بدر شاكر السيّاب .. هل مات حقا ؟؟

                                                        

         1


لك الحمدُ مهما استطالَ البلاءُ

ومَهْما استبدَّ الألمْ،

لك الحمد إنّ الرزايا عطاءٌ

وإنّ المصيباتِ بعضُ الكَرَمْ

ألم تعطني أنت هذا الظلام؟

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر؟

أتغضب إن لم يجدْها الغمام؟

شهور طوال، وهذي الجراح

تمزّق جنبيَّ، مثل المدى!

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح الليل أوجاعه بالرّدى

هذه مقطع من  نصّ للشاعر العراقيّ الكبير بدر السيّاب،  بعنوان سفر ايوب، أو لنقل من سفر السومري التراجيديّ الرافديني السيّاب .. هذا الإنسان  الذي  عاش منحوسا ومات مظلوما ..  شاعر عاش حياته كومضة ومات غريبا حقا ..  أبصر النور  في  جَيكور، القرية التي تغفو على ماء وحزن، وشبّ  في البصرة مناجيا شناشيلها، ومطر ابنة الجلبي . كان من الكبار رغم صغر سنه، رائدا حقيقيا لشعر التفعلية، راهبا وناسكا في محراب الشعر ، طفلا بريئا في متاهة الحياة ودهاليزها المظلمة، من البصرة إلى بغداد، إلى بيروت، لندن، الكويت .. مدن شهدت ازدهاره الشعريّ وجذوة حداثته وريادته وشهدت أيضا جنونه وبراءته وأخرى شهدت مرضه وذبوله السريع .. لقد  مرق بدر كالسهم الخاطف في  هذه الحياة فلم يقارع الأربعين، وعاش  سمانها وعجافها ..  نعم كان كما المتنبي  في قولته ” أنا في أمة تداركها الله…. غريب  كصالح في ثمودِ”

نعم كان السيّاب أطول من زمن  وأجلّ من صدفة وأشدّ بريقا من هفوة،  فلربما كان موته التراجيديّ كحياته التي كانت محط اختلاف وجدل. عاش حالما بالحبّ ومات حالما بموت مريح، ولم يحصل على الأمرين ..لا الحبّ الذي أكل جسده وأحاسيسه أثمر عن حبيبة، ولا الموت الذي يشتهي قد كان ..

2


من ماء الله المقدّس ومن طين جَيكور، من مدينة الألم والشمس، خاصرة العراق وثغره، من البصرة وجنوبِها الأسمر الطاعن بالمحبّة  كان السيّاب جرحا غائرا، وشمعة  وقصيدة.

لا أريد هنا أن أكون راثيا، لأنّ بدر السيّاب لم يمت في محراب الشعر والذاكرة  الجمعية الإبداعية، ولكني أريد أن أتساءل ؟؟ هل حقا مات السيّاب  مرتين؟ هذا الرجل الذي ولد عام 1926 وتوارى في الرابع والعشرين من ديسمبر 1964 بالمستشفى الأميري في الكويت!  حيث  مرّ على  الحياة  كقوس قزح ومرق إلى القبر  كعاشق مخذول.

هل حقا صدقت نبوءة الشاعر محمود البريكان بحقّ صديقه وخلّه، عندما حضر حفل افتتاح تمثال السيّاب على ضفاف شطّ العرب الخالد وكان النحّات نداء كاظم هو من أنجز التمثال، قال الراحل البريكان  :” إن الشاعر يموت مرتين، مرة عندما يصدر ديوانه، وآخر عندما يقام له تمثال”.

لاشكّ أنّ البريكان كان حاذقا في تساؤلاته.  فهل مات السيّاب مرتين؟

عاش السيّاب  حياته محاطا بجملة أوهام وحقيقة واحدة، وهم الحبّ ووهم السياسية ووهم الوجود القلق في الحاضنات وجمرها، وحقيقة الشعر .

أحبَّ كثيرا من النساء  فلم تكن غير إقبال أمّ غيلان حقيقته التي لم يهرب منها،  وخالط رجال السياسية ودعارة أسواقهم  فتلوّث من كير نارهم ومات فقيرا غريبا بعيدا عن حقيقة المجد والسلطة والمال، أذرع الساسة وصولجاناتهم  ..

من يتأمّل بحبّ وصدق حياة هذا الراهب القديس الشاعر سيجدها خارطة مثلومة، وقلبا مكلوما ..وبقايا أحلام .. استهلكها في  حياة قصيرة لم يكن الغالب فيها إلا الشعر .  فكان السيّاب  رجل الشعر البارّ ونبيّ الألم . وعرّاب القصيدة العربية الجديدة، فقد  ظلّ مخلصا لخروقاته في القصيدة الكلاسيكية إلى آخر عمره،  ظلّ مخلصا لمشروعه التجديديّ والحداثويّ في حقل الشعر إلى النهاية، فلم  تكن حياته عبارة عن سبق شعريّ زمنيّ  بين قصيدته ” هل كان حبّا ” وقصيدة  نازك الملائكة ” الكوليرا” .. كان السيّاب أنشودة للمطر الشعريّ  الدائم…

أتعلمين أيّ حزن يبعث المطر؟

وكيف تنشجُ المزاريب إذا انهمر

وكيف يشعر الغريب فيها بالضياع ..

وكان يدق ناقوس  الخطر:

ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع

مطر ….  مطر … مطر

3


ذكريات السبتي

يقول الشاعر الكويتي علي السبتي: (كنت معجبًا إلى حدّ كبير بشعر السيّاب، وعندما التقيته لأوّل مرّة في البصرة ازداد إعجابي به، وأصبح بعد ذلك من أعزّ أصدقائي، ثم باعدتنا الأيام، إلى أن جاء يوم وقع أمام عيني مقال منشور في مجلة (الحوادث) اللبنانية بقلم الأستاذ إلياس سحاب يتحدّث فيه عن بدر الشاعر المريض الذي لا يحصل على العلاج الكافي، وأنه مهمل في المستشفيات وطريق الموت يتّسع أمامه. لقد هزّ مشاعري هذا المقال، وتألّمت كثيرًا على بدر، فكتبت بدوري مقالا في مجلة (صوت الخليج) الكويتية، طلبت فيه من السيد وزير الصحة الكويتي أن يتبنّى علاج بدر في المستشفيات الكويتية، وفعلا اهتم السيد الوزير بما جاء في مقالي، حيث اتصل بي طالبا عنوان بدر للاتصال به.

وبعد أن وجدوا بدرا يتهالك في مستشفى البصرة الجمهوري  نقلوه إلى الكويت في السادس من يوليو 1964 وكان في استقباله الأستاذ علي السبتي، وناجي علوش، والأستاذ فاروق شوشة، وقد أخذوه إلى المستشفى حيث تشكّلت لجنة طبية خاصة للإشراف على علاج السيّاب الذي جاء بكلّ تقاريره الطبية التي تشير إلى وضعه المرضي، ومن ضمنها تقارير مستشفى البصرة الجمهوري، ومستشفى (درم) البريطانية، مع تقارير أخرى من فرنسا.”

*- وعند ظهيرة الخميس، الرابع والعشرين من ديسمبر 1964، خرجت من الكويت سيارة رقمها 20322 كويت متجهة إلى البصرة، وهي سيارة الصديق الوفي الشاعر علي السبتي، كانت تحمل جثمان الشاعر الكبير بدر شاكر السيّاب. واستدارت السيارة الكويتية نحو مقبرة الحسن البصري في الزبير بالبصرة، ولم يمش في تشييع الجثمان سوى ستة أشخاص، كان من بينهم الصديق الشاعر الكويتي الأصيل علي السبتي، وكان المطر الذي أحبّه بدر هو الآخر ضمن المشيّعين، فقد عانق جثمانه من الكويت حتى الزبير.!!!

4


بدر ومناوئوه  

أستطيع  تشبيه الذين ناكدوا السيّاب في حياته شعريا  مثل فلان وعلا ن، الذين أصدروا شهادة زور بحقّ الشاعر وثقافته وموهبته، ولكنهم لم يجرؤوا على  تهميشه شعريا، مثل ما حصل للشاعر الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني  في القرن السادس الهجري (610 ـ 690 هـ) والذي كفّره معاصره الشيخ ابن تيمية حين قال صراحة (وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر!)، في حين رأى فيه شاعرا جيدا (وشعره في صناعة الشعر جيّد، ولكنه كما قيل لحم خنزير في طبق صينيّ).  

5

 

السيّاب والحداثة

سؤال قد يبدو غريبا لمن يعرف الشاعر بدر شاكر السيّاب حقّ معرفة، ويعرف تماما من هو السيّاب وما موقعه الحقيقيّ في المشهد الحداثويّ في الشعر العربي المعاصر، ولكنه يبدو مألوفا جدّا لأولئك الذين أصيبوا بعمى البصيرة وصاروا لا يميزون بين الشاعر والبوق، والشعر والنحاس.

تلك معادلة صعبة لا ندّعي أنّ السيّاب قد حقّق حلمنا بها، ولم يدّع السيّاب نفسه هذا ..  لقد كانت حياته الشعرية القصيرة واللامعة معا كفيلة بتأسيس منجزٍ نوعيٍّ في الشعر العربيّ، فالريادة في  الشعر سيّابية بلا منازع، والحداثة في الشعر سيّابية بجدارة .. لقد  كان الرجل من الكبار الذين تشهد الحقب التاريخية على تحقيق  قفزات نوعية على أيديهم ، وبوجودهم .. فـإذا ما كان فرويد وماركس شارل بود لير، ورامبو، ومالارميه، مارتن لوثر، و ديكارت وأبو العلاء المعرّي ..  وغيرهم القليل  قد شكّلوا فواصل نوعية في  مسيرة الحداثة الإنسانية، فالسيّاب في رأيي هو قطب  حداثويّ بارع، والحداثة التي أعنيها هي المنعطف التاريخيّ في  هذا الحقل أو ذاك .. نعم لم يكن السيّاب وليد الصدفة أو مرسلا من السماء، لقد كان نتاجا حقيقا لإرث  ومتغيّرات كبيرة في الحقول الاجتماعية والثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية،  لكنه كان حامل  الشعلة وسارق النار .. كان الأسد الذي هضم الخراف على حدّ تعبير بول ايلوار. أو إذا كانت الحداثة بحسب تعبير رولان بارت، هي  طوفان معرفيّ، وزلزال حضاريّ عنيف، وانقلاب ثقافيّ شامل… أو إنّها  موقف عامّ وشامل ومعارض للثقافات التقليدية السائدة.. فالسيّاب  قد ساهم جدّيا في  إرساء هذه المفاهيم في حقل الشعر.
 



لماذا أُحبُّ السيّاب 

أحبّ السيّاب لأنّني أؤمن أنّ الشعر حبّ  قبل كلّ شيء..  لا منازعات شخصية ولا كشف حساب سياسيّ  رخيص ..

أحبّ السيّاب لأنّه نبيّ مطرود  من أمّته، منذ أن تنفّس الحياة على ظلال النخيل في جيكور القرية الوادعة ..وحتى موته غريبا في  مقبرة الحسن البصري.

لم تكن التماعة السيّاب الشعرية الكبرى في قصيدة هل كان حبّا ؟ الذي تنازعه الشاعرة نازك الملائكة في قصيدة الكوليرا .. كان السيّاب شاعرا مخلصا لمشروعه  الذي بدأ  في تلك القصيدة، بينما تراجعت نازك وآخرون عن المشروع التجديديّ  في القصيدة العربية  الحديثة.

نحن نعرف السيّاب شاعرا في كلّ منجزه الذي بدأ من  مجموعته أزهار ذابلة 1947م. أعاصير 1948 أزهار وأساطير 1950م. فجر السلام 1951 حفار القبور 1952م. قصيدة مطوّلة المومس العمياء 1954م. قصيدة مطوّلة الأسلحة والأطفال 1955م. ،أنشودة المطر 1960. المعبد الغريق 1962م. منزل الأقنان 1963م. شناشيل ابنة الجلبي 1964م. وإقبال ..  لقد كسر السيّاب في شعره النوعيّ أحد أضلاع القصيدة العمودية الفراهيدية، ويعد هذا إنجازا كبيرا. مع بداية الستّينات نشر السيّاب ديوانه “أنشودة المطر” الذي انتزع به الاعتراف نهائيا للشعر الحرّ من القراء وصار هو الشكل الأكثر ملاءمة لشعراء الأجيال الصاعدة وأخذ السيّاب موقع الريادة بفضل تدفّقه الشعريّ، وكذلك للنفس الأسطوريّ الذي أدخله على الشعر العربيّ  باستثماره أساطير بابل واليونان القديمة كما صنع رموزا خاصة بشعره مثل المطر، تموز، عشتار، وجيكور قريته،  وبويب النهر الذي حوّله إلى أسطورة. وتخلّلت سنوات الشهرة صراعات السيّاب مع المرض ولكن لم تنقص قامته الشعرية وبدأت ملامح جديدة تظهر في شعره وتغيّرت رموزه من تمّوز والمطر في “أنشودة المطر” إلى السراب والمراثي في مجموعته “المعبد الغريق” ولاحقا توغّل السيّاب في ذكرياته الخاصّة وصار شعره ملتصقا بسيرته الذاتية في “منزل الأقنان” و”شناشيل ابنة الجلبي”

وكان السيّاب كلّما أقترب من الموت يبدو حميما ووادعا،  لقد كان يتمنّى   في هذيانه في المستشفى الأميري  الكويتي ،يقرأ الشعر بالانكليزية ويتمنّى  الرجوع  إلى  بغداد ليأكل السمك المسكوف …. يا له من طفل كبير ..

الموت يقرع والسيّاب يتشبّث بالحياة..

لهذا أحبّ السيّاب .

………………….

خاتمة 

هو بدر تّم في سماء الشعر … وعندما تأخذك المقادير لزيارة قبر السيّاب في  مدينة الزبير جنوب البصرة، وفي مقبرة  الحسن البصري  ستجده وادعا في  حضرة الشيخ البصري، لن تجد  لقبره آثارا شاهقة ولا ذهب يسوّر شاهدته .. ستجد رخامة علاها الصدأ مكتوب عليها.. هذا بدر بن شاكر السيّاب  ولد عام 1926 وتوفّي  في عام 1964 في ليلة مطيرة لم يحضر من المشيّعين إلا ستّة  … مات صاحب  المشروع الحداثويّ الشعري الكبير في الأدب العربيّ وكان المطر هو مشيّعه الكبير .. وهذه هي سمة الكبار الذين  لا يستمدّون عظمتهم من قبورهم الفارهة وخرافاتهم .. لقد كان الموت صنو السيّاب في حياة القصيرة كحياة نبيّ  برداء إله..

انه مسيح الشعر  وصليب الألم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق