بداية السقوط (2-2) / الحبيب الجنحاني

• قال صاحبي : تناول حوارنا الأسبوع الماضي مظاهر تدحرج الدولة بمؤسساتها و أجهزتها نحو الأسفل، مؤكدا أن هذا التدحرج تكشفه مظاهر مختلفة يلمسها المواطن في حياته اليومية، و لا يحصل ذلك فجأة، بل عبر مراحل تطول أو تقصر، و من المعروف أن الصعود يحتاج إلى زمن أطول، و عزيمة أشد مضاء، و يحتاج بالخصوص إلى كفاءة تتبنى رؤية مستقبلية، أما النزول فإنه يحدث بسرعة، و بخاصة في المجتمعات النامية، و ما بعد العيان من بيان.

يلمس المواطن العادي يوميا هرولة المجتمع نحو الأسفل، يقف على ذلك في تدهور محيطه البيئي، و في خدمات المؤسسات العمومية الهترئة في مجالات الأمن، و النقل، و الصحة، و التربية، و لكنه لا يتفطن بسهولة إلى مظاهر أخرى أشد خطرا على مستقبل المجتمع، مظاهر تشد انتباه المهمومين بالشأن العام، و القادرين على استشراف المستقبل، لا أدري هل توافقني ؟

• قلت بكل تأكيد، و أكتفي بضرب مثالين على ذلك :

أ‌- معرض تونس للكتاب، و قد أجمع رواده على أن ظاهرة كتب الشعوذة، و نشر الفكر الغيبي الأسطوري قد اكتسحته بعد الثورة، جميل أنه تخلص من الرقابة باسم الحرية، و لكن الحرية تحتاج إلى تنظيم، و تحتاج إلى رعاية و صيانة، فما معنى أن تقول : إنا فتحنا الأبواب بكل حرية، و تترك يمر عبرها الفكر الأصولي المعادي لقيم الحرية !

ليس كل حزمة من الورق يلفها غلاف هي كتاب، و بخاصة عندما تسوق في معرض تشرف عليه الدولة، و في مرحلة بناء تجربة ديمقراطية لبّها الفكر التجديدي الحرّ، الكتاب الذي ترعاه الدول، و تسعى إلى نشره هو الذي يقدم إضافة في ميدانه.

لم نسمع عن معارض كتب أيام ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، فقد كانت مخطوطة و نادرة، و كان لها دور خطير الشأن في إفادة حضارة الإسلام من ثقافات الحضارات القديمة، و قد بلغ الأمر تبادل المأمون أسرى الروم عنده بكتب يطلبها منهم، فهل يمكن أن نتصور أن يطلق أسيرا مقابل كتاب بيزنطي يتحدث عن عذاب القبر في التراث المسيحي، بل أكاد أجزم أن ذلك لم يحدث حتى في عصر المماليك، أيام حكم قراقوش !

ب‌- أما المثال الثاني، و قد سيطر على الساحة الثقافية التونسية، و كان له صدى كبير في وسائل الإعلام فهو تجوال داعية لفكر أصولي ماضوي في المدن التونسية لنشر خطاب لا علاقة له لا بالفكر، و لا بالإسلام، و بلغ الأمر محاولة اكتساح المؤسسة الجامعية، و تساءلت النخبة التونسية كيف تسمح الدولة أن يحاضر في إحدى كلياتها، و في مدينة إسلامية عريقة أشعت علومها أيام ازدهارها على الأندلس، و على جزر البحر الأبيض المتوسط، و على إفريقيا جنوب الصحراء ؟

تقول الرواية : إن الحديث في كلية آداب، و علوم إنسانية كان عن لحم الخنزير !

هل هناك سقوط أكثر من هذا ؟

لما قرأت الخبر رجعت بي الذاكرة إلى أولئك الفطاحل الذي دعوا لإلقاء محاضرات في المؤسسات الجامعية قبل التدهور، تذكرت زيارة طه حسين بعد عام واحد من الاستقلال، و تناول في محاضرته الرائعة بروز ظاهرة الغزل في الشعر العربي في القرن الأول للهجرة بعد أن اتصل الأدب العربي بالبيئة الحضارية في العراق، و بلاد الشام، و تذكرت محاضرة الجامعي السوداني عبد الله الطيب علامة التراث العربي، و التي قارن فيها بين لزوم ما لا يلزم للمعري بنصوص شبيهة بها في الأدب الإنقليزي، و حديث محمد أركون عن ضرورة قراءة النص الديني قراءة جديدة، و مسامرة جاك بارك، و خطاب الفيلسوف الفرنسي الشهير جاك دريدا عن الآنا و الآخر، و مفهوم الغيرية في العصر الحديث.

• قال صاحبي : هل يحدث هذا صدفة ؟

• قلت : هنا يكمن الخطر، لو حصلت هذه الهرولة نحو القاع صدفة لربما هونا على أنفسنا و قلنا لعلها سحابة صيف، و لكن الناس محزونون لأنك ذلك لا يحدث صدفة، بل هو مخطط تحركه أيد خفية، و تغدق عليه بسخاء لتغيير النمط المجتمعي، و يبدأ ذلك بتهميش التيار العقلاني الذي عرفت به تونس في الفضاء العربي الإسلامي،و لا ينجو من ذلك تيار الفكر الاسلامي المستنير، و الذي تمتد جذوره في العصر الحديث إلى القرن التاسع عشر، التيار الذي يمثله أحمد بن أبي الضياف، و محمد السنوسي، و سالم بوحاجب، و الزعيم عبد العزيز الثعالبي، و الطاهر الحداد، و محمد الفاضل ابن عاشور.

• قال صاحبي : إنه من نكد الدهر أن تفتح الأبواب للناعقين الجدد في أرض القيروان الرائدة، و الزيتونة الثائرة بالأمس القريب !

• قلت : نأمل أن يقف نكد الدهر عند هذا المستوى، و لا يحمل لنا أنكادا أخرى. 

 

عن جريدة الشروق التونسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق