“باحثة البادية” ترتقي منبر الخطابة وتكشف عن اسمها

في 9 مارس سنة 1907، صدر في القاهرة العدد الأوّل من “الجريدة” الناطقة باسم “حزب الأمّة”. وفي رحاب الدار الصحفيّة أقام رئيس تحريرها الليبرالي أحمد لطفي السيد منتدى للمرأة، خصصت صالته لجمهور النساء، وحاضرت فيه مثقفات المرحلة كلبيبة هاشم، ومي زيادة، وملك حفني ناصف، ونبوية موسى، ونفيسة أحمد المشهديّة.

من تاريخ رواق هذا المنتدى تنتقي “ذاكرة الحداثة” مقالة صحفيّة تصف فيها لبيبة هاشم، لقراء “الجريدة” ومجلّة “فتاة الشرق”، مشهد ارتقاء أوّل امرأة مصرية منبر الخطابة في 15 أيار 1909، بحضور مئات من السيدات. كما تتضمّن المقالة ملخّصاً لخطاب “باحثة البادية”: ملك حفني ناصف.

ولدت ملك حفني ناصف في حي الجماليّة في القاهر في 25 ديسمبر عام 1886، وتعتبر أوّل مصرية تحصل على شهادة الابتدائية عام 1900، وذلك من “المدرسة السنيّة” في أوّل سنة تتقدّم فيها الفتيات لأداء هذا الامتحان، بعد ذلك تابعت تحصيها في القسم العالي في نفس المدرسة، لتنال دبلوم المعلمات سنة 1903.

درّست في مدارس البنات الأميرية قبل أن يعقد قرانها على عبد الستار الباسل عام 1907، لتتشعّب مسارب سيرتها الذاتية بمعاناة ذات امرأة تواجه، جسدياً ومعنوياً، المتواضع الاجتماعي تحت سقف الزوجيّة.

فتحت ملك حفني ناصف أبواب بيتها أمام سيدات قدمن لزيارتها من الشرق والغرب، للاستماع إلى وجهة نظرها، حيث وجدن فيها مثال المرأة المصرية الجديدة.

كتبت الشعر وهي في الحادية عشرة من عمرها، وتأثرت بالفكر النهضويّ ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، فصاغت أفكارها الحرة من منابع إصلاحية ووطنية تعود لحنفي ناصف، قاسم أمين، والشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وأحمد لطفي السيد.. ومن داخل الخباء في البادية، قضت حياتها في إشهار رأيها على الملأ في أعمدة الصحافة والمؤلفات، فنشرت مقالاتها في صفحات “الجريدة” في عمود “النسائيات” قبل أن تجمعها في كتاب، وفيه تحثّ النساء على النهوض من السلب إلى إيجاب الفعل، وتجادل في مفاهيم النسويّة وحقوق المرأة في زمنها، وتعبر عن رأيها في الحجاب وخروج المرأة للفضاء العام، وتفضيل زي الرأس التركي بدلاً من النقاب أو البرقع، إضافة لدعوتها لتعليم وتربية البنات، والتركيز على الجانب التربوي الأخلاقي في تعاليم الدين، ومعارضة تعدد الزوجات.. الخ.

شكك بعض الكتاب من الرجال المحافظين، كرشيد رضا بهوية “باحثة البادية” المستعارة التي مهرت بها كتاباتها، على أنها آراء “باحث الحاضرة”، وذلك قبل أن تعلن عن اسمها ولقبها العائلي في أول خطبة لها في منتدى المرأة في دار “الجريدة”.

وفي 29 و30 أبريل، و1 و2 و3 مايو عام 1911، قدّمت للمؤتمر المصري، المنعقد في مصر الجديدة، تقريراً بيّنت فيه مقترحاتها حول السبل الضرورية لترقية المرأة المصرية.

مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، وانفراجها عن منجز نسائي عالمي، ومكتسبات نسويّة نالتها النساء بتفرد فعلهن والمعارك تدور على الجبهات، توفيت ملك حفني ناصف في 17 اكتوبر عام 1918، وذلك قبل أن تتم بحثاً مقارناً موسعاً كانت تحضر له، وأنجزت منه ثلاثة فصول حول “حقوق النساء”: الفصل الأول في المقارنة بين المرأة المسلمة الشرقية والمرأة المتديّنة الغربية في الحقوق المالية، والثاني في حقوق المرأة المسلمة من جهة إدارة الأعمال العامة، والثالث في حقوق المرأة المسلمة من جهة الانتخاب.

{{[*أول خطيبة مصرية*]}}

{{لبيبة هاشم}}

وإذا رأيت من الهلال نموّه/ أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً

بينما كنت جالسة في اليوم الثالث عشر من شهر مايو الماضي (1909) إذ أتاني كتاب من إدارة الجريدة الغراء، تدعوني به إلى حزب الأمة لسماع خطاب تلقيه السيدة “باحثة البادية”، ولما كان الاجتماع خاصاً بالسيدات كلفتني أن أصف تلك الحفلة، بما يعوض الأدباء عن مشاهدة الحفلة الحقيقية بظلها على صفحات الجريدة.

ولا أكتم القراء أني لبثت حيناً حائرة بين قبول الدعوة ورفضها، خوف أن أجد في تلك الحفلة ما يضطرني إلى كتابة ما لا أودّه عن نسائنا، وقد تمثّلت لذهني الخطيبة حينئذ معتلية المنبر وأمامها مقاعد فارغة إلا من بعض عجائز لا يستوجبن الاهتمام، ولا يعوّل على شيخوختهنَّ لإصلاح وذلك قياساً على ما تعوّدناه من إحجام شابّاتنا عن حضور الحفلات الأدبية ونفورهنَّ من سماع الأحاديث الاجتماعية.

فخفق قلبي عند تصوري ذلك لعلمي بأني سأكون مجبرة على ذكر الحقيقة ولو آلمني إثباتها كيف لا وأن من سأتكلم عنهنَّ شقيقاتي بالجنسية وصديقاتي بالوطنية من أغار عليهنَّ من نسيم التقريع إذا هبّ نحوهنّ من حي المنتقدين من الرجال فكيف أتولى الطعن عليهنَّ بنفسي، وأنّى ليدي أن تسدد سهام القلم إلى تلك العواطف الطاهرة.

هكذا كان يميل بي التردد إلى الاعتذار عن عدم إجابة الدعوة لولا أني رأيت في رفض مثل هذه الخدمة الأدبية ذنباً لا أغتفره لنفسي فتناولت القلم وكتبت بيد مضطربة واعدة بالذهاب. حتى إذا دنا وقت الاجتماع وبلغت مدخل قاعة الخطابة، ألفيتها مكتظة بالسيدات، وكلهنَّ من الطبقة الأولى في الشرف والأدب، فوقفت أجيل الطرف بينهنَّ علّي أجد كرسياً فارغاً أجلس عليه، فخبت أملاً، وكانت تلك الخيبة أجمل ما ترغب فيه نفسي ويصبو إليه فؤادي، فلبثت واقفة أمعن النظر في من حولي من الكرائم والعقيلات وأكثرهنّ متواريات في سحُب من الحبر تحجب قاماتهنّ، ولكنها لا تحجب نور الذكاء المتألق في نظراتهنّ، فخلتهنّ ورداً نمت أعشاب الاستبداد من حوله فخنقته وهو في بدء نموّه وحالت دون تفتح أوراقه، على أنها لم تقوَ على كتم سر عبيره، فانتشر مع النسيم وخط في تموجاته آيات الشكوى والتظلم من قسوة اليد التي قطعت جذور الورد بلا رحمة، ومنعت عنها الهواء والماء وسائر أسباب النموّ، قصد أن تبقى ضعيفة صغيرة مدفونة تحت الأعشاب السامة، لا تظهر للعيون ولا تعرض للأيدي، وبذلك يبقى مستأثراً بها مسيطراً عليها.

على أن تلك الشكوى أثرت على بعض النفوس الأبية فنبهتها من غفلتها وأرتها عاقبة تلك الحال ونتيجة ذلك الاسترقاق، فدفعت الحمية بعض الأفاضل، وفي مقدمتهم المرحوم قاسم أمين، فبرزوا إلى ساحة المناضلة والدفاع عن حقوق المرأة معرضين أنفسهم لنبال الجهلاء وسخط المتقهقرين.

وعندئذٍ أفلتت من صدري زفرة طويلة كأنها نسيم تحية لروح الأمين الطاهرة، وحرارة شكر لمن سار على خطته من القوم الأفاضل.

وإني لكذلك إذ نبهني صوت الخطيبة الفاضلة وقد استولت على المنبر تحدق بها الأبصار، وتتجه إليها الأفكار، وما وقع صوتها على المسامع حتى ساد الصمت، بحيث لم يفت أبعد الجالسات مكاناً عنها لفظة من حديثها الشهيّ.

وكان صوتها يصعد ويهبط تبعاً لأحكام المعاني، التي كانت تختلف بين النصح والإرشاد، والجدّ والتهكم بما جعلها تجاري أبعد الخطباء شهرة، وأرسخهم على المنابر قدماً، وكان في جملة هيئتها ما يدل على غيرة عظيمة على بنات جنسها، ولا سيما الحضريات لما هنّ عليه من التأخر أدبياً وصحياً وهذه بعض خطبتها:

{{
أيتها السيدات:}}

أحييكنّ تحية أخت شاعرة بما تشعرن. يؤلمها ما يؤلم مجموعكنّ وتجذل بما يجذلن به. وأحيي فيكنّ كرم النفس لتفضلكنّ بتلبية الدعوة لسماع خطبتي أن أطلب بها إلا الإصلاح ما استطعت. فإن أصبت كان ما أرجو وإن أخطأت فما أنا إلا واحدة منكنّ والإنسان يخطئ ويصيب. فمن رأت في خطبتي رأياً مخالفاً أو أحبت المناقشة في نقطة ما فلتتفضل بإبداء ما يعنّ لها بعد انتهاء كلامي.

أيتها السيدات: ليس اجتماعنا اليوم لمجرد التعارف أو لعرض مختلف الأزياء ومستحسن الزينات وإنما هو اجتماع جدي أقصد به تقرير رأي لنتبعه ولأبحث فيه عن عيوبنا فنصلحها. قد عمت الشكوى منا وكثرت كذلك شكوانا من الرجال. فأي الفريقين محق في دعواه؟ وهل نكتفي من الإصلاح بمجرد التذمر والشكوى؟ لا أظن مريضاً طاوع أنينه فشفاه.

يقول المثل العربي لا دخان بلا نار ويقول الفيلسوف الانكليزي هربرت سبنسر أن الآراء التي تظهر لنا خطأ لا يمكن أن تكون خطأ محضاً، بل لا بد أن يكون فيها نصيب من الصحة والصواب. إذن فنحن والرجال متساوون في صحة الدعاوي وبطلانها. كلنا متظلمون وكلنا على حق مما نقول. بيننا وبين الرجال الآن شبه خصومة وما سببها إلا قلة الوفاق بيننا وبينهم فهم يعزون هذه الحالة لنقص في تربيتنا وعوج في طريقة تعليمنا ونحن نعزوها لغطرستهم وكبريائهم. وهذا الاختلاف في إلقاء المسؤولية زادنا اختلافاً في العيش وأوسع هوة الجفاء بين الرجال والنساء في مصر وهو أمر لا ننظر إليه بعين الارتياح وإنما نأسف له ونتوجس منه. لم يخلق الرجل والمرأة ليتباغضا ويتنافرا، وإنما خلقهما الله ليسكن أحدهما إلى الآخر فيعمر الكون إذ في ائتلافهما بقاؤه. ولو انفرد الرجال في بقعة من الأرض وانعزلت النساء إلى أخرى لانقرض الحزبان وحقت عليهما كلمة الفناء.

تدركنَ معنى قولي هذا من صعوبة الرد على هذا السؤال أي الجنسين أصلح للبقاء في الدنيا النساء أم الرجال؟ أجابت أحداكنّ الرجال لأنهم يقومون بشاق الأعمال من بناء واختراع وزرع وغيه لعارضتها بقولي ولأجل من تتجشم تلك الصعاب ولا نساء يتسلل منهنَّ النسل لعمار هذا الكون. وإذا قلنا النساء لأنهن مدبرات البيوت وأمهات النشء لقلت ومن أين يأتي النشء ولا أي له؟ هذا قياس على نظام الطبيعة الحالي ولا نتوسع بالافتراضات والمتوهمات فقد كان الله قادراً على خلق نظام آخر للتوالد وهو قادر على خلق مثله، ولكن للآن لم نسمع إلا بمثال واحد لهذا الشذوذ، وهو مثال سيدنا عيسى عليه السلام، فالمرأة والرجل للكون كالخبز والماء للجسم والشمس والماء للزرع، ولو استعاضت إحدانا اللبن عن الماء فإن اللبن بالتحليل يحتوي الماء، فالكتب السماوية كلها مجتمعة على أن أصل البشر من آدم وحواء، والقائلون برأي داروِن لم ينكروا ضرورة لزوم الذكر والأنثى للتوالد من الحيوانات الأولى التي زعموا أنها ارتقت بالتدريج إلى مصاف الإنسان. كذلك الحال في كل جسم حي نام، فإن النباتات كلها فيها الذكورة والأنوثة والزهرة على لطافتها وصغر حجمها تحتوي على شكلين مختلفين من العروق أحداهما لقاح للآخر. كذلك جعلهما الله لينتج منهما الحب الذي فيه بقاء النوع وسلط عليه الريح تسفيه إلى الأرض فإذا ما جاده الغيث ولقي رياً نبت ونما وصار شجراً مما وقع منه. فنظام التوالد هذا مطرد في كل الأجسام الحية من حيوانات ونبات لاشك فيه البتة وإذا راجعنا إحصائيات العالم كله وجدنا أن عدد الذكور والإناث فيه يكاد يكون واحداً أو بفرق قليل جداً وهذا دليل عن أن الله خلق رجلاً لكل امرأة. هذا بقطع النظر عن الحروب وغيرها مما قد يخل بهذا التوازن الطبيعي الدقيق. إذن فمحاولة الاعتزال بين الرجال والنساء مستحيلة، وعليه فلا فائدة من هذه الغارات القلميّة الشعواء بيننا وبينهم والأوفق أن نسعى للوفاق جهدنا ونزيل سوء التفاهم والتحزب لنحل بدلهما الثقة والإنصاف ولنبحث أولاً في نقط الخلاف:

يقولون أننا بتعلمنا نزاحمهم في أشغالهم ونترك أعمالنا التي خلقنا الله لها فليت شعري ألم يكونوا هم البادئين بمزاحمتنا. كانت المرأة في العهد السابق تغزل الخيط وتنسج ثياباً لها ولأولادها، فاخترعوا آلة الغزل والنسيج فأبطلوا عملها من هذا القبيل. كانت المرأة المتقدمة تغربل القمح وتهرسه وتطحنه على الرحى بيديها ثم تنخله وتعجنه فتهيئ منه خبزاً، فاستنبطوا ما يسمونه (الطابونة) واستخدموا فيها الرجال فأراحونا من ذلك العمل الكثير ولكنهم عطلوا لنا عملاً ثانياً. كانت كل امرأة من السالفات تخيط لنفسها ولأفراد بيتها، فتفننوا لنا آلة للخياطة يشتغل في استخراج حديدها وصناعتها الرجال ثم جعلوا منهم خياطين لرجالنا ولأولادنا فأودوا لنا بذلك عملاً ثالثاً. كنا نكنس حجرنا أو تكنسها الخادمات بمكانس من القش، فاستنبطوا آلة الكنس التي يكفي أن يلاحظها خادم صغير فتنظف الرياش والأثاث. كانت الفقيرات والخادمات يجلبنَ الماء لبيوتهن أو لبيوت سادتهنَّ فاخترع الرجال القصب (المواسير) والحنفيات تجلب الماء بلا تعب. فهل ترى عاقلة الماء يجري عند جارتها في أعلى طبقات منزلها وأسفله وتذهب لتملأ من النهر وقد يكون بعيداً. أو هل يعقل أن مدينة ترى خبز (الطابونة) نظيفاً طرياً لا تتكلف له سوى ثمنه تتركه لتغربل وتعجن، وقد تكون ضعيفة البنية لا تتحمل تعب تجهيز القمح وعجنه أو فقيرة لا تستطيع تأجير خدم له أو وحيدة لا مساعدة لها عليه؟ أظن الرجال لو كانوا محلنا لما فعلوا سوى ما فعلناه وما من امرأة تقوم بهذه الأعمال كلها إلا القرويات اللاتي لم يدخل قراهنَّ التمدين بلى إنهنَّ يستعضنَ عن الرحى بوابور الطحين وبعضهنَّ عن الملء من البحر (بطلومبات) يضعنها داخل دورهنَّ.

ولست أريد من قولي هذا أن أذمَّ الاختراعات المفيدة التي اخترعها الرجال لتسد كثيراً من أعمالنا أو لأقول أنها زائدة عن حاجتنا، وإنما كان هذا الشرح ضرورياً لبيان أن الرجال هم البادون بالمزاحمة، فإذا ما زاحمناهم ليوم في بعض أشغالهم فإن الجزاء الحق من جنس العمل.

على أن مسألة المزاحمة هذه ترجع للحرية الشخصية، فزيد راق له أن يكون طبيباً وعمرو ارتأى أن يكون تاجراً، فهل يصح أن نذهب للطبيب ونقول له لا تحترف هذه الصناعة، بل كن تاجراً، وهل يمكننا أن نجبر التاجر على أن يصير طبيباً؟ كلا. فكل له حرية يفعل ما يشاء ولا ضرر ولا ضرار.

أو هل يجوز أن يمنع مهندس قديم من أن يحترف هذه المهنة دون غيره، لأنه كان يكتسب ربح بلد بأكمله، فجاء له هؤلاء المهندسون الجدد يقتسمون أرباحه. ولو جاز ذلك قوة لما صح أن يجوز شرعاً وحرية، ولما قامت من أجله الشحناء بين الرئيس روزفلت وشركات الاحتكار. فإذا كان المخترعون والصناع أبطلوا جزءًا كبيراً من أعمالنا، فهل نقتل الوقت بالكسل أو نبحث عن عمل يشغلنا؟ لا غرو أننا نفعل الثاني. ولما كانت أشغال منزلنا قليلة لا تشغل أكثر من نصف النهار، فقد تحتم أن نشتغل النصف الآخر بما تميل إليه نفوسنا من طلب العلم، وهو ما يريد أن يمنعنا عنه الرجال بحجة أننا نشاركهم في أعمالهم، لا أريد بقولي هذا أن أحث السيدات على ترك الاشتغال بتدبير المنازل وتربية الأولاد إلى الانصراف لتعلم المحاماة والقضاء وإدارة القاطرات.

كلا ولكن إذا وجد منا من تريد الاشتغال بإحدى هذه المهن، فإن الحرية الشخصية تقتضي بأن لا يعارضها المعارضون. يقولون أن في الحمل والولادة ما يجبرنا على ترك الشغل، ويتذرعون بذلك إلى جعلها حجة علينا، ولكن من النساء من لم تتزوج قط ومنهنَّ العقيمات اللاتي لا ينتابهنَّ حمل ولا ولادة ومنهنَّ من مات زوجها أو طلقها ولم تجد عائلاً يقوّم أودها ومنهنَّ من تحتاج زوجها لمعونتها. وقد لا يليق بهؤلاء أن يحترفنَ الحرف الدنيئة، بل ربما يملن إلى أن يكنَّ معلمات أو طبيبات حائزات لما يحوزه الرجال من الشهادات.

فهل من العدل أن تمنع مثل هؤلاء عن القيام بما يرينه صالحاً لأنفسهنَّ قائماً بمعاشهنَّ على أن الحمل والولادة إذا كانا معطلين لنا عن العمل الخارجي، فهما معطلان لنا عن الأعمال البيتيّة أيضاً. وأي رجل قوي لم يمرض ولم ينقطع عن عمله أحياناً؟

يقول لنا الرجال ويجزمون إنكنَّ خلقتنَّ للبيت، ونحن خلقنا لجلب المعاش. فليت شعري أي فرمان صدر بذلك من عند الله، من أين لهم معرفة ذلك والجزم به ولم يصدر به كتاب؟ نعم إن الاقتصاد السياسي ليأمر بتوزيع الأعمال، ولكن اشتغال أفراد قلائل منا بالعلوم لا يخلّ بذلك التوزيع، وما أظن أصل تقسيم العمل بين الرجال والنساء إلا اختيارياً بمعنى أن آدم لو كان اختار الطبخ والغسل وحواء السعي وراء القوت لكان ذلك نظاماً متبعاً الآن، ولما أمكن أن يحاججنا الرجال بأنا خلقنا لأعمال البيت فقط. وها نحن لا نزال نرى بعض الأقوام كالبرابرة مثلاً يخيط رجالهم الثياب لأنفسهم ولأفراد بيتهم، وتتجشم نساءهم مشقة الزرع والقلع، حتى أنهنَّ ليتسلقنَ النخل لجني ثمارها. وها هنَّ نساء الفلاحين والصعايدة يساعدنَ لرجالهنَّ في حرث الأرض وزرعها وبعضهم يقمنَ بأكثر أشغال الفلاحين، كالتسميد والدراس وحمل المحصولات ودق السنابل والبراعم (الكيزان) وسوق المواشي ورفع المياه بما يسمونه بالقطوة وغير ذلك من الأعمال، التي ربما شاهدتها منكنَّ من ذهبت إلى الضياع (العزب) ورأت أنهنّ يقدرن عليه تمام القدرة كأشد الرجال، ونرى مع ذلك أولادهنّ أشداء وأصحاء… إلى أن قالت:

يؤلمني أن درجة احترام الرجال لنا ليست بالدرجة التي نحب، وإذا بحثنا وجدنا أننا نحن اللاتي وضعنا أنفسنا في هذا الموضع غير الحسن، لأن الإنسان ينزله الناس في المنزلة التي يختارها هو لنفسه، ويسير عليها كما قال زهير “ومن لم يكرم نفسه لا يكرم”. لا يكرم المرء نفسه بأن يقول سعادتي وحضرتي أو البك والباشا على نفسه كبعض الجهلاء الذين تصلهم رتب جديدة، وإنما لا يستهين بذاته فينهيها ويشعر من نفسه بالضعة فيهينه الغير أيضاً، فهل نحن نضع أنفسنا في الموضع اللائق بها. كلا. يحكى أن أحد الخلفاء بينما كان يروض نفسه في الطريق إذ سمع صوتاً في خربة فاتجه نحوه فوجد فيها زبالاً يقول:

وأكرم نفسي أنني إن أهنتها/ وحقك لم تكرم على أحد بعدي

قال له وأي إكرام لنفسك وأنت تحمل التراب والأقذار. فقال نعم أفعل ذلك لأكفي نفسي مهانة السؤال من مثلك. إن معتقداتنا وأفعالنا كانت سبباً عظيماً في قلة احترام الرجل إيانا. أيعتبر رجل عاقل امرأة تعتقد في السحر والشعوذة وكرامة الأموات، وتجعل من الدلالات والبلانات، بل ومن الشياطين عليها سلطاناً؟ أيحترم المرأة ولا حديث لها إلا (فساتين) جارتها ومصوغات صاحبتها وجهاز فلانة وأخبار علانة؟ هذا فضلاً عما انطبع في ذهنه من أن المرأة أضعف منه ذكاء. إن تهاوننا في هذه النقطة اعتراف بأن حالتنا مرضية فهل هي كذلك؟ وإذ لم تكن فماذا يرقينا في أعين الرجال؟ يرقينا حسن التربية والتعلم الصحيح. فإذا حسنت تربيتنا وتعلمنا علماً حقاً لا قشور بعض اللغات الأجنبية (دو ري مي فاسول)، والعلم يشمل أيضاً تدبير المنزل والصحة والأطفال. وإذا تركنا الخلاعة في الطرية جانباً، وإذا برهنا لأزواجنا بحسن سلوكنا وقيامنا بواجباتنا حق القيام أننا آدميون نشعر، وأن لنا نفوساً لا تقل عن نفوسهم، فلا نسمح لهم بحال من الأحوال بإيلام شعورنا أو بالاستهانة بنا. إذ فعلنا كل ذلك فمن أين يجد الرجل العادل طريقاً باحتقارنا؟ أما غير العادل فكان حرياً بنا أن لا نقبل الزواج منه.

يرقينا أن نطرح الكسل أرضاً، فإن عمل أكثرنا في المنزل هو القعود على (الشلته) كل النهار أو الخروج للزيارات كأن فعل القعود أدار لولب أرجلنا، ونفخ في شراع حبرنا، فلن نقوَ على ضبط جماحنا. والتي تعرف القراءة منا ففيم تقضي أوقات فراغها؟ في قراءة الروايات فقط. فهلا قرأت قانون الصحة أو بعض الكتب المفيدة فتنتفع وتنفع. إن انغماسنا في الكسل أو الترف أدى إلى ضعف أجسامنا وشحوبنا، فيجب أن نبحث لنا عن عمل نزاوله في منازلنا. والمتأمل يرى لأول نظرة أن الطبقات العاملة هي الأقوى صحة والأكثر نشاطاً والأنجب نسلاً. ألا ترين إلى أولاد الطبقة الوسطى والسفلى فإنهم كلهم تقريباً أصحاء الجسم أقوياء البنية أما أولاد (الذوات) فأكثرهم مرضى أو نحفاء يتأثرون لأقل العوارض مع ما يبذله آبائهم من الاعتناء بهم، بعكس أولاد الطبقة الدنيا مثلاً فإنهم في إهمال شديد من والديهم. العمل يخرج الفضلات الزائدة غي الدم ويقوي العضل ويبعث على النشاط. والطبقة أو الأمة العاملة يزداد نسلها بأبنائها وأن الأمة الألمانية لشاهد حسي على ما أقول، فإن التعدد يظهر أن النسل هناك يزداد بسرعة هائلة حتى ضاق رحب ألمانيا بأهلها، فأخذوا يبحثون عن أراض يستعمرونها ليصرفوا فيها الزائد من السكان، والذين زاروا أوربا أخبروا أن أهل تلك البلاد مجدون نشطون رجالاً ونساء بعكس المرأة الفرنسية فإن ترفها الزائد كان سبباً في قلة نسلها فضلاً عن انصراف كثير من تلك الأمة عن الزواج، وقد بحّ صوت الاقتصاديين والاجتماعيين في النداء على مواطنيهم بالاعتدال واتباع الطريق القويم. لاحظت وأنا في البادية أن بين النساء البدو ورجالهم كثيراً من العجائز ممن بلغوا الثمانين والمائة، وقد رأي معظمهم أربعة أعقاب من ذريته، مع أني لم أرَ في القاهرة ولا في المدن الأخرى ما يشبه ذلك. ولا شك أن هذا نتيجة عيشتهم الطبيعية واعتدالهم، فإنهم كلهم عاملون ولم أرَ بينهم امرأة واحدة حتى من نساء أغنيائهم تقضي النهار بالكسل كما نقضيه نحن، فإذا كان الفلاسفة والأطباء يبحثون عن أكسير الحياة فها أنا قد اكتشفته: هو العمل والاعتدال في المعيشة أو العيش الطبيعي. ولعل في هذا القدر عن المرأة كفاية اليوم.

ولما فرغت الخطيبة من خطبتها نهضت صاحبة هذه المجلة وألقت الكلمات الآتية:

استأذن حضرات السيدات الفاضلات بإيراد كلمة شكر وثناء على حضرة الخطيبة الفاضلة التي دفعها حب الجنس إلى البحث في حالة شقيقتها المرأة المصرية وأسباب ترقيتها فإنها حفظها الله قد رأت كما يرى كل منا تأخر المرأة ووجوب النظر في أمر إصلاحها فأفاضت في هذا الموضوع المهم الذي يجدر بكل منا أن ترمقه بعنايتها وتوجه إليه أفكارها.

فقد حان لنا أن نخلع عنا رداء الخمول وننهض سائرات في سبيل الارتقاء.

إن الأم متى يبكي طفلها تحمله على ذراعيها وتسير به تسكيناً لأوجاعه أو اضطرابه. والوطن اليوم طفل يبكي بين يدي المرأة متألماً من تقاعدها عنه، فجدير بها أن تجيب نداءه وتسير به في الخطة التي رسمتها لها يد العلم ووسائط التهذيب التي توفرت لها في هذا العصر النير.

إن كلاً منا أيتها السيدات تشعر وتتألم من انحطاط منزلة المرأة وظلم الرجل لها إذ قد قضي عليها لسوء الطالع بأن تكون أمة للرجل وتابعاً له تأتمر بأوامره وتخضع لسلطانه لغير سبب موجب سوى أنها “امرأة” وأنها وجدت لتكون خاضعة للرجل وأسيرة في بيته سواء كانت بنتاً أو زوجة أو أماً. وما ذلك إلا لأنها ضعيفة مجردة من سلاح العلم معطلة من محاسن الصفات. فاجتهدن أيتها السيدات برفع شأن المرأة فإنكنَّ جميعاً ممن ينتظر منهنَّ هذا التعضيد لأنكنّ من ذوات العلم والأدب، بدليل إقبالكنَّ على حضور هذه الحفلة الأدبية، واستماع أقوال الخطيبة التي أكرر عبارات الشكر لها كما أثني الثناء العاطر على حضرة مدير الجريدة الفاضل (أحمد لطفي السيد) والقائمين بتحريرها الذين ما برحوا ينشّطون المرأة ويطرقون المباحث النسائية لأنهم عرفوا الطريق الوحيد المؤدي إلى ترقي الأمة فسلكوه.

فليجزهم الله عنا خيراً وليكثر من أمثالهم بين أصحاب الجرائد العربية، بل بين رجال الأمة الشرقية حتى يكون لنسائنا بواسطتهم ما يتمنينه من المنزلة والحقوق والحرية.

{{(فتاة الشرق، ج9، س3، يونيو 1909)}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق