويّا بل من باب تحديد المهام والمشمولات، وضمانا لعدم التداخل بين ما يعود إلى الحريات والمعتقدات الشخصية وبين ما يكون ضمن المسائل الجماعية.

كما تفتقر مؤسسات أحزاب اليسار إلى إرادة فعليّة في تجسيم مبادئ الديمقراطية داخل خلاياها وترفض النقد الذاتي كوسيلة من الوسائل الضرورية لقراءة إشكاليّاتها التي منعتها من التجذّر في صلب المجتمع بالمراوغة والمبررات الواهية والتشبث ببعض الوجوه الكاريزماتية المؤسسة لهذا التيّار أو ذاك والعمل على تأبيد الزعامات التاريخية التي تظل بعيدة عن منطق المحاسبة والسؤال، وبالتالي رفض التداول على المسؤوليات وتهميش الطاقات الشابة.

وهذا ما نلاحظه منذ فترة مع انعقاد المؤتمرات الاستثنائية لهذه الأحزاب بعد ثورة 14 جانفي، ولنستدل على ذلك مثلا بمؤتمر حزب العمال الشيوعي الذي انعقد أيام 22، 23 و24 جويلية بقصر الرياضة بالمنزه بتونس العاصمة تحت شعار من “أجل استكمال مهام الثورة”، حيث انعدمت القاعدة الأولى للعمل الديمقراطي في صلب الحزب وهي العملية الانتخابية للقيادات، وأسفر المؤتمر عن اختيار أعضاء القيادة العامة التي توازي اللجنة المركزية، ثم تولّت القيادة العامة اختيار الكتابة العامة التي ستشرف على تنفيذ برامج الحزب وتوجهاته. وبمراوغة إستبلاهية أكدت القيادة الوطنية أن المسؤولية جماعية تتولاها القيادة الوطنية وذلك مع إمكانية توزيع بعض المسؤوليات ضمن الكتابة الوطنية التي هي عبارة عن اللجنة التنفيذية للحزب، في حين أن حمّة الهمامي ما فتئ ينادي بضرورة « ضمان الممارسة الديمقراطية داخل كافة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية –وهي- شرط أساسي من شروط إرساء حياة ديمقراطية حقيقية داخل المجتمع».[24] وكما يقول المثل المسيحي: إن كان بيتك بالزجاج، فلا تقذف بيوت الناس بالحجر.

ونفس هذه الملاحظات نستنتجها من خلال المؤتمر الثالث لحركة التجديد[25] حيث اعتبر قادة الحركة أن مسألة القيادة مسألة ثانوية، هذا إضافة إلى بقيّة التيارات القومية مثل المؤتمر التوحيدي للقوميين الناصريين (حركة الشعب وحركة الشعب الوحدوية التقدمية).[26]

وتعكس هذه الظاهرة تشبث الزعامات القديمة بمقاعدها وعدم إيمانها بالحوار والعمل الديمقراطي والنظر إلى نفسها بنرجسية القائد والزعيم الملهم، وتبيّن بالتالي افتراءات ترويجهم للخطاب السياسي الحداثي. فالعمل السياسي لا يهدف إلى تطبيق البرامج الرنانة والطنّانة الداعية إلى العدالة الاجتماعية وتحقيق العدالة الانتقالية والمساواة وتأكيد الحريات الفردية والجماعية… بل إلى الوصول إلى سدّة السلطة بالمجهود الأدنى، وبالتالي تهميش القضايا الرئيسية للبلاد والعباد وتحويل النظر[27] من ضرورة إيجاد حلول لهموم المجتمع، إلى صراعات سياسية بين السلطة القائمة والدولة من ناحية، وبين المجتمع المدني والأحزاب السياسية من ناحية أخرى.

إن انعدام الإيمان بالثوابت وبالقواسم المشتركة لليسار التقدمي الاشتراكي أدّى بالعديد من رموزه إلى الارتماء في أحضان سلطة بن علي، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، الأستاذ والحقوقي محمد الشرفي[28] والجامعي عبد الباقي الهرماسي[29] والمحامي سمير العبيدي[30] وغيرهم كثير.

إن هذه الانحرافات تعود في الأصل إلى تذبذب الرؤى وإلى عدم تحديد مواقع النضال، أي هل أن النضال السياسي هو لصالح الوطن والمجتمع أم لصالح الانتماء الإيديولوجي، أم هو مجرّد حراك تكتيكي إنتهازي؟

فبالإضافة إلى عدم قدرة التيارات اليسارية على تحديد مواقعها داخل المشهد السياسي وبين الأطياف السياسية بمختلف توجّهاتها، فإنها أصبحت عاجزة عن إعادة التفكير في خطابها السياسي وخاصة موقفها من « الدين الإسلامي ليس كعنصر من عناصر الهوية بل بوصفه دين الأغلبية العظمى من الشعب وهو الحاضن لمجموع القيم الأخلاقية والاجتماعية والثقافية السائدة.»[31]

إن إعادة التفكير في بنية الدولة والمجتمع وفي نوعية العلاقة بينهما من الضروريات التي يجب طرحها اليوم على اليسار التونسي، وليس ذلك من باب الترف الفكري لأنها ستؤسس لعلاقة أفقية بين النخبة السياسية ومكونات المجتمع المدني وتفادي نظرة وصاية الدولة وهيمنتها على المجتمع.

يجب تحويل التفكير السياسي من النضال من أجل السلطة والمسك بزمام الدولة، إلى نضال في فهم إشكاليات المجتمع واستحقاقاته؛ وهو تحوّل قادر على تأصيل البعد الاجتماعي لليسار، حيث ظلت التوجهات الإيديولوجية والصراعات الآنية عقبة أمام ظهوره.

خاتمــــة :

شهد الخطاب الحداثي في تونس اليوم عدة أشكال تم تبنّيها من مختلف التيارات السياسية يمينا أو يسارا، كلّ حسب طريقة فهمه للحداثة ولمضامينها، ولعلّ التباين والاختلاف يعود أصلا إلى جوهر الحداثة نفسها التي «أصبحت في قفص الاتهام وهي التي ينبغي أن تقدّم التبريرات لما حصل من نواقص وانحرافات. »[32] لذلك فإن الطرح قد تحوّل اليوم بالعالم الغربي من “الحداثة” إلى “ما بعد الحداثة”، أي إلى نقد مكتسبات الحداثة. ولن نستطيع المرور إلى هذه المرحلة في بلادنا إلا لأننا لم نلتحق بالحداثة في جوهرها الكوني، ولازالت نخبنا الفكرية والسياسية تتخبّط بين مفاهيم ومصطلحات وسلوكات متناقضة لا يمكن زحزحتها إلا بالتحليل والحفر والتعرية لخطاباتها، « فالخطاب … ليس فقطك هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من أجله وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها.»[33]

I. المصادر المستعملة في البحث :

1) القرآن الكريم.

2) ابن جبير، رحلة ابن جبير، بيروت، دار الكتب العلميّة، 2003.

II. المراجع المستعملة في البحث :

3) عبد المجيد الشرفي، لبنات : تونس، دار الجنوب، 1994.

4) آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 1997.

5) ميشال فوكو :

– حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، ط 2، 1987.

– نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، ط 2، 2007.

6) محمد أركون،

– تاريخية الفكر العربي الإسلامي، بيروت، مركز الإنماء العربي، 1996.

– الفكر الإسلامي، قراءة علمية، بيروت، مركز الإنماء العربي، 1996.

– نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، بيروت، دار الساقي، 2011.

7) حمة الهمّامي، مجموع مقالات بموقع حزب العمّال الشيوعي التونسي “البديل”:

http://www.albadil.org

8) راشد الغنوشي :

– من الفكر الإسلامي في تونس، الكويت، دار القلم، سلسلة آفاق الغد، د. ت.

– “الإسلام والعنف” مقال صدر بجريدة المستقبل التونسية في 23 مارس 1981.

– مقالات، تونس، قرطاج، طبعة 2، ج 1. 1988.

– الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993.

– مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني، لندن، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، 1999.

– الحركة الإسلاميّة ومسألة التغيير، لندن، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، 2000.

– المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، لندن، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، طبعة 3، 2000.

9) علي المزغني، في الحداثة والقانون، مقال ضمن كتاب جماعي بعنوان : مقالات في الحداثة والقانون، علي المزغني وسليم اللغماني، تونس دار الجنوب للنشر، سلسلة معالم الحداثة، د. ت.

10) محمد رجب النجّار، الشطّار والعيارين، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، عدد 45، 1981.

11) حميد سمير، خطاب الحداثة : قراءة نقديّة، سلسلة روافد، عدد 15، مارس 2009، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت.

12) البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي بتاريخ 6 جوان 1981. ص 335.

13) القانون الأساسي لحركة النهضة في تونس. ص 339.

(12) و (13) ضمن كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993، للشيخ راشد الغنوشي.

 سوسة في 27 أفريل 2012.

د. محمد العادل لطيّف،

باحث وأستاذ جامعي في التاريخ برتبة أستاذ مساعد.

الهوامش:

[1] لبنات : تونس، دار الجنوب، 1994، ص 27 (المقال بعنوان : زمن الحداثة).

[2] آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ص 14.

[3] نفس المرجع السابق، ص 31.

[4] ميشال فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، ط 2، 2007، ص 3-4.

[5] هشام جعيّط، في السيرة النبويّة : تاريخيّة الدعوة المحمّديّة في مكة، ص 5.

[6] أنظر في هذا الصدد : محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، بيروت، مركز الإنماء العربي، 1996، ص 292.

[7] جاء في البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي بتاريخ 6 جوان 1981 ما يلي : «اعتماد التصوّر الشمولي للإسلام والتزام العمل السياسي بعيدا عن اللائكية والإنتهازية ». وبعد حصولها أخيرا على تأشيرة العمل القانوني بعد ثورة 14 جانفي 2011، لم تطرح حركة النهضة التونسية برنامجا جديدا بل اكتفت بإعادة إصدار برنامج “حركة الاتجاه الإسلامي” الصادر سنة 1981 والذي كانت قد تقدمت به في أوائل عهد بن علي من أجل العمل القانوني، وتم رفض مطلبها رغم إمضائها على الميثاق الوطني سنة 1988. كما يجدر التذكير بأن “الاتجاه الاسلامي” قد غيّر اسمه ليصبح “حركة النهضة” في فيفري 1989.

[8] مقال بعنوان : “الإسلام والعنف” صدر بجريدة المستقبل التونسية في 23 مارس 1981.

[9] نفس المرجع السابق.

[10] الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993، ص 314.

[11] علي المزغني، في الحداثة والقانون، مقال ضمن كتاب جماعي بعنوان : مقالات في الحداثة والقانون، علي المزغني وسليم اللغماني، تونس دار الجنوب للنشر، سلسلة معالم الحداثة، د. ت.، ص 28.

[12] ظهر مصطلح” الفتوة ” في القرن الثاني للهجرة، وظهرت جماعات الفتوة في بغداد مرتبطة بجماعات ” الشطار” و” العيارين ” أو قطاع الطرق المنظمين و«تعتمد حركة العيارين والزعّار على شكل تنظيم جماعي يشبه تنظيم الجند أحيانا وتنظيم الطوائف المهنية أحيانا أخرى وبمقدوره أن يهيج العامة عند الضرورة… ويجعلهم يشكلون ضغطا أقوى له أبعاده الاجتماعية والاقتصادية.» أنظر : محمد رجب النجّار، الشطّار والعيارين، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، عدد 45، 1981، ص 82. وفي أواخر القرن السادس هجري، عملت هذه المجموعات على تصفية الشيعة بالشام، فيقول ابن جبير في رحلته : « وسلط الله على هذه الرافضة طائفة تعرف بالنبويّة، سنّيون يدينون بالفتوة … وهم يقتلون هؤلاء الروافض أينما وجدوهم… ». رحلة ابن جبير، بيروت، دار الكتب العلميّة، 2003، ص 218.

[13] يعرفها القاموس المحيط للفيروزآبادي (ت 817 هـ 1414م) كما يلي : «الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف في الأمور والتخلص من المعضلات».

[14] خــلال نــدوة نــظـمها “مركز دراسة الإســلام والديمقراطية” الكائن بشارع خير الدين باشا بتونس العاصمة، تــحت عنــوان “العلمانية وعلاقة الدين بالدولة من منظور حركة النهضة” يوم 02 مارس 2012.

[15] مقالات، تونس، قرطاج، طبعة 2، ج 1. 1988. ص 25.

[16] مر، ن، ص 61.  

[17] راجع : الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة، ص 251 حيث يستعرض الشيخ راشد الغنوشي روّاد النهضة والإصلاح فيخصص 4 أسطر لرفاعة الطهطاوي وثلاثة أسطر للكواكبي. وعندما يصل إلى الحسن البنا، فإنه يعمل على إيجاد تبريرات لموقفه الرافض لتعدد الأحزاب والذي تبنته حركة الإخوان المسلمين إلى سنة 1985 فيخصص لذلك أربع صفحات. ص 253- 257.

[18] محمد أركون، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ص 275.

[19] محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 276.  

[20] ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، ط 2، 1987، ص 126.

[21] عن موقع البديل: http://www.albadil.org/spip.php?rub… .

[22] باستثناء حزب العمال الشيوعي التونسي الذي ظل صامدا بموقف ثابت ومتماسك من انقلاب 7 نوفمبر 1987 وقد وجّه رسالة إلى أعضاء لجنة صياغة الميثاق الوطني بتاريخ 05 أفريل 1990 يفسّر فيها سبب رفضه لهذا الميثاق. كما عبّر حمّة الهمامي منذ شهر ديسمبر سنة 2004 عن موقفه من انتخابات أكتوبر 2004 قائلا : « أن الشعب التونسي بكل طبقاته وفئاته، وأحزابه وجمعياته ومنظماته وشخصياته التي لها مصلحة في الحرية السياسية، مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى التخلص من الدكتاتورية. ومن نافل القول إن هذه الدكتاتورية لا يمكنها بأي شكل من الأشكال، ومهما وَهَمَ الواهمون، أن تتمقرط أو تتنحى من تلقاء نفسها. وهذه الحقيقة يؤكدها حوالي نصف قرن من حكم حزب الدستور بقيادة بورقيبة ثم بن علي. إن الديمقراطية لن تتحقق بواسطة هذه الدكتاتورية أو بالتعاون معها بل ضدها وعلى أنقاضها.» موقع : الحوار المتمدن، العدد: 1084، 20-01-2005. http://www.ahewar.org/debat/show.ar…

[23] راشد الغنوشي، مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني، لندن، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، 1999، ص 147-148. (مداخلة بعنوان : “أيّة حداثة”، أٌلقيت في ندوة المغرب العربي بمعهد لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية التابع لجامعة لندن خلال شهر فيفري سنة 1992.)

[24] موقع “البديل” لحزب العمّال الشيوعي التونسي: http://www.albadil.org/spip.php?art… بمناسبة المهزلة الانتخابية أكتوبر 2004، مشروع وثيقة : من أجل بديل ديمقراطي وشعبي.

[25] انعقد أيام 9 و10 و11 مارس 2012 بنزل الزهراء (الضاحية الجنوبية للعاصمة) تحت شعار: ” توحيد القوى الديمقراطية لتحقيق أهداف الثورة”.

[26] انعقد يومي 24-25-26 فيفري 2012 ما بين تونس العاصمة (قصر المؤتمرات) ومدينة نابل.

[27] بماذا نفسّر إثارة الأحداث التالية كقضايا رئيسية للمجتمع التونسي اليوم : أحداث حول مسألة النقاب بكلية الآداب بسوسة ومنوبة، أحداث عرض شريط بيرسيبوليس على قناة نسمة، أحداث تدنيس القرآن الكريم ببنقردان ورسم نجمة داوود على حائط جامع الفتح بالعاصمة، أحداث إنزال العلم التونسي من فوق إدارة كلية الآداب بمنوبة وما تبعها من توظيف سياسي وتجاذبات إيديولوجية وتنويه وتشريف للطالبة التي واجهت السلفي على سطح الكلية؟

[28] تولى وزارة التربية والتعليم العالي بين 1989و1994. قضّى 15 شهرا في سجن برج الرومي بين مارس1968 وجوان 1969. التحق بتجمّع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس المعروف الأكثر باسم حركة أفاق (تأسست في ديسمبر 1963). انضم سنة 1980 إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي تولى بها خطة نائب الرئيس سنة 1982 ثم الرئاسة بالنيابة في أوت 1988 فالرئاسة في مارس1989.

[29] أستاذ علم الاجتماع ووزير الثقافة بين سنتي (1996 – 2004)، قبل تعيينه وزيرا للشئون الخارجية.

[30] كاتب عام للاتحاد العام لطلبة تونس، تولّى خلال الفترة المتراوحة بين 1996 و2000 رئاسة لجنة التربية والثقافة والشباب صلب المجلس الاقتصادي والاجتماعي. ترأس سنة 2000 لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي بنفس الهيكل، وعيّن سنة 2005 سفيرا مندوبا دائما لتونس لدى الأمم المتحدة بجنيف ولدى المنظمة العالمية للتجارة ولدى مؤتمر نزع السلاح، ثم وزيرا للشباب والرياضة والتربية البدنية في أوت 2008، وهو المنصب الذي شغله إلى حدّ تسميته وزيرا للاتصال وناطقا رسميا باسم الحكومة يوم 04 جانفي 2011 قبل هروب بن علي.

[31] سالم لبيض (أستاذ باحث في علم الاجتماع) :”غريم النهضة ليس اليسار بل القوى السلفية وحزب التحرير”، ضمن مقال صدر بجريدة الصباح التونسية بتاريخ 21 فيفري 2012 :”اليسار التونسي بين ماضيه ومستقبل البلاد”.

[32] محمد أركون، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، بيروت، دار الساقي، 2011، ص 299.

[33] ميشال فوكو، نظام الخطاب، ص 5.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق