انحسار الخطاب العلماني

هناك اعتقاد شائع في الخطاب العلماني العربي يشير إلى أنه بمجرد فصل الدين عن الدولة، فإن الشرط الأول والأخير لتجسيد العلمانية على أرض الواقع قد تحقق، ولعل هذا الاعتقاد الخاطىء يفسر انحسار الخطاب العلماني وتقهقره.

لكل خطاب لغته الخاصة، والخطاب العلماني ليس استثناءً من هذه القاعدة. مَهما كان موضوع النقاش في أي قضية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو حتى دينية، فإن بالإمكان دائماً مناقشة الموضوع عن طريق الاستعانة بخطاب علماني لا يعتمد في عناصره أو في بنائه المنطقي على أي معتقد ديني. عندما أدافع، مثلاً، عن فكرة فصل الدين عن السياسة، فلست في حاجة إلى التنقيب في كتب التراث للبحث عن دليل فقهي يدعّم هذه الفكرة، وعندما أدين الحصار البشع لمدينة غزة، لا أجد ضرورة في رفع شعارت إسلامية أو قومية لتعزيز إدانتي لإسرائيل، وعندما أؤكد على خطورة المخدرات على حياة البشر، لا أتلهّف إلى سماع فتوى دينية تشاطرني الرأي نفسه! ما معنى كل ذلك؟ معناه باختصار أني أرغب في أن يكون موقفي الفكري منسجماً مع نفسه، ذلك أن تبنّي الخطاب العلماني يعني ببساطة أن تقتصر لغة الخطاب على العقل كأداة معرفية، وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة تقود في نهاية المطاف إلى الوقوع في تناقض منطقي (كما سنرى لاحقاً). إضافة إلى ذلك، عندما أتحدث بلغة مَن يُفترض أن يكون خصماً فكرياً بالنسبة لي، أي عندما أستعير مفرداته لملء الفراغات في خطابي الخاص، فإن النتيجة الحتمية هي الاعتراف الضمني بهزيمتي الفكرية! هكذا أفهم الخطاب العلماني، وعلى هذا الأساس أقرّر بأنه خطاب يشهد انحساراً مخيفاً في عالمنا العربي، وأريد من خلال هذا المقال أن أدلل على أن المسؤولية هنا تقع على عاتق بعض أنصار هذا الخطاب قبل خصومه، لكن ليس قبل أن أتطرق أولاً إلى أهم ملمحين من ملامح الخطاب العلماني كما أتصوره.

أولاً، الخطاب العلماني خطاب كليّ لا يقبل التجزئة، فلا ينبغي أن نطالب بفك الارتباط بين الدين والسياسة، ثم نغض النظر في الوقت نفسه عن وجود ارتباط بين الدين من جهة، وبين الاقتصاد والتعليم والثقافة من جهة أخرى. لست ضد ارتباط الدين بأي شيء آخر، لكني ضد أن يتحول مثل هذا الارتباط إلى قانون عام يتعدى الفرد ليشمل الجميع.

ثانياً، الخطاب العلماني خطاب أصيل لا يقبل التهجين، إذ ليس من المنطقي أن يطالب بعضهم بفصل الدين عن السياسة، بينما هم أول من ينتهك هذه المطالبة عن طريق الاستناد إلى خطاب سياسي يحتوي على مفردات تكشف عن معتقداتهم الدينية. لست ضد حق أي إنسان في التعبير عن معتقده الديني، فكل إنسان حر في إطلاع الآخرين على شؤونه الخاصة، لكني ضد أن يتحول الإيمان الفردي الخاص إلى قانون اجتماعي عام، لأن هذا التحول هو أول خطوة على طريق المتاجرة بالدين! نأتي الآن إلى الشق الآخر من هذا المقال، وهو توضيح ماهية الأسباب التي تقف وراء انحسار الخطاب العلماني، وكيف أن مسؤولية هذا الانحسار تقع في المقام الأول على بعض أنصار هذا الخطاب قبل خصومه.

هناك اعتقاد شائع في الخطاب العلماني العربي يشير إلى أنه بمجرد فصل الدين عن الدولة، فإن الشرط الأول والأخير لتجسيد العلمانية على أرض الواقع قد تحقق، ولعل هذا الاعتقاد الخاطىء يفسر انحسار الخطاب العلماني وتقهقره، فمادامت العلمانية تُفهم على أنها انفصال يتيم بين الدين والسياسة فقط، فلا حرج إذن في أن تكتسح المفردات الدينية كتب التاريخ والعلم والاقتصاد وبقية فروع المعرفة، ولا ضير في أن تتساقط ثمار العقل الإنساني على جذور المعتقد الديني! إن هذا الفهم العقيم للعلمانية هو المسؤول عن حصر الصراع الفكري في الجانب السياسي، بينما يكتسح بقية جوانب الحياة خطاب ديني مسيَّس من دون منافس!

يقول أحد الباحثين «إن العلمانية عندنا ظهرت في ظل شروط لم تساعد على ربط فهمنا لها بفهم متطور لطبيعة السياسة والاجتماع وما يتصل بهما، فكانت علمانية ذرائعية تقوم على أسس هشة، مما جعلها غير قادرة على الصمود أمام الاختبار» (انظر «الأسس الفلسفية للعلمانية»، عادل ضاهر، ص 6). العمل على تقوية هذه الأسس الهشة ومعالجة القصور في خطابنا العلماني يدفعاننا إلى ضرورة التعامل مع العلمانية بصورة أكثر شمولية، فهي ليست فعلاً ميكانيكياً نحدد من خلاله شكل الدولة، بل هي حركة ديناميكية نحدد بواسطتها شكل المجتمع.

عندما نسلك طريق السياسة لإقامة دولة علمانية، فإننا نكون قد سلكنا أطول الطرق وأكثرها تعرجاً، ذلك أن الطموح السياسي لا يتبنى سوى القضايا التي تحظى بشعبية، وبما أن مفهوم العلمانية لا يتمتع بالقدر الأدنى من الشعبية، فإن تبني مثل هذا المفهوم هو بمنزلة انتحار سياسي! عندما يتعلق الأمر بمشروع فكري يتطلب صبراً طويلاً وطول نفس، فإن من الحماقة أن نعلق آمالنا في تنفيذ مثل هذا المشروع على رجال السياسة، فهؤلاء يبحثون عن أقصر الطرق إلى السلطة والنفوذ والشهرة، وبأقل خسائر ممكنة على المستوى الشخصي!

حصر مفهوم «العلمانية» في فكرة الفصل بين الدين والدولة، وتبني لغة الخطاب الديني المعتدل، والخوف من جهل الآخرين، هذه هي بعض الأسباب التي ساهمت في انحسار الخطاب العلماني، وهي أسباب تدفعنا إلى التعامل مع مفهوم العلمانية بصورة شاملة، والاكتفاء بتشجيع الخطاب الديني المعتدل من دون الحاجة إلى تبني مفردات الخطاب ذاته، والعمل على إعادة الاعتبار للمفاهيم الغربية المشوّهة في ثقافتنا العربية.

ليس ثمة شك في أن الخطاب الديني «المعتدل» يلقى تشجيعاً واسعاً بين أنصار الخطاب العلماني العربي، وهذا أمر يسهل فهمه في ظل وجود خطاب ديني متطرف، لكن هناك مع الأسف من يخلط بين تجشيع الخطاب الديني المعتدل وتبنّي أبجديات هذا الخطاب، إلى درجة أصبحنا فيها عاجزين عن رصد الخط الفاصل بين الخطاب العلماني العربي والخطاب الديني المعتدل! أدرك أن العثور على رجل دين معتدل يشبه العثور على عملة نادرة في زمننا الحاضر، وأفهم أيضاً أن ينتشي العلمانيون العرب عند عثورهم على من يمنحهم الحق «الشرعي» في الوجود، لكن ما لا أفهمه هو أن تتجاوز النشوة مداها فتستحيل إلى سكرة تُذهِب العقل، وهذا ما نراه بوضوح في خطاب علماني عربي مرصّع بمفردات دينية غيبية، كأن الأمر أشبه بضريبة يقدمها العلمانيون العرب لرجال الدين المعتدلين، شكراً وعرفاناً لمنحهم إياهم الحق في الوجود والتعبير عن آرائهم! بل إن منهم من لا يتردد في التنظير حول ماهية «الإسلام الصحيح»، وكأن وظيفة الخطاب العلماني هي إيجاد صيغة علمانية، إلى جانب الصيغ التي تقدمها المذاهب الدينية المتناحرة، حول هوية الإسلام الصحيح! ما قيمة أن يفرح العلمانيون العرب بحقهم في الوجود بعد أن أضاعوا خطابهم؟

في بعض الأحيان، يلجأ بعض العلمانيين العرب إلى تضمين خطابه مفردات دينية تدل على معتقداته الدينية، لكن ليس على شكل ضريبة حق الوجود هذه المرة، بل على شكل ضريبة الخوف من جهل الدهماء، فمن المعروف أن تشويه المفاهيم هو إحدى ثمار عصر «الصحوة»، وربما احتل مفهوم «العلمانية» المركز الأول في قائمة المفاهيم المشوّهة، وبدلاً من محاولة إزالة هذا التشويه مع الاحتفاظ بخطاب علماني أصيل، تحوّل الخطاب العلماني العربي إلى خطاب يعتمد «التقية» تحسباً من غضب الجماهير وطمعاً في الحد الأدنى من القبول الاجتماعي، والمحصلة النهائية، مع الأسف الشديد، هي أن الخوف من جهل الآخرين أضحى عاملاً مهماً في تحديد شكل الخطاب العلماني العربي!

حصر مفهوم «العلمانية» في فكرة الفصل بين الدين والدولة، وتبني لغة الخطاب الديني المعتدل، والخوف من جهل الآخرين، هذه هي بعض الأسباب التي ساهمت في انحسار الخطاب العلماني، وهي أسباب تدفعنا إلى التعامل مع مفهوم العلمانية بصورة شاملة، والاكتفاء بتشجيع الخطاب الديني المعتدل من دون الحاجة إلى تبني مفردات الخطاب ذاته، والعمل على إعادة الاعتبار للمفاهيم الغربية المشوّهة في ثقافتنا العربية.

أخيراً، بإمكانك عزيزي القارىء أن تسفّه وتحتقر كل كلمة وردت في هذا المقال، وهذا من حقك، لكن لاحظ أن هذا الحق ليس سوى ثمرة من ثمار الخطاب العلماني، فهو خطاب لا يحتمي بالمقدس كي يسلب منك الحق في التعبير عن رأيك، ولا يستند إلى المقدس كي يفرض على الجميع وجهة نظر موحدة! لو ملأت هذا المقال باستشهادات من نصوص مقدسة، فهل تستطيع أن تزعم أنك مازلت تحتفظ بحقك في تسفيه كل كلمة في هذا المقال؟ عندما أمتنع عن الاستشهاد بنصوص دينية كي أقنعك بوجهة نظري، فإن السبب في ذلك لا يرجع إلى وقوفي ضد الدين، بل لأني أرغب في أن نفكر سوياً دون قيد أو شرط، ودون خوف من اختراق القانون، ودون طمع في نيل استحسان الآخرين! عندما ينتقل المعتقد الديني من المحيط الاجتماعي إلى المحيط الفردي، فإن العقل يؤتي ثماره، والدين يحتفظ بطهارته، ولعل المعنى العميق لطهارة الدين يكمن في رفض الوصاية على العقل. هذا بالضبط ما تنشده العلمانية، رغم كل ما تعرّض له هذا المفهوم من تضليل وتشويه وتدليس!
 
————————————————-

نشر في الأوان في 30/1/2008
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق