بإمكاننا الحديث عن “ما بعد – أصوليّة إسلاميّة”

 [في الوقت الّذي يسجّل فيه الإسلاميون انتصارا كبيرا في الانتخابات في المغرب العربيّ ومصر، وترتفع فيه الأصوات على غرار أرنو كلارسفالد المعبّرة أكثر فأكثر عن انشغالها من “صعود الأصوليّة في أوروبّا”، نطرح الأسئلة التّالية على أوليفييه روي، الأستاذ في المعهد الجامعيّ الأوروبّيّ بفلورانس والمختصّ في الإسلام السّياسيّ.]

كيف تحلّل مختلف الانتصارات الّتي حقّقها الإسلاميون في تونس والمغرب ومصر؟
 

بادئ ذي بدء، يجب التّذكير بأنّ التّحوّل الّذي يشهده المشهد السّياسيّ في هذه البلدان ليس بفعل الإسلاميين. بل هو نتيجة لحركات الدّمقرطة. ثمّ، بما أنّ هذه الحركات لم تعرف أو لم تشأ ملء الفضاء السّياسيّ، فإنّه من المنطقيّ أن يستفيد الإسلاميون من ذلك. أقول من المنطقيّ لأنّ الإسلاميين هم الوحيدون الّذين لهم تنظيم وأفكار وزعماء وتجذّر اجتماعيّ على عكس اللاّئكيين وأحزاب اليسار مثلما رأينا في تونس مثلا. الإسلاميون إذن دخلوا إلى فضاء ديمقراطيّ لم يقوموا هم ببنائه، ولم يفرضوا بنيتهم السّياسيّة.

في الواقع، إنّ هذه الحركة الدّيمقراطيّة تحوّلهم في العمق، بمعنى أنّهم مجبرون – ما عدا في مصر الّتي تُعتبَر الحالة الأكثر تعقيدا – على القبول بالقاعدة الجديدة للّعبة، على تحمّل التّوجّه البرلمانيّ. فالنّهضة هي الآن الحزب الحاكم وقد قبلت بتحالف مع أحزاب أخرى للعمل على الدّستور. أعتقد إذن أنّه بإمكاننا الحديث عن “ما بعد – أصوليّة إسلاميّة” بمعنى أنّه ليست إيديولوجيا هؤلاء الإسلاميين ولا فعلهم الثّوريّ هما من أوصلاهم إلى سدّة الحكم، فقد خضع هؤلاء إلى عمليّة دمقرطة (لا يدينونها ولم يدينوها أبدا ولكنّها مع ذلك لم تكن في برنامجهم قبل 30 عاما) وهم الآن يحتلّون وسط اليمين في الفضاء السّياسيّ. هي بطبيعة الحال أحزاب محافظة في مجالات المجتمع والثّقافة والدّين. ولكنّهم بالأحرى ليبراليون من النّاحية الاقتصاديّة وقانونيون من النّاحية السّياسيّة. بهذا المعنى فقدوا بعدهم الثّوريّ، مثلما وصلت الأحزاب الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة والشّيوعيين في أوروبّا إلى فقدانها. ليس الإسلاميون إذن هم من هيّؤوا الدّيمقراطيّة بل إنّ الدّيمقراطيّة هي الّتي هيّأت الإسلاميين.

فيما يخصّ “الدّولة الإسلاميّة” و”القرآن باعتباره دستورا” الخ.. كلّ هذا اختفى في المغرب العربيّ. ، فحزب العدالة والتّنمية في المغرب هو حزب ملكيّ كما أنّ النّهضة لا تتحدّث مطلقا عن دولة إسلاميّة ولا كذلك عن الشّريعة. أمّا في مصر، فالحالة على العكس منهما أكثر تعقيدا، غير أنّنا نلاحظ أنّ الإخوان المسلمين قد تخلّوا عن شعار “القرآن هو دستورنا” بما أنّهم تحديدا يستعدّون لكتابة دستور – ولو أخذنا مثالا معاكسا، فإنّ طالبان أو السّعوديين لا يهتمّون بإيجاد مجلس تأسيسيّ بما أنّ القرآن يتضمّن كلّ شيء. أظنّ أنّ المسألة الآن ليست إيديولوجيّة بل هي تتعلّق بالقيم والمعايير. فالإسلاميون يتمّ تعريفهم من خلال فكرة أنّ الإسلام يجب أن يكون في مركز المجتمع، وهذا ما لا يمكن أن يتراجعوا عنه، وإلاّ فإنّهم سيفقدون كلّ خصوصيّة تميّزهم. السّؤال المطروح هو كيف سيترجمون هذه الإحالة إلى الإسلام في نظام ديمقراطيّ، دستوريّ، وبالتّالي في إطار القوانين؟ أظنّ أنّنا سنشهد، في المغرب العربيّ على أيّة حال، خطّا دينيّا محافظا سيكون أقرب إلى اليمين الأمريكيّ منه إلى الوهّابيين السّعوديين. بعبارات أخرى، سيتحدّث الإسلاميون عن الأخلاق والقيم والهويّة وجذور الشّعب الإسلاميّة، وسيركّزون على مسائل ذات صلة بالأخلاق. سيتحدّثون على سبيل المثال عن التّحرّش بالنّساء لتبرير الدّعوة إلى عدم الاختلاط في بعض الأماكن، الشّيء نفسه عن المشروبات الكحوليّة، فلن يكون هناك منع شامل لها بل تحديد باسم الصّحّة العموميّة والأخلاق، وهو ما يحدث من ناحية أخرى في الولايات المتّحدة.

ما ينبغي فهمه جيّدا في الأخير، وما نرفض القبول به في الغرب، هو أنّ التّغيير الجاري الّذي يشهده الإسلاميون بفعل النّظام ليس هو ما يجعلهم ليبراليين. إذ يمكن أن يكون المرء محافظا بل أصوليّا من النّاحية الدّينيّة ويقبل في نفس الوقت بالمواطنة والدّيمقراطيّة. والواقع أنّ هذا ما حدث في أوروبّا، ففي سنة 1864 كانت الكنيسة ترفض الجمهوريّة والفصل بين الدّين والسّياسة، وبعد ذلك بثمانين عاما رأينا كيف برزت الدّيمقراطيّة المسيحيّة. ولم تنشأ هذه الدّيمقراطيّة لأنّ البابا أعاد في أحد الأيّام الجميلة قراءة كتب الإنجيل ووجد فيها البراهين المشروعة على الفصل بين الكنيسة والدّولة، إنّه الظّرف بطبيعة الحال الّذي فرض على الكنيسة هذه التّغيّرات. هذا بالضّبط ما نلاحظه مع الإسلاميين، في مدّة زمنيّة أقصر بكثير.

 

من وجهة النّظر الأوروبّيّة والفرنسيّة الآن، كيف تحلّل تصويت تونسيي فرنسا لفائدة النّهضة؟ هل نحن كما صرّح مؤخّرا أرنو كلارسفالد بصدد “صعود جديد للأصوليّة في أوروبّا”؟
 

لست متأكّدا من أنّه ينبغي علينا أن نهتمّ بالرّدّ على التّصريحات الّتي أدلى بها السّيّد كلارسفالد. فيما يخصّ تصويت تونسيي فرنسا فهذا أمر لا شأن له بالأصوليّة. فإذا كان هؤلاء قد صوّتوا للنّهضة فذلك لأنّهم يعتبرونهم الوحيدين القادرين على مكافحة الفساد وعلى إقامة حكم رشيد. على اليسار مثلا، يوجد 15 حزبا بـ 15 زعيما وهو ما يعني أنّ كلاّ من هؤلاء يفكّر أوّلا في نفسه بدلا من أن يعقد تحالفا مّا. فالرّسالة الّتي يوجّهونها إذن سيّئة للغاية. ففي بلد خرّبه الفساد لا بدّ من حزب مهيكل حتّى يقع تأطير المصالح الفرديّة. الفكرة الّتي قادتهم هي أنّه بالتّصويت لحزب قويّ سيكون الفساد أقلّ لأنّ حزبا قويّا يسيطر بشكل أفضل على أعضائه وإطاراته. لي صديق يعمل في قنصليّة سان فرانسيسكو وقد لا حظ نفس الأرقام الّتي تحقّقت في فرنسا! إنّ التّونسيين في سان فرانسيسكو الّذين يعيشون في وضع اجتماعيّ جيّد صوّتوا بدورهم للنّهضة لا لأنّهم “أصوليون” بل كان تصويتهم عقلانيّا، باعتبار إنّ جماعة النّهضة هم الوحيدون في اللّحظة الرّاهنة القادرون على تحمّل مسؤوليّة الحكم الرّشيد، وإن هم خيّبوا ظنّ النّاخبين فسيقوم هؤلاء باستبدالهم في الاقتراع القادم.

إنّ ربط هذا التّصويت بالأصوليّة في فرنسا هو إذن غير معقول لعدّة أسباب : أوّلها ما كنت قد ذكرته سابقا من أسباب، وثانيها لأنّ النّهضة كما هي ليست حزبا أصوليّا، فلا صلة لها بطالبان أو القاعدة. إنّها حزب من المؤمنين يريد بالتّحديد أن يوفّق بين الإيمان والمواطنة. وهذا هو السّبيل المؤدّي إلى اندماج الإسلام في اللّعبة الدّيمقراطيّة. الخطأ الكبير لكلارسفالد وغيره هو الاعتقاد أنّ إسلاما وسطيّا هو إسلام وسطيّ لاهوتيّا. بتعبير آخر، ينبغي على النّاس، حسب هذه النّظريّة، أن يكونوا ليبراليين من النّاحية الدّينيّة حتّى يكونوا مواطنين صالحين. هذا أمر غير معقول. أوّلا، لأنّ الأمور لم تجر أبدا هكذا تاريخيّا، فمؤسّسو الولايات المتّحدة لم يكونوا أناسا ليبراليين من وجهة نظر لاهوتيّة، كما أنّ جينيف وهي مهد الدّيمقراطيّة البلديّة الخ. لم تكن مدينة ليبراليين زمن كالفين. ليس بالسّعي إلى إصلاح الإسلام نحصل على مسلمين مواطنين. بل إنّه في تحويل الشّعور الدّينيّ – وليس اللاّهوت – المركّز على الإيمان الشّخصيّ سنعثر على انفتاح مواطنيّ.

في فردنة الإيمان إذن، أي عندما يكون الدّين اختيارا شخصيّا، يحدث الانفتاح على المواطنة. والخطأ الكبير يكمن في اتّباع سلّم لاهوتيّ، فيكون “المسلم الصّالح” هو من يشرب الكحول ويأكل لحم الخنزير و”المسلم السّيئ” هو من يصلّي 5 مرّات في اليوم ويؤمّ المسجد يوم الجمعة، وفي تصنيف المواطن وفقا لهذه المقاييس. هذا غير معقول. هناك حقيقة لا تمرّ بين المعلّقين ولكنّ كلّ شيء يؤكّدها، وهي أنّه يمكن للمرء أن يكون محافظا من وجهة النّظر الدّينيّة ويكون مواطنا صالحا. 

حوار أجراه ماتّيو مايغفاند Matthieu Mégevand لمجلّة Le Monde des religions.fr ونشرته هذه الأخيرة على موقعها الألكترونيّ في 06 – 12 – 2011. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق