باكستان… موت سريع وإنقاذ بطيء! / محمد الحمادي

بدأت مظاهر العنف تظهر في باكستان بسبب الفيضانات الأخيرة فبعد مرور ثلاثة أسابيع تقريباً على بدء أسوأ فيضانات تشهدها باكستان منذ 80 عاماً انطلقت مظاهرات واحتجاجات في بعض المدن الباكستانية بسبب تأخر المساعدات المقدمة لضحايا هذه الفيضانات التي حولت أكثر من 14 مليون باكستاني إلى لاجئين بلا مأوى أو طعام أو شراب. ومن ضمن هؤلاء هناك أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل باكستاني معرضون للأمراض بسبب الجوع وسوء التغذية ونقص الدواء ونقص مياه الشرب… وقد أعلنت الأمم المتحدة منذ أيام ظهور أول حالة كوليرا بين ضحايا الفيضانات.

عشرات الآلاف من الأسر الباكستانية التي تعيش على مزارع الألبان وحصاد القمح خسرت ما تملكه بعد أن غمر الوحل القرى والمنازل وانتشرت الروائح الكريهة المنبعثة من خطوط الصرف الصحي وجثث المواشي المتحللة… كل الأنشطة التي تعتمد على الزراعة اختفت تحت الماء لذلك لن يتمكن الناس من الحصاد أو حتى زراعة المحاصيل. وحسب الإحصاءات الرسمية فإن الفيضانات دمرت مئات الآلاف من أطنان المحاصيل الزراعية.

ومن الواضح أن أعداد المتضررين من هذه الكارثة تفوق أعداد المتضررين من إعصار تسونامي عام 2004، فحسب الأرقام المعلنة فإن الفيضانات قتلت نحو 1600 شخص ودمرت نحو 730 ألف منزل، وشردت مليونيْ شخص وأضرت بنحو 20 مليوناً، وأتلفت حوالي 700 ألف هكتار من المحاصيل، وهو ما يهدد أهم صادرات البلاد من القمح والذرة والقطن وقصب السكر. وتبدو هذه الأرقام مفزعة ولا تبشر بمستقبل جيد لهذا البلد، كما أنها تعطي انطباعاً بحجم الدعم الذي يحتاج إليه. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن باكستان تحتاج إلى قرابة نصف مليار دولار لتجاوز هذه الكارثة مبدئياً. ولم تصل باكستان من هذه المساعدات إلا الربع، مما يعني أن العالم مدعو للتحرك بشكل أسرع لمساعدة هذا البلد على التعامل مع هذه الكارثة. فتأخر العالم عن مساعدة باكستان وإنقاذ المتضررين يعني ظهور مشكلة كبيرة وخطيرة وأمراض ووفيات كثيرة سيكون أول ضحاياها الأطفال والنساء وكبار السن.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن قلق المستثمرين والدول المانحة ازداد بسبب حجم الضرر الذي تركته الفيضانات على الاقتصاد الذي هو هش "بالأساس"، خاصة بعد أن أكد صندوق النقد الدولي أن تلك الفيضانات ستسبب ضرراً فادحا لاقتصاد البلاد. وكان يفترض أن تحصل باكستان على أكثر من مليار دولار من صندوق النقد الدولي بعد دراسة لسير الاقتصاد أجراها الصندوق مؤخراً.

وذكرت بعض التقارير أن الفيضانات المدمرة التي ضربت باكستان كبدت قطاع الزراعة خسائر تصل 2.9 مليار دولار. فقد دمرت الفيضانات 700 ألف فدان من القطن و200 ألف فدان من الأرز وقصب السكر، إلى جانب تدمير حوالي 500 ألف طن من القمح و300 ألف فدان من أعلاف الماشية وقتلت 100 ألف رأس ماشية. إلى جانب إلحاق أضرار بالغة بالتربة الزراعية نفسها. وإذا كانت الفيضانات قد دمرت مزارع قصب السكر في باكستان فلن تكون هناك فرصة لإعادة زراعتها خلال الموسم المقبل. كل هذه الأمور أدت إلى ارتفاع أسعار القمح والسكر ارتفاعاً ملحوظاً في الأسواق العالمية.

وحسب تقديرات الجهات المتخصصة فإن ترميم ما خلفته الفيضانات يحتاج إلى سنوات طويلة لا تقل عن خمس وهذا يعني أن المسؤولية الدولية تجاه باكستان كبيرة.. وأن العمل الدولي لمساعدة المتضررين يجب أن يكون من خلال خطة طويلة الأمد.. وما يجعلنا نركز على ضرورة الاهتمام بهؤلاء المتضررين هو موقع باكستان على الخريطة السياسية للمنطقة وتأثيرها وتأثرها بما يحدث في أفغانستان والحرب الدائرة هناك بين "طالبان" وقوات "الناتو". والمظاهرات التي انطلقت منذ أيام وأعمال العنف المتوقعة خلال الأيام المقبلة كلها تعزز المخاوف مما قد ينتج عن تأخر المساعدات إلى المتضررين.

إن وضع باكستان الأمني والسياسي وموقعها الجغرافي في منطقة غير مستقرة يجعل وجود ملايين المتضررين والمحتاجين إلى الماء النظيف والغذاء أمر لا يجب التغافل عنه. فهؤلاء سيكونون عرضة للمتشددين الذين سيستغلون حاجتهم وغضبهم على حكومتهم وعلى العالم الذي لم يهتم بهم ليقوموا بأعمال عنف.

إن مسؤولية دول الجوار تجاه هذه الكارثة الإنسانية كبيرة جداً وحتى نحن في دول الخليج يجب أن نقوم بدورنا تجاه هذا الشعب الذي هو بحاجة إلى وقفة الجميع معه في هذه الأزمة سواء لمواجهة الجوع والعطش والمرض أو لحمايته من التعرض للاستغلال في ضوء حاجته للطعام والشراب والرعاية الصحية.

لقد خسر ضحايا هذه الفيضانات كل شيء فبيوتهم تهدمت ومزارعهم غرقت وممتلكاتهم ذهبت وصاروا اليوم بلا أمل وهذا يعني ضرورة الوقوف إلى جانبهم وقفة جادة. ودولة الإمارات من منطلق مسؤوليتها تجاه القضايا الإنسانية والمساعدات التي يحتاجها ضحايا الكوارث كانت من أوائل الدول التي بدأت بمساعدة باكستان وأقامت القوات المسلحة الإماراتية جسراً جوياً بين الأقاليم الباكستانية المتضررة من جراء الفيضانات لمساعدة المتضررين فيها وإيصال المساعدات إلى المناطق التي عزلتها المياه.

ومع المساعدات التي تقدمها الدول، من المهم أن تكون هناك مشاركة شعبية لمساعدة المنكوبين والمتضررين. فمن الواضح أن بطء وصول المساعدات ومحدودية المبالغ التي تم جمعها إلى الآن، يؤكدان ضرورة وجود حملة تبرعات كبيرة للتخفيف من معاناة المنكوبين والاستعجال في توفير المياه النظيفة الصالحة للشرب وتوفير الدواء والمأوى الآمن لهم حتى تمر هذه الأزمة.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 18/8/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق