برلين: وجهان للشعر، وجهان للمعنى

صمم المعماري بيتر إيزنمان نصباً للضحايا اليهود في برلين. النصب عبارة عن مساحة شاسعة من الأرض البور نصبت فوقها كتل حجرية رمادية تشبه القبور. لكنها أيضا تشبه المدن الخراسانية المهجورة. وحين تنظر إلى هذه المساحة وهي تعج بزوارها تدرك منذ اللحظة الأولى أنك أمام مدينة ميتة. حيث لا تستطيع الذاكرة أن تبعث بعض النبض في الموت الثقيل الذي حل بهذه المدينة.
الذاكرة لا تستطيع؟ ربما وجب علينا أن نفكر ببرلين اليوم وفق طريقة أخرى. برلين قطعاً تتذكر ضحاياها. بل هي ربما تبالغ في تذكر ضحاياها، لكنها وهي تذهب في وفائها نحو ذكراهم، تكاد تغادر زمنها، أو تجعلهم يغادرون زمنها، بحسب الطريقة التي ننظر إلى برلين عبرها اليوم، وبحسب الناظر طبعاً.

بل إن برلين الكمداء في ظل الحصار الذي فرض عليها أثناء الحرب الباردة، تكاد تبدو اليوم عبر هذا النصب وأنصاب غيره، كما لو أنها عبرت كل هذه الصعاب ليتسنى لها ذات يوم أن تكون وفية وحسب. وحين تقرر أن تستأنف السير المقطوع فإنها تريد أن تستأنفه بأقل قدر من الإحراج. ضحايا برلين هم سلطتها الكامنة. كما لو أن المدينة تعتذر عن بقائها بعد فنائهم، وتريد أن تصنع من الوفاء علة بقائها واستمرارها. حتى في الساحات التي قتلتها الحرب الباردة بين البرلينين، حيث قرر البرلينيون نسيان الماضي والانطلاق نحو الغد، لم يمكنهم العبور في هذه المفاوز من دون نصب قطعة من الجدار الذي شق برلين ليجاور برج شركة “سوني – إريكسون” الزجاجي الضخم الذي أريد له أن يكون علامة الألمان على خروجهم من قوقعة الندم.

لكن هذا كله لا يسوي المسألة مثلما يجب. فبرلين أيضا تصنع وسطها التجاري، مثلها في ذلك مثل مدن العالم قاطبة. والوسط التجاري الحديث ليس أكثر من زمان عام. وتكاد صلته بالمكان والمحيط، وحتى بالميدان العام (public sphere) لا تُلحظ في أي مجال. فالوسط التجاري في برلين، مثله مثل الوسط التجاري في أي مدينة حديثة اليوم، يريد أن يوحي أنه قيد البث المباشر، وأن أحداثه تجري في لحظة البث، وهو تبعاً لذلك يقع في الزمان لا في المكان. أما خلف هذا النصب المتسع، الذي هو الوسط التجاري، فما زالت المدينة تعيش في زمنها الخاص. ما زالت برلين محلية، أي بمعنى من المعاني ما زالت المانية قلباً وقالباً، ولا تتعب أو تبذل جهداً في تجاوز ألمانيتها، أقله حتى الآن، حيث أنها لا تكف عن تنصيب الندم معلماً ونصباً في ساحاتها، ومتاحفها. الجريمة التي حدثت هنا ما زالت تقبع في الأرجاء وما زال الناس يشعرون بثقلها. ولم تنجح الحياة، حتى البورجوازية، كما يظن والتر بنجامين، في إخفاء آثارها. الأثر باق، ولا تنجح الأنصاب في جعله يختفي. ويكاد يجازف المرء بالإثبات أن ثمة مقيما دائما في هذه المدينة: إنه أدولف هتلر، الذي لا أثر مادياً ظاهراً يدل على أشغاله ذات يوم هذا المكان أو ذاك، لكن الأنصاب الحديثة التي تصر برلين على إنشائها ما كانت لتقوم لو أن أدولف هتلر لم ينوجد أصلاً.

ظِل أدولف هتلر الذي ما زال جاثماً في برلين، ليس خفيفاً على أوروبا برمتها. تلك التي حاربته بكل قواها، وحق لها أن تفخر بذلك، وهذه التي انقادت له بطريقة من الطرق. والحق أن هذا التيار الذي مثله أدولف هتلر وامتحن أوروبا والعالم كله في أواخر النصف الأول من القرن الماضي لم يخرج من دون أن يترك آثاراً كبيرة على أوروبا الشاسعة، وعلى ألمانيا خصوصاً. بل إن الرغبة بالتخلص من هذا الإرث الثقيل طبعت السياسة الأوروبية بميسمها الغليظ، منذ لحظة الانتهاء من الحرب العالمية الثانية وحتى الأمس القريب.

لا شك أن غلظة الميسم تختلف من بلد أوروبي إلى آخر، فبريطانيا تكاد تكون أقل الدول الأوربية الكبرى التي ما زال الوسم يؤرق خاصرتيها، وتكاد فرنسا اليوم ترسم بأصوات ناخبيها خارطة طريق لتخلصها من أوشام هذا الميسم. في حين أن المانيا ما زالت تتلمس هذا الإرث الثقيل وتجهد في تجنيب نفسها مترتباته التي يمكن وصفها بالخطيرة، على مستقبل أوروبا والعالم. والحق أن الدور الذي أراد أدولف هتلر لألمانيا أن تلعبه في أوروبا والعالم، لم يكن بلا سوابق مماثلة أو موافقة في تلك الأنحاء، إذ يعتقد سيباستيان هافنر أن أوروبا سكتت عن التوسع الألماني نحو بولندا والسويد لأنها سبق لها وأن سلمت بزعامة ألمانيا على أوروبا في الطريق إلى تسيدها على العالم. لكن مغامرة هتلر الثقيلة والأثمان الباهظة التي لم يتردد في تدفيعها لأوروبا والعالم هي ما جعلت مقاومة المشروع النازي قدراً لا راد له. ومع تنامي المقاومة والشعور بفداحة الأثمان التي يتطلبها تحقيق مثل هذا المشروع بدت أوروبا القرن التاسع عشر الاستعمارية في طريقها إلى الأفول. وحدث أن هتلر هو نفسه الذي أعلن الحرب على الولايات المتحدة الأميركية التي كانت مشغولة في الشرق الأقصى بمواجهة الطموحات اليابانية الدموية، من دون سبب واضح حتى الآن، مما سمح للولايات المتحدة أن تتقاسم الطموحات الإمبريالية مع الإتحاد السوفياتي، في أوروبا نفسها كما في العالم كله. والخلاصة أن أوروبا التي كانت قلب العالم حتى ذلك الوقت، وموطن إمبراطورياته الكبرى، دخلت في سبات شتوي لم تستفق منه حتى الآن.

مع تراجع الطموحات الاستعمارية واستقلال الدول الخاضعة في العقدين اللذين أعقبا الحرب العالمية الثانية، دخلت أوروبا في مرحلة الحذر من مسايرة التاريخ. فصناعة التاريخ مهمة ثقيلة لم يعد في إمكان أوروبا التي حملتها على عاتقها زمناً طويلاً تحمل تبعاتها. هكذا سرعان ما دخلت أوروبا بإمبراطورياتها الكبرى في شرنقتها المغلقة تماماً، وأخذت أدوارها الخارجية تذوي سريعاً، إلى حد أنها استجدت التدخل الأميركي في يوغوسلافيا في تسعينات القرن الماضي، لأنها بدت عاجزة عن صيانة حدود حديقتها الهشة. لكن السنوات التي تلت مذابح أوروبا الشرقية التي كانت قد تحررت للتو من نيرها السوفياتي لم تطرح على أوروبا تحديات كبرى كتلك التي تطرحها عليها اليوم مذابح الشرق الأوسط والطموحات الإقليمة لدوله الأكبر، من إسرائيل، إلى إيران مروراً بباكستان في وجهها الشرق أوسطي، وصولاً إلى العراق. وإذ ما تزال الدعوات الأوروبية إلى الكف عن التدخل الغربي في هذه المنطقة وتركها لشؤونها تدبرها كما ترتئي، تترى وتتزايد في صورة منتظمة، فإن ما يدفع إلى مثل هذه الدعوات ليس إلا الأخطار التي تستشعرها أوروبا من امتداد حرائق هذه المنطقة، باعتبار أنها حرائق بعيدة نسبياً عن مطامح أوروبا ومطامعها ومصالحها (وهذا ما لم يكن قائماًً في يوغوسلافيا أو بولندا أو المجر). مما يعني أن الهدف الأوروبي الفعلي من هذه الدعوات ليس إطفاء الحرائق بل حصرها في مناطقها والتعتيم عليها بما يجعلها خارج التاريخ.

حتى ربيع العام 2003، تاريخ سقوط بغداد، كان الفكر الأوروبي عموماً يستطيع أن يستسيغ ويتقبل فكرة المفكر الفرنسي الراحل جان بودريارد عن حرب الخليج الأولى. كانت تلك الحروب تحدث في مكان بعيد جداً، ولم يكن ممكناً لأي كان أن يتخيل أنها قريبة من أوروبا إلى هذا الحد. بل كان التعامل مع هذه الحروب والأحداث العنيفة التي تجري في هذا الجزء من العالم، يلائم أيما ملاءمة هوس الحداثات بالتخصيص والاختصاص. فكانت الخبرة بشؤون الشرق الأوسط في أوروبا وأميركا امتيازاً بورجوازياً على المعنى الذي أرسته الثقافة البورجوازية للإمتياز. وكان يكفي أن يحصل أي كان بعض المعرفة في شؤون هذه البقعة من العالم حتى ينبري لحل مشكلاتها مقترحاً حلولاً يجزم فيها صالحة للتطبيق على نحو قاطع. ولم يكن ثمة ما يقلق في الانحياز يميناً أو يساراً في هذا المضمار الملغز. بل كان سهلاً على أي مفكر في أوروبا أن يكيل المديح للثورة الخمينية من دون إمعان نظر وتمحيص. ذلك أن مثل هذا الانحياز لم يكن يرتب أعباء على المجتمعات التي ينطلق منها أصلاً، وكان يكسب صاحبه مظهراً فكرياً عميقاً وثورياً في آن. لكن الحملة الأميركية على العراق في ربيع العام 2003 جعلت كل هذا الترف باهظاً وغير مجد.

لم تعد الحروب افتراضية لأنها تحدث على الشاشات، بل اكتست دماً حقيقياً لأنها حدثت بالضبط على الشاشات. هكذا نجح أبو مصعب الزرقاوي وقبله أسامة بن لادن في تحويل الشاشات إلى ساحات حرب حقيقية. كان الدم الذي يسيل على الشاشات في مشاهد الذبح التي بثها الزرقاوي يمنع هذه الشاشات من أن تشكل عازلاً بين المشاهد وميدان المعركة. أبو مصعب الزرقاوي قرر من غير وعي على الأرجح، أن مكان حدوث الجريمة ليس مهماً، وأن المهم زمانها المتكرر بلا انقطاع. وقرر من ناحية ثانية، أن الخطر كل الخطر لا يكمن في تحول المشاهد إلى نيكولاس بيرغ المذبوح أمام الكاميرا، بل في تحوله إلى الزرقاوي نفسه.

إنه شبح يجول في أوروبا مرة أخرى، الشبح الذي يؤكد على الشاشات الماحية للأمكنة، أن أدولف هتلر لم يكن ظاهرة فريدة ولا يمكن تكرارها، وأن العنف الهائل لا تفسره قوانين المادية التاريخية والرغبة بفتح الأسواق، ولا حتى حق الشعوب في تقرير مصيرها. بل إن ما يفسره فعلاً، هو العيش في زمن الشعر. أي الزمن الذي يتوخى فيه القتلة والابطال والشهداء تحقيق معنى شعري لا واقعي. على هذا الأساس يمكن فهم القناعة الحاسمة لدى بعض اللبنانيين والعرب والمسلمين بالنصر الإلهي الذي حققه حزب الله على اسرائيل.

فالمعنى الذي يراد تحميله لهذا النصر هو معنى إخيلي أكثر مما هو معنى تاريخي. لكن القناعة بهذا النصر لا تمنع الجنرال الأميركي بيتر رودمان من القول: حسناً لقد انتصر حزب الله في حربه ضد إسرائيل، إنما كم نصراً مثل هذا النصر يستطيع لبنان أن يتحمل؟ وعلى النحو نفسه، يبدو أبو مصعب الزرقاوي وهو يمسرح انتصاره البطولي، غير مهتم بهزيمة أميركا في العراق فعلاً بقدر ما هو مهتم بتغيير معنى الهزيمة والنصر. وعليه لم يعد الحدث الأبرز بعد مآثر الزرقاوي في العراق، هو ذاك الذي تحدث عنه لستر ثرو، أي احتمال مسح المعلومات من ذاكرة الحواسيب في البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، بل بات الحدث الأكبر هو كيفية النجاة من عدوى الزرقاوي، أي من تحول المنتصرين قتلة بعدما كانوا ضحايا.

هل نتذكر تيودور أدورنو ومدرسة فرانكفورت؟ الأرجح انه لو قيض لأدورنو أن يبعث حياً ويتجول في شوارع برلين اليوم، لكان أدرك أن الزمن الشعري له وجهان متباينان. وأن الوفاء الذي هو، بحسب ميشليه، فضيلة برابرة، يمت إلى المعنى الشعري بأوثق الصلات. وما الوفاء الذي تريد برلين أن تقيم فيه، وهو يشبه الحداد قطعاً، إلا ناتج هو ما تحلب فعلاً من قراءة الوقائع الفاحشة في الحرب العالمية الثانية. كان الموت الكثير الذي حدث، والدمار الجسدي والنفسي والمذابح التي لا تحصى مانع النازيين الأول من تحقيق الانتصار. لأنهم منذ تلك اللحظة التي تكشفت فيها مآثرهم المروعة، باتوا عرضة لمذابح مقابلة لكنها بعكس مذابحهم تملك كل مبرراتها. لم يكن قتل النفوس وازهاق الأرواح هو المحرم والممنوع، بل “قتل النفس بغير حق” كما تقول الآية القرآنية بالحرف. والحال، فإن الوجه الآخر لزمن الوفاء الشعري هو الجريمة نفسها. أي ذبح نيكولاس بيرغ امام الكاميرا. وما إن يتحول الشعر إلى تاريخ، أو يذهب أحدهم لجعله تاريخياً حتى يقع في حمأة المجزرة. لأن آية الشعر هي الخروج من التاريخ والانحباس في الكتب، وليس الانتساب إليه قطعاً. هكذا يكون إخيل بطلاً وشهيداً، في الإلياذة فقط، أي بين طيات الكتاب، لكنه ما إن يتحول إلى لاعب معاصر حتى يصبح مرضاً معدياً يجدر بالبشرية العمل على استئصاله بأعنف طريقة ممكنة. وهذا بالضبط ما يجعل وسط برلين التجاري الحديث مفارقاً مفارقة مذهلة للمدينة.

ذلك أن الوسط الذي اعتنى بالعيش في زمن البث المباشر، ما كان يمكنه أن ينقل برلين من زمن الحداد الشعري إلى زمنه إلا إذا استمر مبتعداً عن الدم المراق والأعناق المحزوزة واكتفى من الأحداث المباشرة بتظهير مهارات رونالدينو وزين الدين زيدان. فالمأساة، والمأساة الالمانية ليست فريدة في هذا الباب، تحدث، كما لاحظ رولان بارت معلقاً على أعمال جان راسين المسرحية، في الكواليس وليس على الخشبة. لأن الخشبة لا تتسع لغير الشعر. الشعر الذي يجب أن يقيم في اللغة ولا يغادر سجنها، لئلا ترهقنا الفواجع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق