بدايات “السير ذاتية” النسوية العربية

ليس التمرّد بالأمر الهيّن خصوصا إذا بدر عن امرأة في مجتمع عربي/إسلامي ما يزال نسق المحافظة يضغط عليه من كلّ جانب وهو بمثابة العصيان في أربعينات القرن الماضي حين كان الرّجل يحتكر كلّ شيء بما في ذلك قضية تحرير المرأة. مع ذلك تمكّنت بعض النساء من كسر هذه القاعدة، وكنّ رائدات حقّا بكلّ ما تتطلبه الرّيادة من مثابرة وإصرار وتحدّ، وبكل ما تركته فيهنّ من أفراح وآلام على الصعيدين الشخصي والعام.  نساء انجذبن إلى أفكار جديدة، مناقضة جوهريا لبنية التفكير المهيمنة اجتماعيا، ناضلن من أجل تحويل هذه الأفكار إلى قيم وسلوكيات اجتماعية. دخلن السجن بسببها أحيانا، ودفعن  ثمنا غاليا لأجل تحقيق ذلك. بين هؤلاء النسوة قلّة قليلة أضفن جرعة مميّزة من الجرأة حين بادرن إلى كتابة سيرهن الذّاتية وهو ما يعتبر ثورة بمقاييس ذلك الزمان. نذكر من أشهرهنّ "فدوى طوقان"، "نوال السعداوي" و"لطيفة الزّيات"…


 يلاحظ الدّارس أن فنّ السيرة الذاتية ما يزال حتّى الآن فنّا محفوفا بالمخاطر بالنسبة للكتاب العرب. يتطلّب النجاح فيه قدرا كبيرا من الموهبة و الجرأة الصادقة التي قد تهدّد حياة صاحبها إن مسّت سيرته عددا من "الطابوهات" العائلية، الأخلاقية والسياسية. يحدث ذلك مع الرّجل في مجتمع "ذكوري" فما بالك إذا كان صاحب السيرة، امرأة، تمّت تربيتها لتكون سترا لعائلتها وساترة لزوجها. بسبب هذه الوضعية اضطرّت الكاتبات العربيات اللّواتي كان لهنّ شرف الرّيادة في هذا الفنّ ومن بينهنّ "لطيفة الزّيات"(1) إلى أساليب أكثر مراوغةً وتعتيماً على "الميثاق السير الذاتي" كما حدّده "فيليب لوجون". وهو ما ميّز سيرهنّ بخصائص مختلفة وطريفة كما سيتبيّن من دراستنا لكتاب "حملة تفتيش، أوراق شخصية"(2).


 ينقسم الكتاب إلى جزأين، الأول بداية سيرة ذاتية لم تكتمل تتناول سنوات تشكل الوعي، ثم مرحلة منتصف العمر. والثاني يتكون من أوراق كتبتها الزيات وهي في سجن النساء عام 1981. تدور حول تجربة السجن بمنظور جديد تبلور في ضوء تجارب حياتها المختلفة. يستجيب الكتاب للمقاييس الأساسية التي وضعها أغلب المنظّرين لجنس السيرة الذاتية، ويربكها في نفس الوقت. فهو نصّ ينتمي إلى السيرة الذاتية، لكنه دائم الانفلات من تلك الصيغة التقليدية بكتابة السيرة. فالكاتبة لا تروي سيرتها الذاتية  بالشكل التقليدي  الذي يعتمد على سرد الأحداث، كبيرها وصغيرها، وفقا لترتيب وقوعها. إنّها تحكي عن فترات من حياتها دون أن تخضع للمسار التقليدي من الماضي إلى الحاضر أو من فترة لأخرى. فتتداخل مراحل العمر في «الأوراق» على شكل شذرات تصوّر الأنا في مواقع وأدوار مختلفة، لأن الهمّ الأوّل هو رصد تحوّلات الأنا وهي في سبيلها للتحقق. لينتهي السرد وقد انتظمت الأوراق بالفعل. ويمكن القول بداية أن هذا الاختيار كان بمثابة المعادل الفنّي لرؤية الكاتبة لسيرتها وشخصيتها. فهي لا تعرض سيرتها الذّاتية بعد أن تمكّنت من معرفتها بشكل نهائي، بل تدفع القارئ لمشاركتها (عبر التأويل) رحلة بحثها عن ذاتها.


المتأمّل في عناوين أعمال "لطيفة الزيات" مثل "الباب المفتوح" روايتها الأولى الصادرة سنة 1960 و"صاحب البيت" وهي رواية أخرى أشار لها الناقد "صبري حافظ" في معرض ذكره لأعمال الكاتبة، يلحظ دون شكّ أن البيت والعناصر المرتبطة به ، تشكّل هاجسا مركزيا في تجربة لطيفة الزيات الأدبية. وهذا ليس مستغربا في مسار مناضلة وكاتبة سعت طوال حياتها إلى تحرير المرأة ممّا مارسه البيت التقليدي على المرأة من تدجين واستلاب وكبت بفعل ثقافة "ذكورية" متسلّطة حوّلت البيت إلى سجن. " كان البيت القديم قدري وميراثي، كان بيت سيدي بشر صنعي واختياري وربّما لأن الاثنين شكّلا جزءا من كياني وربما لأنّي انتميت إلى الاثنين بنفس المقدار ولم أتوصّل إلى ترجيح أحدهما على الآخر، ترجيحا نهائيا اختل سير حياتي"
اختارت لطيفة زيات تذكر البيت "بيت الطفولة" على امتداد أكثر من خمسين صفحة من الكتاب (حوالي ثلث مساحته الورقية) وهي تودّع أخاها الذي صار رمز الدّيمومة و الصّلابة والثّبات في لحظة مهدّدة فيها بالرحيل/ الموت. بيت الطفولة هو مكان الألفة ومركز تكييف الخيال، وعندما نبتعد عنه نظلّ نستعيد ذكره، ونسقط على الكثير من مظاهر الحياة المادّية ذلك الإحساس بالحماية والأمن اللّذين كان يوفرهما لنا" هكذا يقول "غاستون باشلار"(3).

تقول الكاتبة في هذا السياق: "وما زالت صور بيتنا القديم محفورة في ذاكرتي، ورائحة قدمه العطنة تملأ كياني رغم انقضاء فترة طويلة على إزالته". هنا نلاحظ كيف تقترن القدامة بالقداسة في تعبيرها عن الارتواء برائحة البيت العطنة، فكأنّنا أمام طقس ديني وهو أمر يؤكّده "مرسيا إلياد"(4) حين يقول " ثمّة أمكنة تبقى متميّزة، تبقى مختلفة عن سواها اختلافا كيفيا: موطن الولادة، منبت الحبّ الأوّل أو الشارع أو المدينة الأجنبية الأولى التي يزورها المرء في صباه. إن هذه الأمكنة تحتفظ حتّى لدى الإنسان غير المتديّن بصفة استثنائية، صفة وحيدة، إنّها هي الأمكنة المقدّسة لعالمه الخاص، كما لو أن هذا الكائن اللاّ متديّن كان قد تمتع بوحي صادر عن واقع مغاير للواقع الذي يسهم فيه بتجربته اليومية".  ويمتد التذكّر في الكتاب إلى استعادة أريج البيت وتاريخ العائلة الأرستقراطي، ووصف أجزاء البيت من أجنحة وغرف وحدائق ومقاعد وأرائك. وتعكس دقة الوصف بلا شكّ رغبة في إعادة بناء البيت بواسطة الحكاية.


لئن أكّدت الإشارات السابقة  أنّنا في بيت أرستقراطي لإحدى العائلات المصرية الغنية، فإن أجواء طفولة الوالد التي ترويها الكاتبة كانت تعلّة للدّلالة على البنية التقليدية "البطريكية" التي تحكم البيت، وتحتفي بالذكورة. تقول "والأب لا يردع والرّجال لا يستحون يشاكسون الولد إن كفّ عن مشاكستهم، يتعجّلون فيه الذّكر". أمّا الإشارات التي تتصل بالمرأة فتؤكّد أن أهل البيت من النساء شبه محجوبات عن الضيوف والرّجال وكلّ ما يحدث من صخب وسهر وغير ذلك، وهنّ برعاية الولد الذكر يمضين كلّ وقتهن، أمّا البقية فنساء من الجواري الحبشيات والشغّالات فيهنّ من الحريم ومن الفاجرات، وبعضهنّ من الصبايا يأتين من آخر البلد" تذكر الكاتبة ذلك للدّلالة على أن هندسة البيت لم تكن سوى تعبير عن الثقافة الرّجالية المتحكّمة فيه. فثلث البيت كان لنسائه أمّا ثلثاه فللرّجال ولضيوفهم من الرّجال والنساء ولسهراتهم ومتعهم. ولم تكن حكاية الثعبان التي روتها في ثنايا السيرة، سوى للدّلالة على منع المرأة من مجاوزة غرفتها أو المساحة المخصّصة لها. تقول "ولا أعتقد أن أهلي قد بذلوا أية محاولة جادّة للتخلّص من الثعبان، وعلى كلّ فقد ولدت والثعبان ينفرد دون أدنى إزعاج بالسلم الخشبي المؤدّي إلى السطح وإني في أمان طالما لم أحاول صعود السلم واعتلاء السطح فالثعبان لا يخرج عن دائرة السلم ولا يزعج إلاّ من يزعجه ويطؤها". وفي السياق الرمزي الذي يحيط بالبيت وعناصره فإن الثعبان يتخذ بلا شك دلالة رمزية فهو علامة المنع من ارتكاب خطيئة تجاوز الحدّ المسموح ، ولكنّه يحمل أيضا كما جاء في القصص والأساطير رمزية الإغراء، إذ تقول الكاتبة في نفس الصفحة "وكان الأمر في طفولتي أمرا مثيرا للضيق، فقد تحتّم عليّ خوفا من الثعبان أن أتسلّل إلى السطح كلّ مرّة من نافذة جدّتي…وتطلّب هذا بالطبع أن أناور وأحاول لأتسلّل إلى السطح الذي أحببته في طفولتي أكثر ممّا أحببت الحديقة".


لقد اقترن البيت في ذاكرة الكاتبة بالأمان وكان رمزا للثّبات والحماية ودالا على نظام قيم وعادات رجالية، تستعجل الذّكورة وتسعد بها ولا تنظر إلى المرأة إلا في دائرة ما توفّره من خدمة عائلية، أو إمتاعية بحسب مراتبها الاجتماعية ولكنها حدست بما يمارسه عليها من تدجين، فكان السطح وهو رمزيا فضاء التلاقي بين المحدود والمطلق فضاء يملؤها شعورا بالحرية والانطلاق"ولكن الغريب أني حين أفكر في البيت بمعنى البيت، تندرج كلّ هذه المساكن في ذهني كمجرّد منازل، وتتبقى حقيقة أن لا بيت لي وحقيقة أنّه لم يكن لي في حياتي سوى بيتين، البيت القديم، والبيت الذي شمّعه رجال البوليس في صحراء سيدي بشر في مارس "1949.

لقد أظهرت "لطيفة الزّيات" أنّ خروجها عن النموذج النسوي التقليدي الذي يريدها البيت القديم أن تكون عليه مثل أمّها وجدّتها، كان ضروريا لتحقّق تميّزها وفرادتها كشخصية جديدة. ومع ذلك لا تخجل من التصريح بأنّها تلجأ إلى غرفتها في البيت القديم كلّما شعرت باضطراب ما من ذلك لجوءها إلى البيت القديم في هزيمة 67 "فقدت الكلمات معانيها إذاك وأنا أنسحب في ظلمة الغارة إلى الدور الأعلى حيث أسكن، ألجأ كالحيوان الجريح إلى جحري أكفّن نفسي بالغطاء على السرير" . في سياق آخر من سيرتها تقول  "لم أكن أتلهف للعودة إلى البيت القديم إلا مرّات قليلة وأنا مثقلة بجراح، وأنا راغبة في التقوقع والانكماش أو الدخول في شرنقتي الصيفية كما عوّدت نفسي أن أسمي البيت القديم" . ويؤكّد غاستون باشلار هذا المعنى بالقول "إن ردود الفعل الإنسانية تجاه العش والقوقعة مثلا لها صلة ببيت الطفولة(….) وفي مؤلفه يتحدث عما يسمّيه بتعليق القراءة، أي أنّنا كقراء حين نقرأ مثلا وصفا لحجرة أو بيت نتوقف عن القراءة لنتذكر بيتنا وحجرتنا أي أن قراءة المكان في الأدب تجعلنا نعاود تذكر الطفولة".


إن تردّد الكاتبة في علاقتها بالبيت، يترجم عن تردّد أعمق بين نزوعها للقوة، لامتلاك شخصية قوية ملتزمة بقضية كبيرة،  تذوب فيها ذاتها الفردية وأنوثتها وميلها في نفس الوقت إلى الضعف والرّقة والهشاشة، واكتشافها حاجتها كامرأة للاطمئنان والسعادة.


لم تتمرّد لطيفة زيات إذن على البيت في المطلق وإنما على الحياة التي تدجّن المرأة في البيت. وحلمها بالبيت القديم هو عزاء وتعويض نفسي عن المرارة التي أحسّت بها ذاتيا من خلال فشلها الزوجي، حيث طلّقت مرّتين وعزاء موضوعيا حيث عانت المعتقل وهي في الستين من عمرها. وتعبّر الكاتبة عن خيبتها من السياسيين الذي وعدوا بتحرير المرأة وتصف بنبرة متصوّفة الدّرجة التي بلغتها من الوعي بتحرّرها حين تقول وهي في سيارة الشرّطة لتودع السجن خلال الحملة التي أمر بها السادات ، " أجلس مرتخية في هدأة اللّيل في مقدّمة عربة شرطة والضابط يبحث عن السجن ليودعني وما من أحد عاد يملك أن يسجنني وحريتي تلوح لي في آخر الطريق كاملة غير منقوصة تنتظر مني أن أمدّ يدي لأحتويها ودموعي التي لا تنفرط وحريتي تلوح في آخر الطريق" .  هكذا صار الوطن شبيها بها وبات تحرّرها من تحرّره مع أنه تحوّل إلى آلة قمع، فصار سجنا وزنزانة لمن حلموا بتحريره. وفي السياق المتصل بتردّد تيمة "البيت"يلاحظ الباحث العراقي "حاتم الصكر" في دراسة منشورة على موقعه، تناول فيها عددا من السير الذاتية النسوية العربية،  أنّ هناك مفردات مشتركة في السير والشهادات والرسائل التي كتبتها النساء العربيات تتركز حول البيت (المنزل) كمكان، والطفولة، (كزمان) وهما يشكلان أساس الوعي بالذات، والانتباه إلى القمع والمنع والحجز أو الفصل الجنسي ويؤكّد أنّه غالباً ما شكّلت الأسرة (الأم-الأب-الزوج-الأخ..) رمزاً تظهر من خلالها تلك الأساليب القهرية التي لا يتوقف ضررها عند فرض خطاب الرجل (الذّكر) فحسب، بل في تسلّل مفردات هذا الخطاب إلى اللّغة ذاتها، ولغة المرأة الكاتبة في أحيان كثيرة. لقد كان على النساء (كاتبات وقارئات) أن يسبحن ضد التيار دائما"ً.


لقد عكس كتاب "أوراق شخصية" ملامح أخرى بارزة مما يسمّى عادة بالأدب النسوي، فهو ببنائه الدّائري واختياره لرمزية  البيت علامة على ذلك محاولة لتجاوز الضياع والتيه الذي عاشته المرأة في مغامرة نضالها من أجل التحرّر. وهو في تداخل نصوصه وتمزّقه أحيانا وغياب الاستمرارية السببية والمنطقية صورة من حياة المرأة المناضلة في مجتمع مغلق ومحافظ. وهو بتحويله للبيت مركزا للعالم، ومكوّنا أساسيا للهوية والكيان وبربطه بكلّ المحمول الرمزي الأنثوي (الماء، الرحم، البئر، المطلق، الموت) يعبّر عن خصائص مميزة للسيرة النسوية دون شكّ.

الهوامش:
 
1 "لطيفة الزّيات"هي مناضلة سياسية تقدمية، وكاتبة وناقدة وأستاذة جامعية ولدت في دمياط عام 1923، وتوفيت في سبتمبر 1996، عن عمر يناهز 73 عاما، رأست جمعية الكاتبات المصريات خلفا للأستاذة أمينة السعيد، من أشهر أعمالها رواية "الباب المفتوح" عام 1960، والتي تحولت إلي فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه، أخرجه هنري بركات. ومن إنتاجها الأدبي المتميز كتاب "حملة تفتيش، أوراق شخصية"،  وهو سيرة ذاتية صدر عام 1992، و"صاحب البيت" رواية عام 1994، و"الرجل الذي عرف تهمته"، كذلك"صورة المرأة في القصص والروايات العربية"، دراسة نقدية 1989 .كان لهذه السيّدة مواقف نضالية لا حصر لها، فقد كانت تحرك الطلبة المصريين ضد الاحتلال البريطاني وحكم الملك فاروق  1946، ودخلت الأديبة الكبيرة السجن مرتين: مرة وهي عروس في السادسة والعشرين من عمرها، والمرة الثانية وهي في الثامنة والخمسين من عمرها عام 1981، إثر حملة الاعتقالات التي ضمت الكتاب والصحفيين المعارضين لحكم السادات. حصلت الدكتورة لطيفة الزيات علي جائزة الدولة التقديرية العام 1996، قبل وفاتها بأشهر قليلة. تشير المصادر إلى أنّها تعلقت بالماركسية وهي طالبة بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول وعلى حدّ قولها: "كان تعلقي بالماركسية إنفعاليا عاطفيا" ، أي أنها إعتنقت الماركسية وجدانيا ومع هذا كان أول مشروع زواج لها مع "عبد الحميد عبد الغني" الذي اشتهر باسم "عبد الحميد الكاتب" ولم يكن ماركسيا تحت أي ظرف من الظروف ، بل كان يمضي جزءا كبيرا من نهاره وليله في أحد المساجد ثم دخلت تجربة ثانية أكثر ملائمة لفكرها وطبيعتها ، فارتبطت بالزواج بأحمد شكري سالم .. الدكتور في العلوم فيما بعد ، وهو أول شيوعي يحكم عليه بالسجن سبع سنوات ، وتم اعتقال أحمد ولطيفة عام 1949 تحت ذمة القضية الشيوعية. وانفصلا بالطلاق بعد الحكم علي "شكري" وخروجها من القضية ،. وتأتي قمة التناقض بين اليسار واليمين بزواجها من "الدكتور رشاد رشدي" يميني المنشأ والفكر والسلوك. ولم  تتردّد الدكتورة الزيات أن تقول لمعارضي هذا الزواج: "إنه أول رجل يوقظ الأنثى في" ، وعندما اشتدوا عليها باللّوم قالت: "الجنس أسقط الإمبراطورية الرومانية". والتجارب الثلاث جزء مهم من تاريخ  الزيات" وحياتها وشخصيتها. زواجها من "الدكتور رشاد رشدي" الكاتب المسرحي والأستاذ الجامعي والذي أصبح مستشارا ثقافيا للرئيس أنور السادات .. أصابها بالتمزق بين أنوثتها التي فجرها "الدكتور رشاد" ، وبين حرصها على أن تبقى ماركسية حتى ولو كانت (ماركسية مسخسة) حسب وصف "الدكتـور لويس عـوض" لها في كتابه (دليل الرجل الذكي ).
والمؤكد أن هذا الزواج جر عليها النقد الحاد القاسي من رفاقها القدامى الذين كان يؤلمهم زواج اليسار باليمين. ولقد حرصت هي على أن تحتفظ بصورتها الماركسية ولو للذكرى والتاريخ .. وبصراحتها المعروفة عنها قالت بعد طلاقها من الدكتور رشاد: ها أنا أبرأ .. أو على وشك أن أبرأ .. أخاف أن ترتد كينونتي الوليدة إلى الرحم. هل كان هو مشروع عمري الذي انقضى أم السعادة الفردية هي المشروع؟! كانت السعادة الفردية هي مشروعي الذي حفيت لتحقيقه. وجننت عندما لم يتحقق. أنا صنيعة المطلقات. وأسيرة سنوات أدور في المدار الخطأ. لا أملك القدرة على فعل أتجاوز به المدار الخطأ لسنوات تسلمني فيها إلى الشلل الهوة الرهيبة بين ما أعتقد وبين الواقع المعاش. بين الحلم والحقيقة أخاف أن ترتد كينونتي الوليدة – إلى الرحم.

2 لطيفة الزيات، "حملة تفتيش، أوراق شخصية"،  دار الهلال، القاهرة، أكتوبر1992.
3 غاستون باشلار، "جماليات المكان"، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية، بيروت 1984.
4 مرسيا إلياد، "المقدس والعادي"، ترجمة عادل العوا، ، صحاري للصحافة والنشر، بودابست، د،ت.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق