ايران من الثورة الى الدولة

الثورة حين تنقلب إلى دولة.. هو ربّما العنوان اللائق بما يحدث قي إيران اليوم.. إيران التطلّع إلى السلطة.. إيران التمسّك بالسلطة، وإيران التي تراوح ما بين الحسم لحساب سلطة المرجع وتلك التي تبحث عن مرجعها في الدولة، والاحتمالات ستذهب غالبا إلى ما يتجاوز الحدث بتجلياته الراهنة، إلى بلد قد يشهد نهاية لحقبة، ليتيه طويلا في البحث عن زمن إيرانيّ آخر.. زمن يغادر فيه قوّة اليوتوبيا، إلى وقائع راسخة لن تكون بلا تكلفة.

حال ثورة إيران لن يختلف كثيرا عن ثورات سبقتها، ثورات اتّكأت على العقائد في طريقها إلى السلطة، وانهارت العقائد تحت احتياجات الدولة، وإذا ما ذهبنا بعيدا، فالإسلام وقد أنجزه خيال المؤسّس (محمّد)، لا بدّ أن وارثه أسقطه حين احتكم إلى الدولة، وهذه سيرة معاوية تؤكّد أنّ الدولة (لا تحتمل الفكرة)، فذهبت الدولة إلى التهام الفكرة.

ليس الإسلام وحده… فإذا ما كانت ثورة أكتوبر، قد مثّلت ذات يوم ديكتاتورية الطبقة العاملة، فلا بدّ أنّها انقلبت ما بعد كرونشتاديت إلى ديكتاتورية الحزب على الطبقة العاملة وعلى الدولة، ما أدّى إلى ديكتاتورية استمرّت سبعين عاما، لتنهار تحت وطأة مجتمع يبحث عن شرطه وهويته، والنتيجة: اجتثاث ماضي العقيدة، لحساب استحقاقات اللحظة واحتياجاتها.

محمد مهدي شمس الدين، ربّما كان الأكثر إدراكا لما ستؤول إليه العقائد حين تحكم، وثمّة ما لا يُنسى من ميراث الرجل، العالم، تلك المقولة التي فصلت ما بين احتياجات الأمّة وضرورات الدولة، وهو ما لم يصل إلى مسامع المرجعيات الإيرانية وقد وطّدت العزم على الدمج بين ما لا يدمج، فقادت الأمّة إلى الاندماج بالدولة، عبر سلسلة من الأفعال القسرية، أفعال تلغي ماضي المجتمع الإيراني المتمدّن لحساب المرجعيات الدينية، لتُحلّ مكان المسرح صومعة، ومكان الموسيقى إنشادا، وبديلا عن الحياة الدنيا حياة آخرة، ربما لا يتسنّى للكثير من الإيرانيين الوقت لانتظارها.

جملة من التفاصيل المتشابكة حمت “الثورة” ثلاثين عاما:

الحرب العراقية – الإيرانية.

الحرب على الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة)، ولثلاثين عاما أيضا.

وثلاثون عاما من الحروب مع الخارج لتصدير الثورة، وسط تحوّلات كونية هائلة، بدأت تجلياتها مع البرسترويكا، ولم تنته بالاحتلال الأمريكي للعراق، مرورا ببن لادن، والأزمة المالية العالمية الكبرى، وليست آخر تجلّياتها صعود باراك أوباما إلى المقعد الأوّل في البيت الأبيض مع ما يحمله من برسترويكا أمريكية، لا شكّ أنّها تمثّل تجاوزا نقديّا هائلا لما صاغه الرئيس السابق جورج دبليو بوش، ليصبح الرئيس السابق، جزءا من ماض أمريكي يتمّ الاعتذار عنه عبر مجموعة من نظام القيم التي يطرحها الرئيس الأسود.

ثمّة ما يسمح للتاريخ في المفصل الإيرانيّ بالقول إنّ التاريخ يعيد أمثولاته، وربّما ستكون الأمثولة الروسية هي الأقرب مقارنة بالحالة الإيرانية اليوم، فحين صعد ستالين إلى السلطة، صعدت معه جملة من القيم.. قيم الثورة فـ” إن لم تنتصر الثورة خارج روسيا، ستسقط الثورة”، وان لم يكن ثمّة عدوّ للثورة:”ستسقط الثورة”، ووطّد جوزيف ستالين فيما وطّد:” ملكية الدولة لوسائل الإنتاج”، ووطّد فيما وطّد :” أسبقية الخبز على الموسيقى”، وأكّد أنّ القصيدة الروسية لا بدّ أن تحمل المنجل والمطرقة، وليس أيّ منجل وأيّة مطرقة، فالوفاء الثوريّ يتطلّب منجلا فولاذيا ومطرقة فولاذية أيضا، وكانت النتائج الأولى لعصر ستالين، المزيد من المشانق لرفاق الأمس، ومزيدا من المشانق لمعارضي اليوم، ومزيدا من كبت الحريات ومصادرة الإرادات، وتحويل كلّ مختلَف عليه إلى حكمة :” الرفيق الأعلى”، وبطبيعة الحال فالرفيق الأعلى هنا لا بدّ أن يكون الرفيق ستالين.

الثورة الحمراء ستلتقي في الحالة الإيرانية مع الثورة السوداء في ذات النقطة:

حين تحلّ العقائد مكان الحياة.. أحدهما سيلغي الآخر حكما.. وفي إيران كان أن أطاحت الثورة برفاق أمسها:

المهدي بازركان وأبو الحسن بني صدر وقطب زادة وإبراهيم يزدي وغيرهم.

وكان في إيران، مصادرة مجتمع ما فوق الأرض لحساب سلطة المرشد الأعلى، ليذهب ما تحت الأرض إلى خيارات أخرى، وثمّة من يعرف الكثير عن طهران يقول لنا: ” إنّ شباب الروك، والميتال، يعزفون الكثير من الموسيقى الصاخبة”، ويقول لنا:” البنات المحجّبات في طهران ما فوق الأرض، هنّ البنات السافرات ما تحت أرضها”، وثمّة من يضاف:” أزمات اقتصادية في سباق تسلّح ربّما يكون خاسرا، وانقسامات عميقة في المرجعيات والنخب الإيرانية سواء منها المرجعيات الدينية أو تلك التي جلست في الصفّ الأوّل من مقاعد الدولة”.

وبعدها، تأتي الانتخابات الإيرانية، وفيها جانبان؛ التقنيّ، وهو الجانب المتعلّق بالأصوات التي حصدها كلّ من المتنازعين، والجانب الأكثر أهمّية وهو ما سمح للانتخابات بأن تكون المظلّة التي يتحرّك الشارع تحتها.. مظلّة ربّما يكشف من يعرف الشارع الإيرانيّ، أنّها مجرد التحمية للقفزة اللاحقة، وهي القفزة التي أطلقت الشارع الإيراني للتعبير عن نفسه، ليس بصفته حليفا لمير حسين موسوي، بل بصفته متجاوزا لمؤسّسة الأمس، بمن وبما تحمل، ومن بين مَن تحمل موسوي نفسه، بعد أن ينتج الشارع نخبه، وهو ما يعيد أيضا إنتاج جملة من الحركات الشعبية ومثلها سيتبدى في العودة إلى كومونة باريس، وقد انتصرت أوّل ما انتصرت على قيادييها من بيروقراط النقابات العمالية، وربّما في مَثَل أكثر قربا عندما تجاوزت البيروستريكا الروسية مُطلق فتيلها ميخائيل غورباتشوف، لتذهب في رحلة طويلة استقرّت قاطرتها على إلغاء (بطلها).

الأسئلة المطروحة على إيران اليوم، أكثر من سلسلة أسئلة:

ما هو موقف المرجعيات الدينية العليا مما يحدث؟ ونحو أيّ الخيارات ستذهب؟

ما هو موقف مرجعيات الإصلاحيين من مثل مير حسين موسوي، وهل سيغادر حاضنته التاريخية ليلقي بنفسه إلى مجهول المستقبل؟

ما هو الممكن للشارع الإيراني وهو بين خيار:” حقّ الثورة في حماية نفسها”، ما يعني الامتداد نحو العنف الأقصى، وبين لحظة أفلتته من عقاله؟

ما هي حقيقة المواقف الدولية من الاحتمال الإيراني، ونحو أيّ شكل من أشكال الاستثمار سيذهب؟

أسئلة مفتوحة، على حالة أغلقت على نفسها ثلاثة عقود.

ذات الأسئلة التي طرحت على العقائد وقد استولت على الدولة.

هل بوسع إسلاميّ واحد، أو مسلم واحد، نسيان ما حملته دولة معاوية لثورة محمّد؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق