“بريء” السينما المصرية و”المنفردة” السورية – مقاربات فنية لمقولات أيديولوجية حيناً وإنسانياً حيناً آخر

يميل الكثيرون إلى الابتعاد عن مقاربات تقوم بين شكلين مختلفين فنياً، من طراز ما نتناوله الآن من مقاربة بين فيلم سينمائي وعرض مسرحي، ومرد ذلك إلى الأسس والأدوات التي يقوم كل من الشكلين بالاستناد إليها، لكننا نعود هنا إلى الإغناء الذي يمكن لمثل هذه المقاربة أن تضيفه في محاولة تلمس آليات التعاطي الفكرية مع القضايا الإنسانية المعاصرة أياً كانت أبعادها.

يتناول فيلم “البريء” 1986- وهو أحد أجرأ الأفلام في تاريخ السينما المصرية- قضية ذات حساسية عالية، لعلّ أغنيته أبرز ما يُعبر عنها حيث يقول مطلعها: “إزاي يا إنسان تقدر تفرّق ما بين السجين والسجّان؟!!”، والحديث عن حساسية هذه القضية هو حديث عن أيديولوجيات أطّرت الإنسان العربي في مرحلة زمنية معينة من تاريخ مصر والوطن العربي، ومارست قمعها الأمني على المواطنين تحت راية الدفاع عن الوطن !!.

أمّا حكاية الفيلم فهي عن الفلاح القروي البسيط ” أحمد سبع الليل– لعب دوره بامتياز رفيع أحمد زكي” الذي يسخر منه معظم أهل القرية، ولا يتوانى شبابها عن أذيته طالما أنّ فرصة المتعة بالضحك عليه قائمة، لكن الشاب المتعلم ” حسين وهدان– لعب الدور ممدوح عبد العليم” وبفضل رؤيته الإنسانية يعمل على الدفاع عنه وحمايته، وحتى محاولة تعليمه، وذلك إلى حين انتقاله إلى المدينة طالباً جامعياً. وفي الفترة ذاتها تقريباً يُطلب “أحمد” لأداء خدمة العلم، حيث يُعيّن حارساً في أحد المعتقلات السياسية في الصحراء، وذلك لضعف قدراته الذهنية.

في ذلك المعتقل يستقبل “أحمد سبع الليل” الوافدين إلى جانب، وتكون المواجهة الأولى هي الضرب على الدوام، لتعريف القادمين بأنهم قد غدوا فعلاً في المعتقل، حتى أحد المرّات التي يحاول فيها أحد المعتقلين الهرب فيها، ليعود “أحمد سبع الليل” ويمسك به إثر مطاردة طويلة في الصحراء ومن ثمّ يقتله، إيماناً منه أنّ قتل أعداء الوطن هو السبيل كي يعود كل “عسكري إلى غيطه وداره”، وتكون جائزته الترفيع إلى مرتبة “العريف” وإجازة مدتها يوم واحد، يعود فيها إلى قريته حيث والدته المسكينة مع أخيه المعاق ذهنياً.

إلا أنّ وصول دفعة الطلبة الجامعيين ومعهم “حسين وهدان” يقلب الصورة، فالأستاذ كما يعرفه “أحمد” ويؤمن به لا يمكنه وبأي شكلٍ من الأشكال أن يحاول الإساءة إلى الوطن، أو أن يكون عدوه. وعقاباً على رفضه ضرب الوافد الجديد تغلق عليهما زنزانة واحدة وترمى إليهما الأفاعي، وفي مشهد من أجمل مشاهد السينما المصرية عن محاولة البقاء البائسة، يموت الأستاذ. فاتحاً بهذا بوابة فكرٍ جديد أمام ذلك الريفي البسيط… بماذا نؤمن؟ “حسين” لم يكن وليس خائناً.. إذن لماذا نقتل؟ ومن هم أعداء الله والوطن، ومن حماته؟ ومن نصّب الاثنان في مواقعهما هذه؟!! وعليه يوجه الفيلم يوجه إدانة صريحة وواضحة إلى ممارسات النظم الأمنية، التي تصنفنا بحسب رسم وجودنا الأيديولوجي …مغتالة ً بهذا جوهرنا الإنساني الأكثر جمالاً.

على ذات المنوال تابع الجمهور السوري مؤخراً مسرحية “المنفردة” لفرقة “الخريف” المسرحية، سجّان يُعذب سجينه في اللوحة الأولى حيث ينهار هذا الأخير من فرط ألمه، لكن ومع انتهاء الجولة تقلب الموازين بسحابة تصورٍ سُريالية، ليجلس السجّان “أدى الدور رامز أسود” ممسداً يده المتعبة من كثرة الضرب، والسجين “أدى الدور نوار بلبل” يشرب شايه بهدوءٍ ومتعة، مع بعضٍ من الألم في قدميه !! وتتوالي المشاهد كاشفة ً لنا عن معتقلٍ يساري يُعلمّ ذلك السجّان الحالم بالحصول على الشهادة الإعدادية بُغية ً أن يفخر به ولده القادم على الطريق بعد محاولاتٍ عدة باء معظمها بالفشل.

بين جولة التعذيب وسرقة اللحظات حتى رنين جرس الجولة التالية من التعذيب تتكشف أمامنا الجوانب الإنسانية لكلا الشخصيتين، السجّان العنين- وهي تيمة بائسة شبه مكرسة في تناول مسرحنا السوري لشخصية السجّان، كما بدأها الراحل المسرحي “سعد الله ونوس” في نصّه الأخير “الاغتصاب”، السجّان البسيط، في مواجهة السياسي الذي دفعته زوجته إلى دخول السجن عوضاً عن أحد قادة الحزب المؤثرين، السياسي الذي يرفض التوقيع المطلوب منه للخروج من السجن خوفاً من أن طردته زوجته- النضالية- من المنزل وتمنعه من رؤية بناته، وليس إيماناً منه بالشعارات التي يرددها كشريط تسجيل يعيد ذاته، “يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلامَ…”.

وهكذا نجد أنفسنا في وضع المقارنة بين حكاية تطرح بآليتين فنيتين مختلفتين، وفي زمنين مختلفين، وإنما هي عن زمنٍ واحد لا أكثر، عن إنسانين (سجين وسجّان)، ولكن النتيجة مغايرة تماماً وذلك ليس استناداً إلى أشكال الطرح الفنية المختلفة فقط، وإنما إلى مجموعة عوامل أخرى كذلك، لعلّ واحداً من أهمها معرفة الكاتب الجيدة بموضوعه، فوحيد حامد كاتب سيناريو وحوار “البريء” كتب بالاستناد إلى تجربته الشخصية كما عاشها في انتفاضة 16-17 يناير 1977، في حين يجهل كل من كاتبي النص المسرحي “نوار بلبل” و”رامز أسود” أيّ تفاصيل معاشة وملموسة في العلاقة بين السجين والسجّان.

نضيف إلى هذه النقطة، إمكانية الفن السينمائي اللعب ضمن مساحات زمنية مختلفة، في حين قوم اللعب المسرحي على تكثيف الزمن واختصاره إلى لحظة الحاضر وفق ثنائية “الآن.. وهنا”. وعليه فقد كانت أمام الفيلم إمكانية نسج العلاقة الإنسانية بين القطبين من زمن ماضي، تأتي لتقتحم لحظة الحاضر في المعتقل وتعيد صياغتها على الأقل بالنسبة للسجّان “أحمد سبع الليل”، أما علاقة “أبو نضال” وسجّانه فهي علاقة حُكمت بظرفها الزمني ورتابته، حُكمت بسذاجة طرفيها، السجين الأجوف فكرياً على الأقل، وسجّانه الذي يؤدي واجبه الوظيفي بكل آلية ومكيانيكية، تماماً كما يُطلب من “أحمد” أن يفعل وحتى أن لا يعزف على نايه، باعتبارها الإشارة الإنسانية الأكثر براءة في زمن لا يعترف بالمسحات الإنسانية. فكانت طبيعة العلاقة المسرحية الهشة بنيوياً من أبرز العوامل التي أضعف العمل بشدة، حيث أتت نتائجها باهتة وغير مثمرة، سوى عن سقوط الطرفين- إنسانياً- في خاتمة العرض، وهو سقوط يطرح علامة استفهام أكثر منه كلمة فصل، في حين أننا شاهدنا تحولا حقيقاً داخل شخصية السجّان سينمائياً، تحول قوامه التساؤل الفكري لدى ذلك البسيط ذهنياً “احمد سبع الليل”.

النقطة الأخيرة التي نتناولها بالحديث، تستند إلى الرؤية الفكرية التي أراد مخرج كل عمل تقديمها، ففي حين اختار “عاطف الطيّب” الحديث عن إنسان بسيط، ساذج، وعن علاقة إنسانية مجردة من كل التنظيرات الأيديولوجية، فقد انتهى بفيلمه إلى الانتصار للإنسان ورفض الأيديولوجيات السياسية.

أمّا “نوار بلبل” الذي يُعرّي كل من شخصياته في المشهد الأخير من أي زيفٍ خارج، محاولاً الاقتراب من الإنسان كما هو في ذاته، فقط خسر عرضه رسالته الإنسانية، حين ورّط نفسه بإدانة اليساري والأيديولوجيا الفكرية التي يحملها تحديداً، وذلك عبر إدانته للنظام الذي قاد بالسياسي “أبو نضال” حتى زنزانة المعتقل، دون أن يضطر إلى هذا لو أنه اكتفى بالحديث عن المعتقل أياً كان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق