بالأمس: وفرة، واليوم: قلّة

لقد كانت مسرحية انطون بافلوفيتش تشيخَف “بستان الكرز” المعروفة جيّداً بين القراء ولدى الجمهور هي الأكثر راهنية في تسعينات القرن العشرين (في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي – المترجم ) – تماماً حين جاء الروس الجدد ليقطعوا أشجار البستان، الذي وإن كان مملاً وعلى وشك أن ييبس، ولكنه بستان كرزنا العزيز. إلا أنّ قليلين فقط كانوا يتوقعون أنه بعد انقضاء فترة قصيرة من الزمن سينضمّ إلى صفوف آل رانيفسكايا وغاييف قاطعو البستان الجدد، أي جيل جديد من آل لوباخين. فقد تبيّن أنّ الملاك الجدد للبستان لم يكونوا أكثر نجاحاً من سابقيهم. جاؤوا، شغلوا المكاتب والكراسي الوثيرة، أشعلوا سجائرهم، وإذ بناقوس الأزمة يدقّ الأبواب. حان الوقت لحزم الحقائب.

إذا ما صدّقّنا كلام مايكوفسكي فإنّه ” في عام 1916 اختفى الناس الأنيقون من شوارع بطرسبورغ”. أمّا في موسكو عام 2009 فلم يختفِ الناس الأنيقون بعد. بل إني صرتُ أصادفهم أكثر فأكثر في مترو الأنفاق وفي معابر المشاة تحت الأرض أو وهم يقودون سياراتهم. ألحظهم وهم يرتدون قمصاناً من ماركة Armani وسترات ماركة Yamamoto ويحملون حقائب من ماركة Birkin فليس لديهم بكل بساطة، على ما يبدو ألبسة أخرى. وأنا لا ألتقي بهم هناك حيث يفترض أن ألقاهم.. في النوادي الليلية والمطاعم من الدرجة الفاخرة، في مخازن النخبة أو في اجتماعات مجالس الأمناء. فقبل بعض الوقت كانوا ) VIP ( Very Important Persons ، أما الآن فقد صاروا شخصيات هامة جداً سابقين (( x-VIP. على شاكلة رانِفسكايا وغاييف في مسرحية “بستان الكرز” لتشيخَف.

” لم تصمد أوهام التجديد أكثر من عشرين سنة. لقد انضم جيل جديد من آل لوباخين إلى صفوف آل رانيفسكايا وغاييف”. نعم، كانت مسرحية “بستان الكرز” تتمتع بشعبية هائلة وغير مسبوقة في بداية عقد التسعينات من القرن الفائت. آنذاك قاموا بحذف الاستعارة الدالّة على تبدّل النخب من المسرحية. فجأة وبضربة واحدة وحيدة أصبحت جميع مآثر الحقبة السوفييتية غير ملحّة وغير ذات أهمية. تمّ استبدال المعايير بسرعة البرق. فأشجار البستان التي غرسوها واعتنوا بها على مدى سبعين سنة، تم بيعها بالمزاد وتم اقتلاعها بلا رحمة من قبل أصحابها الجدد من آل لوباخين. أصحابها الجدد النشطون جداً، شبان برؤوس حليقة وفي سترات قرمزية اللون. “مَن كان كل شيء أصبح لا شيء”. فالنخب السوفييتية العجوز، وبعد أن شاغبت وهي ترفع صوتها بعض الشيء في الاجتماعات الحاشدة، عادت لتكمل قرنها كسابق عهدها، في الشقق السكنية المشتركة المزدحمة وفي الأحياء الفقيرة. أما البيروقراطيون الحزبيون الصغار فقد بدوا مضحكين وهم يعلنون عن أحقيتهم بالسلطة. فعن أية سلطة يمكن أن يجري الحديث بعد أن سحبوا منهم السيارات الحكومية وبعد أن أغلقوا مخازن التوزيع الحكومية. لقد انتهى إلى غير رجعة زمن الامتيازات. أما العاملون في مؤسسات و شبكة التوزيع فقد انتقلوا إلى الأكشاك التجارية.

لم نكن نعرف أن كل هذا سينبعث من جديد بعد مرور فترة زمنية معينة: البيروقراطية والسيارات الحكومية مع صفارات وإشارات خاصة، وكذلك أخلاق وعادات لجان المناطق. كنا نعتقد أن المنظومة المرتبطة بالسلطة السوفييتية قد شاخت وفقدت بريقها بالكامل. وأنه تم اقتلاع بستان الكرز إلى الأبد. أما الآن فلم تعد المكانة تتحدد حسب الموقع التراتبي في السلطة ولا من خلال معرفة شيفرات أدبية معينة (برودسكي، فيليني، مسرح الشباب الكمسمولي، سلفادور دالي…)، بل على أساس خدمات وإنجازات واقعية. بناء على العمل والحزم، على الإرادة والنشاط.
لكن الأمور جاءت على غير المتوقّع. فتوهّم التجديد لم يصمد لأكثر من عشرين سنة. لقد انضمّ الجيل الجديد من آل لوباخين إلى آل رانِفسكايا وغاييف (أي المفلسين – المترجم). فآل لوباخين الجدد أيضاً غرقوا في الديون، كما سافروا للاستجمام إلى أماكن معروفة بروادها من النخب العالمية الشهيرة، واقتنوا لأنفسهم الخدم والعبيد. لقد تصرفوا كما لو أنهم قدموا عن جدّ ولفترة طويلة. جاؤوا، شغلوا المكاتب والكراسي الوثيرة، أشعلوا سجائرهم. وإذ بالأزمة تدق الباب. حان وقت حزم الحقائب.

{{وداعاً ، Bentley!}}

بالتأكيد، إنها نظرة مبسطّة لمسرحية تشيخَف، مع أن المسرحية تتحدث عن ذلك أيضاً. عن التبدل الدائم والأبدي للنخب في الطبيعة. ولكنها في الدرجة الأولى – عن الحبّ. عن ذلك الصنف من الحبّ الذي تنصاع له جميع الأعمار ومختلف طبقات المجتمع. محبّة الراحة والحياة الباذخة. بل كنتُ سأدعوه – الشغف .

{{إليكم جوهر الموضوع}}

تعود النبيلة رانِفسكايا من باريس إلى مزرعتها وقد غرقت بالديون. والنقود على وشك أن تنفد تماماً. ثمّة مَخرج واحد – أن تبيع المزرعة مع بستان الكرز ذائع الصيت والمعروف في كلّ أرجاء الناحية. والبستان – رمز الوفرة والبحبوحة، علامة العراقة والتراث اللائق، ومع البستان ترتبط مختلف الآمال والذكريات. على العموم، المسرحية تحتوي على الكثير من الرموز. لذلك لم يكن عبثاً أنّ الرمزيين أعجبوا بها كثيراً .

” بالأمس كانت النقود كثيرة، واليوم – قليلة جداً ” – تقول رانِفسكايا دون أن تفكّر من أين تأتي النقود. فالنقود بالنسبة لها مجرّد رمز أيضاً، وليست واقعاً .

فلكل شيء أهميته الصوفية – بدءاً بالخزانة القديمة وانتهاء بأوراق الشدّة. تعتقد رانِفسكايا كما لو أن مصيرها مقرّر من قبل السماء، لا أكثر ولا أقلّ. فهي تسمع في السماء ” صوت الوتر المتقطع”. إنها علامة على أنّ نهاية الحياة القديمة قد حانت .

أما شقيق رانِفسكايا – غاييف1 – فعجوز أخرق وثرثار. وأظن أن شخصية بطل الرواية ” اثنا عشر كرسي 2″ كايس فَرَبْنيكوف مأخوذة عنه. فالشيء الوحيد الذي يتقنه غاييف – لعب البيليارد. وكذلك إلقاء الخطابات المزوّقة الفارغة. ” أوه، أيتها الطبيعة المدهشة، إنك تتوهجين ببريق خالد !.. “. يا للعبقرية، ويا له من أب روحي للديمقراطية الروسية!.. وحتى هذا الكائن الفارغ قد وصفه تشيخَف برأفة وحنان. فبعد بيع المزرعة يضطر غاييف لأن يكسب لقمة عيشه بنفسه. وكم كان هذا الاختبار قاسياً.

أما التاجر لوباخين، ابن القنّ السابق لرانِفسكايا، فيعتقد أن المخرج الوحيد ينحصر في قطع أشجار البستان عن بكرة أبيها وتأجير البيت والمزرعة بعد ذلك للمصطافين3. أي القيام بعملية احتيال تجارية مربحة.
ولكن، أي مصطافين، إنها وضاعة! فرانِفسكايا لا يمكن أن تؤمن بأن الرفاهية وحالة الرخاء واليسر يمكن أن تنشأ من التجارة. فهي تؤمن بأن المال أعجوبة وأنه قطعاً مجرد هبة من السماء لمن يستحقه .

فأن تبيع البستان – هذا يعني أن تقول “وداعاً” لكل حياتها السابقة. وداعاً باريس، وداعاً أيها الخدم والطفيليون! وداعاً، العربة Bentley الواقفة في الكاراج المحصّن! وداعاً وجبات الفطور في العلّية! والأثاث من الخشب الأحمر! وداعـاً وجبات الغـداء في مطعم ” بوشكِن”! والأحاديث عن ذكريات كما لو أنها مستوحاة من بارت Bart بإشراف كوليك Kulik المتأخر4 .

{{إنها النهاية لكل شيء !
روسيا ، التي أضعناها}}

لقد خلطتُ عن قصد بين أحداث الماضي والحاضر. إن فراقها يبعث المرارة على حدّ سواء في نفس الإنسان، الذي خرج من الزمن. وليس من الضروري أن يكون ذلك الإنسان منفّراً بطريقة ما ويستحق الازدراء أو الكراهية. من هنا عظَمَة تشيخَف، من أنه لا يرسم شخصيات أبطاله بلون واحد أبداً. فهذه رانِفسكايا رقيقة، حساسة، ذات خُلُق حسن وذكية. فهي، من حيث الجوهر، امرأة جيدة، لكن مصيبتها – هي مصيبة الإنسان الذي يخسر ما هو ليس من عرق جبينه. يخسر ما هو زائد وليس ما هو ضروري .

وقائمة الخسارة كبيرة. يمكن تأليف كتاب عنها بحجم كتاب في فنّ الطهي أو دليل عن البلدان ذات الطبيعة الخلابة. وهذا ما يقوله الشاعر فاليري نوغاتَف في قصيدته ” صلاة الجنازة عن روح عصر الاستقرار”: “أتذكرين أيتها البلاد / كيف سافرنا وإياك إلى تركيا ومصر وتايلاند بما في ذلك / هل تذكرين كيف وإياك تسوَّقنا في Duty-free / واشترينا ليتراً من البكاردي وزجاجة مارتيني ماركة جاك دانييل وكالماري / هل تذكرين كيف التهمنا سوية وجبات الطعام ذات النكهة المحلية / وكيف أُصبنا بتسمم حاد من تلك الوجبات المحلية ذات النكهة الخاصة / كيف مارسنا رياضة الغوص في الأعماق / كيف ركبنا الجِمال للتمتع / كيف رحنا ننظر إلى الأسماك عبر زجاج القناع … / لديك ذاكرة رائعة أيتها البلاد / ثم إن ذلك كان قبل وقت قريب جداً / ليبدو وكأن شَعْرنا وإياك لم ينظف من رمل الشاطئ بعد / وأن المذاق الحلو لمشروب الروم لم يختفِ تماماً من فمنا وأوردتنا / ويبدو كما لو أن أحذيتنا وقمصاننا وسراويلنا وفساتيننا لم تبلَ بعد/ … علماً أن ذلك لن يتكرر / للأبد لن يتكرر / فقد انتهت الحقبة العظيمة للاستقرار والرخاء / وهناك حيث كانت ترتفع ناطحات السحاب في موسكو/ تتكوم الآن بقايا ما بعد الانهيار / وهناك حيث كانت تنمو أحياء سكنية ضخمة في ضواحي موسكو / تتسكع اليوم في السهوب رياح باردة محملة بالأوساخ /… وحده الفراغ هناك/ بدلاً من تلك الفنادق الفخمة ومن المطاعم والنوادي / من تلك الساحات والبولفارات / من تلك الحدائق والمربعات الخضراء / التي أحببناها يوماً ” .

هذه هي روسيا التي أضعناها. وهذه وحدها فقط التي يمكن أن نحبها بصورة جدية. تلك التي حصلنا عليها بلا جهد، كما لو أنها زائدة وغير جديرين بها، كما لو أنها هبة من السماء. فالسعادة لا يمكن تحصيلها بالعمل. فهي إما أن نسرقها أو أن تأتينا كهبة. لكن مصدر السعادة بالنسبة للطبقة الوسطى الروسية أكثر تعقيداً، في الحقيقة، مما هو عند أبطال تشيخَف. فنحن حصلنا على قطعة دسمة من السعادة كهدية من أولئك الذين سرقوها منا. هبط ساحر بواسطة مروحية زرقاء وأعطانا خمسمائة إسكيمو بسعر زهيد جداً ومتوفرة في أقرب كشك للبيع. فهيا كلوا، أيها الأطفال، ولا تشاغبوا .

{{مغزى الفأس في البستان}}

ما إن بدأت البوظة بالذوبان حتى بدأنا نفقد أعصابنا. وأمر طبيعي أن يتناول الحديث نهاية الكون. وعن القصاص بحق المسئولين عن الآثام. وما هو ذنبنا؟ حياتنا الحقيرة وعديمة النفع … لقد كذبنا كثيراً وكنا أنانيين جداً. قمنا بحركات زائدة دون أن نفعل شيئا مهماً.

أمّا موضوع العقاب فموجود في “بستان الكرز”. “كم ارتكبنا من الخطايا” – تقول رانِفسكايا. “أية ذنوب عندكِِ …” – يخفف عنها لوباخين .
حقاً، القضية ليست في الخطايا. فالشعار الأساسي في عصر الاستقرار– ” أنا أستحق ذلك”. هل تذكرون هذه اللوحة الدعائية؟ هذه كانت نقطة ضعفنا. لقد قررنا أنه إذا كانت لدينا أموال، فهذا يعني أننا جديرون بها. بالتالي، نحن أناس محترمون ورائعون، ويمكننا أن نفتخر بأنفسنا. مع أن المنطق يذهب في اتجاه معاكس. في الصباح – كراسي ومقاعد وثيرة، وفي المساء – نقود.

” إنسان – كلمة تلفظ باعتزاز!”. أما مدير تسويق من الدرجة الوسط – فأكثر حذقاً… المثير أن مسرحية تشيخَف تتضمن حواراً مباشراً مع الكاتب الأول للبروليتاريا. تتحدثون عن الإباء. تفاخرون ؟ ” أية مفخرة ؟ ” – يفكر الطالب تروفيمَف – وهل من معنى لها، طالما أن الإنسان مركّب من الناحية الفسيولوجية بصورة ناقصة (بين بين)، أو أنه في أغلب الحالات جلف وفظّ، بل غبيّ وتعيس لدرجة عميقة جداً. فمن المفروض أن نتوقف عن الافتتان بالذات” .
هذه هي القصة بمجملها. بالطبع، ثمة كومة من الآثام. وكيف يمكن العيش من دونها. لكن الدافع أكثر بساطة بكثير. لم يكن يوجد من المبررات ما يكفي لكل هذا الاحتفال بالحياة. ولذلك هو انتهى. لسنا جديرين. لا نستحقه .
من حيث الجوهر، لقد وصّف تشيخَف كل شيء. أمر واحد فقط لا نعرفه – من الذي سيكون لوباخين الجديد. إذ لم يخرج هذا البطل إلى المنصة بعد. القدامى يرحلون، ولكن الجدد لم يظهروا بعد. ولكن، وبغض النظر عمّن سيكون، ينتظر لوباخين القرن الواحد والعشرين نفس المصير، من دون أدنى شك، الذي وصل إليه x- VIP الحاليون. عاجلاً أو آجلاً – سوف يسمع صوت الوتر المتقطع في السماء وصوت ضربات الفأس في البستان5.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق