بأيّ معنى يعتبر الطهطاوي رائداً في أدب الرحلات؟

شهدت السنوات الأخيرة حركة حثيثة لنشر نصوص كتبها عرب ومسلمون عن رحلاتهم إلى أوروبا، وثارت مجادلات حول ضرورة مراجعة الفكرة السائدة التي تجعل رحلة رفاعة الطهطاوي المشهورة بـ«تخليص الإبريز في تلخيص باريز» (1834) بداية الاطلاع العربي على الحضارة الأوروبية الجديدة.

والحقيقة أن طريقة طرح السؤال هي التي تحدّد الإجابة، فلا بدّ من تخليص المجادلة من جانبها العاطفي وطرحها في صياغة دقيقة. فإذا كان المقصود التساؤل هل إنّ الطهطاوي هو أوّل من زار أوروبا في العصر الحديث وسجّل مشاهداته عنها، فلا شكّ في أنّ الجواب يكون بالنفي، سواء أطرحناه في أفق عربي أو إسلامي. فثمة مسيحيون عرب سبقوه في وصف أوروبا الحديثة. وثمة سفراء مسلمون من عاصمة الخلافة زاروا أوروبا قبله وكتبوا تقارير ورحلات. وثمة عرب من المغرب الأقصى سبقوه أيضاً بالزيارة وتسجيل الرحلة باللغة العربية. فالطهطاوي هو أوّل مصري يزور أوروبا ويسجل مشاهداته عنها، لكنه ليس أوّل عربي ولا أوّل مسلم. وتفسير ذلك واضح: إن السلاطين العثمانيين كانوا يقيمون علاقات ديبلوماسية مع العواصم الأوروبية ويرسلون إليها رسلاً وسفراء، وكان من مهمات هؤلاء الاطلاع على حالة أوروبا ونقلها إلى كبار رجال الدولة، ومن هنا نشأ أدب رحلات عثماني كتب بالتركية القديمة. ومن أهم الرحلات وأقدمها تلك التي كتبها محمد أفندي (1680-1732) الذي زار فرنسا سفيراً بين 1720 و1721، وكانت رحلته من أولى ثمرات المطبعة التي أنشئت سنة 1727، وقد اهتم الفرنسيون بمتابعة آثار زيارته فطلبت الخارجية الفرنسية من المستشرق جوليان كلود غالاند أن ينقل نصّ الرحلة من التركية إلى الفرنسية، وحصل ذلك سنة 1757. والنص طويل نسبيّاً وممتع، ولا يكتفي بوصف وقائع الرحلة لكنه يسجّل الكثير من الجوانب الحضارية، إلاّ أنّ فرنسا في بداية القرن الثامن عشر لم تكن بجاذبيتها ذاتها عند رحلة الطهطاوي إليها بعد قرن كامل، ولم يكن السفير العثماني يشعر بتفوقها الحضاري على بلده، وكان خروجه من الفندق يثير هرج العامة الذين يتدافعون لرؤية رجل تركي!

أما المغرب الأقصى فكان الدولة العربية الوحيدة المستقلة كليّاً عن السلطان العثماني، فكان طبيعياً أن يقيم علاقات مباشرة مع العواصم الأوروبية، وبخاصة إسبانيا، فكانت السفارات عادية بين السلاطين والملوك الإسبان، وقد أحصى المرحوم محمد الفاسي منذ الستينات الكثير من عناوينها، ومن البديهي أن الكثير منها، مما نشر أو لم ينشر، سابق تاريخياً على رحلة الطهطاوي.

على أنّ السؤال الآخر المطروح هو التالي: لماذا كانت رحلة الطهطاوي الأشدّ تأثيراً في الوعي النهضوي؟ والجواب أنها كانت أوّل رحلة تجعل مبحث النهضة همّها الأساس، وأنها فهمت بعمق تغيرات التاريخ الحديث. فجاءت لذلك متميزة على كل الرحلات الحديثة التي سبقتها، فهي رائدة بهذا المعنى، وليس بمعنى السبق التاريخي.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق