برلسكوني في رحلته التونسيّة: الخلطة السحريّة للإبهار
شوقي بوعزّة

أيّ سرّ جعل التونسيّين، أو جلّهم، ينبهرون ببرلسكوني في زيارته الأسبوع الماضي إلى تونس؟ أيّة قدرات سحريّة لدى رئيس الحكومة الإيطاليّة أسر بها قلوب من شاهد الريبورتاج والحوار التلفزيّ الذي أجرته قناة “نسمة تي في” التي تتوجّه إلى المشاهدين في المغرب العربيّ؟

إذا تركنا جانبا الإعجاب الفوريّ الذي عبّرت عنه المذيعة التي شاركت في المحاورة التلفزيّة بعفويّة، لا ندري إن كانت محسوبة ومصطنعة أم بريئة تلقائيّة، فإنّ الانطباع العامّ الذي خرج به الناس مزيج من الاستطراف والإعجاب والانبهار.

كان الحوار بفرنسية ينطقها برلسكوني بلكنة إيطالية محبّبة لدى التونسيين، وربما غير التونسيين، رغم اعتداءات السيد الوزير الأوّل الإيطاليّ على نحو الفرنسية وصرفها. وهنا تحديدا بعض الطرافة. فها هو رئيس وزراء دولة متقدّمة لا يخجل من أن يتكلّم كعامّة الناس دون عقدة الخوف من الخطإ. فقد تعلّم التونسيّ، منذ سني المدرسة، أن تكون فرنسيته أفضل من الفرنسيين (أهو حرص على السلامة اللّغويّة؟ أهي عقدة لدى النخب التونسية بإزاء لغة هوغو وبلزاك؟ أهو استلهام لطلاقة الزعيم الأب بورقيبة وفصاحته حين يتكلّم الفرنسيّة؟). المهمّ أنّ فرنسية برلسكوني قريبة من فرنسيّة “الشعب الكريم” بعيدة عن فرنسية المسؤولين والنخب الفرنكوفونية “المتقعّرة” التي تتكلّم كالكتب صعبة الفهم. ووراء هذه الفرنسية الشعبية، إن جاز التعبير، وهي تذكّرنا بفرنسية مهاجرينا بفرنسا من ذوي التعليم المحدود أو المعدوم، تُحيي تلك اللكنة الإيطالية في نفوس السادة مشاهدي “نسمة تي في” من التونسيين ذكريات محبّبة عن الجالية الإيطالية التي عاشت في تونس وأدائها للعربية والفرنسية بتنغيم خاصّ جدّا، يستلهم الخصائص الصوتية للغة الإيطالية وطريقة تقطيع الكلمات وتنبيرها في اللسان الإيطاليّ (وهو ضرب من الأداء اللّغويّ مازالت بعض الومضات الإشهاريّة التي تذاع في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بتونس توظّفه لتسويق عجين “المعكرونة” والسيارات بالخصوص ).

إنّه صوت أليف، شعبيّ، منغرس في الذاكرة التونسية بقدر ما هو شبيه، في قلّة إتقانه للفرنسيّة، دون خجل أو خوف أو عقد، بفرنسيّة عامّة الناس. والمفارقة أنّ التونسيين يعرفون هذا الأداء المهلهل للفرنسية لدى بعض الرؤساء والمسؤولين الأفارقة الذين يزورون تونس فيسخرون منهم، أمّا مع برلسكوني فالصورة مختلفة لأنّها تنضاف إليها معطيات أخرى تعتمل في المخيال التونسي وتتدعّم على ركح المحاورة التلفزية لتصنع الفرجة كاملة.

فهل من العاديّ أن نجد مسؤولا سياسيّا يروي على رؤوس الملإ نكتا وطرائف ويسأل عن الجنس اللطيف ويسخر، سخرية لطيفة، من الآخرين ومن نفسه؟ أهو صاحب سلطان أم مهرّج السلطان؟ لعلّه مزيج من جدية المسؤول، بل المسؤول الأوّل في إحدى حكومات الكبار الثمانية، ومرح ابن “الشعب الكريم”، على حدّ التعبير التونسي، واستهتار ابن الأحياء الشعبيّة وشغف اإيطاليين بالـ”دولشي فيتا” أو الحياة اللذيذة. فبرلسكوني ما انفكّ يذكّر الناس بأنه ينحدر من عائلة فقيرة وليس وريث العائلات الأرستقراطية أو البورجوازية. صنع مجده بنفسه ونحت مساره كما ينحته الأبطال الذين كوّنوا ثروتهم (الرمزية والمادية معا)، بعرق جبينهم وكفاحهم وإصرارهم على الارتقاء الاجتماعي بالذكاء والجهد وحسن التدبير واستغلال الفرص التي تتيحها جنّة النظام الرأسمالي و….جحيمه أيضا. لذلك لم يقطع صلته بتلك الأصول الشعبية وما زال يمتلك أحاسيس الفقراء والمعذّبين في الأرض وردود فعلهم ومازالت تخنقه العبرات لمرأى اليتامى والأرامل وضحايا الحروب الذين يجسّدون آلاما عرفها برلسكوني في تاريخه الشخصيّ.

ليس مهمّا أن يكون، في فترة ما، ممّن دعم بعض الحروب، إن مباشرة وإن مداورة، وأن تكون مصالح إيطاليا والتزاماتها داخل الفضاء الأوروبي وفي صلب الحلف الأطلسيّ تملي عليه المشاركة في إيلام بعض هؤلاء الناس، بل المهمّ أنّ برودة السياسة والسياسيين ولغة المصالح والاستراتيجيات الجيوسياسية لم تُفقد فتى إيطاليا الوسيم الأنيق، إحساسه بمآسي الحروب وأهوالها، ولم تمح من ذاكرته، وهي جزء من ذاكرة إيطاليا المعاصرة، تاريخ الألم الإنسانيّ وعمق الشعور بإنسانيّة الإنسان.

هذه شذرات من باب الألم، أمّا صنوه الأمل فالفتى برلسكوني أقدر على تفهّمه: خذ لك مثال قوارب الموت التي تشقّ، بمشقّة واضطراب وكثير من اليأس، البحر الأبيض المتوسط أملا في الوصول إلى شواطئ إيطاليا وبحثا عن عالم تتوفّر فيه شروط دنيا للحياة تمثّل في وهم مستقلّي تلك القوارب “الدولشي فيتا” التي يتصوّرونها انطلاقا مما يستطيعون فعلا التفكير فيه ما دامت الإنسانيّة لا تطرح على نفسها،كما زعم كارل ماركس يوما ما، إلاّ الأسئلة التي تستطيع الإجابة عليها. إنّها عند السيّد رئيس الوزراء الإيطاليّ أشبه ما تكون برحلة برلسكوني الفقير، مع حفظ الفوارق اللازمة، نحو الثروة والجاه وشبيهة أيضا، مع حفظ الفوارق وهي من هذه الناحية أقلّ، برحلة آلاف الإيطاليين عبر الأطلسيّ منذ سنوات عديدة إلى أمريكا يقودهم حلم كبير بحياة أجمل. لذلك فالتاريخ الشخصيّ لبرلسكوني والتاريخ الموضوعي لعدد كبير من أبناء شعبه يجعلانه لا يدين هذه الهجرة السرّيّة بقدر ما يتأسف لأهوالها ويطالب بتنظيمها، لتمكين الراغبين في دخول جنّة الضفّة الأخرى من المتوسّط من تحقيق مبتغاهم دون أن يبتلعهم البحر.

أيّ برلسكوني رآه التونسيون في “نسمة تي في” وأعجبوا به؟ ليس في الأمر سرّ كبير والخلطة السحريّة بسيطة جدّا: بعض أناقة الإيطاليين يضاف إليها شيء من سحر أصحاب الأموال بما أنّ النعمة، كما يعتقد التونسيون في أمثالهم، تحوّل الشيخ إلى فتى فيخلط ذلك بصورة منتشرة إعلاميّا، صورة رجل يلهث وراء التنانير الداخليّة للغواني (على حدّ الكناية الفرنسيّة ) أو قل، على حدّ الكناية العربيّة القحّة، زير نساء. ويختم هذا كله برشّة من توابل الفخامة والسيادة والاستعلاء التي توفّرها المنزلة السياسيّة.

وهذا كلّه يصنع لك، تلفزيّا وواقعيّا، صورة رجل سياسة تناقض الصورة النمطيّة للسياسيين: نظافة يد تترجم إلى حرص على المال العامّ وشفافيّة في المداخيل، وعفّة وعفاف وابتعاد عن شبهات النصف الأسفل وإشباع الرغبات، وجديّة في أداء الدور السياسي والاجتماعي الموكول إليه تنمّ عن حسّ كبير بالمسؤوليّة.
ولك أيها القارئ أن تقارن بين الصورتين والتمثّلين الذهنيّين حتى ترى أنّ برلسكوني يذهب بهذا الوضوح النمطيّ ويخلط الأوراق خلطا فهو أقرب إلى نجوم السينما ( في المال والعلاقة بالمرأة والوسامة) منه إلى المسؤول السياسي (نظافة يد وتعفّفا وجدّية وإن كانت زائفة).

إنّ برلسكوني كمن يترأّس اجتماعا رسميّا في مؤسّسة محترمة محاطا بأصحاب ربطات عنق فاخرة وخبراء جديين متخرّجين من المدارس الكبرى حنّطتهم الإدارة والفوانين والأعراف، ولكن يخطر له في لحظة ما أن يصعد على الطاولة ليغنّي ويرقص ( لنتذكر رقصة يلتسين وقد تعتعه السكر) فلا يمنع نفسه من ذلك.

نعم، برلسكوني شخص طريف لأنّه يكسر في المخيال الجمعيّ عن الزعيم السياسي نمطيّة الصورة التي استقرّت في الأذهان، ذاك السياسي العبوس القمطرير المقطّب الجبين الجادّ في إفراط، ذاك السياسي الذي يصنع الأكاذيب ويروّجها ويصطنع البلاغة ليخفي بها عيوبه وعيوب نظامه السياسي إلى أن ينكشف أمره أو تفلس سياسته.

لكن هل يمكن أن يكون نجوم السينما المحبّبون لدى الجمهور والأصنام الذين تصنعهم الميديا والمهرّجون الجدد في عالم السياسة والظرفاء باختراقهم للمعهود المألوف الذي ملّه الناس، هل يمكن أن يكون هؤلاء بديلا سياسيّا ومسؤولين يتحكّمون في رقاب الناس والشعوب ويحدّدون مصير الكرة الأرضيّة مهما تكن درجة الانبهار بهم؟

أيّة مسافة قطعتها البشريّة من الحلم بمدينة فاضلة يحكمها الفلاسفة ويتفلسف ساستها إلى تقليد المهرجين والظرفاء المسؤوليات الأولى؟ الخطير حقّا، في عالم الابتذال المعمّم بفضل الميديا، أن يخرج التونسيّون ومنهم من ينتمي إلى النخبة الثقافيّة والسياسيّة معجبين ومنبهرين ببرلسكوني، ولكنّ هذا الخطر لا يفوقه إلا انبهارُ من صوّت لبرلسكوني وانتخبه، ديمقراطيّا، ليكون رئيسا للحكومة.

والأرجح أنّنا كلّنا أصبحنا في الهم السياسيّ…برلسكونيّين، بعد أن تمكّن السياسيون مقطّبو الجبين، الكذّابون، من إقناعنا بالتخلّي عن وهم السياسي النظيف الفيلسوف فعلى الأقلّ يمكن لتلفزيون الواقع أن يجعلنا نستمتع بفرجة طريفة في “نسمة تي في ” أو غيرها من القنوات التي تجتهد لترفّه علينا في هذا العالم القاسي الذي نحتاج فيه إلى أيّ أفيون مفيد: دين متجهّم يمنّينا بجنّات عدن أو ميديا تصنع لنا أبطالا محبّبين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق