برهان غليون: مبرر العلمانية إضفاء سمة المشروعية على التعددية.. وسمة النسبية على المعرفة

{{[* لؤي حسين:*]}}

ليس لي أن أدافع عن وجهة نظري أو أسهب في إيضاحها في سياق هذا الحوار، فموقعي يقتصر على كوني السائل والمستفسر، والمستفز أحيانا. لكنه يمكنني توضيح نقطة، وهي أني أحاول من خلال الحوار معك ردم هوة بين طرحين كلاهما يناضلان لتغيير مجتمعاتنا إلى وضعية تسيطر فيها العدالة والمساواة بدلا من الاستبداد والظلم. ومن وجهة نظري أن أهم مسألة خلافية بين هذين الطرحين تتمحور حول إشكالية الأسبقية بين العلمانية والديموقراطية، أي أيهما يحتاجه التغيير المنشود أولا. وبالتالي فأنا أحاول من خلال الحوار معك الوصول إلى الجذر الأعمق لهذا الخلاف قدر الإمكان، من دون السعي لإيجاد صيغة وسطية أو تسووية لهذا الخلاف، بل توسيع دائرة البحث من خلال تناول بعض الجوانب التفصيلية.

من هنا يأتي اعتقادي بالحاجة لإيفاء موضوع النخبة والشعب حقه من البحث أكثر ما يمكن، من دون النية من قبلي بوضع الفئتين موضع المسائلة التاريخية أو الأخلاقية، وإنما محاولة وضع اليد على مكمن الكبح الذي يحول دون إمكانية خروج مجتمعاتنا من مأزقها التاريخي. هذا المأزق الذي ولّد عند شعوبنا اليأس من إمكانية تغيير واقعهم، ودفَعهم إلى حال الاستسلام إلى أنهم محكومين بقدر مظلم صارم.

من هذه الرؤية ورد كلامي عن دور الدين في إنتاج الثقافة الاستبدادية؛ فلست مهتما بالبحث في موضوع الدين بحد ذاته، ولا بموضوع الثقافة أو الثقافات العامة للمجتمع إن كانت تقليدية أم حديثة، أصيلة أم وافدة. إذن هي محاولة للإضاءة على المرجعيات أو الخلفيات الثقافية للاستبداد، وليس بقصد وضع تصنيفات للثقافة من ناحية مصادرها ولا بالنسبة إلى قيمها المطلقة. فمثلا، لا يهتم هذا الحوار بتغلغل بعض الثقافات الاستهلاكية الغربية في مجتمعاتنا إلا بما تخدم الاستبداد، تكريسا أم تبريرا، أو تواجهه. ومن هذا الباب لا أقصر الثقافة الدينية على العامة لأخصص النخبة بثقافة علمية حداثية، بل إني لا أعتبر أن دين العامة ذو أهمية كبرى في دعم الاستبداد أو المساهمة في إنتاجه، حتى لو كان يولّد مشاعر الخضوع والخنوع للإمام، أو يعوّد المؤمنين الرضى بقسمة الله لهم في دنياهم في مقابل أملهم تعويضه الغبن عليهم في الآخرة. فالدين الذي أتحدث عنه هو الإسلام التاريخي، إسلام الخاصة، الإسلام السياسي. وهو الدين المتواجد في الحقل السياسي وليس في المجال الاعتقادي.

من الطبيعي إذن أن حديثنا لا يدور عن الدين بمعناه الإطلاقي أو الدين الفردي، أي دين العبادات والأخلاق وقيم التعامل بين الأفراد بما هم أفراد، بل الحديث يدور عن دين الجماعات، أي الإسلام الذي يريد أن ينظم المجتمع ابتغاء لتحقيق مشيئة الله وأوليائه على الأرض، في الاقتصاد والتعليم والتعامل مع الأقليات أو الجماعات، أو اختصار هوية الأفراد إلى هوية أحادية إسلامية، واختصار هوية الأمة إلى هوية دينية وليست مدنية.

إذن ليست “الأسس الثقافية التي تغذي الاستبداد وتضمن إعادة إنتاجه مستمدة بالضرورة من ثقافة التراث وقيمه، وبالتالي من ثقافة الشعب”، إنها ليست ثقافة التراث وقيمه بل الثقافة التراثية التي تتبناها جميع التيارات الإسلامية، بما فيها السلطوية والسياسية وغير السياسية.

ولذلك فأنا أختلف معك في تقديرك بأن “القيم والعناصر الفكرية التي كانت تدفع إلى الاستبداد السياسي وتبرره وتضفي عليه الشرعية بل تؤسس له في الثقافة الكلاسيكية الدينية لم تعد قادرة اليوم على إنتاج الاستبداد الحديث”، فلا أدري إن كان اليوم يمكن أن يمتد إلى زمن الخميني وزمن الطالبان، أو إن كان يمكن أن يرينا غد حماس وغزة. وأعتقد أن الثقافة الكلاسيكية الدينية إن لم تكن قادرة على إنتاج الاستبداد الحديث، فإنها ما زالت قادرة اليوم على إعادة إنتاج الاستبداد القائم، إن كان قديما أم حديثا؛ أقله قدرتها المتعاظمة على المساهمة بتعطيل مسار التطور الديموقراطي ومسار التقدم الاجتماعي. ولا يقلل من دورها هذا إن كان “استبداد اليوم… يقوم على التفرد بالسلطة السياسية من قبل فرد أو عصبة تقرر لوحدها في شؤون البلاد والمجتمعات، حسب إرادتها الخاصة واعتقاداتها ومصالحها”. فتعريفك، رغم صحته الجزئية، يبقينا أمام السؤال: كيف يمكن إنتاج مثل هذا النظام أو إعادة إنتاجه؟ هل يكفي توفر إرادة الاستبداد عند فرد أو عصبة في موقع القيادة حتى يتم إنتاج مثل هذا النظام؟ إن كان ذلك كافيا لكنا رأينا الأنظمة الديمقراطية المستقرة تتعرض بين الحين والآخر لانتكاسات وتعود إلى أشكال من الأنظمة الاستبدادية.

ويبقى بحثنا عن جواب لسؤال الاستبداد هو دوما برسم معرفة كيفية هدم الأنظمة الاستبدادية وإيجاد الشروط التي تحول دون العودة مرة ثانية عن الديموقراطية بعد تحققها.

أمر آخر جعلني أطيل معك بمسألتي الشعب والسلطة، هو تصوري أن هذا الموضوع شكل محورا رئيسيا في جميع كتاباتك. ومع ذلك بقي ملتبسا عندي وعند آخرين، ما دفعني لمحاولة تبديد هذا الالتباس (آمل أن نكون نجحنا في ذلك). فأنا، كما تعلم من خلال مقال كتبته في موقع الأوان، اعتبرت أنك تنظر إلى حركات الإسلام السياسي بطريقة تبريرية تقوم على اعتبارك لها بمثابة رد فعل من الشعب على الحيف الذي يتكبده من استبداد السلطات. وهذه السلطات التي تتناولها بشكل هجائي في أغلب الأحيان ـ وهي تستحق أكثر من الهجاء ـ تقدمها لنا على أنها هي هي في كل شيء وفي كل وقت، منذ قيامها بعيد الاستقلال إلى الآن، فلم يتغير على طبيعتها أي شيء ما عدا تقدم تقني في آليات سيطرتها وإحكام قبضتها على شعوبها ومواردها. وكأنك تفسر طبيعتها انطلاقا من الحال التي وصلت وأوصلتنا إليها: فطالما هي التي فازت في النهاية فهذا يعني أنها منذ البداية، وعن سابق تصميم، أرادت قهر الشعب وتحطيم المجتمع. فعدَمتَ عنها أية نية يمكن أن تكون حملتها في بداياتها لتحسين واقع مجتمعاتها؛ واستبعدت أن يكون ضعف بنيانها وبنيان مجتمعاتها ـ وعوامل عديدة أخرى ـ سببا رئيسيا في إخفاقها.

ومن هذا المنظار أراك تناولت مسألة الطائفية، التي كتبت عنها كثيرا، بل ربما كنت مِن أكثر مَن كتب عنها؛ وكان لك فضل في فتح الباب دوما على هذه المسألة التي تشكل خطرا كامنا على العديد من مجتمعاتنا العربية، وخطرا صريحا يهدد بتدمير بعض هذه المجتمعات، كالعراق مثلا. وكان لك مؤخرا دراسة في مجلة الآداب بعنوان “نقد مفهوم الطائفية”. تقول فيها في محاولة لتصويب خطأ الآخرين في فهم الطائفية أن “الطائفية لا علاقة لها بتعدد الطوائف والديانات”. هذا الكلام نتفق عليه جميعنا، فلا تنشأ الطائفية بشكل تلقائي من مجرد وجود روابط طائفية ضمن الجماعات، لكنها بالمقابل لا تنشأ من دون وجود مثل هذه الجماعات. ونتفق أيضا على أن انتماء الأفراد إلى طوائف لا يعني أنهم طائفيون، أي لا يعني أن لديهم مشاريع سياسية تقوم على استغلال العصبية الطائفية. وبالتالي فإن أي حراك طائفي سياسي يقتضي توفر نخبة طائفية؛ وهذا لا يقتصر على الحراك الطائفي بل على أي حراك سياسي أو مجتمعي آخر بما في ذلك النزاعات الدينية التي تراها لا تتطلب، خلافا “للحرب الطائفية”، مثل تلك النخب. فالتاريخ، أيّا كان، شره وخيره، تصنعه النخب وليس العامة.

في مقالك هذا تحاول صناعة مفهوم للطائفية “بعكس ما شاع في النظرية الوطنية والقومية الشائعة”. فترى أن “الطائفية لا تنطبق على استخدام الدين، بل على استخدام كل أشكال التضامنات الخاصة ما قبل السياسية الناجمة عن تعبئة العصبيات القائمة على القرابة المادية (كالعشيرة والعائلة والإثنية) أو المذهبية”. لكن ألا تفترق الرابطة الطائفية-الدينية عن الرابطة القبلية والعشائرية من ناحية إمكانية الانفراط والزوال. فروابط الدم تبقى أسهل في التفكك من الرابطة الطائفية التي تعتمد الذاكرة الدينية والنص الديني الذي يبشر أفرادها بحظوتهم في الآخرة. وهذا هو ما يجعل منها راسخة عنيدة على التفكيك.

كما أنك في سياق صناعتك المفهوم تعتبر أن “تعزيز التكافل والتضامن داخل جماعات الانتماء للمذهب أو الدين أو العشيرة أو المؤسسة التجارية أو الاقتصادية، وإلى جميع هياكل ما نسميه “المجتمع المدني” بشكل عام، هو غاية هذه الجماعات وهدفها. إن الطائفية تنشأ عندما تنقل إحدى هذه الجماعات هذا التضامن والتكافل إلى مستوى الدولة”. فهنا تعتبر الجماعة هي صانعة الطائفية، خلافا لقولك السابق بأن صانعها نخبة اجتماعية معزولة.

ما دور الجماعة الطائفية في وجود الطائفية السياسية أي الطائفية في الدولة؟

وترى أن الطائفية لم تصبح “ظاهرة سلبية، إلا بعد نشوء الدولة الحديثة…”، لكن كيف تفسر الحروب الطائفية التي يحفل بها تاريخ الأديان، وتحديدا تاريخ الإسلام، الذي شهد العشرات ما لم تكن المئات من الحروب بين طوائفه، وبالأخص بين السنة والشيعة؛ وكيف تفسر موجات التشيع والتسنن التي جرت في تاريخ الإسلام استنادا إلى الميول الطائفية للخليفة أو الحاكم؟

وترى أيضا أن الطائفية تقوم بتدمير “قانون الدولة وتحويل أجهزتها إلى أدوات، وقواتها إلى ميلشيات موضوعة في خدمة الطائفة الحاكمة…”؛ فهل الطائفة هي التي تحكم وتقوم حسب قولك “بإخضاع الجماعات الأخرى وفك تنظيماتها الأهلية”؟ وماذا يحل بالتنظيم الأهلي للطائفة الحاكمة؟ أم أنها تستبدله بمؤسسات الدولة التي تتحول (دوما حسب قولك) “إلى أداة جبارة في يد العصبية الحاكمة لحل العصبيات الأخرى، واستتباع أفرادها بالقوة، وتسخيرهم لخدمة أهدافها الخاصة”. وماذا يحل بالعصبية الحاكمة بعد أن تنجز مهمة حل العصبيات الأخرى وتستتبع أفرادها؟

أتفق معك في “أن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة”، وضمن هذا الميدان نبحث في أمرها. لكنك لم تميز بين النظام الطائفي والنظام الاستبدادي الذي يتوسل ما يتيسر له من بنى متخلفة وعلاقات بطريركية في مجتمعاتنا من عصبيات قبلية أو عشائرية أو طائفية لفرض سيطرته وتمكين استبداده. إذ اعتبرت أن النظام الاستبدادي الذي يستغل الروابط الطائفية كأداة من أدوات استبداده العديدة أنه النظام الطائفي؛ أو تسميه الدولة الطائفية أو الطائفة الحاكمة، لكن التمايز هنا ضعيف. لكني أعتقد أن الدولة الطائفية هي نفسها التي شاع اصطلاحها على أنها الدولة التي يتم تقاسم حصصها السلطوية وفق قوة الطوائف الموجودة. ومثالنا الدائم لمثل هذه الدولة هو لبنان، ومثالنا المستجد هو العراق الآن. أي أنها الطائفية السياسية المكرسة بالدستور أو بالعرف العلني. أما الحالة التي تعرض لها على أنها الدولة الطائفية فهي ليست مكرسة لا بالدستور ولا بالعرف، لهذا فإنها تسعى للاستفادة من الموارد البشرية لأفراد من طائفتها بشكل استنسابي، ملتفة بذلك على القانون. وهي تقوم بذلك ليس خدمة لطائفتها أو تمكينا لعصبيتها أو تحقيقا لمشروع سياسي لطائفتها؛ وهذا ما يتيح لها دوما شراء ذمم نخب من الطوائف الأخرى يرضون أمام إغراء المكاسب أن تعتبرهم هذه السلطة ممثلين لطوائفهم.

ومثل هذه الدولة أو النظام يمكن أن يستغني عن أداته الطائفية (أو يخسرها) حين يكتسب شركاؤه من نخب الطوائف الأخرى بعض القوة والنفوذ في السلطة. لكن مثل هذا التحول لا ينهي خطر عودة الدولة الطائفية. وأنت ترى في نهاية مقالك أنه يتوجب “على النخبة الاجتماعية نفسها، الرسمية والأهلية” أن تستوضح الفارق بين “طائفية المجتمع وطائفية الدولة” “لاكتشاف خصوصية الطائفية السياسية والعمل على استئصالها داخل الدولة”. أرجو منك أن توضح لي أكثر كيف يمكننا استئصال الطائفية السياسية بشكل نهائي، بشكل يحول دون اختراق آخر ولو بصيغ أو عصبيات طائفية أخرى.

{{[* برهان غليون:*]}}

ليس هدف الحوار بين أصحاب المواقف النظرية إقناع الطرف الآخر بصحة مواقفه بالضرورة. ونادرا ما يحصل مثل هذا الأمر. ذلك أن مواقفنا، بعكس ما يبدو لنا ظاهريا، لا تنبع من تماسك الحجج العقلية التي تقوم عليها وإنما من اختيارات أخلاقية ومن مسبقات نظرية قد لا تكون واعية عندنا، أو قد نخطئ نحن أنفسنا في تقدير قوتها. وعندما نتحدث عن اختيارات أخلاقية ومسبقات نظرية فنحن نتحدث في الواقع عن عواطف وتطلعات ومشاعر مرتبطة بتجاربنا الشخصية.

فلا معنى للتأكيد على أهمية الحريات الفردية أو أولويتها بالنسبة لشخص لا يرى فيها سوى انتقاصا من الإيمان والتسليم للقدرة الإلهية. وبالمثل، لا معنى للتأكيد على أولوية الديمقراطية بالنسبة لمن يؤمن بصلاح التمييز بين عامة مطبوعة على الجهل وخاصة منذورة للعلم، بين ظلاميين هالكين ومتنورين مصطفين بالوراثة، فالديمقراطية بما تعنيه من قيم المساواة، والحرية التي لا تنفصل عنها، لا تعني شيئا إذا لم توجد لدى الباحث أو المتكلم فيها عاطفة عميقة تجاه قيم العدالة الاجتماعية، ولم يشعر في وقت ما أن لهؤلاء، الذين ينظر إليهم عادة كأكثرية صامتة أو جاهلة أو أمية، الحق في أن يكونوا مواطنين فعليين، وأن بإمكانهم أن يتحولوا إلى مواطنين أحرار، وأن تحولهم هذا، مهما كانت صعوبته، هو ضرورة لبناء مجتمع على مستوى القيم التي يؤمن بها، وبالتالي فهو هدف سياسي ينبغي بذل الجهد لتحقيقه وأنه يستحق التضحية أيضا.

من هنا، أعتقد أن هدف الحوار الرئيسي هو المساهمة في بلورة المواقف المختلفة لدى المتحاورين، الذين هم عادة من أصحاب الاهتمام بالقضايا العامة، أي من يطلق عليهم اسم قادة الرأي، مثقفين كانوا ام سياسيين، من أجل تقديم مشاريع ورؤى واضحة ومنضجة تمكن الرأي العام من الاختيار عن دراية ووعي، وتسمح لكل فرد فيه، بحسب تجربته وعواطفه أيضا، أن يبلور أفكاره ويشارك في القرارات التي تمس الحياة الجمعية. فالاختيارات الأخلاقية والسياسية مستمدة من التجربة، وربما من التكوين العام للشخصية، لكن وسائل البرهنة عليها وتأكيدها هي وحدها التي تستند إلى حجج عقلية.

ومن الواضح أن علاقة العلمانية بالديمقراطية كانت المسألة الرئيسية في هذا الحوار الطويل. وبالارتباط بها برزت الحاجة إلى الحديث في النخبة والمجتمع، والدين والعقل، والتراث والحداثة، والطائفية والقبلية. وليس هناك بالنسبة لي أي مشكلة في أن يركز بعض الباحثين على العلمانية، ويعتبرونها قضيتهم الرئيسية، التي تسبق كل القضايا الأخرى، الديمقراطية والوطنية والاقتصادية والاجتماعية، والذي يشكل تحقيقها شرطا لجميع ما عداها، إذا كان هذا هو موقفهم ومركز اهتمامهم. بل إن من الضروري أن يكون لكل قضية مناضلين عنيدين يسعون لترجمتها إلى واقع. كما أن اختلاف الباحثين في تقديراتهم النظرية والسياسية، ليس من طبيعة الأشياء فحسب ولكنه أمر مطلوب لا يوجد من دونه تفكير ولا مناظره فكرية. بيد أن هذا لا ينبغي أن الاعتراف بحق أصحاب الرأي في الاختلاف، وتشجيعهم عليه، كما نفعل نحن عادة مع المتعلمين، لا يعني القبول بنسبية مطلقة في المعرفة تحرم علينا انتقاد آرائنا المتبادلة، وإظهار ما يكمن فيها من عيوب نظرية أو ما ينجم عنها من عواقب سياسية. فتبيان ما ينجم عن مواقفنا واعتقاداتنا وطروحاتنا من نتائج عملية وما يعتورها من تناقضات محتملة تضعف تماسكها، هما في نظري جوهر أي حوار.

لكن المفيد في سؤالك الجديد الذي تقول تطرح فيه المسألة من منطلق لمن ينبغي أن تعطى الأسبقية، للديمقراطية ام للعلمانية، هو إبراز الخلفية الحقيقية لاختلاف المواقف والطروحات. وبالتالي إلقاء إضاءة عموم المناقشة الجارية، بعد أن تبين الآن بشكل واضح ما بقي كامنا خلال المداولات السابقة جميعا، أعني الإشكالية التي تصدر عنها الأسئلة التي لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد من نقطه الصفر. وكان من المفيد ربما البدء مباشرة بطرح السؤال : لماذا العلمانية أولا، وما يعني تقديمها على الديمقراطية أو جعل تحقيقها مدخلا لهذه الأخيرة أو شرطا لها؟ لو حصل ذلك لكنا وفرنا على القارئ وعلى أنفسنا جهدا كبيرا، وحققنا تقدما سريعا في توضيح المواقف والمنطلقات والمسبقات والمخاوف والعواطف التي تحكم الموقف النظري المعقلن لكل منا.

وبداية أقول، في معرض الجواب على سؤال الأولويات والأسبقيات، أنني لم أعثر، بعد زوال النظم الشيوعية والفاشية، على مثل هذا الطرح لمسألة العلمانية ولا لمسألة الديمقراطية في أي فضاء ثقافي أو سياسي، ولا في أي مجتمع من مجتمعات العالم العديدة. فمن المعروف أن العلمانية تعتبر بعدا من أبعاد الديمقراطية، يواكب تقدم الواحدة تقدم الأخرى، وليس لإحداهما أن تطلب الأسبقية، ولا أرى لهذه الأسبقية معنى. ولا أفهم كيف يمكن لمجتمع يرفض الديمقراطية ولا يتقبل فكرة التعددية السياسية نفسها أن يقبل التعددية الفكرية. مما يعني أن العلمانية التي تتحدث عن أسبقيتها على الديمقراطية ستكون حتما علمانية مفروضة بالقوة من قبل فئة حاكمة أو من قبل السلطة، وهو ما ذكرني بالنظم الشيوعية والفاشية. فأن تسبق العلمانية الديمقراطية يعني أن تكون أحد منتجات حكم الديكتاتورية والسلطة المفروضة بالقوة. وهو ما يطرح أسئلة عديدة. إذ لماذا ستهتم هذه السلطة الاستبدادية بالعلمانية، إذا لم يكن للعلمانية فائدة عملية على صعيد إعادة إنتاج هذه السلطة؟ وما الذي سيمنعها من أن توظفها من أجل إضفاء الشرعية على إعادة إنتاجها كسلطة استبدادية، أو لتبرير قمع القوى المعارضة لها؟ في هذه الحالة سوف ترتبط العلمانية لا محالة، كفكرة وكممارسة، بالاستبداد وبالنخبة الفاسدة الحاملة له، وتفقد مضمونها ومعناها ومبرر وجودها. فمبرر العلمانية هو إضفاء المشروعية على التعددية الفكرية والعقائدية، وإضفاء سمة النسبية على المعرفة بحيث يمكن لأصحاب الآراء المتباينة أن يتعايشوا سياسيا حتى لو لم يتفقوا فكريا. ومن هذه الزاوية تكمل العلمانية الديمقراطية وتشكل جزءا لا يتجزأ منها، فهي التي تضفي الشرعية على التعددية السياسية التي تقوم الديمقراطية على كفالتها وتحقيقها في الممارسة العملية. وما الفائدة من العلمانية إذا تحولت إلى سلاح لتبرير الديكتاتورية وفرض الرأي الواحد وحرمان الأفراد من حرياتهم الفكرية كمقدمة ضرورية لتكريس حرمانهم من التعددية التي تشكل شرطا لممارسة حقوقهم السياسية؟

ليس هناك تفسير لمثل هذا الموقف إلا من منطلق فهم العلمانية كراية للتحالف ضد القوى الإسلامية لا كإطار لضمان الحريات العقدية وتشريع التعددية الفكرية. وفي هذه الحالة تختلط العلمانية بالضرورة بالعداء للدين وتصبح دينا بديلا، وتدخل في تناقض عميق مع جوهر فكرتها الأساسية القائمة على الارتفاع فوق الأديان والمذاهب لتأسيس رابطة سياسية تجمع بين أصحاب الرأي والاعتقادات المختلفة والمتباينة، على أساس الخضوع للقانون الواحد، مهما كانت صور هذا الاختلاف الفكري وعمق هذا التباين.

هذا هو التفسير الوحيد لقبول فريق من العلمانيين وضع مصير العلمانية نفسها، بيد يدي سلطة استبدادية ترفض الانصياع لإرادة الشعب، وتسعى إلى إخفاء ديكتاتوريتها وراء قناع الدفاع عن العلمانية أو فكرة التعددية العقائدية، في الوقت الذي لا تقوم فيه، من حيث هي سلطه استبدادية، إلا بإلغاء حرية التعبير والاعتقاد، من ضمن إلغائها باقي الحريات السياسية. وفي الواقع كل ما نفعله هنا هو التضحية بالعلمانية وفكرتها الإنسانية العميقة على مذبح التحالف مع الديكتاتورية، في سبيل مواجهة القوى الدينية أو الحد من نفوذها.

ليس هناك ما يمنع أن نطرح للنقاش، من داخل مشروع الديمقراطية، ومن أجل ضمان تقدم مسيرته وانتصاره، صيغا مختلفة للعلمانية، وأن يظهر البعض تشددا لصالح العلمانية أو استعدادا للمواقف الوسط، على سبيل تحقيق أهداف سياسية عملية، مثل توسيع دائرة التحالف المعادي للديكتاتورية. وهذا من الأمور الطبيعية والمشروعة في كل مكان وزمان، طالما أن التحول نحو الديمقراطية مسألة عملية تفترض توافق القوى المجتمعية وتفاهمها، وتكوين أغلبية سياسية تتداول الحكم، ولا يمكن أن تتحقق بالإكراه. لكن أن تفصل العلمانية عن الديمقراطية وتطرح كبديل لها أو منافس لها، فهذا لم يحصل إلا عند هذا الفريق الذي تشير إليه بين المثقفين السوريين الذين يريدون بناء التاريخ السياسي والاجتماعي بأكمله على حسب أهوائهم وأمزجتهم ومخاوفهم وعصاباتهم وهواجسهم الشخصية والجمعية.

من هنا، بقدر ما تشكل الديمقراطية في نظري تأكيدا أو بالأحرى تحقيقا للعلمانية وتجاوزا لها من الناحية النظرية في الوقت ذاته، يشكل فصلها عن مشروع الديمقراطية وإبرازها كقضية خاصة قائمة بذاتها مستقلة عنها – فما بالك إذا صورت على أنها مناقضة لها ومتصادمة معها – دعما مباشرا لأصحاب السلطة القائمة الذين ليس لديهم اليوم حجة يتذرعون بها للحفاظ على النظم الاستبدادية سوى التخويف من سيطرة الأكثرية الاجتماعية المتدينة ومن الحركات والأحزاب الإسلاموية. والحال أن وجود هذا التدين وتلك الأحزاب المتطرفة ليس هو نفسه سوى ثمرة إغلاق آفاق الحوار والنقاش الحر في المجتمعات، وحرمان الأفراد من ممارسة حقوقهم الطبيعية، وفي مقدمها المشاركة في الحياة السياسية والمساهمة في تقرير مصيرهم الجمعي، التي تمكنه من إنضاج مواقف عقلانية والتصرف حسب معايير الحياة المدنية والسياسية الديمقراطية.

لا يعني ذلك أن الدعوة الديمقراطية في بلادنا قد استوعبت بالفعل القيم العلمانية. فليس لدى أحد منا أي وهم حول مخاطر وجود الحركات الإسلاموية المتطرفة على مستقبل الديمقراطية، ولا حول مساهمتهم الكبيرة في إعاقة نشوء وعي ديمقراطي مدني متحرر من قيم التمييز القبلي والطائفي. لكن علينا أن ندرك في الوقت نفسه أن تحقيق الديمقراطية ليس مسألة فورية، ولا يرتبط بنشر خطابها أو الدعوة لها. إنه مسألة عملية يتخذ تحقيقها وقتا طويلا ويحتاج إلى تربية سياسية ونشوء قوى منظمة مؤمنة بقيمها ومستعدة للتضحية في سبيلها. ولا يتوفر أي شرط من هذه الشروط بعد. وحتى يمكن التقدم في الديمقراطية والعلمانية معا، لا بد من العمل على نشر ثقافة ديمقراطية تؤمن بالتعددية وتشدد على احترام الرأي الآخر، وترسخ فكرة المواطنية في مواجهة فكرة الولاءات الطبيعية، وتؤكد على أولوية قانون السياسية مقابل قانون العصبية. ولا تستطيع الفكرة العلمانية التي هي جزء منها فحسب أن تلخص عناصر هذه الثقافة السياسية الديمقراطية جميعا وتعمق جذورها في الأوساط النخبوية والشعبية معا. وربما عملت بالعكس، عند فصلها عن مسألة الديمقراطية، ومطابقتها مع النظم الاستبدادية، ومن باب أولى ظهورها كحليفة لها، على قطع الطريق على نمو أي فكرة ديمقراطية. كما أن إظهار العلمانية كبديل للدين أو خصم له، من قبل بعض الأوساط المتطرفة ربما في عقلانويتها، كرد فعل على ممارسات الحركات الدينية المتعصبة، يرسخ الانقسام داخل المجتمع على أساس العقيدة والهوية والانتماء، على حساب التقسيم السياسي الذي يعيد بناء القوى والتحالفات على أساس البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وبالعكس، بمقدار ما ننجح في نشر ثقافة ديمقراطية فعلية، نضيق نطاق عمل الثقافة التقليدية، والطائفية والقبلية، ونضمن بالتالي انتشار قيم العلمانية الصحيحة، كما نضمن بروز تكتلات وقوى اجتماعية وسياسية جديدة قادرة على تغيير الوقائع نفسها في المستقبل، وليس الاكتفاء بترديد الأفكار والشعارات، أو تحويل العلمانية والديمقراطية إلى ثقافة غيتوية معزولة في محيط من العداء والاستعداء. لا يعني هذا رفض حق فريق من المثقفين في الدفاع عن طروحات مناهضة للفكر الديني بالمطلق، ومكافحة من أجل تسويد الفكر العقلاني، كما تتصوره، نقيضا للفكر الديني. إنما لا أعتقد أن مثل هذه المصادرة التاريخية للفكرة العلمانية سوف يساعد كثيرا أصحاب الطروحات التنويروية على تحقيق مكاسب أكير، في الوقت الذي من المؤكد فيه أن ذلك سوف يضيق من فرص تفهم العلمانية واستيعابها من قبل أغلبية الرأي العام بوصفها إطارا لتعايش الأفكار والآراء والمذاهب المختلفة والمتنازعة.

وبالمقابل لا يمكن لفصل العلمانية عن الديمقراطية إلا أن يزيد التشكيك في هدف أصحابها، ويضعف صدقيتها ويضرب مشروعيتها. ولا يمكن لهذا الفصل ألا يذكر بما حصل في إطار النظم الشيوعية والقومية التي أخفت وراء شعار الدفاع عن حرية الاعتقاد وتقديم القيم المدنية على القيم الدينية، سياسات شمولية قامت على تأكيد مبدأ الحزب الواحد والرأي الواحد، واعتمدت للحفاظ على بقائها على تجريد الأفراد عمليا من جميع حقوقهم الفردية والجمعية، المدنية والسياسية.

باختصار، لا تشكل العلمانية من دون الديمقراطية ضمانا للحريات وإنما قد تشجع بالعكس، باسم محاربة الجهل والتعصب والتدين، على قبول مبدأ الإكراه في الرأي والعقيدة والسياسة. وهو ما دلت عليه التجربة التاريخية القريبة في أكثر من مكان ومنها بلداننا بالذات.

من هنا، إذا كان تبني شعار أسبقية العلمانية على الديمقراطية نابع من رؤية إستراتيجية تتوخى السبيل الأفضل لتحقيق الديمقراطية فهي رؤية خرقاء، لأنها تقود إلى عكس ما تنشده تماما. إما إذا كان نتيجة الاعتقاد بأن من غير الممكن ضمان تقدم مسار الحداثة، في مجتمع جاهل ومتخلف تحكمه العقائد والعواطف الدينية أكثر من أي شيء آخر، من دون الإكراه وفرض القيم الحديثة، ومنها العلمانية، بالقوة، فهو الطريق الأمثل لتجريد العلمانية من أي قيمة وتحويلها إلى خطاب للقهر والقمع والاستبداد، وبالتالي تقويض أركان الخيار الديمقراطي نفسه من الأساس لصالح توسيع دائرة انتشار الفكرة الدينية واستبدادها بالعواطف والعقول بوصفها تعبيرا عن الهوية والذاتية والخيار الحر للأفراد في مواجهة السلطة العاتية وخطاباتها “الأجنبية” المعادية والعدوانية معا.

قد يبدو هذا صعب الفهم من قبل جيل جديد من الشبان اكتشف للتو أدبيات الأنوار الأوروبية ونقدها الشديد للدين، فأصبح يعتقد أن من دون هذا النقد ما كان لأوروبة أن تتحرر من السلطة المطلقة والاستبداد. كان هذا صحيحا في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر بل والتاسع عشر، عندما كان الدين يسيطر بقوة على حياة المجتمعات ويشكل وعيها ويلعب بمشاعرها، وكانت الكنيسة المنافس الحقيقي والقوي للدولة الناشئة على هامش صعود البرجوازية كشرط إنتاج وطبقة وثقافة أيضا. بيد أن الوضع اختلف تماما اليوم، وأصبحت التنويرية في نظري كمن يعيد اختراع البارود، بعد أن تحولت الحداثة، نظاما إنتاجيا وتكوينا طبقيا وثقافة حية، إلى حقيقة مسيطرة، وأجبرت الفكر الديني في كل مكان، بما في ذلك في بلادنا الإسلامية، إلى التمسح بقيمها توسلا للحفاظ على البقاء. فهو لم يكن ضعيفا هشا مفتقرا للصدقية والمكانة والسطوة كما هو الآن، لدرجة أصبح المسلمون المتهمون بالتعصب والجمود يفتشون في النصوص المقدسة عما يشبه النظريات العلمية لإثبات موافقة الفكرة الدينية للعقل وبالتالي لتأكيد صدقيتها وصلاحها. هكذا أصبحت فكرة التنوير في نظري خدعة أكثر مما هي حقيقة. فوحدهم العائشون خارج العالم، في منعزلاتهم الفكرية، يعتقدون أن تمسك النخب أو بعضها بالعقائديات الدينية، أو إنفاق ملايين الدولارات على القنوات الفضائية الرسالية، أو تشكيل الميليشيات الطائفية، هو ثمرة ايمان ديني، أو إخلاص لرسالة وتمسك بشرع. ففي جميع هذه الظواهر ليس الدين إلا قناعا يخفي تحته المصالح المادية والدنيوية المبنية على حسابات عقلية، منفعية، ميكيافيلية بالمعنى العام الشائع، أي السوقي، للكلمة: الغاية تبرر الوسيلة. وكما لم يعد بإمكان الفكر الديني التقليدي السائد، بما في ذلك فكر الإسلامويين المحدثين، أن يلهم حرية أو مساواة أو إبداعا، بعد ظهور فكر الحرية والمساواة والتجديد، لم يعد بإمكانه أيضا بناء أي سلطة عمومية، منظمة، ثابتة، ومستقرة، أي دولة، سواء أكانت ديمقراطية أو استبدادية. لقد فقد هذا الفكر أي صلة بالواقع الحي وأي مقدرة على النفاذ إليه والتعامل معه. ولهذا كانت نتيجة سيطرة الأحزاب التي استلهمت الفكر الديني السائد، وسعت إلى تطبيقه في عصرنا هذا، تفكيك الدول وتدمير السلطة العمومية المركزية لصالح سلطات شبه إقطاعية يتحكم بها أمراء الحرب وميليشياتها، وتقود لا محالة إلى فوضى عامة في جميع البلاد التي خضعت لها. وأفضل مثال على ذلك الصومال وأفغانستان والسودان الذي كاد أن يتفكك، ولا يزال ضحية الحروب الأهلية والقوى الانفصالية. أما البلد الوحيد الذي نجحت فيه سلطة تقوم على الفكر الديني بالبقاء والاستمرار ، فهي إيران، التي حافظت فيه السلطة الدينية على المؤسسات الحديثة وركبت عليها، أي بقدر ما فعلت ذلك، محدثة ما يشبه ازدواجية السلطة المتقاسمة بين البرلمان المنتخب وولاية الفقيه. لكن حتى هنا ليس هناك ما يمكن أن يستحق المدح. فقد هبط الناتج القومي الإيراني منذ قيام الجمهورية الاسلامية بأكثر من 30 بالمئة، بينما يعيش أكثر من 30 بالمئة من السكان، وبعض المحللين يرفع الرقم إلى 50 بالمئة، تحت خط الفقر، في الوقت الذي يعيث فيه أنصار النظام، من حرس الثورة وميليشياتها وشبكات المصالح المرتبطة بالهيئات الدينية الراعية للنظام، فسادا يتجاوز ما عرفته في وقتها النظم الشيوعية.

هذا ما يجعلني أعتقد أن الحل التيوقراطي، أي المرتبط بسلطة رجال الدين، أو من يتشبه بهم ويحل محلهم، من أمراء الجماعات والفرق وخلفائها، مهرب يلجأ إليه الناس عند غياب الحلول الأخرى او انعدامها، وليس خيارا قائما على أسس عقلية أو حتى عاطفية. مما يعنى أن الطريق الوحيدة الصالحة لمواجهة خيار الفوضى هذا هو بناء البدائل السياسية القادرة على تجميع البشر وتوحيد مرجعياتهم السياسية أو قيمهم المرجعية، ومن ضمنها العلمانية، ولا يمكن أي يتحقق ذلك إذا فهمت العلمانية كفكرة معادية للدين. فبهذا وحده يمكن بناء قطب ديمقراطي سياسي قادر بالفعل على بلورة مشروع مجتمعي قابل للتحقق والحياة بمقدار ما هو صالح لاستقطاب قطاعات الرأي العام الواسعة والاستجابة لمطالب القوى الحية فيها. من دون ذلك ليس من الغريب أن نجد أنفسنا، كما هو حالنا منذ عقود، أمام الخيار الذي يعدنا به أصحاب الأسبقية العلمانية، أعني بين سلطة الاستبداد الدائم أو فوضى الميليشيات الإسلاموية الزاحفة، وهما يتعايشان في الواقع الحاضر، ويكمل واحدهما الآخر، حتى في نزاعهما المستمر من أجل السلطة. فبالتطرف الإسلاموي ونفيه الرأي الآخر، ينتعش الاستبداد ويبرر نفسه بوصفه رأيا آخر مواجها وواحديا أيضا، ويجمع من حوله قطاعات الرأي الخائفة من المشاريع الإسلاموية. ومن هنا تلويحه بالعلمانية من دون التصريح فيها. وبالاستبداد والعنف المرتبط به يتحول التمرد الإسلاموي إلى مرجع للحرية والهوية والاستقلال عند قطاعات الرأي الأخرى التي لم تبق لها النخب المفترسة، على مستوى الحياة اليومية والوجود الحاضر، ما يربطها بعالم الحداثة وقيمها الحقيقية. لا يخفف هذا من الحكم السلبي على الفكرة الإسلاموية ونظرياتها السياسية والجهادية ولكنه ضروري لتفسير ما نشهده اليوم من مفارقات ومن تحولات لا عقلانية.

تسأل، على لسان هؤلاء: إذا لم يكن الدين هو سبب الاستبداد، فما هو السبب؟ هنا أيضا أجد أن هناك تثبتا غريبا على مواقف عصر الأنوار ومسبقاته. فمسألة الاستبداد والديمقراطية تبدو هنا وكأنها مسألة مرتبطة بالعقل وما يفيض به من أنوار على البشر، فيصلح حكامهم ويحسن أحوالهم. بيد أن هذا الموقف يقوم على التضحية بقرنين كاملين من البحوث في العلوم الاجتماعية التي راكمت، بالرغم من أنها لا تزال بعيدة عن أن تسبر أعماق المجتمعات البشرية وتبني قواعد تغيرها وتحولاتها، كما من المعارف في هذا الخصوص لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، أو التقليل من قيمته في فهم عمليات التغيير، وفي مقدمها التغيير السياسي.

إن الاستبداد السياسي الذي يقهر المجتمعات العربية اليوم لا يستمد شيئا تقريبا من الدين، لا في نظام شرعنته، ولا في وسائل قمعه، ولا في تنظيم مؤسساته، ولا في تصميم مفهومه. إنه نظام قائم على بث الرعب والخوف عند السكان، انطلاقا من مبادئ وقواعد عمل، واستنادا إلى مؤسسات ولدت وترعرعت في التجربة السياسية الحديثة، الفاشية والشيوعية والقومية معا، من ديكتاتورية عسكرية وأحزاب واحدية أو شبه واحدية، وأجهزة أمنية، وإجراءات قانونية، ووسائل تكنولوجية، وقواعد اجتماعية زبائنية، وشرعنات علمانية أو شبه علمانية، جميعها حداثوية الطابع والخطاب.

لا يمنع هذا بالتأكيد النظم الاستبدادية أو بعضها من استخدام الدين كوسيلة إضافية، وفي الواقع ثانوية، من وسائل القمع، سواء أكان ذلك على صعيد الخطاب، أو على صعيد استعمال حركات ومنظمات دينية قائمة، أو التلاعب بعواطف الجماعات الدينية، لتحقيق أهداف سياسية مباشرة. وقد تتحول التعبئة الطائفية إلى وسيلة رئيسية في ضمان بقاء النظام في حالات الأزمات القصوى. فليس لدى النظم الاستبدادية حصانة تمنعها من أن تستخدم تكتيك الحرب الأهلية، المعلنة أو الكامنة، والحرب الطائفية أحد أشكالها، من أجل حرمان المجتمع من إمكانية بناء قوة ذاتية وبلورة إرادة استقلالية وواحدة تقف في مواجهتها. وهذا ما شهدناه في العديد من الدول الأفريقية التي عاشت حروب التطهير العرقي، وخاضتها لصالح السلطات الغاشمة.

وفي جميع الحالات، وبالرغم من أن أعدادا كبيرة من أعضاء الطوائف شاركت في حروب التطهير هذه، لا تبرز الطائفية إلا بالارتباط بنخب سياسية لديها مشروعها الخاص للسلطة، وتعرف كيف توظف التعبئة الطائفية في هذا المشروع. فمن دونه ليس لا تستطيع الطائفية أن تبني أي مشروع سياسي خاص. لا تلغي مسؤولية النخب، التي هي بالتأكيد رئيسية وحاسمة، احتمال اشتراك أعضاء من الطائفة، إلى هذا الحد أو ذاك، في مشاريع الحفاظ على السلطة أو القتال دفاعا عنها. وإلا لم يعد للتعبئة الطائفية معنى، ولا تعود هناك قيمة لمفهوم الطائفية نفسه كأداة في التحليل السياسي. لكن لا يخرج هذا الولاء الطائفي الجزئي أو الكلي لزعامة سياسية عن مفهوم الاستخدام السياسي للدين، ولا يجعل من الطائفة، بوصفها تجمعا دينيا أو قبليا، مصدرا طبيعيا للنزاع أو للاستبداد. فما لم توظف علاقة الألفة الدينية أو القرابية، التي تؤسس للجماعات الدينية والأقوامية المتميزة، في مشروع سياسي، وتدخل عنصرا في إستراتيجية الصراع على السلطة التي تسعى من أجلها نخبة سياسية “علمانية”، تظل هذه العلاقة علاقة مدنية، تعنى بتحقيق أهداف مشتركة وخاصة بالطائفة، ولا تتخذ أي قيمة سياسية. مما يعني أنه لا دور للجماعة الدينية بوصفها كذلك في تكوين الطائفية السياسية. ولا تمارس هذه الجماعة أي دور وليس لديها مسؤولية من حيث هي جماعة دينية، أي في حدود ممارستها الدينية، وتضامن أفرادها، في المشروع السياسي الذي يستخدم الطائفية. وعندما تدخل في الطائفية، جزئيا أو كليا، وهذا مستحيل، لا تعود الجماعة الدينية جماعة دينية، وإنما تتحول إلى حزب سياسي مقنع بالدين أو المذهب. ولذلك تنقسم بالضرورة وتصبح الفئات الملتحقة بالنخبة السياسية منها، جماعة أخرى، أي جماعة سلطة، أو طالبة سلطة ومصالح دنيوية.

من هنا كنت أرفض دائما أن يستخدم وجود التعدد الديني والمذهبي داخل أي مجتمع كمحور لتفسير الصراع السياسي الطائفي. أما القول إن هذه التعددية لو لم توجد لما كانت هناك إمكانية لنشوء النعرة الطائفية فهو غير صحيح أيضا، لأن الأصل في الانقسام المذهبي في الأصل، كما يبين لنا التاريخ ذلك، هو النزاعات السياسية. هذا ما حصل فعلا في التاريخ الإسلامي. فلم تنشا المذاهب المختلفة إلا في سياق الصراع على السلطة وبالتوازي معه. فالصراع على الموارد والمواقع والأدوار هو الذي يخلق التعددية المذهبية داخل الدين الواحد، وهو الذي يحول الجماعة المذهبية، أو يعيد فرزها، ومن ثم تكوينها، على شكل حزب سياسي.

وهذا ما يدفعني أيضا إلى عدم المطابقة بين الطائفية التي تعرفها سياستنا العامة اليوم والنزاع بين التيارات الفكرية والدينية المختلفة التي شهدها التاريخ الإسلامي، ورفض النظر إلى هذه الأخيرة كنزاعات طائفية بالمعنى ذاته الذي نستخدمه اليوم. فلم يكن نصاب السياسة قد انفصل في ذلك العصر عن نصاب الدين. وكان الصراع السياسي يأخذ بصورة شرعية صورة الصراع الديني، بل ما كان من الممكن أن يأخذ صورة أخرى. وكان حسم الصراع، أي بناء السلطة والسيطرة السياسية، ومن وراء ذلك بناء الدولة الإمبراطورية ذاتها، لا يتحققان من دون تكريس عقيدة العصبية المنتصرة وشعاراتها. فهذه هي علامة الانتصار ومكافأة المنتصر معا. وهذا هو الوجه الآخر لقانون الفتح الذي حكم تكوين الدول والسلطنات الماضية، كما تجسده أفضل تجسيد الفتوح الإسلامية والمسيحية التي جرت تحت رداء الدين، وكانت في أصل قيام الإمبراطوريات الكبرى والسلطنات. وإذا كانت العصبية الغالبة هي مصدر القوة والسلطنة، فإن ملك العرب لا يستقيم، كما ذكر ابن خلدون، من دون ربط العصبية بالدين.

ولأن سيطرة المذهب أو الدين كانت هي قانون بناء الدولة السلطنة، فقد كانت الحروب الدينية حروبا سياسية، لا تحديا للسياسة ولا اختراقا لمبدئها ومفهومها. وكان الغالب بين العصبيات الدينية أو القبلية هو الذي يشكل السلطة ويخضع العصبيات الأخرى، ومن دون سيطرته لا تكون دولة ولا سلطة مركزية.

لكن الأمر مختلف مع الجمهورية والدولة الوطنية التي قامت على أساس فصل نصاب السياسة عن نصاب الدين وفتح فضاء خاص ومستقل للصراع على السلطة خارج حيز الدين ونطاقه. ولهذا فإن السياسة لا تتحقق هنا ولا تنجح الدولة في التكون والاستقرار، من حيث هي دولة سياسية، أي دولة مواطنين، إلا بعكس ما كان يحصل في الدولة السلطانية، أعني في بناء الأفراد كمواطنين متساوين لا كأخوة في العشيرة أو الدين. وأي اختراقات من قبل العصبيات الدينية أو القبلية للدولة والسياسة تلغي المساواة وتقضي على منطق اشتغال السياسة كبرنامج دولة المواطنية وطريقها للتحقق وكسب الشرعية. فلا يمكن ضمان المساواة بين الأفراد. والحفاظ على حرياتهم الشخصية، المدنية والسياسية، من دون تحييد العصبيات التقليدية أو اللاسياسية أو منعها من التأثير. فسيطرتها على الفضاء السياسي الحديث يحول الدولة إلى دولة سلطانية جديدة، بقدر ما يحيد السياسة بوصفها حاصل مشاركة الأفراد كأفراد، أحرار ومتساوين، في تقرير الشؤون الجماعية، ويضع الدولة وسلطتها العمومية رهين إرادة التكتل العصبوي الذي يسيطر عليها. الطائفية هنا تصادر السياسة وتخرب منطقها العميق، ولا يمكن أن تتعايش معها.

هكذا ما كان يشكل أساسا لبناء الدولة والسلطة الإمبراطورية التقليدية، أي قوة العصبية الدينية والقبلية، أصبح عاملا في تقويض الدولة الوطنية والمواطنية وتخريب قيمها ومقومات وجودها بوصفها دولة المواطنين والأفراد المستقلين.

أما عن المقارنة بين الطائفية والعصبية القبلية، فربما كان العكس هو الصحيح. وتاريخ العرب أكير دليل على تفوق العصبية القبلية والعشائرية على مشاعر الولاء للجماعة الدينية. فلم يمنع الحماس الديني في عهد الدعوة نفسها من بروز النعرة القبلية وتقدمها على الرابطة الدينية. وقد فسر العديد من الباحثين والمؤرخين، في مقدمهم ابن خلدون، نجاح الأمويين على الهاشميين بقوة العصبية الأموية على العصبية الهاشمية. وكان خالد بن الوليد يوزع قواته في معارك الفتح الإسلامي، وكانت هذه إحدى تكتيكاته العسكرية الناجحة، حسب انتماءاتهم القبلية حتى يضمن أشد درجات التضامن بين المقاتلين. وقد نجحت العصبيات القبلية في الحفاظ على نفسها وسيطرت على قسم كبير من الجزيرة العربية وبلاد الشام والمغرب إلى وقت قريب، بالرغم من مرور قرون طويلة على المدنية الإسلامية التي كانت بالأساس مدنية مدينية تجارية وعسكرية. ولا تزال هي الحاكمة من وراء مظاهر الدين الشكلية في دول شبه الجزيرة العربية كافة.

أمّا في ما يتعلّق باستئصال الطائفية فليس هناك حلّ سوى إعادة بناء وعي الأفراد وإدماجهم في منطق الحياة السياسية الحديثة المرتبط بالدولة. وشرط ذلك بناء الإطار الذي يسمح بنموّ الفردية المسؤولية وتطوّر معنى المواطنية، أي تحويل الدولة القائمة بالفعل إلى دولة مواطنيها، بدل أن تكون قوّة مفصولة عنهم ومفروضة عليهم تهدف إلى خدمة القائمين عليها، وتحقيق تفوّقهم المادّي والمعنويّ، أي تعيد توزيع الناس وتقسيمهم بين سادة حاكمين ومسيطرين وعبيد خاضعين ومقهورين. فبمقدار بناء العلاقة داخل الدولة كعلاقة مواطنية يتراجع النزوع لإعادة إحياء العلاقات بين الأفراد كولاءات وانتماءات دينية. وما لم تنشأ المواطنية كوضعية قانونية وسياسية واضحة وملموسة داخل الدولة، وما لم تشجّع بُنى الدولة والسلطة، والفكر السائد، على بناء مفهومها وتجسيده في الواقع، لن يكون من الممكن التغلّب على نزوع الأفراد إلى إحياء الروابط ما قبل الوطنية، الدينية والمذهبية والقبلية، والرهان عليها لضمان حدّ أدنى من التضامن والتواصل والتكافل. فلا تستطيع المجتمعات أن تعيش في الفراغ مفتقرة لأيّ مبدأ ناظم أو منظومة قيم أو قواعد وأصول مرعية تجمع بين الأفراد وتقربهم بعضهم من بعض. ولا يعني الفراغ شيئا آخر سوى الحياة في الفوضى والاقتتال والعدوان الشامل. إنّ اللجوء إلى المرجعية الدينية لتأسيس العلاقات الاجتماعية يتزايد طردا مع تراجع المواطنية كممارسة حقيقية، ومع افتقاد مرجعيتها السياسية الحديثة صدقيتها ورصيدها.

والقصد أنه لا توجد أي ضمانات نهائية كي لا تحصل في أيّ نظم، بما في ذلك الديمقراطية منها، اختراقات طائفية، لكنّ هذه الاختراقات ليست حتمية. ولو حدثت، لن تكون بالضرورة على قدر من القوة يسمح لها بتخريب منظومة السياسة المواطنية إذا قامت فعلا. يتوقف الأمر على تطور ممارسة النخب الاجتماعية وقبول أكثرها العمل ضمن قوانين السياسة ومنطقها، والتسليم بقاعدة سلمية وقانونية للتداول على السلطة. وقبل ذلك قبول النخب الخضوع في سلوكها العمومي لقواعد قانونية، أي تخليها عن منطق السلطة/الغنيمة وتمثلها لمفهوم السلطة/الوظيفة الاجتماعية، أو السلطة/المسؤولية، التي تختلف كليا عن السلطة التي تستخدم وسيلة للارتزاق ومراكمة الثروة والجاه والنفوذ. فالأمر يرتبط إذن بنضوح النخبة وتحولها بالفعل إلى نخبة سياسية وقيادة اجتماعية. وهذه معركتنا الرئيسية في طريق بناء النظم الديمقراطية، أي النظم القائمة على قيم الحرية والعدالة ومبادئ حقوق المواطن والإنسان. وعكسها النظم الاستبدادية التي تخضع لمنطق القوة الغاشمة، ويحكم فيها من يظهر مقدرة أكبر على مراكمة العنف واستخدامه.

من هنا تنبع الحاجة إلى الديمقراطية ليس بوصفها نظاما جاهزا ومتكاملا، وإنما منهجا في التعامل داخل مجتمعات تعددية، وطريقة في التوصل إلى إجماعات تفضي إلى إنضاج وعي مشترك، وإلى بناء ثقافة حقوقية وقانونية وسياسية تقطع مع ثقافة القهر والإخضاع والإكراه. ولا يمكن التغلب على احتمالات الاختراقات الطائفية، القبلية أو المذهبية، إلا بقدر ما يهجر أعضاء النخبة الاجتماعية استقالتهم الأدبية، ويقبلون الانخراط في الكفاح من أجل عملية التحويل الديمقراطي لمجتمعاتهم، ويعترفون في الوقت نفسه بأسبقية السياسة والاحتكام لقانونها ومنطقها في الشؤون العامة على التبشير الفكري والعقيدي، سواء أكان موضوع التبشير العلمانية أو المذاهب الدينية. ولا يمكن للسياسة أن تكون مرجعا مشتركا للنخبة الاجتماعية ما لم يصبح تحرير الإنسان غاية العمل العمومي بدل قهره وإخضاعه وضمان السيطرة عليه وركبه لتحقيق مآرب خصوصية، دنيوية أو دينية، أي ما لم تصبح قيم الحرية والمساواة المرتبطة بها ذات أسبقية في منظومة قيم النخب الاجتماعية على كل ما عداها.

{{[* لؤي حسين:*]}}

لست أنا من يطرح مسألة الأولوية بين الديموقراطية والعلمانية، فأنت تعرف أنها مسألة مطروحة بقوة في الجدال العربي، أو أقلّه السوري؛ وأنت أحد أطراف هذا الجدال والسجال القائم بين الطرفين.

وجميعنا يعرف أنّ هذه المسألة ليست مطروحة بهذا الشكل في أيّ فضاء ثقافي أو سياسي آخر؛ لكن هذا لا يحرمها شرعية الوجود، خاصة وأنها موجودة وليس الأمر دعوة لإيجادها.

والطريف في هذه المسألة أنها استحالت إشكالية من ناحية أن كل فريق يعتبر أن المقولة الثانية متضمنة في مقولته.

لنعود إلى متن جوابك السابق. أنت تقول “إنّ العلمانية التي تتحدث عن أسبقيتها على الديمقراطية ستكون حتما علمانية مفروضة بالقوة من قبل فئة حاكمة أو من قبل السلطة… (إلى آخر الفقرة)”، ألا ينطبق هذا أيضا على الديموقراطية؟ كيف يمكنك تصوّر قيام نظام ديموقراطي في مجتمعاتنا – في وقتها الراهن – لا يكون مفروضا من السلطة، أو بالحدّ الأدنى برعاية وقيادة السلطة، وأن تكون لها المصلحة الكافية لمباشرتها؛ اللهم إلا إن كانت هذه الديموقراطية هي فقط عبارة عن انهيار السلطات المستبدّة واللجوء إلى انتخابات حرّة؟ مع اعتقادي أن هذه النقطة التي تتعلق بآليات وسياقات تحقيق الديموقراطية هي التي ولّدت مشكلة الأسبقية، وليست وليدة خلاف نظري. فالمشكلة تخص واقعا اجتماعيا متعيّنا.

واستنادا إلى هذه النقطة أوافقك الرأي بأنّ الطرح العلمانيّ، أو التحزّب العلمانيّ إن شئت، هو موقف بمواجهة التيّارات الإسلامية السياسية. غير أني أرى أن هذا نصف المشهد، فمسألة وضع العلمانية والديموقراطية في مواجهة بعضهما هي مسألة بقضها وقضيضها واقعة داخل الحقل السياسي المحض، على الرغم من جميع المحاولات – في سوريا على الأقل – لإعادة تنزيلها داخل الحقل النظري والثقافي. فالاتهام الذي توجهه إلى شريحة من المثقفين السوريين معتبرا إياهم بأنهم يطرحون العلمانية بديلا عن الديموقراطية (وهذا لا علم لي به) وأنهم بمطلبهم العلماني إنما يقدمون “دعما مباشرا لأصحاب السلطة القائمة الذين ليس لديهم اليوم حجة يتذرعون بها للحفاظ على النظم الاستبدادية سوى التخويف من سيطرة الأكثرية الاجتماعية المتدينة ومن الحركات والأحزاب الإسلاموية”، فهؤلاء من ناحيتهم يوجهون نفس الاتهام إلى الطرف الآخر (الذي تمثله أنت في هذا الحوار) بأن مواقفهم وطروحاتهم تخدم التيارات الإسلامية التي هي أكثر استبدادا من السلطات، أو مثلها على أقل تقدير.

أرجو أن تسمح لي في هذا السياق أن أكون بموقع المدافع عن موقف تلك الشريحة “العلمانية”، بغضّ النظر إن كنت أوافقهم الرأي (وأنا كذلك)، مدّعيا أنّي أعرف بعضا ممّا يطرحون ومطّلع على بعض ما يقلقهم.

تقول في جوابك السابق “إنّ تحقيق الديمقراطية ليس مسألة فورية، ولا يرتبط بنشر خطابها أو الدعوة لها. إنه مسألة عملية يتّخذ تحقيقها وقتا طويلا ويحتاج إلى تربية سياسية ونشوء قوى منظمة مؤمنة بقيمها ومستعدة للتضحية في سبيلها. ولا يتوفّر أيّ شرط من هذه الشروط بعد. وحتى يمكن التقدم في الديمقراطية والعلمانية معا، لا بدّ من العمل على نشر ثقافة ديمقراطية تؤمن بالتعددية وتشدد على احترام الرأي الآخر، وترسخ فكرة المواطنية في مواجهة فكرة الولاءات الطبيعية، وتؤكد على أولوية قانون السياسية مقابل قانون العصبية”. إنّ جلّ هذا القول يدخل – إذا جاز لنا الفصل – في متن خطاب أولئك العلمانيين، ولا أعرف منهم من يقول خلاف ذلك؛ بل أعتقد أن موقفهم العلماني نابع (خلافا لما تراه) من خشيتهم على تحقيق الديموقراطية، ومن تخوّفهم من الوقوع فريسة “ديموقراطية المرّة الواحدة” التي يمكن أن تنجم عن تمكّن “الولاءات الطبيعية” على حساب تنامي “فكرة المواطنية”، خاصّة مع غياب أي دور طليعي للنخب الثقافية، وخاصة الديموقراطية منها، وعجزها عن لعب أي دور في الوقت الحالي في التأثير بمجرى العملية الديموقراطية، فكيف إذا كانت الحاجة لأن تقود هذه النخبة تلك العملية.

لم أقع على مثال واحد في كل كلامك في حوارنا هذا أو في مكان آخر تدلّل فيه على موقف للتيار الآخر (العلماني) بأنه يدعم السلطات المستبدة أو يؤيدها في استبدادها، بل كلّ موقفك منه يقوم على أنه بموقفه المناهض للتيارات والقوى الدينية إنما يخدم أو يتحالف مع السلطات المستبدة؛ وموقفك هذا ليس أكثر من هجاء أخلاقي يراه البعض غيرة على القوى الإسلامية السياسية. فعلى فرض أن الجميع يختار موقفه بين قطبين سياسيين مهيمنين: سلطات مستبدة وقوى إسلامية معارضة (وأنا أرى كليهما طرفا في النظام الاستبداديّ)؛ فأمام هذه المفاضلة المرة يرى التيار الآخر أن السلطات رغم استبدادها الغاشم ما زالت تتيح، أو لا تمانع، وجود تنوّع في حرية المعتقد بما في ذلك عدم التدين أو الإلحاد، ولا تمنع آفاق الإبداع الفني: الرواية والشعر والتمثيل والتشكيل والموسيقا والرقص… الخ؛ وفي مقابل ذلك يشعر بتخوف، مشروع، من أن التيارات الإسلامية المطروحة على الساحة السياسية والثقافية إضافة إلى كونها تشكل خطرا حقيقيا على هذه الجوانب، فإنها لا تقل استبدادا عن السلطات، ما لم تكن أفظع منها، إذ ما زالت لحد الآن تقول بالحاكمية الإلهية وبتمييز المرأة، هذا على أقل تقدير.

أما أنت فإنك لا تجد قلق التيار الآخر مشروعا، بل لا تبدي الكثير من القلق من صعود القوى الإسلامية، بل في أغلب الأحيان ما إن تأتي على ذكر هذه القوى حتى تسارع إلى التذكير بأنها نتاج أو “ثمرة” ممارسات السلطات الاستبدادية (وهذا لا يخالفك فيه حتى بعض أهل السلطات)، لكن لماذا لا يكون موقفك من هذه “الثمرة” كموقفك من جميع “الثمرات” الأخرى: الطائفية، والعلموية، والعلمانوية، والشمولية، والعسكرتارية، والتغول… الخ؟

دعني أقلْ كلاما مباشرا: أنا لا أجد أيّ مبرّر لعدم الوقوف، بقوّة وشدّة، في مواجهة التيارات الإسلامية (دوما المقصود بها السياسية) إذا ما أراد واحدنا النهوض بحال وطنه ومجتمعه والذهاب به إلى طور الحداثة: الحريات، والديموقراطية، والعلمانية، والمواطنية، وحقوق الإنسان. فمواجهة هذه القوى هي مواجهة صريحة وجريئة للاستبداد لما تمثله في أيديولوجيتها ومرجعياتها وممارساتها من تعبير سافر لإعادة إنتاج نظام استبدادي على خلفية دينية. وبالتالي فإن صراعها مع السلطات الحاكمة ليس أكثر من صراع على تمثيل الاستبداد لا أكثر، ولا يغير من صورتها هذه ما تنسبه لها من أنها ذات جذور شعبية أو أنها إرادة الشعب أو ردّ فعل الشعب على التهميش والاستباحة، إلى آخر ما هنالك من الصفات التي ترفع عنها أية مسؤولية. لكن حتى لو كانت بريئة من صنع ذاتها أو تشكلت من رد فعل شعبي هل يمنعنا هذا من مواجهتها إذا ما رأينا أنها تشكل خطرا على مستقبل مجتمعاتنا وأفرادنا، خطرا قد يزيد أو يقل عن خطر السلطات الحاكمة؟ أما الخشية من أن الوقوف بمواجهتها يجعلنا خدما للسلطات في استبدادها، فهذا يعود بنا إلى نظرية الخندقين السياسية سيئة الذكرى.

في هذه النقطة أرجو لو توضّح لي موقفك ورأيك من التيارات الإسلامية، دون التركيز على ظروف نشأتها ومَن وراء هذه النشأة. وأن توضّح ما هو الموقف الصحيح من وجهة نظرك الذي يجب أن يأخذه الآخرون منها؛ ويمكننا أن نكون أكثر تحديدا في نظرتنا إلى هذه التيارات إذا ما أخذنا جماعة الإخوان المسلمين كمثال عنها على اعتبار أنّ الجماعة هي الأكثر وجودا وانتشارا في غير بلد عربي والأكثر نضوجا بين التيارات المماثلة.

أعود الآن إلى جوابك السابق وسأحاول أن أتتبع معك بعض فقراته، معتذرا عن الإطالة لتصوري أن هذا سيكون السؤال الأخير.

تقول إنّ بعض الأوساط المتطرفة في عقلانويتها تقدم العلمانية كبديل للدين أو خصما له. أعتقد أن هذا الأمر قد ذهب منذ زمن، ولا أعرف الآن جهة واضحة (إن كنت تعرف أرجو أن تفيدني) تقدم هذا الطرح، اللهم إلا مَن يطرح العلمانية بديلا عن الدين السياسي. وتقول إن هذا الطرح يأتي “كرد فعل على ممارسات الحركات الدينية المتعصبة” ليرسخ “الانقسام داخل المجتمع على أساس العقيدة والهوية والانتماء”. ما العيب وما الضير في مثل هذا الانقسام؟ أليس هو محور الصراع على المواطنية التي لا تقوم للديموقراطية قائمة من دون تحققها يقينا في أذهان الناس وقانونا في مؤسسات الدولة. أولست أنت من رواد دعاة طرح المسألة الطائفية ومواجهتها في ساحات العلن؛ أليس التصدي للتعصب الديني يضارع التصدي للطائفية؟ أم أن الطائفية أو الممارسة الطائفية تخص طائفة “مسيطرة” في بعض أنظمتنا العربية، أما التعصب الديني فهو يخص الطائفة المغبونة الحق السياسي؟ والملفت في قولك هو تحميلك مسؤولية ذاك الانقسام إلى أطراف “متطرفة بعقلاتويتها” وترفع ذات المسؤولية عن “الحركات الدينية المتعصبة”، التي هي أساسا البادئ دوما بالاعتداء على حريات الآخرين الاعتقادية.

أوافقك الرأي تماما بأن تجارب سياسية سابقة، ومن بينها بلداننا، آلت إلى الإكراه في الرأي والعقيدة والسياسة بحجّة العلمنة والتحديث، لكني أخالفك الرأي بأن التحزب لجهة العلمانية الآن يودي بنا إلى نفس نتائج التجارب السابقة. فالدعوات العلمانية التي تقف منها موقف المناهض لا تقوم بمواجهة الديموقراطية، بل تحذر من اختزال الديموقراطية المنشودة إلى مجرد حرية الاقتراع. لكن قولك اللاحق: “أما إذا كان نتيجة الاعتقاد بأن من غير الممكن ضمان تقدم مسار الحداثة، في مجتمع جاهل ومتخلف تحكمه العقائد والعواطف الدينية أكثر من أي شيء آخر، من دون الإكراه وفرض القيم الحديثة، ومنها العلمانية، بالقوة” فهو قول لا ينبني على الفكرة السابقة، لكونك استخدمت هنا فكرتي الإكراه والقوة غير الموجودتين في هذا الحقل إلا عند السلطات المستبدة. فلا علم لي أيضا بجهات يمكن الاعتداد بقولها في الوقت الراهن تقول بأنها تريد إكراه الناس أو الاستقواء عليهم.

ترى أن “أدبيات الأنوار الأوروبية” ما عادت نافعة الآن بعد رسوخ الحداثة، خاصة “بنقدها الشديد للدين” الذي كان “يسيطر بقوة على حياة المجتمعات ويشكل وعيها ويلعب بمشاعرها، وكانت الكنيسة المنافس الحقيقي والقوي للدولة الناشئة”. ما الذي تراه إذن فارقا بين ما كان يقوم به الدين في ذلك الوقت وبين ما يقوم به الآن! أليس الإسلام الآن هو الذي يسيطر على حياة مجتمعاتنا وهو الذي يشكل وعيها ويلعب بمشاعرها؛ أوليست التيارات الإسلامية الآن تقوم بدور الكنيسة تلك بمنافسة دولنا الناشئة أيضا؟

أمّا اعتبارك بأن الحداثة “الآن” “أجبرت الفكر الديني في كل مكان، بما في ذلك في بلادنا الإسلامية، إلى التمسح بقيمها”، فأراه تصور ناجم عن صورة مشوشة لأحوال وأوضاع مجتمعاتنا. فالفكر الديني الإسلامي في بلداننا، خلافا لما تراه، ليس ضعيفا ولا هشا ولا يفتقر لمن يصدقه ويمشي في ركابه ولا تنقصه المكانة وتحديدا السطوة؛ و”المسلمون المتهمون بالتعصب والجمود”، حسب تعبيرك، في تفتيشهم عن مقاربات بين النظريات العلمية والنصوص المقدسة لا يُظهرون عن ضعف وهشاشة بل إعادة إنتاج آليات سطوتهم، كما حالهم وحال أمثالهم عبر كل التجارب التاريخية في العالم أجمع. أما استهجانك لاعتقاد البعض من المخدوعين الذين يعيشون في “منعزلاتهم الفكرية” بأن هذه السطوة التي تبديها التيارات الإسلامية، من خلال السيطرة على الكثير من القنوات الفضائية وتشكيل الميليشيات الطائفية وإنفاقها الملايين في سبيل ذلك، هي “ثمرة إيمان ديني أو إخلاص لرسالة وتمسك بشرع”، فلا أرى هذا الاستهجان مصيب بقولك إن “جميع هذه الظواهر ليس الدين إلا قناعا يخفي تحته المصالح المادية والدنيوية المبنية على حسابات عقلية، منفعية، ميكيافيلية”؛ فمتى كان أصحاب الخطاب الديني غير ذلك، إن لم يكن جميعهم فمعظمهم. وهل العلمانيون أو من يقف بمواجهة هذه التيارات يصارعها على معتقداتها أم على هذه المصالح الدنيوية؛ أليس هو صراع في الحقل السياسي: على السلطات والحقوق والتمثيل… الخ؟ أليست الحجة المركزية عند العلمانيين في هذه المعركة أن الإسلاميين يتذرعون بالدين وبالخطاب الديني من أجل تحقيق مصالح سياسية دنيوية؟ أليس جوهر الفكرة العلمانية هو هذه النقطة تحديدا، لهذا تقوم العلمانية على فصل الدين عن أن يكون سبة للنيل من الدولة؟

لكن اللافت في فقرتك هذه هو “الطمأنينة” التي تنظر من خلالها لمآلات هذه التيارات باستشهادك بأمثلة الصومال وأفغانستان والسودان. حيث تعتبر أن ما جرى وما زال يجري في هذه الساحات هو إخفاق صريح للتيارات الدينية من المقدرة على النفاذ إلى الواقع والتعامل معه؛ فهل القفز إلى هذه النتائج النظرية يعوض الخراب والدمار الذي لحق بشعوب هذه البلدان وبمجتمعاتها! وهل التأكيد على أن هذا الفكر “لم يعد بإمكانه بناء أي سلطة عمومية، منظمة، ثابتة، ومستقرة: أي دولة” يمكن أن يبدد قلقنا مما يحمله من دمار لبنانا الاجتماعية والإطاحة بحرياتنا وحقوقنا وطموحاتنا! وهل يقول أولئك العلمانيون غير ذلك، وهل يباشرون معركتهم مع الإسلام السياسي على غير هذه النقطة: ليس الدين، أي دين، قادر على إقامة دولة حديثة ديموقراطية، وأي ادعاء خلاف ذلك هو مغامرة بالوطن والمجتمع.

ليس الخلاف بيننا على إمكانية القلق من قيام دولة دينية مستقرة، بل على القلق من محاولة بعض التيارات الإسلامية من القيام بمثل هذه المغامرة التي نتفق كلانا على نوعية نتائجها. فحتى مثل إيران الذي تورده على كونه مثالا نجح بالاستمرار فالبيانات التي توردها لتدلل على مكامن فشله، هي بحد ذاتها جوانب مقلقة، بل مقلقة بشدة لدرجة تستدعي الوقوف بحزم بمواجهة كل طرح سياسي بما فيه الذي يحاول تمثل النموذج الإيراني، من دون الخشية من الاتهام بأن هذه المواجهة تخدم السلطات الاستبدادية الحاكمة.

أما توقعك بأن “يتحول التمرد الإسلاموي إلى مرجع للحرية والهوية والاستقلال عند قطاعات الرأي الأخرى التي لم تُبقِ لها النخب المفترسة، على مستوى الحياة اليومية والوجود الحاضر، ما يربطها بعالم الحداثة وقيمها الحقيقية”، فهذا أمر واقع الآن، بل منذ الأمس؛ لهذا أتوقع منك أن تجد في ذلك مدعاة لمواجهة هذا الواقع عبر تفنيد طروحات الإسلاميين من دون الاكتفاء بإلحاق صفة العنف بهم فقط أو اعتبار مشروعهم السياسي مسدود الأفق، بل النظر إليهم كقوى استبدادية أخرى. فالملاحظ من عباراتك أنك تنظر إلى الاستبداد متجسدا ومتحققا عند السلطات الحاكمة فقط، لدرجة أنك تستخدم مفردة الاستبداد أحيانا بديلا عن مفردة السلطة.

على هامش هذا السياق أودّ إيراد ملاحظة. ففي غير مرّة وغير مكان تذكر أنّ السلطات لطالما هددتنا من أنّ إضعافها هو تمكين لقوى التطرف الديني الذي لن يميّز في قمعه بيننا وبينها؛ لكنّ التخويف من التطرف الديني مارسته القوى المعارضة للسلطات أيضا، ومن بينها التي تسمّي نفسها ديموقراطية، في خطابها الموجه إلى السلطة، معتبرة أن بعض التيارات الدينية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، حاملة لمشروع ديموقراطي. وعلى نفس المستوى مارس الطرفان طريقة التخويف من العدوّ الخارجي.

وفي ردّك على ما وصفتني به من تثبّت غريب على مواقف عصر الأنوار ومسبقاته، أستغرب اقتصار رفضك الاعتداد بفكر الأنوار على موضوع الدين والسلطات الدينية، في مقابل الاعتداد بمسألة الحريات، وهي صلب عصر الأنوار، ومسألة الديموقراطية، التي هي أيضا من صلب ذاك العصر ومسبقاته وملحقاته. لكن الأهم أنك ترى إلى رأيي في الربط بين الدين والاستبداد في مجتمعاتنا وكأنني أطالب باستبداد عادل، مراهنا على مستبدّ رحيم وعاقل وخلوق ومهذب ووو…

لا أدري كيف قرأت تساؤلي: إذا لم يكن الدين هو سبب الاستبداد، فما هو السبب؟ على أنني أنظر إلى أن أنظمة الحكم الاستبدادية في واقعنا الراهن تتمظهر بمظهر ديني أو أنها استبداد ديني!! أنا لا أحصر الاستبداد في السلطات الحاكمة الآن، بل أراه في أغلب الطروحات السياسية بما فيها المعارضة للسلطات. ولا أرى في ذهننا الجمعي من تصورات لنظام الحكم ليست استبدادية، بما فيها الديموقراطية الخلاصية التي ينشدها الكثيرون وينتظرون أن تحل علينا بقدرة قادر أو بقدرة تدخل خارجي مباشر أو غير مباشر، مكتفين بهجاء السلطات وتحميلها مسؤولية كل الخراب والاستبداد وكأننا ما عرفناهما إلا من أربعة عقود خلت، لدرجة يخال السامع لمثل هذا الكلام أنه ما أن ترحل هذه السلطات حتى يقيّض لنا العيش الرغيد في جنانِ “ديموقراطيةِ” سلطات رجال الدين والمال المسيطرين الآن بالمطلق على كل تفاصيل وزواريب مجتمعاتنا. بل هذا السامع سيقبل أي جهة يمكنها الإطاحة بهذه السلطات حتى لو كانت قوى دينية لن تأتي لنا بغير استبداد ديني ولو بصيغة حديثة: النموذج الإيراني مثلا.

حاولت قدر مستطاعي التقاطع معك على نقاط نتّفق عليها في الموقف من الاستبداد، لكن تراءى لي أنّك تشترط عدم المساس بالموضوع الدينيّ، وكأنه أصبح خلفنا مع بقايا عصر الأنوار.

{{[*برهان غليون:*]}}

{{
علمنة العلمانية}}

يكاد سؤالك هذا يعيد طرح الأسئلة التي تقدّمت الإجابة عنها جميعا. لكنني أرى مع ذلك في عملية إعادة طرح الأسئلة دفعة واحدة مناسبة لتجميع عناصر النقاش والتركيز على النقاط الأساسية للخروج باستنتاجات مفيدة لجميع الأطراف. وربما ساعدتنا الإجابة عن هذه التساؤلات الإضافية في وضع خاتمة لهذا العمل، لا تغلق النقاش بالتأكيد، وإنما تفتحه على مسائل جديدة، من أهمّها البحث في أصل الاختلاف حول العلمانية وداخل صفوفها، ومعرفة في ما إذا كان من الممكن تجاوزه. وبالفعل، إذا كنا متفقين على أهمية العلمانية، وهناك كما ذكرت تقاطعات كبيرة بيننا بشأنها، من أين يأتي الاختلاف وكيف يمكن التغلب عليه؟

وأقول بداية أنني سعدت كثيرا بإشارتك إلى نقاط التقاء وتقاطع بين موقفي والموقف الذي أردت أن تكون لسان حاله، أقصد قطاعا من الرأي العام المثقف لا ينظر إلى العلمانية على أنها مسألة مركزية في أي تفكير في التحول الاجتماعي والسياسي والفكري في المجتمعات العربية فحسب، وإنما أكثر من ذلك يرى أن العمل من أجل التحويل الديمقراطي مشروط بإجماع المواطنين عليها، وقبولهم بمفهومها، بصرف النظر عن اعتقاداتهم الدينية والفلسفية والسياسية، خاصة الإسلاميين منهم الذين ينكرون قيمتها. فهي بالنسبة له مدخل التحول السياسي، ومن دونها لا يكون العمل التغييري إلا استبدالا لديكتاتورية زمنية تعترف على الأقل ببعض التعددية الفكرية، بديكتاتورية دينية تمارس الاضطهاد والتمييز وتنفي جميع الحقوق والحريات المدنية. هذا هو مضمون التأكيد على أسبقية العلمانية على الديمقراطية، وهو الذي يفسر ربما أن أغلب المدافعين عنها تجنبوا الانخراط الجدي في الحركة الديمقراطية، أو التي اتخذت اسم الديمقراطية، التي انتعشت في السنوات القليلة الماضية في العديد من البلاد العربية، ومنهم من شكك بجدواها أو بمضمونها أو بإمكانية تحقيقها، وبعضهم وقف موقفا معاديا صراحة لها.

ومنبع هذه السعادة شعوري بأن من الممكن الوصول إلى نتائج ايجابية مهمة إذا تبنى كل منا موقفا براغماتيا في قضية العلمانية، وحررها من الرهانات العقائدية والإيديولوجية، أي كف عن استخدامها كمناسبة لتأكيد انتمائه إلى إيديولوجية أو الدفاع عن مذهب فلسفي، أو البرهان على صحة مذهب فكري معين، أو دحض أطروحات مذهب فسلفي آخر، ونظر إليها من منظار تذليل الصعوبات النظرية التي تحول دون تكوين رأي عام عربي يسمح بالانطلاق في بناء مشروع التحول السياسي الديمقراطي المنشود.

من الواضح أن نقاط الخلاف قد تمحورت في نهاية هذا النقاش حول نقطتين رئيسيتين. الأولى نظرية تتعلق بالمقام النظري لمفهوم العلمانية ومعناها وموقعها في النظرية الديمقراطية والاجتماعية عموما، وهو خلاف يرجع أيضا إلى خيارات منهجية وأخلاقية متباينة. والثانية عملية تتعلق بنوع الترابط الذي ينبغي إقامته بين الأجندة العلمانية والأجندة الديمقراطية والسياسية، وبالتالي التباين حول إستراتيجية العمل الأمثل التي تمكننا من التقدم في تحقيق العلمانية، لا من حيث هي وعي متميز عن الوعي الشعبي السائد المرتبط بالدين، وإنما من حيث هي ممارسة عملية وواقع دستوري ومؤسساتي.

1- بالنسبة لي من الواضح أن العلمانية ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة أو تقنية اجتماعية غايتها تحقيق الديمقراطية بوصفها نظام الحريات الفكرية والضميرية والمساواة المواطنية. فهي تستمد منها معناها وشرعيتها، تماما كما لا تشكل الديمقراطية، في مرحلة ثانية، غاية في ذاتها ولكن وسيلة لتحقيق غاية أكبر منها هي تحقيق قيم إنسانية عليا، وفي مقدمها قيم الحق (وهو أعمق من القانون) والحرية والمساواة بين الأفراد بصرف النظر عن الأصل أو العقيدة أو الجنس. فمفهوم العلمانية جزء من مجموعة المفاهيم السياسية التي تكون أساس النظرية الديمقراطية، التي تتمحور هي ذاتها حول تكوين نظام من التوازنات والعلاقات والضمانات العملية والنظرية التي تحتاج إليها إقامة مجتمع يستند إلى مبادئ إنسانية ولا يقوم على قاعدة القوة والقهر البدائية. ولهذا السبب تجد أن العلمانية والديمقراطية لا تشكلان ماهيات ثابتة وناجزة ونهائية، لا تتحول ولا تتبدل، مهما تبدلت الثقافات الخاصة والحقب التاريخية والتنوعات الاجتماعية. إنها بالعكس اطر اجتماعية قابلة للتعديل والتطوير والتحسين والتأهيل، بحسب ما يحتاجه تحقيق غاية الحرية والحق والمساواة في مسارات تاريخية خاصة، تميز انتقال المجتمعات التقليدية في العالم بأجمعه، في بيئات جيوسياسية واقتصادية وثقافية متنوعة، من النموذج التقليدي القائم على التراتبيات الثابتة والعصبيات الطبيعية أو شبه الطبيعية إلى النموذج الحديث، المرتبط بقيم السياسة المدنية، وعمومية القيم الإنسانية.

هذا يجعل من العلمانية وجها من وجوه عملية سياسية عميقة ومعقدة، تدخل فيها عناصر متشابكة من التوعية الفكرية والتربية المدنية والتحولات السياسية والتطوير الدستوري والقانوني، أي بناء الدولة والمجتمع الحديثين، لا يمكن فصلها عنها ولا تصور تقدم مسارها من دونها. ولا يمكن لفصلها عن إطار اشتغالها النظري والعملي، فما بالك بوضعها في مواجهته وفي تناقض معه، إلا أن يهدد بتحويلها إلى غاية في ذاتها، ويغير معناها، ويحرفها عن أهدافها، إن لم يفسد قضيتها تماما. وهذا ما يحصل لنظام الديمقراطية نفسه عندما تتحول الانتخابات الشكلية إلى وسيلة للتغطية على انتهاك القيم الإنسانية التي تستمد منها الديمقراطية نفسها شرعية وجودها: الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والمساواة.

حتى لا نقع في خطأ استبدال الغاية بالوسيلة علينا دائما تنسيب المفهوم، أيّ مفهوم، بربطه بشروط تحققه النظرية كمفهوم، وبآليات اشتغاله في الممارسة العملية، والتذكير دائما بالعلاقة والرابطة بين الوسيلة والغاية، وبين الجزء والكلّ.

فمن الممكن إذا فصلنا العلمانية عن سياقها النظري ومجموعة المفاهيم التي تترابط معها، وفي مقدمها الديمقراطية، أن نعطي لها معنى آخر غير معناها الأصلي، ونوظفها لغاية تختلف عن الغاية التي صيغ المفهوم لتحقيقها، وهذا رغم اتفاقنا على أهمية العلمانية كشرط لقيام منظومة اجتماعية ديمقراطية. فمعنى العلمانية ومضمونها الاجتماعي والسياسي يختلف حسب السياق الذي نستخدمها فيه، نظريا كان أم عمليا. فقد نجعل منها وسيلة لنزع الشرعية عن الديمقراطية وقيم الحرية الفكرية والسياسية، كما يمكن أن نحولها إلى حافز للنضال الديمقراطي ومحرك له. وبالمثل، كما أن من الممكن أن نجعل منها فضاء للقاء والتعايش بين المذاهب المتباينة، أي للاعتراف المتبادل، وتأسيس التعددية، من الممكن التعامل معها كإطار هوية جزئية وخاصة، وتحويلها إلى ذريعة لتعميق التناقضات والشروخ الفكرية والسياسية القائمة داخل جماعة أو مجتمع معين.

والحل يكمن في السعي دائما إلى تجاوز الطرح المجرد والمطلق للعلمانية كمفهوم مجرد وقيمة في ذاتها، والنظر إليها، بالعكس، في إطار واقع اجتماعي وسياسي وجيوسياسي وثقافي وديني ومذهبي وطائفي هو دائما واقع معقد ومركب. وكذلك عدم رؤيتها في حالة سكون وجمود وإنما من خلال الصراع القائم. فهي ليست موجودة في عالم الغيب، ولا في مجتمع جامد وساكن. عندئذ يطرح السؤال: ماذا تعني العلمانية اليوم، بالنسبة للمجتمعات العربية الراهنة، ما هي المهمات الخاصة بها، وما هو دورها في الصراعات القائمة، الفكرية والاجتماعية والسياسية؟ فقد يكون من بعض مهمات العلمانية العربية مثلا، كما يقترح ياسين حاج صالح، إعادة بناء سلطة دينية مركزية تضبط التعامل مع رأس المال الرمزي الكبير الذي يمثله الدين وتحدّ من التأويلات المتعسّفة والتوظيفات السياسية المخلّة للدين. وبالمثل، ما هو دور العلمانية والعلمانيين العرب في معركة التحويل الديمقراطية الضرورية والانتقال من نظم تعسفية مطلقة شخصانية إلى نظم تعدّدية ودستورية.

هذا يعني أن تعريف العلمانية في النقاشات الوطنية لا يمكن أن يقف عند حدّ ترداد التعريف القاموسي، فصل الدين عن الدولة أو السياسة عن الدين، وإنما تبيين المهمات التي يتطلبها في هذا السياق الاجتماعي والتاريخي أو ذاك الوصول إلى سلطة سياسية مستقلة في بناء مصادر شرعيتها عن الدين ومرتبطة بإرادة أفرادها أو مواطنيها.

وفي هذه الحالة تندرج العلمانية في معركة التحويل الاجتماعي الشامل وتأخذ مكانها الطبيعي، النسبي، المحدد بزمان ومكان وتتحول إلى رهان من بين رهانات مجتمعية عديدة، بدل أن تظهر كرهان أوحد، أو رهان الرهانات، ويتم التعامل معها كقضية من بين قضايا عديدة مترابطة ومتضامنة، لا كمبدأ مطلق يحدد رؤيتنا لجميع القضايا المطروحة في الواقع، وتخضع له جميع المصالح الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية.

من دون هذا التنسيب للعلمانية كمفهوم وكمممارسة، يصبح الصراع بين العلمانية والدينية صراعا ميتافيزيقيا مطلقا، وبالتالي لاتاريخيا ولااجتماعيا، ينسخ جميع ما يعيشه المجتمع من نزاعات ويلغي شرعية وجودها. ولا يحرم هذا التصور الميتافيزيقي أو الجوهراني والمطلق للصراع بين العلمانية والدينية، الذي يلغي كل منظورات أخرى موازية للتحولات الاجتماعية، أصحابه من رؤية المهام والمشاكل والتحديات العديدة الأخرى، ومن ضمنها الديمقراطية، لكن ليس وحدها، ولا يدفعهم إلى تجاهلها والتقليل من أهميتها فحسب. إنه يهدد بدفع أصحابه، أكثر من ذلك، إلى رؤية العالم منقسما جوهريا بين قطبين علماني وديني، وإلى اكتشاف “دينية” وطائفية في كل ما لا يجدون له قيمة من وجهة نظر العلمانية، بما في ذلك اتهام جميع أولئك الذين لا يشاركونهم نظرتهم الخاصة، وردهم إلى أصولهم المذهبية أو الطائفية، وتحويلهم بالرغم منهم إلى إسلاميين أو مدافعين، واعين أو غير واعين، عن الإسلام والإسلاميين. فلسان حالهم يقول: إما أن تكون علمانيا، على الطريقة التي أنظر بها إلى العلمانية كحقيقة مطلقة ومستقلة عن كل ما عداها، وسابقة عليها، لا تقبل التنسيب والتنزيل في سياق معين وواقع مركب، أو أنك بالضرورة ديني أو إسلامي يتخفى وراء علمانية شكلية ولفظية.

فالعلمانية المجردة والمدفوعة إلى أن تكون قيمة مطلقة قائمة بذاتها، وجوهرا يعلو على أي تحديد أو تنسيب، تتحول أيضا إلى تعويذة سحرية تغطي على تعقيد الواقع المشخص وتحولاته العميقة، فلا ترى فيه إلا أسود أو أبيض، وجمود وسكون، وهو في تقلب وتغير عميقين. وقد تتحول إلى فكرة هوسية تمنع، في إلحاحها وترددها الدائم، أصحابها من رؤية شروط تحقيقها هي نفسها. وفي تهويلها بخطر الخصم، أي الدين، الذي تراه محتلا الأفق جميعا، ومخترقا كل فضاء وزمان، تقضي على أي أمل وتنشر اليأس والإحباط والقنوت من إمكان حدوث تغيير، وتدين نفسها بالنكوص إلى موقف حداد دائم، وندب على الحظ، وتسويد للماضي، وتشهير بالمجتمع، وتذييت (من ذات) للتاريخ. فيصبح العداء للعلمانية والتنوير في هذا المنظور سمة مجتمعات كاملة أو أغلبياتها الشعبية، وتصبح العلمانية حركة تبشيرية خارجية لا هدف لها ولا هم سوى تأكيد صحتها ونشر عقيدتها والدفاع عن مبدأ النور في مواجهة مبدأ ظلام الحركة الإسلامية أو التعصبية الدينية العامة والشاملة، التي تخترق هي أيضا جميع الفضاءات، ولا يمكن التمييز داخلها بين أطياف ولا تيارات وتحولات، تحركها إرادة ثابتة وأبدية هي العداء للعلمانية وإيذاء الفكرة التنويرية. ويبرز من وراء ذلك كله تصور كئيب حول مجتمع نشاز، ممسوخ فكريا وأخلاقيا وسياسيا، ضحية حتمية لرجال الدين ودعاة التعصب والطائفية والمذهبية، لا أمل منه ولا رجاء فيه، يقف حائلا دون تفتح وانعتاق نخبة حديثة متنورة اكتشفت الحقيقة وتماهت معها.

في المقابل، ترتبط العلمانية التي أنظر إليها بوصفها لبنة في بناء الديمقراطية التي هي منظومة تستمد قيمتها مما تسمح بتحقيقه من قيم الحق والحرية والمساواة، وعلى مقدار ما تحققه منها، بمسائل عديدة أخرى وأساسية، اجتماعية وسياسية وثقافية. فلا هي مطلقة ولا هي مركز العملية الاجتماعية، ولا يغني العمل على نشر العلمانية عن التربية المدنية ولا عن التوعية العامة وإثراء الثقافة الأدبية والفنية، ولا عن الصراع السياسي لتحويل علاقات القوة لغير صالح قوى الاستبداد، أكانت قوى رسمية أم أهلية، ولا عن المقاومة الوطنية الرامية إلى توسيع هامش المبادرة الإستراتيجية للمجتمع وزيادة موارده المادية والمعنوية، ولا عن تحقيق العدالة الاجتماعية، والسعي إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر والبطالة والركود الاجتماعي. كل عملية من هذه العمليات مستقلة عن الأخرى ومكملة لها معا، ليس هناك واحدة سابقة على الأخرى في القيمة ولا تعوض واحدتها عن الثانية. هذا ما يفسر أن العلمانية ليست هوسا يوميا عندنا، ولا تحتل كل اهتمامنا، بالرغم من اعتقادنا بأنها جزء لا يتجزأ من عملية تحويل المجتمعات العربية وتحديثها السياسي والثقافي. بل هذا ما يجعلنا متفائلين بإمكانية كسب معركة العلمانية. وهو ما يحثنا على العمل من أجل تقريب مفهومها وثقافتها وقيمها من ثقافة المجتمع وتقاليده، وعدم الترفع على النقاش مع أفراده، سواء أكانوا متدينين أم غير متدينين، أملا بتحقيق اختراقات مطلوبة في هذا المجال. فلا يحتم الإيمان الديني غياب المقدرة على إدراك معنى العلمانية وقيمتها. وليس غير المتدينين حتما وبالطبيعة علمانيين أو أكثر مقدرة على فهم معنى العلمانية. يمكن أن يكونوا طائفيين، بالمعنى ذاته الذي كانت الأحزاب الشيوعية فيه طائفية، تعطي لأعضائها من الحقوق ما لا تعطيه لبقية أبناء الشعب، إيمانا بأن أنصارها هم الأقدر على تجسيد قيمها وشعاراتها، بما فيه العلمانية.

أصل هذه المراهنة على إمكانية تحويل الأفراد أو تمثلهم قيم العلمانية ليس أي جاذبية أو فتنة في مفهوم العلمانية نفسه وفكرة فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية، وإنما الاعتقاد بجاذبية القيم التي تساهم في تكريسها، قيم الحق والحرية والمساواة التي يطمح إلى أن يعامل بها كل إنسان في اللحظة التي يخرج فيها من أفق التقليد المرتبط باحترام المقامات الخاصة وتكريسها. فالعلمانية لا معنى لها إلا من منظور هذه القيم وبالارتباط بها. فإذا فصلت عنها لم تعد سوى عقيدة مجردة يسهل تأهيلها واستخدامها كأداة للقمع الفكري أو السياسي من قبل سلطة أو سلطات سياسية تغطي فيها على انتهاكاتها حريات الأفراد وضمائرهم، أو من قبل نخب ثقافية مغتربة في مجتمعها تبرر من خلالها قطيعتها عن المجتمع وتغطي بها على استقالتها المعنوية والسياسية.

من هنا تشكل الديمقراطية، التي تعني هنا نظام الحرية الفكرية والسياسية، الإطار الذي ينبغي أن ينظر إلى العلمانية منه. وأن يؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن العلمانية أو تطبيقها العملي، حاجات تحقيق الديمقراطية كنظام للحرية. عندئذ لا يعود هناك معنى للفصل بين العلمانية والديمقراطية، أو وضع واحدتهما في مواجهة الأخرى. فكما أن مقولة أسبقية العلمانية على الديمقراطية تضع الاثنتين في مأزق وطريق مسدود، تحول مقولة أسبقية الديمقراطية على العلمانية إلى التخلي عن المعركة النظرية والإيديولوجية. هناك لا شك أسبقية منطقية، أي أن مفهوم الديمقراطية أشمل من مفهوم العلمانية، كما أن العلمانية تستمد اليوم شرعيتها من الديمقراطية وقيمها الإنسانية. لكن ليست هناك أسبقية زمنية. ففي الممارسة العملية يتعلق الأمر بمعركة واحدة حتى لو خضناها على جبهات مختلفة ومتعددة. وهي معركة متكاملة ومتفاعلة، كل كسب نحققه في أحد الجبهات ينعكس مباشرة وبالضرورة ايجابيا على أدائنا في الجبهات الأخرى. ولذلك عندما تتحرك جبهة التحول الديمقراطي وتظهر إمكانية تحقيق خرق فيها، لا ينبغي التردد في خوضها بحجة خطر تقدم القوى غير العلمانية، وبالمثل لا ينبغي الانسحاب من المعركة عندما تطرح مسألة العلمانية بذريعة حماية الإنجازات الديمقراطية.

2- أما النقطة الثانية التي يظهر من حولها خلاف فتتعلق بتحديد أفضل الأساليب والوسائل للوصول إلى الهدف، أعني فض الاشتباك بين المذاهب والأديان، والتأسيس لحرية الضمير والاعتقاد، وضمان احترام جميع المذاهب والآراء، الدينية وغير الدينية، ضمن قوانين دولة الحق والحرية والمساواة. وهنا أيضا، كما أن فهم العلمانية ومتطلبات تحقيقها لا ينفصل عن النجاح في تنزيلها في إطار التحديات التاريخية المتعددة المرتبطة برهانات المجتمعات العربية، وتجنب طرحها كقضية جوهرية مستقلة عنها وسابقة لها أو شارطة ومحددة لكل ما عداها من مسائل ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وتحويلها بالتالي إلى دين قائم بذاته في مواجهة دين آخر لا يقل جوهرية عنها، فإن الكفاح العملي والسياسي من أجل العلمانية لا ينفصل عن الكفاح من أجل إعادة بناء المجتمعات العربية على أسس ومبادئ القيم الإنسانية أو الإنسية. ويستدعي هذا أمرين. ربط أجندة العلمانية، أو المعركة الفكرية الضرورية لنشرها وتعميق ثقافتها في المجتمع، بأجندة العمل الاجتماعي من جهة، والنظر إلى ما يعيشه الرأي العام اليوم من تدين مفرط وارتداد إلى قيم لا تشجع على قبول العلمانية باعتباره حالة تاريخية لا تجسيدا لهوية ثقافية أو دينية ثابتة لا تتغير، ولا تعبيرا عن رفض قاطع للتحول والحداثة والقيم الإنسانية. وهي حالة تستدعي من العلمانيين مزيدا من التواصل مع المجتمع لا تعزيز القطيعة معه، واستثمارا فكريا أكبر في الرأي العام لتحويل الثقافة المحلية وإخصابها بالمفاهيم والقيم الإنسانية الحديثة.

وهذا يعني أولا أن من مصلحة العلمانيين المخلصين أن يكونوا جزءا من تحالف أوسع للتغيير الاجتماعي والسياسي، وأن يدرجوا معركتهم الخاصة ضمن المعركة العامة والشاملة، لا أن يجعلوا منها معركة فريق صغير ذي حساسية خاصة لقضايا علاقة الدين بالسياسة لكنه لا يهتم بمضمون السياسة الاجتماعية والوطنية ذاتها ولا بمصير المجتمعات المرتبطة بها. فالعلمانية تتقدم بشكل أفضل بكثير عندما توضع في سياق معركة العدالة الاجتماعية مثلا، كما حصل مع الحركات الاشتراكية، أو في سياق معركة التحرر والتخلص من الحزبية الضيقة الأحادية والانتقال نحو نظم ديمقراطية، او كجزء من معركة الليبرالية السياسية. وهذا ليس من باب الانتهازية ولكن اتساقا ضروريا مع مفهوم العلمانية بوصفها جزءا من مشروع حداثة متكاملة، ولا يمكن أن يكون لها معنى من خارج أفق التحول القانوني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمعات.

ويعني ثانيا أن لا ينظر العلمانيون إلى العلمانية بوصفها قضيتهم الخاصة، أو هوية متميزة يدافعون عنها ضد أغلبية اجتماعية مدانة بالبقاء على اعتقاداتها وتقاليدها، ولا أمل في تغييرها. فمثل هذا الموقف ينفي عن العلمانية منذ البداية آفاق تحولها إلى قيمة عمومية ويزيد من مقاومة أغلبية المجتمع لها. ينبغي أن ينظر إلى العلمانية على أنها مصلحة عامة تعني الشعب بأكمله وليس نخبة محدودة، وأن من واجب النخبة العلمانية أو المتعلمنة أن تعمل من أجل تحويلها إلى قيمة عمومية، بدل أن تكون كما هي عليه اليوم رأسمالا رمزيا للنخبة المثقفة أو لجزء منها. وفي هذا يكمن مستقبلها. ويتطلب هذا تغييرا عميقا في التوجهات النفسية للمثقفين الذين يتصورون أنفسهم في تناقض قاطع مع الأغلبية الاجتماعية بسبب تقهقر هذه الأخيرة إلى مواقع دينية وتقليدية متزايدة. كما يتطلب نشوء شعور عميق بالالتزام تجاه المجتمع، واعتبار تربيته وتثقيفه مسؤولية المثقفين أنفسهم، ويستدعي بالتالي القبول بالتضحية من أجل مساعدته على الارتفاع إلى مستوى القيم الإنسانية المدنية والسياسية التي تساهم في تكريسها العلمانية.

وبالعكس، إنّ التسليم بفكرة الشعب الجاهل، والمجتمع المتديّن والمتعصّب غير القابل للتحويل والتغيير، والاعتقاد بأنّ الإسلام، دينا كان أم إيديولوجية سياسية تستخدمها الحركات السياسية، عائق لأيّ تقدّم نحو العلمانية، أو عقبة أمامها، أو أنه عصيّ على التبدّل والتغيّر وإعادة التأويل والتفسير، عدا عن خطئه نظريا، يقود لا محالة إلى قتل الممارسة والقنوط من إمكان تحقيق نظام الحرية الذي تدعمه العلمانية، ويشجّع بالتالي الاستقالة السياسية والقبول بالأمر الواقع، إن لم يكن الدفاع عنه وتعزيزه خوفا من مجيء نظام يرتبط فيه الاستبداد السياسي بالقهر الفكري والروحي معا. وهذا هو إلى حدّ كبير حالنا اليوم بين نخبة خائفة من التغيير لما يمكن أن يحمله من مخاطر على فسحة الحرية المدنية المحدودة التي تتمتع بها، ومجتمع عاص، مستعدّ دائما للانفجار والتمرّد، منطو على نفسه ومنكمش على عقائده الخاصة، في مواجهة ما ينظر إليه كتسلّط وعداء وقهر من النخبة والسلطة معا.

والقصد هنا أيضا أنّ الموقف من العلمانية وطريقة التعامل معها، كفكرة وممارسة، لا ينفصل عن الموقف من المجتمع وأسلوب التعامل معه والثقة به. فالعلمانية ليست فكرة تبشيرية، ولا قيمة لها إذا بقيت كذلك، وصارت علامة على الانتماء إلى جماعة محدّدة ومعزولة تجعل منها مرجعية لها تميّزها عن غيرها من الجماعات التي تقوم على مرجعية مناقضة أو بديلة. أهمّ ما في العلمانية هو تطبيق مبدئها، أي هو الجانب السياسيّ منها. فليس من المطلوب تغيير عقائد الناس واعتقاداتهم الدينية والفلسفية، إنما إقناعهم بقبول التعدّدية الفكرية والسياسية، واحترام الرأي الآخر، والفصل بين معتقداتهم الخاصة وقوانين التعايش الاجتماعية والسياسية، التي لا بدّ أن تعلو على هذه الاعتقادات الخاصة، وأن تسمح لجميع الأفراد بممارسة خصوصياتهم بالقدر نفسه، وبالتالي أن تكون عموميتهم “السياسية” أيضا من طبيعة واحدة ومتساوية. والتفكير في الأسلوب الأنجع للوصول بالعلمانية من مستوى الإيديولوجية الخاصة إلى مستوى الفكرة الإنسانية المستبطنة، ومن وراء ذلك، إلى مستوى الممارسة العملية، وتطبيقها في الحياة العمومية المؤسسية، يعني التفكير في أجندة علمانية، أي رسم خطة عمل وإستراتيجية ووضع أولويات وأهداف مرحلية تواكب العمل على تحقيقها. وليس لهذه الأجندة والإستراتيجية التي تضمرها معيار آخر يعتد به سوى معيار النجاعة والفاعلية، ولا تفيد فيه كثيرا شدّة التعبير عن الولاء والانتماء ولا، من باب أولى، المزايدة والمناكفة والمبالغة والتحدّي والاستفزاز للأطراف التي ينبغي إقناعها بموضوعية العلمانية وصلاحها للنظام العامّ. إذ ما قيمة العلمانية إن لم تتحوّل إلى قاعدة للحياة العمومية، والسياسية بشكل خاصّ؟ وكيف يمكن أن نجعل منها قاعدة عامّة إذا لم يقتنع قسم كبير من الرأي العامّ، إن لم تكن أغلبيته الساحقة، بنجاعتها، وحياديتها، ونزاهتها هي نفسها، في ما يتعلّق بالموقف من العقائد الذاتية والخصوصيات الثقافية؟

إن المدخل إلى إقناع الناس بقاعدة مساواة الدولة بين جميع الأديان والعقائد والمذاهب الخاصة، كمقدمة للمساواة القانونية والأخلاقية في ما بينهم، هو اقتناعهم بمساواة العلمانية نفسها بين العقائد والمذاهب المختلفة، وتعاملها معها على القاعدة ذاتها، أي نزع الطابع العقائدي، مهما كانت صورته، عنها. وهذا ما أدعوه علمنة العلمانية. وهو يستدعي أن تكفّ العلمانية عن أن تكون مذهبا أو أن تطرح كمذهب، لتصبح مبدأ للمساواة بين المذاهب وضمانة لها، وأن تكفّ عن أن تستخدم كوسيلة للإدانة والتقسيم والشجب والقهر الأخلاقي، لتكون ضمانة للحريات الفكرية والمذهبية جميعا، وفي مقدمها حرية الرأي والضمير. ويعني ذلك القبول بوجود اعتقادات خاصة معادية للعلمانية، وعدم النظر إليها كما لو كانت إساءة للعلمانية أو عداءً لها، والتعامل معها على أنها أحد تنويعات المشهد الفكري والإيديولوجي.

وفي جميع الأحوال، يجدر بالعلمانيين أن يدركوا أنّ نشر الفكرة وتعميها وإشاعتها عند الجمهور هي مسؤوليتهم، هم أنفسهم لا مسؤولية رجال الدين أو دعاته. والفشل فيها يستدعي من العلمانيين مراجعة إستراتيجية العمل التي صيغت لبلوغها، والنظر في أجندتها وسبل الدفاع عنها. وبالعكس لا يعني التهجم على الجمهور، مهما كان تدينه وتعصبه وعداؤه للعلمانية وقيمها، سوى الهرب إلى الأمام، والتعويض عن مواجهة الفشل ومراجعة الذات، بصب جام الغضب على جمهور تتنازعه، ككل جمهور، أفكار وتوجهات واعتقادات كثيرة ومتباينة. وأنا أرى في نجاح رجال الدين ودعاة التيارات الإسلامية في السيطرة على الرأي العام العربي في هذه الحقبة، إدانة لنا نحن المثقفين العقلانيين، وتعبيرا عن تقصيرنا وعجزنا عن قيادة معركة الحداثة والتحديث وجذب الأغلبية الاجتماعية إلى قيمنا ومبادئنا ونماذجنا السياسية والمدنية، أكثر مما هو نتيجة تقديم نموذج جذاب ومقنع من قبل الإسلاميين على اختلاف تياراتهم. والبرهان أن هذا النموذج يعاني في كل مكان طبق فيه من نقائص وتناقضات، ويقود إلى مآزق لا يمكن لأي مجتمع التأقلم معها أو قبولها. يشاركنا في هذه المسؤولية بالتأكيد نظم الاستبداد التي تلغي أي تفكير أو حوار، وتراهن من أجل بقائها وتأبيد وجودها على تجهيل الناس وعزلهم وإلغاء حسهم النقدي في كل صوره وأشكاله. ومن هذه الناحية هناك بالفعل، كما كتبت في أكثر من مرة، تحالفا موضوعيا على تدمير العقل واغتياله، بين سلاطين المال والمافيات الحاكمة في أكثر من مكان وسلاطين الدين ومافيات الروح التي تتعامل برأسمال التراث الرمزي لتحقيق مصالح ومآرب وممالك خاصة لا تقلّ تخريبا عن تلك التي تمارسها مافيات السلطة والمال. لكن مواجهة هذا التحالف ضد العقل والفكر النقدي والانعتاق الروحي في بلادنا لا يواجه بالانفصال عن المجتمعات أو إدانتها، ومن باب أولى بإعلان العداء لها أو بنزع أهليتها الإنسانية، والتعامل معها كما لو كانت ملحقة بالمافيات، بل المسؤولة الرئيسية عن وجودها.

لا ينبغي تصور المسألة كما لو كانت معركة بين نخبة من المثقفين العلمانيين المتنورين ومجتمع أو أغلبية اجتماعية متدينة وغير قادرة، مهما كان السبب، على الارتفاع إلى مستوى القيم الإنسانية والعلمانية. هذا التصور السائد اليوم هو أصل المأزق وصلب المشكلة. ليس الصراع بين النخبة والشعب، هذا ما حاولت التركيز عليه منذ بداية هذا الحوار. الصراع قائم بين أطراف النخبة الاجتماعية، الثقافية والسياسية، ذات الاتجاهات والأفكار المتعددة والمتباينة على كسب الجمهور وشده لمواقف نعتقد أنها الأصلح له ولنا، لكن ليس لنا وحدنا. وإلا من الطبيعي أن نتوقع أن يقف الجمهور بأغلبيته ضدنا، ويطالب بالقضاء علينا وعلى فكرنا بوصفنا الفئة الضالة والخارجة عن الإجماع.

لا يمكن لأيّ عمل عامّ، سياسيا كان أم فكريا، أن يوجد، وأن يكون له معنى، إن لم نقبل بأن جوهر عملنا هو الصراع في ما بيننا، أعني أطراف النخبة المختلفة، أصحاب الفكر أو السلطة أو المال أو جميعهما معا، على تكوين الرأي العام وبالتالي توجيه خطاه وربما دفعه إلى الوقوف وراء ما نعتقد انه الاختيارات الإيديولوجية والسياسية الأصلح. وسيظهر أي صراع سياسي وفكري ينظر إلى نفسه بوصفه صراعا ضد الرأي العام، او المجتمع نفسه، وليس ضد تيارات القيادة الفكرية والسياسية الأخرى، في سبيل قيادة المجتمع، بل ويمكن أن يتحول أيضا، إلى تمرد على المجتمع وعداء له، وبالتالي إلى عزلة وانفصال مؤلم ومأساوي للنخب الاجتماعية عنه. وكسب الرأي العام يحتاج إلى الاعتقاد بحيوية الإنسان، وإمكانية تحويل الرأي العام انطلاقا مما يتميز به وعي الأفراد نفسه من تباين وتعددية وتطلع نحو المستقبل. من دون ذلك سيكون أي عمل أو بذل للجهد، فكريا كان أم سياسيا، من قبيل العبث المحض. نحن نكتب وننشر ونجادل ونضحي بوقتنا وحياتنا أحيانا، لأننا نؤمن أن هناك إمكانية لكسب جزء من الرأي العام لأفكارنا، وبالتالي للتغيير، سواء داخل المجتمع أو في نظام المجتمعات. وإذا اقتنعنا أن المجتمع غير قادر، لأسباب بيولوجية أو ثقافية أو سياسية، وراثية أو غير وراثية، على الخروج من قوقعته وأفكاره القديمة وتقاليده وخرافاته وأساطيره، مهما فعلنا، فلا أرى أي حافز للاستمرار في العمل العام، بما في ذلك النشر ومخاطبة الجمهور عبر الكتابة والصحافة. وإذا كانت العلمانية عصية بالفعل على النفاذ إلى عقول المسلمين أو العرب لما يتميزون به من تمسك استثنائي بالدين أو تعصب للأصل والتقاليد، أو عداء للعقل والتنوير، فليس هناك أي جدوى من الحديث فيها أو طرحها.

لا أعتقد أن عصيان الرأي العام على العلمانية لا ينبع من غرابة القيم التي تحملها، أو ما يشاع عن الترابط الحتمي في الإسلام بين الدين والسياسة، وقد بينت في كتاب نقد السياسة خطأ هذه الفرضية، وإنما من أنها بقيت إيديولوجية ومذهبا فكريا وهوية فئة اجتماعية، وتحولت إلى أحد أدوات السلطة واستراتيجيات الصراع على السلطة، ولم تتحول أبدا إلى قاعدة أخلاقية تعترف بشرعية الرأي الآخر وتؤسس لحرية الضمير ورفض الإكراه والمحاكمة على الرأي، ولا إلى قاعدة للممارسة السياسية، القائمة على المساواة بين العقائد والمذاهب، والاحترام العميق لاختيارات الأفراد وتفضيلاتهم، التي تؤسس لوعي عام سياسي مستقل عن الاعتقادات الشخصية، وتعطي معنى لوجود الفضاء العام والإرادة العامة والمصلحة المشتركة. وهكذا لم يكتشف الرأي العام العربي أي قيمة ايجابية للعلمانية المطروحة دائما بالسلب، أي كنقيض للعقائد الدينية أو لسيطرة العقائد الدينية في الحياة العمومية، ولم تطلب منه إيديولوجيتها شيئا آخر سوى القبول بفصل الدين عن الدولة، الذي فسره، في غياب الثقافة والثقافة السياسية الحديثة وحرية الرأي والعقيدة والتنافس السلمي بين المذاهب الفكرية والتيارات السياسية، على أنه محاولة لتحرير الدولة، والنخب الاجتماعية القريبة منها أو المتعلقة في وجودها بحبل سرتها، من التزاماتها الأخلاقية والإنسانية والشرعية، أي بمسؤوليتها تجاه الأغلبية الاجتماعية نفسها. والحال أن العلمانية لا يمكن فهمها واستيعاب قيمتها الايجابية من خارج الممارسة الديمقراطية بالمعنى العميق للكلمة، أي بما تمثله من تجسيد عملي للثقافة والقيم الإنسية. فهي التكريس الطبيعي لتربية الأفراد وتدريبهم على اختراق قشرة الاعتقادات والمذاهب والهويات الخصوصية للوصول إلى البذرة الواحدية المشتركة بينهم، أي إلى اكتشافهم إنسانيتهم المشتركة، ووحدتهم في الإنسانية. وهي ترتبط إذن بالإيمان بمقدرة جميع الناس، بصرف النظر عن أصولهم ومشاربهم، على الارتفاع إلى مستوى الإنسانية، وتجاوز قيود الخصوصيات الثقافية والدينية. ومن المفروض أن يسمح مثل هذا الوعي الإنساني المشترك إلى انخراط أوسع في عملية تحرير الإنسان، ويربط العلمانية، من حيث هي وعي بماهية الإنسان الواحدة، بقضايا التحرر الثقافي والسياسي والاجتماعي، ويلغي عنها طابعها السلبي، الإطلاقي والتجريدي.

هذا هو المدخل لفهم الموقف من المجتمع ككل، على تدينه، بل تعصبه اليوم، والموقف من مختلف التيارات الإسلامية وغير الإسلامية أيضا. ومن هنا ليس من قبيل الحكمة السياسية، في نظري، التركيز على انقسام المجتمع عموديا إلى علمانيين حاملين لقيم العقل والحق والقانون وإسلاميين، علنيين أو مستترين، لا هم لهم سوى نشر مذاهبهم الظلامية واللاإنسانية، وإحباط مسار التحديث والتنوير. ولا يخدم مثل هذا التصور وهذا التقسيم الذي يقضي على الفروقات والتمايزات العديدة الأخرى، التي من دون التعامل معها وإبرازها يستحيل تجاوز التناقض بين العلمانية والدينية نفسها، قضية العلمانية ولكنه يهدد بتحويلها إلى هوية نخبة قليلة وضيقة معزولة عن المجتمع، وتحويل الدينية أو العصبية الدينية إلى هوية جماعية، ويدفعها إلى أن تكون مصدر عقيدة خلاصية وتمردية، مناهضة للنخبة والدولة معا.

يتطلب تحقيق العلمانية، كما ذكرت، طرح أجندتها ضمن أجندة أوسع منها تعطيها معناها وتعيدها إلى مكانها وحدودها، أي كجزء من عملية تحويل ثقافي وسياسي واجتماعي شاملة، تعنى بتحرير الإنسان وانعتاقه الفكري والسياسي، لا كبديل عن هذه العملية المعقدة والمركبة والطويلة، أو كمبرر لتجنب الخوض فيها. وهذه الأجندة هي في نظري الأجندة الديمقراطية التي تدخل في إطار الممارسة السياسية ولا تقف عند التبشير الفكري والجدل النظري. وبالإضافة إلى ذلك، تقدم الممارسة السياسية فرصا للتفاعل الفكري والسياسي تتجاوز بما لا يقاس ما يقدمه النقاش المحدود بين المثقفين من حول مفاهيم ونظريات. فهي تضع مصالح اجتماعية فعلية على المحك وفي الرهان. وتجبر أصحابها على الدخول في تحالفات مع قوى تختلف عنها من حيث الثقافة والاعتقادات والأفكار، ولكنها تحتاج إلى التعاون معها لتحقيق مصالحها. فهي تتقاطع في نقاط وتختلف في نقاط أخرى، وقد تكون من ضمنها العلمانية. لكن منطق العمل السياسي واستقلاليته النسبية يولدان ديناميكيات جديدة ويفتحان آفاقا غير موجودة على مستوى العمل النظري وحده.

فمنطق السياسة مختلف عن منطق النظرية والإيديولوجية. وهو يشكل في استقلاليته مدخلا للتحويل الفكري والسياسي معا. إذ يستدعي العمل من أجل السلطة أو التغيير تحالفات وتفاهمات سياسية، لا تتحقق من دون حوار ونقاش وتنازلات متبادلة وتسويات. وهنا تبرز القدرة الخلاقة للعمل السياسي على تغيير الأفكار وتنمية الاستعداد لتقديم التنازلات، بما فيها الفكرية والإيديولوجية، في ناحية من أجل تحقيق مصالح في ناحية أخرى. وهذا ما حصل للأخوان المسلمين السوريين الذين دفعهم تهميشهم من قبل النظام وعزلهم إلى القبول بتنازلات كبيرة في ميدان ما سموه الطبيعة المدنية للدولة مقابل إدماجهم من جديد في الحركة الوطنية الديمقراطية. لكن الأخوان ليسوا طائفة واحدة وإنما طوائف وتيارات مختلفة تفرق بينهم الانتماءات الوطنية وشروط العمل الاجتماعية. وليسوا عصيين على التغيير الفكري والإيديولوجي أيضا. ولا ينبغي استسهال التعامل معهم، أو التسليم بعجزهم عن أي تغير أو تطور في اتجاه قبول شكل من أشكال العلمانية أو على الأقل إدراك ما ترمي إليه من أهداف، لا تتعارض مع الدين، بل تصب في مصلحته الحقيقية. فرجال الدين الأتراك يدافعون اليوم، بعد التجربة، عن القيم العلمانية ولا يرون فيها مساسا باعتقاداتهم الدينية. ولم تمنع الجمهورية العلمانية التركية الأتاتوركية من نشوء أحزاب إسلامية، ولا من تعايش هذه الإسلامية السياسية مع قوانين العلمانية وتكيفها معها.

ومن منطلق عملية التغيير السياسي والاجتماعي هذه ينبغي أيضا النظر إلى مسألة التعامل مع التيارات والحركات الإسلامية الأخرى التي تبدو في نظر العديد من أنصار العلمانية الجوهرانية كتلة صلدة واحدة لا تمايز فيها ولا تناقضات ولا نزاعات. ورأيي، لا ينبغي للمثقفين أن يسلموا بهزيمتهم المسبقة، ويعتقدوا أنهم غير قادرين على التأثير عل جمهور الإسلاميين أو التواصل معه. فالإسلاميون ليسوا كائنات تعلو على شروط المجتمع والسياسة والثقافة والاقتصاد والتاريخ. إنهم بشر كالآخرين، يتأثرون ويؤثرون، يحلمون ويفكرون، يخضعون في سلوكهم لمنطق القوة ومنطق الضعف، منطق الحلم ومنطق العقل، منطق السلطة ومنطق المعارضة. وإذا كان من الصعب رؤية واقعهم المعقد والمركب على مستوى الفكرة والخطاب والشعار، فهو بارز بشكل كبير على مستوى الممارسة العملية، أي السياسية. فهم أحزاب ومنظمات لا حصر لها تتجاوز العشرات في كل بلد من البلدان، ومنها المتحالف مع السلطة والمعارض لها، والانتهازي الرخيص والمبدئي الحالم، والمتطرف الإرهابي والمتصوف الإنساني.

والقصد، ليس هناك أي مبرر أخلاقي لافتراض القصور الجوهري لهذا الفرد أو ذاك، بسبب اعتقاداته في هذه الفترة أو تلك، في أن يتحول ويتغير من خلال التوعية والتربية والحوار، وأن يدرك القيمة الايجابية للعلمانية. وكلنا نعرف نتائج سياسات العزل والإقصاء ومآلاتها. ولا مصلحة لأحد في نبذ أي طرف أو إدانته الأبدية، علمانيا جهاديا كان أم إسلاميا متشددا. وكما شهدنا في العقود القليلة الماضية، تحولت شعوب بكاملها من إيديولوجية إلى إيديولوجية نقيض، وانقلب مثقفون شيوعيون ستالينيون، في العالم العربي وغيره، من عقيدتهم المادية، شبه الإلحادية أو الإلحادية، إلى دعاة إسلاميين، وأدانوا تجربتهم السابقة. وقاد بعضهم حركة الانتقال نحو الديمقراطية في العديد من أقطار الشيوعية السابقة في أوربة الشرقية والاتحاد السوفييتي. وتخلى الإسلاميون الأتراك عن أوهام عديدة، وقبلوا بالعمل على قاعدة الحفاظ على الجمهورية العلمانية في تركيا، وساهموا بوصولهم إلى السلطة مساهمة كبيرة في تعزيز الديمقراطية التركية وجعلها خيارا لا رجعة فيه، بعد أن بقيت في حماية القوى العسكرية، إن لم نقل رهينة في يدها.

لا ينبغي أن يكون موقفنا من الحركات الإسلامية موقف الإدانة النهائية والتوحيد الشامل في ما بينهم وإنما، على العكس، السعي إلى إدماجهم في النظام السياسي لدفعهم لتبني مواقف أكثر ميلا لقبول التعددية، والتمييز بين تياراتهم المختلفة وتشجيعها على التحول إلى حركات إسلامية ديمقراطية. فوجود حركة إسلامية ديمقراطية سيعزز حركة الانتقال الديمقراطي ويجعل الديمقراطية خيارا جامعا في البلاد العربية. ويستدعي مثل هذا الموقف تجنب موقف التهميش والتشهير والاستعداء، والعمل بالعكس على تطوير مواقف مشتركة وبرنامج سياسي وطني وحقوق إنساني أدنى يمكن أن تتقاطع الأطراف على العديد من نقاطه.

وفي السياق نفسه، ينبغي تجنب ربط النضال ضد الأفكار والقيم والتوازنات السلبية والخاطئة بالتشهير بالأفراد والجماعات المنخرطة فيها. فليس هدف النقاش تحطيم الخصم وقهره وإبادته، ولكن مساعدته على التخلص من اعتقاداته الخاطئة. والذي يريد أن يقضي على الآخرين ويعزلهم ويزيحهم من الصورة حتى يتخلص من أفكارهم كمن يطلب قتل الناطور للحصول على بعض العنب. هذا يبرز أهمية الحوار مع الآخر، بوصفه وسيلة لتغيير متبادل للأفكار، وربما لاكتشاف نقاط التقاء وتقارب كان يخفيها النزاع والعداء ويغطي عليها. كما يبرز أهمية احترام الآخرين وعدم الاستهزاء بآرائهم وقناعاتهم. فهذا هو المدخل الوحيد لتغييرهم وتغييرنا أيضا، أي للوصول إلى تفاهمات ووحدة فكر، في ما وراء اختلاف النظر والنظريات، وإلى بناء رأي عام قادر على التفاعل والاختلاف ضمن الوحدة والصراع، والحفاظ على الهدوء والاستقرار وضبط الأعصاب. ولا يمكن عقد أي حوار مع الآخر إذا كانت نقطة البداية إدانته المسبقة، وتسخيف عقله وعقائده، مهما كانت، والنظر إليه كما لو كان متخلفا في الجوهر، مشوه العقل أو متعصبا بالولادة، وغير قادر على التفكير أو الفهم أو التغيير. والحال، من منا لم يغير أفكاره في الثلاثين سنة الماضية. وهل كان مصدر التغيير أمرا آخر سوى فشلنا في تحقيق أهدافنا واكتشافنا محدودية تفكيرنا وضعف حججنا؟ ولماذا نعتقد أننا كنا قادرين على التغيير في تفكيرنا بينما لا يمكن للآخرين الذين يعيشون اليوم حالة لا تختلف كثيرا عما عرفته التيارات اليسارية الكلاسيكية من إخفاق، الخروج من قوقعاتهم الفكرية التي بنوها في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة؟ هل هي عقائدهم ذات المصدر الديني، أم قصورهم الفطري وتعصبهم الاستثنائي؟ لا أعتقد أن تعصب الشيوعيين الستالينيين كان أقل شدة عندما استلموا السلطة وقادوا الثورة البلشفية.

وفي النهاية تتعلق المسألة في نظري بتصوّر كلّ مثقف لدوره ومسؤولياته. هل يكمن دور المثقف في الشجب والإدانة والشماتة والتشهير، أم في دفع الرأي العامّ إلى هجر المواقف السلبية، وتشجيعه على سلوك الطرق السالكة والعقلية. يتوقف الأمر من دون شك على اعتقاداتنا الشخصية وثقتنا بالإنسان وأملنا في تحرّره أيضا. وأنا من الذين يؤمنون بحتمية التحوّل وقوّة القيم الديمقراطية بما فيها العلمانية، ويعملون من منطلق إمكانية دفع الناس إليها وتحبيبهم بها لا بإدانتهم بالجهل والتطرّف والتعصب. ولا أرى في الإسلاميين، مهما تفاقمت أزمتهم الفكرية والسياسية، وزاد انغلاقهم وتعصبهم، مخلوقات خاصّة تعصى على منطق العقل، وتعجز عن تمثل القيم الإنسانية أو تبقى حصينة عليها. بالمقابل أعتقد أننا، نحن المثقفين العقلانيين والنقديين، أكثر المهتمّين بالرأي العام والمدركين لمسؤوليتهم في تغييره. ولا نستطيع ذلك إذا كنّا خصوما له أو تبنّينا منطق الخصومة معه، حتى عندما تظهر قطاعات واسعة من الرأي العامّ خصومتها لنا وعدائها لأفكارنا.

أخيرا، تستدعي عملية التغيير السياسي في اتجاه الديمقراطية، وتكريس قيم الحقذ والمساواة والحربة، توحيد أكثر ما يمكن من القوى الحية، وتعظيم الشعور بالمسؤولية والأمانة الفكرية لديها، لا العمل على تمزيقها وبثّ الفرقة بينها وقطعها عن الرأي العامّ. فهذا التقارب السياسي هو المدخل للتقارب الفكريّ والحافز إلى تقديم تنازلات متبادلة والقبول بتسويات مقبولة بين الأطراف تسمح ببناء إجماع ديمقراطي، أي تفاهم على حصر النزاع بين الرؤى والمصالح والتوجهات في إطار الوسائل والطرق السلمية. وهذا هو شرط حصولنا على الصدقية التي من دونها لن يكون لنا أيّ أمل في التأثير في الرأي العامّ ولا في دفعه إلى تبنّي مواقف ايجابية من الديمقراطية والعلمانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This