بالعلمانيـــة وحدهـــا / عباس بيضون

بعد أن كان لبنان بركان المنطقة طوال ثلاثة عقود على الأقل بدا اليوم خامداً، وصار حظه من الغليان الذي شمل المنطقة ان يستعير الشعارات ويتعب في تكييفها، ويستعير آلية تحرك أسبوعي واكسسوارات نصب الخيام وسواها، التقليد في ثقافتنا متهم ففيها هو يجري مجرى الهجنة والنسب المدخول، فيما تؤثر هي النسب الصريح والأصيل. بيد أن التقليد، كما يدل التاريخ والافراد، دافع أصلي في سلوك البشر وتكوينهم ولا ضير فيه على الإطلاق.

«الشعب يريد إسقاط النظام» بقي «الشعب» ملبسا حتى بعد أن خرجت الملايين، وبقي النظام ملبساً حتى بعد أن استقال مبارك وبن علي، سيكون ملبسا أي لبس حين ينقسم الشعب عمودياً إلى مذاهب وطوائف أما النظام الطائفي فهو حقا نظام بلا لبس، أي انه جماع علاقات وآلة حكم. النظام الطائفي هو النظام، لذا حين نواجهه نصطدم بالآلة لا بالأشخاص، الاستبداد نظام خفي لا يظهر منه سوى رأسه لذا نعجل إلى ضرب الرأس، أما حين يكون النظام هيكلية مرئية فإنه هو الذي يصنع الأشخاص وليس بالتالي صناعتهم، لذا لا نعجب حين نجد أركانا فيه يتبرأون منه وإن شاركوا فيه بفعالية وحساب دقيق. لا نعجب إذا لم نصطدم بخصم مرئي.

ثم أن النظام الطائفي يتحول أكثر فأكثر إلى لا وعي اجتماعي، يتحول إلى نعرات كامنة. من هنا يعيش في الكبت وقلما يظهر إلى العلن الا في ذروة الصراع. في غير ذلك يتمفصل مع مشارب ثقافية وسياسية شتى فهو في أحيان رديف العروبة أو اللبنانية أو الديموقراطية أو التحرير أو اليسار أو اليمين. ثم ان هذه البنى الفوقية أشمل من الطوائف بحيث تبدو فضفاضة عليها، وبحيث تدخل في مفارقة معها. كل هذا يجعلها أقدر على اخفاء منبتها الطائفي كما يجعل ردها إلى الطائفة أصعب ومحاكمتها من خلال الطائفة أكثر اشكالاً. هكذا تبدو الطوائف وكأنها تنكر نفسها في مسمياتها السياسية والثقافية، بل تبدو وكأن آفاقها أوسع بكثير من منطلقاتها. إن نرجسيتها تبدو، أجلى ما يكون، في هذه المسميات فهي تعبد نفسها في صنم قومي أو أممي وإلهي. وهي جميعها تقدم نفسها على أنها طائفة في أمة في قومية في دين في ثقافة وحضارة. انها حدود لا تستغرقها الطائفة ولا تستنفدها بحيث تبدو المطابقة معها مستحيلة أو صعبة على الأقل، وبحيث تبدو الطائفة برأسين فهي الطائفة من ناحية وهي ذلك البعد الملحمي من ناحية أخرى. انها وحدة صغرى تحمل في ضميرها خيال وحدة أكبر بل وحدة لا تحد شساعتها ولا تستنفذ.

لا ضير في التقليد، الا ان ثمة خشية من أن تتحول العلمانية، وهي أيضاً أوسع من الطائفة، إلى مبنى فوقي لطائفة أو أكثر، خاصة إذا فكرنا في ان النظام الطائفي متشبع إلى حدوده القصوى، بل انه في ضيق حقيقي. لقد تم تعديله في الطائف لكن من الواضح ان هذا سيكون التعديل الأخير. تنازل الموارنة لكنهم بهذا التنازل عن امتيازات معدودة تنازلوا عن امتياز الطائفة الراعية، فغدت الهيكلية الطائفية بلا اساس وغرقت هكذا في التجاذب والتنازع داخل الدولة التي صارت بعد ذلك بلا ميزان. يمكننا ان نلاحظ اليوم ان المحاصصة الطائفية اهتزت نهائيا وهي من ذلك الحين تحت اعادة نظر دائمة. يستمر تعديل الطائف في كل الأوقات وتبدو السلطة وكأنها هكذا قيد تعديل متواصل. واضح ان وضعا كهذا يستفز شهية كل طائفة، خاصة وان الطوائف جميعا تقريبا تشعر بقدر من المضاضة. تستوي في ذلك الطوائف الكبرى والصغرى، صاحبة الامتياز او العارية منه. لقد تشبّع النظام الطائفي وصار قيد تلاعب مزمن. لكن الطائفية لن تجد وضعاً انسب لازدهارها، الخوف والتوجس والجشع ليست فقط لا وعيا جماعيا لكنها ايضا صفات شخصية لزعماء الطوائف أنفسهم. فقدان التوازن هذا والتلاعب به يوقظان لدى الجميع أسوأ العصبيات. هكذا نجد أنفسنا حيال حكم مافياوي، حيث القرابة وغزو المؤسسات الخيرية والنقابية والحكومية وانتهاك القانون تشكل ثالوثا مستمرا في الحكم وفي زعامة الطائفة ايضاً.

يمكننا هكذا ان نتكلم عن مخاتلة الطائفية وتموهها المستمر، وتمفصلها المثابر مع مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع ومع الطوباويات السياسية والثقافية. ذلك يعني ان انكار الطائفية وحده قد لا يعني شيئا ما دامت الطائفية او الطائفة تنكر نفسها حين تعربش على وحدة أشمل وأكثر اشتراكا. انكار الطائفية قد لا ينفع لأن المنكر قد يقع على الطائفة وإن بعنوان آخر. إذ لا نستبعد ان تتمفصل طائفة متضررة من النظام الطائفي مع العلمانية نفسها. لا نستبعد ان تقع طائفة او اكثر على العلمانية في متسرباتها السياسية والثقافية. لا نسى كيف تسمت طوائف بمسميات شبيهة لا تقل عن العلمانية شمولا واختلافا: الاشتراكية والقومية مثلان حاضران. فخاخ الطائفية موجودة بكل الأسماء وكل المسميات، فحين تتخايل طائفة ضيقة نفسها في دور ملحمي كوني وطني لا يعود للمسميات معانيها المعروفة المتواترة.

يمكننا إذن أن نقع على الطائفة في وجهها الثاني، أن نجدها نفسها بعنوان آخر. المخاتلة والتحايل حاضران وقد تكون التظاهرة العلمانية فريسة لهما إذا لم نحترس، نحترس إذا اعتبرنا العلمانية غاية كافية لمرحلة سياسية ولم نمفصلها مع أي غاية أخرى. إذا استبعدنا الطوائف مع تمفصلاتها السياسية والثقافية، إذا احترسنا من ان تعود الطائفية إلينا بوجه آخر. الدرس المصري الحديث نسبيا مهم بالنسبة لنا، لقد اختار الشباب المصري الديموقراطية رغم ان البلد يعج بالمشاكل. رأوا فيها حلقة ضرورية للتقدم. ليست العلمانية بالنسبة لنا شيئا آخر، انها حلقة مركزية للخروج من الأزمة. حلقة مركزية للتقدم والمواجهة. لا نشك ان هناك علمانيين كثراً فتظاهرة العلمانية الاسبوعية تتضخم على نحو ملحوظ. لا أريد القول ان هناك كثيرين يلاقون طوائفهم من الناحية الأخرى، ان هناك كثيرين يجدونها مجدداً تحت عنوان آخر، لكني أظن أن العلمانية تستحق هذا التحليل القصير لذاتنا السياسية، تستحق ان تكون وحدها في المرحلة.

 

عن ملحق السفير الثقافي 25/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق