بالخطّ العربي مواربةً / بقلم حسن عبّاس

لا أعلم ما هي الطريقة الأنسب للبدء بالحديث عمّا يشهده العالم العربي من انتفاضات، ليس لعدم وجود مدخل بل لكثرة المداخل. ربما خير بدء يتأتى من الحديث عن المنطق اللبناني الغالب على قراءة هذه الانتفاضات، لا لسبب إلا لإلحاح الالتفات إلى هذا المنطق المأزوم في زحمة أحداث تتسارع وتجعلنا مرتقبين أكثر منا فاعلين.

 

تهيمن على الغالب الأعمّ من اللبنانيين في حديث الانتفاضات العربية، إشكالية استثناء أحد الشعوب عن الحق في الانتفاض. تؤشر هذه الإشكالية الى منطق ثقافي مأزوم، من معالمه عقم التفكير الجيوبوليتيكي اللبناني واكتشاف أننا لا نستطيع أن نحيد بصرنا عن المرآة لنلتفت إلى ما يجري حولنا.

تقف معظم القراءات اللبنانية للانتفاضات العربية أمام مأزق عكس الأماني على الواقع العربي المتسارع أو على الواقع الذي اصطلح هذا التعبير لوصفه، وهو للحقيقة وصف يصحّ على لحظتي البدء التونسية والمصرية، أي على ما يمكن تسميته لحظة الاندلاع – المفاجأة، ولا يصحّ على حالة المراوحة التي يمكن تأريخ دخول العالم العربي فيها منذ الأسابيع المصراتية، أي منذ بدء الكر والفر في مدينة مصراتة الليبية بين قوات القذافي وقوات الثوار.

الشباب العربي انتفض تحت عناوين كثيرة يمكن إجمالها تحت شعار “الانتفاضة للكرامة الانسانية”. أسقط هذا الشعار نظامَي مبارك وبن علي، وظهر أن القذافي وعبد الله صالح يحولان بالسلاح بين الليبيين واليمنيين وكرامتهم الإنسانية. في البحرين استكثر البعض على أكثرية البحرينيين الشيعة أن يمارسوا حقهم في كونهم فاعلين في نظام بلادهم فدخلت قوات درع الجزيرة لـ”ضبط الأمن” باسم هؤلاء المستكثرين، ليتضح أن من وسائل ضبط الأمن في ذهنهم مساءلة الشباب عن سبب تعليق سيف الإمام علي في رقابهم أو وضعه في سياراتهم! في سوريا التي بدأت انتفاضتها مع دخول العالم العربي مرحلة المراوحة، استنفر النظام أدوات قمعه وبعض المدنيين من أتباعه ضد أكثرية تعتبر نفسها مهمشة، وداخلت شعارات المنتفضين المندرجة تحت عنوان الحصول على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية صيحات أيقظها شيطان الاحتقان الطائفي الذي يتحمل النظام السوري وممارساته طوال عشرات السنين المسؤولية الكبرى عنها، وإن خرجت عن خصم له.

في العودة إلى ما بدأنا به، نرى أن اللبنانيين يعكسون أمانيهم ومآزق تفكيرهم على تصوراتهم لما يجري في العالم العربي. بعض اللبنانيين هلّل لقمع المنتفضين البحرينيين من منطلق يظنّه جيوبوليتيكياً، ويتأسس على أن الخليجيين العرب وجّهوا في البحرين ضربة قوية لامتدادات إيران الخارجية. تحوّل شعب البحرين وفق مقاربتهم إلى لا شيء، فالبحرين في نظرهم باتت محض رقعة جغرافية في تفكير يذكّر بشعار دولة بلا شعب! كل الشعوب العربية منتفضة ما عدا شعب البحرين فهو لا يفقه من الكرامة الإنسانية شيئاً! هو محض كائنات تحرّكها السياسة الخارجية الايرانية! ويزيد من كون قصور هؤلاء عن الانتفاض لتحسين شروط حياتهم، أنهم شيعة، أي أن مشكلتهم بنيوية!

بعض آخر من اللبنانيين يرى في كل العرب المنتفضين ثواراً ما عدا السوريين. فهؤلاء، على ما يرون، مندسّون وعملاء. كيف لا وهم يريدون إسقاط نظام “ممانع” وتأدية خدمة مجانية لاسرائيل. يريدون قطع خط الإمداد الحيوي الذي يغذّي “المقاومة اللبنانية”. لا يحق للسوريين الانتفاض، في رأي هذا البعض، بل لا يحق لهم الامتعاض. ما حجتهم؟ الكرامة؟ الكرامة يحفظها وصم النظام السوري بأنه ممانع. قليل من الطعام وقليل من الطبابة وصفة الممانع. أكثر من ذلك، بحسب بعض اللبنانيين، كثير على الشعب السوري!

الانتفاضات باتت مقسّمة على مقاييس تناسب “الحليف الاستراتيجي”، وكأن استبعاد مفهوم الانتفاضة الايجابية لشعب رابق تحت نير حاكم متسلّط هو لازمة. قليل من اللبنانين هو مَن حاول التفكير في ما يحدث بمنطق يُدخل ما يحدث في تصوراته للعالم العربي الجديد. جلّهم يدّعي الانتباه إلى أن شيئاً ما يحصل لكنه يبقى عاجزاً عن التفكير إلا وفق القسمة السياسية التقليدية للشرق الأوسط. تتخذ المواقف المؤيدة لبعض التحركات الشعبية أو المنددة بها وفق القسمة التقليدية للمحاور، وقليل جداً مَن يدرج تصوراته في فضاء جديد في طور التشكل. النظام السعودي ليس أبدياً: ربما تسقطه نساء يطالبن بحقهن في قيادة السيارات، والنظام الايراني ليس أبدياً: ربما يُسقطه شباب يريد حياة واقعية لا تتأسس على فذلكات ما ورائية. على الديموقراطيين العرب أن يستبعدوا هيمنة الفكر الجيوبوليتيكي التقليدي على تفكيرهم، فهم ليسوا دولاً تريد تأمين سير مصالحها.

 

 

الشعارات وفق خط بياني زمني

 

في لحظة البدء المفاجأة، التفت المنتفضون إلى ما ينقصهم كبشر، وانعكس ذلك في شعاراتهم التي أتت عميقة تنطلق من داخلهم كبشر وأتت ديموقراطية منفتحة. هكذا كانت الحال في تونس ومصر. في الأخيرة نسينا لبرهة أن الديموغرافيا المصرية تحتوي على السنّي وعلى القبطي. خلنا لبرهة أن تأثير الدين في وعي العرب السياسي دون شأن. كيف لا والأقباط امتعضوا من تصريحات البابا شنودة الداعمة لنظام مبارك، و”الإخوان المسلمون” غابوا عن الصورة.

أحداث ليبيا واليمن أيقظتنا قليلاً ونبّهتنا إلى أن انقساماتنا العمودية التقليدية حاضرة. بات السؤال: الدولة حق لأي تحالف قبلي، لا ما هي الدولة التي تحفظ كرامة الشعب الإنسانية وترتقي بظروف حياته؟ حتى اللحظة يضيع الانقسام السني – الزيدي (الحوثيون) في تحالف جامع ضد نظام علي عبد الله صالح، لكن الأمر لن يستمر طويلاً. لعلّه يعمّر إلى ما بعد إسقاط النظام، فلا شيء يستطيع جمع الزيديين و”القاعدة”. “الثورات العربية الديموقراطية” لن تفعل فعل ساحر فتصهرهم. المراوحة المصراتية أبرزت إلى الواجهة سؤالاً لا مهرب منه: من يحكم؟ ووفق أي برنامج؟ التحالف الغربي الذي تدخل عسكرياً ضد القذافي السفاح هو من أيقظ هذا التساؤل بامتناعه عن حسم الأمور ميدانياً إلى أن يتبلّر البديل.

عقب الثورة المصرية مباشرة قال البعض: أدركنا الحقيقة، ما كان يثير الاحتقان المتبادل بين بعض السنّة وبعض الأقباط هو أعمال أمنية كتلك التي أشرف عليها مفجّر الكنائس حبيب العادلي. مع دخول الانتفاضات العريية مرحلة المراوحة، ظهر السلفيون من قاطعي الآذان في قصص كقصة عبير وغيرها. ماذا إذاً؟ المسألة أكثر تعقيداً من مسألة حبيب العادلي. استحقاق التأسيس لشكل النظام المصري الجديد بات عنوانه: إلى أيّ درجة تطوّر فكر “الإخوان المسلمين” وما هي الفسحات التي سيتركونها لليبيراليين والعلمانيين والأقباط؟! سقط زهو بعض الليبيراليين العرب بأن المطالب الصغيرة المباشرة التي يمكن التعبير عنها بـ144 حرفاً على موقع “تويتر” للتواصل الاجتماعي هي دلالة على تغيّر في ذهنية الشعوب العربية. ظهر أن هذا التشظي الخلاّق الذي أسقط النظام المصري لا يمكنه أن يتخصّب من دون برامج سياسية تطرح تصوراً للنظام السياسي الجديد وعلاقة المواطنين بعضهم ببعض وحقوقهم وغيرها من المسائل التي لا مفر منها في الاجتماع البشري. شقاقات الـ”فايسبوكيين” والـ”تويتريين” المؤجلة أخرجتهم من المعادلة وعادت اللعبة إلى ساحة الكبار حيث لا كبير في مصر إلا مؤسسة الجيش وحركة “الإخوان المسلمين”.

في تونس ظهر رويداً رويداً أن “حزب النهضة” هو الأكثر تنظيماً، مدعوماً من أئمة المساجد، وبات الليبيراليون يخشون انتخابات قريبة لأنه لن يُتاح لهم تنظيم أنفسهم سياسياً بشكل يناسب هذا الاستحقاق.

كان علينا أن نقرأ ملياً التجربة السياسية العراقية لمرحلة ما بعد سقوط الطاغية صدّام: فتح طنجرة الضغط يُخرج مكوّناتها منها، وفي دول الشرق أزمة علاقة بين الجماعات المتنوعة ثقافياً ودينياً وقومياً، ولا تطوير لنظام سياسي من دون إرساء علاقة ديموقراطية بين الشعوب ومن دون تفكير لا يتكبّر على اجتراح السبل لتنظيم العلاقات بين المتنوعين بتنكره لوجود إشكالية كهذه. الانتفاضة السورية تسير على وقع هذه الإشكالية بشكل فاقع، فهي التي بدأت في ظل حالة المراوحة حيث انكشفنا على أنفسنا.

 

 

ولا بد للقيد أن ينكسر؟

 

التونسيون الثائرون أنشدوا قصيدة أبي القاسم الشابي الشهيرة التي تقول في ما تقول: “ولا بد للقيد أن ينكسر”. كل الحق مع التونسيين. الأنظمة العربية السلطوية قمعت شعوبها طويلاً وفككت بقمعها الأحزاب المدنية ومنعت تشكّل أي بديل سياسي لها ولأحزابها الواحدة أو القائدة، مانعة بذلك سلوك المسالك الديموقراطية في السياسة، وفي مقدمها التداول السلمي للسلطة. لم ينج من استراتيجيتها التي أرادت اختزال شعوبها إلا الإسلاميون لأنهم استطاعوا في فترات القمع التحرك في فضاءات لم تستطع الآليات القمعية إقفالها كالمساجد. ادعاء هذه الأنظمة العلمانية أحيا شعار “الإسلام هو الحل” في ذهن شعوب يهيمن على تفكيرها منطق الثنائيات. الآن ومع انفتاح غطاء طنجرة الضغط، لم يخرج ككتلة كبيرة إلا “الإخوان المسلمون”.

لا بد لقيد الأنظمة التسلطية من أن ينكسر مهما أنتج. يجب العودة إلى السياسة حتى ولو ولّدت سياسة مرتدّة عن قيم الحداثة. لا سبيل لنا غير تشجيع الانتفاضات العربية لكي نتمكن من مشاهدة عوراتنا الحقيقية ولكي نبدأ بحياكة رداء يسترها ويكون ديموقراطياً. الانتفاضات العربية لن تنقلنا إلى تماس مع أمانينا، لكنها تنقلنا من مواجهة إشكاليات مصطنعة اخترعتها الأنظمة التسلطية وأجهزتها القمعية إلى إمكان مواجهة إشكالياتنا الحقيقية.

نكتب انتفاضاتنا وأفكارنا بالخط العربي القديم نفسه. كلٌّ يكتب بخط مدينته ولكن مواربةً. آن الأوان للتفكير في خط جامع وفي الصيغ التي تساوي بين المختلفين ثقافياً ودينياً ومذهبياً وتمكّنهم من العيش في دولة واحدة كمواطنين، كمتساوين في الحقوق والواجبات، مع احترام هواجسهم واختلافاتهم الثقافية. هذا لا يصنعه الـ”فايسبوك” ويفوق قدرة الـ”تويتر”. هذا تصنعه الأفكار الحداثية التي تُطرَح من دون مواربة.

 

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار 5/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق