بابل : حلم مستحيل – محمد ديبو

كثيرة هي الأسئلة التي تتقاذفك، وتتسلل إلى مخدع روحك، لتقلق عزلتك وأنت تقرأ رواية عماد شيحا “بقايا من زمن بابل”، التي تحملك نحو أزمنة غائبة وحاضرة في آن، نحو عوالم ترزح تحت سطوة الموت والغياب، متخيلة عالما يحكمه النور ولا تلتقي به .

تحاول قدر الإمكان أثناء القراءة أن تبعد ما تعرفه عن عماد شيحا المناضل والسجين السياسي لمدة تقارب ثلث القرن لتفسح مكانا للروائي القادم من خلف أجنحة الموت ، معبّدا طريق الكتابة، باحثا عما يعيد للبشر وجوههم التي لم تشوّه وقلوبهم التي هجرها الحب والأمان … ولكن مهما حاولت الحياد والتناسي أثناء القراءة، ستبقى ظلال من هذا تقلق قراءتك، خاصة وأنّ الكاتب يمهر غلاف ديوانه بعبارة ” نصوص من وراء الجدران” دون أن يحدد أي جدران : أهي جدران السجن؟ جدران بابل؟ جدران الحياة الضيقة كزنزانة؟

أولى الأسئلة التي تؤرقك، كيف استطاع عماد شيحا أن يكتب رواية داخل السجن لا علاقة لها به-وهو الذي كتب أربع روايات داخل سجنه-، ولا تقترب منه بالمعنى السياسي المباشر، أي استطاع تحييد المكان وتغييبه لصالح الرواية، وكيف استطاع إقصاء ذاته السجينة، المعذبة التائقة لهواء الحرية؟ وكيف خلّص روايته من لغة السجن ومفرداته، لصالح لغة تنضح بالشعر وتحتفل بالمجاز.

ولكن هل أقصى عماد شيحا السجن عن روايته فعلا، أم إنه استطاع بذكائه ومكره الروائي إيهامنا بذلك؟

تتحدث الرواية عن بلد قديم /حديث استبد بالبشر، ومسخ وجوههم وكسا ألسنتهم بغبار الموت، فانكفؤوا على ذواتهم يبغون خلاصا فرديا لا يقود إلا إلى الجحيم الذي هربوا منه، وهذا ما يدركه متأخراً بطل الرواية غريب وهو على تخوم العمر فيحاول التعويض عما فات، في رحلته الأخيرة بحثا عما فُقد ، عن حبّ ضائع تلاشى في فراغ البلاد المستباحة.
تبدأ أحداث الرواية بغريب وهو يقود سيارته على عجل عائدا إلى مكان نعرفه ولا نعرفه، نلتقي به دون أن نعثر عليه، يحمل معه ولده وديع المريض، لتدور أحداث الرواية كلها داخل السيارة عبر تلك الرحلة بين مدينتين، وليدور حوار خفي وموارب ومعلن في آن بين الأب وابنه، بين زمنين وجيلين يجمعهما الدم وآلام عصفت بهما من جراء سلطة خطفها عسكر وجنود فأصبح الدم والعسف لغتها الوحيدة للتفاهم مع رعيتها.

عبر هذا الحوار/ المحاكمة بين غريب وابنه وديع- الذي يمتد على كامل صفحات الرواية بالتناوب- تبدأ أسرار الرواية بالانهتاك، إذ يعود كل منهما ليحكي قصته على طريقة الفلاش باك، مسترجعا ما مضى، باحثا عن العطب والخطأ، حيث نتعرف على غريب المدرس العصامي الذي لا يسكت على خطأ ويجابه، ويساعد الناس غير آبه بتهديدات الكواسر الضارية وأشباح الليل، ونرى في الوقت ذاته الوجه الآخر له بعد وفاة زوجته وحبيبته وصال في حادث غامض لا نعرف تفاصيله حتى نهاية الرواية ، ثم زواجه الثاني من مشيرة، النقيض التام لوصال، مشيرة الانتهازية التي تقدم خدماتها الأمنية مقابل حماية رأسها، البراغماتية التي لا تقيم وزنا لقيم سائدة إلا وفق ما يخدم مصالحها وتجارتها ، وتستطيع إقناع غريب المنقسم على ذاته بعد وفاة زوجته بتبني خياراتها أو مسايرتها ضمانا لمستقبل ابنه وديع الذي يسلخه عن محيطه (عائلة جده لأمَه )، حيث تحاول مشيرة المحرومة من الإنجاب، تربيته كابن لها وفق منطق العصر الجديد، منطق الانحناء والحياد والصمت (لا عين شافت ولا حدا درى)، ويسايرها أيضا إلى أن يقع في الحب، فتسعى مشيرة بكل ما أوتيت من سلطة لتحول دون ذلك الحب الذي يسير عكس تيارها، إذ لمنال حبيبة وديع خالة، سجينة سياسية، فيسعى ليؤمن لها زيارة عن طريق تدخلات خالته مشيرة التي تؤمن له طلبه شرط وعدها بنسيان حبيبته بعدها، فيفعل.. فقط لتأمين الزيارة لخطيبته التي يسمع مؤخرا والدها الضابط الكبير بحبها لوديع فيرحلها عن المدينة بين ليلة وضحاها، فيذهب وديع لرؤية خالتها في السجن بدلا منها، وعندها تسأله ما اسم أبيك يا وديع؟ وإذ يجيب : غريب ! تنفعل وتجهش بالبكاء وتضمه وتخبره أن يسرع لإنقاذ منال لأن والدها قد يفعل أي شيء وقد يقتله.

هنا يكتشف وديع أن منال ابنة خالته والسجينة خالته الأخرى، العائلة التي سحبه أبوه غريب من محيطها من أجل ضمان مستقبله، ولكنه لم يحصد سوى الموت والدمار والانسلاخ عن الروح التائقة للعودة إلى مسارها الصحيح.
يختار وديع المواجهة ويذهب حتى منزل منال، فيستقبله الأب بوجهه الكالح.

ويترك لهما فسحة الخيار بين الاستسلام والمواجهة وعندما يختاران المواجهة تبدأ الفاجعة، تُغّيب منال و يضرب وديع حتى درجة الموت والعطب، فيحمله أبوه غريب عائدا به إلى المدينة التي سحبه منها، أهله وعائلته وروح أمه وصال التي تكشف لنا الرواية طريقة موتها المفجعة على يد مجموعة من الجنود، اختطفوها من غريب واغتصبوها حتى الموت.
والمفاجأة الأخرى التي يقدمها الروائي أن الضابط الذي أرسلت مشيرة وديع إليه ليسمح له بلقاء خالته السجينة هو نفسه مغتصب أمه!

تؤكد الرواية أن الحياد له ثمن ، إذ لا يمكنك أن تقف على الحياد في زمن تعصف به أهواء الجنون ، وتسحبه المقابر نحو صمتها الأبله ،إذ عليك أن تكون إما مع أو ضد.

وأن الحب بما هو حالة عاطفية محضة وخاصة بعاشقين لا يبحثان عن شيء خارج دواخلهما المشعة، لا يمكنه الصمود إذ لا بد له من التشوه والموت تحت نيران الحصار وشهوات الجنود المشبعة بالعقم والحقد والسلطة بكافة أشكالها. وهذا ما جرى لغريب ووصال اللذين تزوجا رغما عن محيطهما المعادي لهذا الزواج ، وكذلك الأمر مع ابنه وديع الذي لم يتمكن من حماية حبه، فسقط الاثنان ضحية حبهما الخارج عن عرف يحكم على من ينسلخ عنه بالنفي والفرار.

تمتاز الرواية بلغة معجمية مدهشة وآسرة، لغة تحتفل بالشعر والمجاز، تبني معالمها وعمارتها اللغوية الخاصة بها، تنشد زمنا مطلقا لا تلتقي به، فتخلقه على طريقتها عن طريق هجرتها إلى الأسطورة، لتبتعد عن راهن يثقل الرواية بتفاصيله، فتهجره إلى الزمن الأسطوري/ الخالد، ليخفف من فجاجة واقع مزر وتفاهته، وقد أحسن الكاتب هنا توظيف الأسطورة لصالح الرواية إذ غدت جانبا آخر من الرواية وليست مجرد دخيل متطفل عليها.

ولكن الاحتفال الشديد باللغة رغم جماليتها، لم يكن لصالح الرواية دائما إذ سرح الكاتب مع لغته بعيدا عما تقتضيه الرواية، الأمر الذي يشتت القارئ ويبعده عن مناخ الأحداث ، ويدخل الرواية في سرد مجاني طويل كان يمكن الاستغناء عنه ولكن الكاتب يصر على أنه لم يستطع حذف كلمة واحدة من روايته التي يرى أن كل حرف فيها ضروري ودونه يختل ميزان الرواية.

أهم ما في الرواية هو قدرة الروائي على المكر بنا من خلال لغته وأسلوبه ومجازاته المتعددة، التي يمكن تفسيرها بأكثر من وجه، الأمر الذي يسمح بتعددية القراءة وانفتاح الرواية على أكثر من معنى، بعيدا عن أحادية القراءة واستبداد المعنى.
فالكاتب الذي كتب كل رواياته داخل سجنه لم نعثر له على أثر مباشر لحضور ذلك السجن داخل روايته بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه استبدل ذلك بالفضاء العام الذي تدور داخله أحداث الرواية من خلال مواربة ذكية، فالسيارة التي يجري فيها الحوار بين الأب وابنه .هي مكان مغلق أشبه بزنزانة يقطنها نزيلان معطوبان من جراح الحاضر والماضي ينشدان مكانا (مستقبلا) غير موجود إلا في الحلم.

وكذلك الأمر من حيث الفضاء المكاني الذي تجري فيه أحداث الرواية فهو أشبه بسجن كبير يعيش فيه الناس وفق قوانين يحددها فردٌ، أحدٌ، صمدٌ، لا يمكن لأحد الخروج من سطوتها، والهروب من عسفها إلا بالموت .

وكأن الكاتب يهزأ من السجن الصغير، ويقول إن البلاد كلها أشبه بسجن، العالم سجن، وكذلك الأسطورة التي استحضرت” موت” و”عناة” و”بعل” ليست سوى منفذ هرب يقوده “موت”.

كذلك أمر المقبرة التي يقطن بها صديقه فهي مجاز لبلد أصبحت مقابره أرحب من بيوته ، وحدائقه الخلفية أوسع وأكثر أمانا من بيوت لم تعد لها حرمة أو خصوصية.

وهذا كله لم يكتبه عماد شيحا واضحا، بل تركه ينوس بين الوضوح والغموض، بين الشفافية والإبهام، من خلال لغة موّارة تتيح أكثر من قراءة، ترتقي بلغة السرد نحو تخوم الشعر، لتلامس قاع المكان وسماء المطلق في آن.

يبقى انَ بعض الأحداث تبدو غير مقنعة في الرواية وغير منطقية : لقاء وديع مع مسؤول السجن الذي باح له بماضيه ونزواته واغتصابه لوصال-أم وديع- مثلا، فمن غير المنطقي أن يسترسل مسؤول أمني في الحديث عن حياته الخاصة أمام شاب يراه للمرة الأولى ، وإن كانت الرواية تستدعي ضرورة هذا البوح لتكتمل دائرة الأحداث.

عماد شيحا دخل معترك الرواية متأخرا، لكنه استطاع خلال مدة قصيرة أن يكرس اسمه واحدا من أهم الروائيين السوريين، ساعيا نحو تخليص الرواية السورية من كلاسيكيتها القاتلة، محررا إياها من معطف الآباء، دافعا بها عبر دروب و مسارات جديدة ، مبتدعا طرق تعبير مختلفة ، تلتقط من الواقع مادته الخام وتحلّق بها نحو سماوات إبداع لا تحد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق