برهان كركوتلي الكردي التائه عاد إلى فلسطين / خليل صويلح

تنطوي أعمال السوري برهان كركوتلي (1932 ــ 2004) على حسٍّ غرافيكي آسر. لوحاته بالأبيض والأسود تشدنا إلى عوالمه السحرية، كأننا نستعيد ليالي الحكواتي في مقاهي دمشق القديمة بأطيافها السردية. خطوط ثخينة تؤكد صلابة تكويناته الشعبية بنزعتها الزخرفية الحادة، كأنّها سجّادة من أشكال متداخلة ومتنافرة. نتذكر معلمه الأول أبو صبحي التيناوي، آخر فرسان التصوير على الزجاج، وتحتشد شخصياته الأسطورية في اللوحة: عنترة وعبلة، وأبو زيد الهلالي، والزير سالم. لكنّ من دون عنوان (حبر صيني على ورقة ــ 27 × 38 ـــ 1971ــــ 1975)كركوتلي أخذ هذه الشخصيات إلى فضاء شعبي معاصر، مستخدماً تقنيات «مسرح الظل» ضمن بنية هندسية صارمة. ثم يكمل هذه المناخات بنص حكائي شعبي، يكشف موقفاً تحريضياً من ظواهر اجتماعية متكلّسة، كما في «أبو فهد وزوجاته الأربع». كأن رسومه الأولى هي الوجه الآخر لقصص زكريا تامر في «دمشق الحرائق»، بحسها التدميري والفضائحي. ولعل أهمية أعماله تكمن في حشد عناصر الموروث الشعبي وأسطرتها باستخدام معطيات الفن الفطري من جهة، والزخرفة والمنمنمات من جهة ثانية، وتالياً، شحنها بزخم تعبيري ينفتح على مقترح غرافيكي وتصويري، يعكس صراعاً بين قيم متنابذة.

للمرة الأولى تقدّم لوحات كركوتلي في فلسطين التي كرّس حياته لها. المعرض الذي يقيمه «متحف المقتنيات الأثرية» في «جامعة بيرزيت» بعنوان «قصة الحب الثورة» (تنظيم عامر الشوملي)، له قصّة غريبة تشبه حياة هذا الفنّان الذي مات في ألمانيا، بعيداًَ عن أرضه بعد عقود من التيه. الأعمال المعروضة من مجموعة أهداها كركوتلي إلى صديقه الفنان الألماني يورغ لانج، وكان من مناصري الثورة الفلسطينيّة. ترك الأخير بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبادر بعض أصدقائه إلى إنقاذ الأعمال الفنية من بيته، فحُفظت في عمّان قبل أن تنتقل إلى رام الله عام 1994.

إخلاصه للغرافيك طوّر تجربته بالأبيض والأسود، ليقودها إلى حدودها القصوى في تأصيل محفورة عربية، مؤكّداً جماليّات الفن المحلّي وثراء عناصر الزخرفة العربية، وفن الرقش والتوشيح، في ردَمَ المسافة بين اللوحة والمتلقي، مستعملاً مصطلح «اشتراكية اللوحة» رأب الصدع بين ما هو بيئوي وحداثي معاً. بهذا المعنى، كركوتلي ليس فولكلورياً أو استشراقياً، في اقتناص موضوعاته المحلية، بل هو نتاج تراكمي بعد تجواله بين محترفات عالمية متباينة، أضفت على تجربته خصوصية محلية لافتة، تعبّر عن موقفه من قضايا إشكالية راهنة. ولعل هذا ما يفسر زهده بالألوان والبذخ التصويري. لنتذكر إصراره على اختيار مشروع تخرّجه من «كلية الفنون الجميلة» في القاهرة عن «مشفى المجانين»، وتأثير المعلم الأوّل بيكار في تكويناته المبكرة، لجهة النبرة الكاريكاتورية إلى إطلالاته على الفن الشعبي المغربي خلال إقامته في الدار البيضاء، وتجربته في المكسيك وإفادته من جداريات المكسيكي سكيروس، وانتهاءً بتشبّعه بمعطيات التعبيرية الألمانية.

من حي «باب الجابية» في دمشق القديمة، حيث دكان أبو صبحي التيناوي، الذي كان بوابته على التصوير الشعبي، مروراً بمدريد وانتهاءً ببرلين، يبدو المخزون البصري لهذا التشكيلي، مادةً متجددةً في إثراء موضوعاته السياسية المناهضة للطغيان. هكذا، ما إن حلّت النكبة بفلسطين حتى وثّق يوميات الألم والنزوح بموتيفات غرافيكية تؤرشف الذاكرة المنهوبة وتفضح أبعاد المأساة الفلسطينية وتربطها بالثورات العالمية كحركة مقاومة للاحتلال، كما في لوحته «لن ننساك يا شهيد» ورسومه عن القدس. وإذا بطائر الفينيق لازمة تتكرّر في أعماله اللاحقة، كبعد تحريضي للمقاومة. إذ كثيراً ما عبّر عن أهمية أن يكون الفن سلاحاً ضدّ الاحتلال. وهذا ما جعل رسومه المطبوعة على بطاقات بريدية، ترحل إلى جميع أنحاء العالم حاملةً القضية الفلسطينية.

أطلق برهان على رسوم هذه المرحلة اسم «مواويل» كأفضل تعبير عن رؤيته الشعبية لرسومه التصويرية المحمّلة بالغضب والمتجذّرة في المكان. القدس هنا هي المعنى المجازي لفلسطين. هكذا، تتواشج الكتل المعمارية بخطوطها الخشنة مع الحشود البشرية في أحوالها المأساوية والمتحدّية في آن واحد. وجوه تستحضر أبطال السير الشعبية بصلابة رسوخها في المكان، في متواليات سردية مكثّفة، تبطن حساً تراجيدياً وأسطورياً ورمزياً للمدينة المقدّسة. بساطة أشكاله التي تقارب رسوم الأطفال، تبدو منسجمة مع توجّهاته في ردم المسافة بين اللوحة والمتلقّي أو ما يسميه «اشتراكية اللوحة». لذلك، لم يغادر مرتكزاته الأولى في بناء عمارته البصرية، رغم تغيّر موضوعها، بل انخرط أكثر في تأكيد البعد المحلي للوحته. استند بذلك إلى مفهوم عميق لمعنى الأصالة من دون أسلبة أو تنميط، معتمداً حذاقة خطية عالية، تمنح اللوحة قوتها التعبيرية، وقدرتها على المنافسة بعيداً عن «التبسيطية الاستشراقية». قد نتذكر هنا أعمال رفيق شرف المنسوخة عن أعمال أبي صبحي التيناوي، وربما الجزائرية باية محيي الدين التي وثّقت كفاح الثورة الجزائرية. هكذا تحالفت أعمال كركوتلي مع مفاهيم الفن الثوري دون أن تفقد حصانتها التشكيلية وبراءة مفرداتها الأولى.

عن جريدة الأخبار 27/8/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق