«بريدا» لـ: باولو كويلهو

يقدّم الروائيّ البرازيليّ باولو كويلهو في روايته «بريدا» سيرة فتاة إيرلنديّة تعيش هاجس البحث عن الحكمة والمعرفة، تسعى إلى تعلّم السحر، لاكتشاف الأسرار المتعلّقة بالنفس والكون، تكافح في البحث عن ذاتها. كأنّ بريدا تكون وجهاً آخر لـ«ماريا» بطلة روايته الأثيرة «إحدى عشرة دقيقة»، تلك الرواية التي أحدثت ضجّة عالميّة حين صدورها، ذلك أنّها تُدفَع إلى البحث عن الشخص الذي يتمتّع بالضوء الخاصّ، وحين تعثر عليه أو تتعثّر به، ستكون قد وجدت نصفها المكمّل لها.

يذكر الكاتب في مقدّمته أنّ قصّة بريدا حقيقيّة، وأنّها نفسها ظلّت تضع العوائق لسنواتٍ، وتسأل عن القرّاء الذين سيقرؤون روايتها، وعن إمكانيّة الاستفادة من تجربتها، التي قد لا تُكسب الآخرين كثيراً.. يقسّم كويلهو كتابه إلى قسمين، يعنون الأوّل بـ«الصيف والخريف»، والثاني بـ«الشتاء والربيع». وهو في هذا التقسيم يربط الرواية بالحياة، يشير إلى تمَرئي أحدهما في الآخر، حيث تكتمل الرواية باكتمال دورة الفصول الأربعة، كما يربط خلال سير أحداث الرواية بين دورة الطبيعة ودورة القمر، ودورة المرأة الشهريّة أيضاً، يؤكّد تكامل الفصول فيما بينها.. وعدم انفصال الإنسان عمّا يجري حوله في الكون، حيث تقاطع العوالم الداخليّة والخارجيّة، وتكاملها. البرّانيّ مرآة للجوّانيّ.

ينطلق كويلهو من التأكيد على القوّة الداخليّة عند الإنسان، تلك القوّة التي تمنحه طاقة في تحمّل الصعاب، وتدفعه إلى المجازفة والبحث. تكون بريدا مدفوعة برغبة الاكتشاف التي لا تهدأ في روحها، فلم ترضَ أن تعيش حياة طبيعيّة كالآخرين، بل أرادت أن تكون لها أسطورتها الشخصيّة، تماماً كما في رواية «الخيميائيّ» لكويلهو، حيث أنّ بطله يبحث عن أسطورته الشخصيّة، يقطع المسافات بحثاً عنها، وهنا أيضاً، تبحث بريدا عن أسطورتها الشخصيّة، تلوذ بساحرٍ كي يعلّمها السحر، عساها تستطيع أن تجد حلولاً لبعض الأسئلة التي تعدّها حياة، كي تستطيع أن تتعلّم ما يتعلّق بالقدرات السحريّة، وربّما، كيفيّة السفر عبر الزمن. لم يقبل الساحر تعليمها إلاّ بعد أن امتحنها بسؤال محرج، وهو افتراضه بعد أن يشرع في تعليمها، وبعد أن يريها الأكوان المتوازية، الملائكة، حكمة الطبيعة، الطقوس السرّيّة لتعاليم القمر وتعاليم الشمس، أنّها إذا نزلت بعد ذلك إلى المدينة والتقت محبوب حياتها، هل ستتخلّى عن كلّ شيء لتمكث معه. وبعد صمت ومراوغة من بريدا أجابت بأنّها ستتخلّى عن كلّ شيء. حينذاك يصدّقها الساحر، لأنّه يتأكّد من أنّها تقول الحقيقة.. ويقف عند رغبتها في تعلّم السحر، حيث يخبرها أنّه سيعلّمها «تعاليم الشمس». ويكون الساحر أثناء امتحانه لها قد وجد فيها خليلته، من خلال رؤيته للضوء الخاصّ فيها.. لكنّها لم تكتشف ذلك.. أكّد لها وجوب تحمّل ما تتعرّض له من عوائق، خطر الفشل، خيبة الأمل، الهزيمة واليأس، كما نبّهها إلى وجوب عدم التردّد حين وجودها طريقها: «حين تجدين طريقك، ينبغي لك ألاّ تخافي. أنت تحتاجين إلى شجاعة كافية كي ترتكبي الأخطاء». ص22.

ترتاح بريدا إلى كونها أصبحت تلميذة عند الساحر الذي تكفّل بتعليمها، وفي الوقت نفسه تستكمل رحلة البحث عن الحكمة، حيث تستدلّ على الحكيمة «ويكا» التي تدلّها على أنّ الإنسان أبديّ، يمرّ بحيوات عدّة وميتات عدّة، منبثقاً من مكان مجهول إلى مكان آخر مجهول، ونبّهتها إلى اعتياد الحقيقة القائلة إنّ هنالك أشياء كثيرة في السحر لا ولن يكون بالمستطاع تفسيرها.. تتحدّث عن فكرة التناسخ، لا تناسخ الأجساد فقط بل انشطار مرافق للأرواح، حيث كلّ روح تتحرّك وتنشطر إلى اثنين، وتلك الأرواح الجديدة بدورها تتحوّل إلى اثنين، وهلمّ جرّاً، حتّى يكون الانتشار الواسع في نطاق أجيال قليلة.. كما تحدّثها الساحرة ويكا أنّ الإنسان يشكّل جزءاً ممّا يسمّيه الخيميائيّون «روح العالم».. وتؤكّد لها أنّ الروح في انشطارها تنشطر إلى جزء ذكريّ وجزء أنثويّ، وأنّ عمليّة إيجاد الذوات المنشطرة تسمَّى الحبّ.. وتربط نظريّتها بالتفسير الوارد في كتاب سفر التكوين: «انشطرت روح آدم إلى اثنين، وولدت منه حواء». ثمّ تدلّها على بعض الطقوس التي ستؤدّيها. لأنّ ذلك سيساعدها في التعلّم، الذي يحتاج صبراً دؤوباً، وتأمّلاً مواظباً..

تتواجد شخصيّات أخرى في حياة بريدا، منها حبيبها لورينز، الذي تكتشف فيه خليلها، تحبّه ويبادلها الحبّ، على الرغم من أنّه لا يؤمن كثيراً بمزاعمها، كأنّه يكون صوت المشكّك المستفسر عمّا يجري، ويبحث عن إجابات منطقيّة لما تهجس وتوسوس به صديقته التي يكمل معها الطريق الذي تسلكه، يرافقها في الشعاب والجبال، وهي التي ترى فيه خليلها، تقرّر أن تكتشف السرّ معه تحديداً..

{{اكتشاف السرّ:}}

تؤكّد الساحرة ويكا لبريدا، أنّ الإنسان لن يكتشف سرّ الطبيعة، وسرّ القوّة، حتّى يكتشف سرّ نفسه، وأنها قد تعاملت مع جانبها الرجوليّ: المعرفة فقط، وأنّه ينبغي عليها ملامسة القوّة الأنثويّة العظيمة، التي هي إحدى الطاقات التحوّليّة الكبرى، وأنّه سيتمّ قبولها في عمليّة الدخول الربيعيّ عندما تنجح في اكتشاف الأسرار، وأنّ النساء يمتلكن تلك القوّة التي تُهْن بسببها في عالم خطير عدائيّ، لأنّهنّ مَن يوقظن تلك القوّة التي يمكن تحويلها إلى قوّة سحريّة نفّاذة، تقول الساحرة عن تلك القوّة: «هذه القوّة حاضرة في كلّ شيء من حولنا: إنّها حاضرة في العالم المرئيّ للناس الاعتياديّين وفي العالم اللامرئيّ للصوفيّين. يمكن قتلها، سحقها، إخفاؤها، وحتّى إنكارها، يمكنها أن تبقى ساكنة على مدى سنوات، منسيّة في زاوية ما في مكانٍ ما؛ يمكننا أن نعاملها بأيّ طريقة نشاء، إنّما ما إن يجرّب الإنسان، أيّ إنسان، هذه القوّة، حتّى يتعذّر عليه نسيانها، رجلاً كان أم امرأة». ص133. تكون تلك القوّة: الجنس، وسيلة لاكتشاف السرّ، والسرّ نفسه يكمن في الجسد، ولا يتمكّن الإنسان من اكتشافه إلاّ عبر الجنس، الذي يشكّل بوّابة التعرّف على العالمين: الداخليّ والخارجيّ، حيث كلّ واحدٍ منهما يؤدّي إلى الآخر، ويفضي إليه، ويستحيل الفصل بينهما.. كما أنّ السعادة تترافق مع الخوف أثناء ممارسة الجنس، تبرّر ويكا ذلك بقولها: «لأنّ الناس الذين يكونون في تماسّ مع الجنس يعرفون أنّهم يتعاملون مع شيءٍ يحدث بكلّ قوّته حين يفقدون السيطرة». تشرح ويكا لبريدا كيف يسمح المرء، عندما يكون في الفراش مع شخصٍ ما، لذلك الشخص ليس فقط أن يتّصل اتّصالاً حميماً مع جسده، بل مع كينونته كلّها.. وأنّه يستحيل على المرء أن يخفي حقيقته، التي تتجلّى بوضوح أثناء الجنس، حيث من الصعب خداع الآخر. حينها ينكشف السرّ. والصيغة التي تعتمد لاكتشاف السرّ هي في استخدام الحواسّ الخمس التي إذا جاءت كلّها معاً في لحظة النشوة الجنسيّة، سيتمّ القبول في الدخول الربيعيّ.. تكتشف بنفسها الأسرار الكبرى.. تتفّتح براعم وأزاهير الحياة..

ثمّ يؤكّد لها الساحر بدوره أنّ الجنس بوّابة الدخول إلى عالم السحر، وأنّ علاقات المرء مع العالم الخارجيّ تأتي من خلال الحواسّ الخمس، وأنّ الغوص في عالم السحر يعني اكتشاف حواسّ أخرى مجهولة، ولا يكون اكتشاف تلك الأبواب إلا عبر الجنس الذي يدفع إلى ذلك.. حيث لا يهمّ ما إذا كان المرء يسعى إلى الحكمة أو السعادة عبر قوّة الجنس، لأنّ التجربة ستكون كلّية، وأنّ ما يدفع الشخص صوب النشوة هي الحواسّ الخمس التي كلّما تثار يقوى الحافز نحو النشوة، وتكون النشوة أقوى.. يقول لها: «في لحظة النشوة الجنسيّة، تتلاشى الحواسّ الخمس، وتدخلين عالم السحر، لن يكون بوسعك أن تري، تسمعي، تتذوّقي، تلمسي أو تشمّي. طيلة تلك الثواني الطويلة يختفي كلّ شيء، كي يحلّ محلّه النشوة الجنسيّة. إنّها على وجه الدقّة النشوة نفسها التي يصل إليها الصوفيّون بعد سنواتٍ من النكران الزهديّ للذات والتهذيب». ص 144.

في الوقت نفسه يقع الساحر في فخّ الانغواء ببريدا، لكنّه يقاوم ذاك الإغراء، ولا يتورّط بممارسة الجنس معها، عندما سألته أنّ يعلّمها.. اكتفى بنصحها، ولم يستسلم لرغباته، لأنّه كان قد روّض جموحه إثر تجاوزات وحماقات كان قد ارتكبها.. في تلك الأثناء تقرّر بريدا أن تكتشف السرّ مع حبيبها لورينز، لكنّها كانت متردّدة في إبلاغه بنيّتها، ثمّ عندما اتّصل بها في ذلك الصباح الصقيعيّ، وأخبرها برغبته التمشّي على طول الجروف. أسعدها الخبر، وسارت في الأمر حتّى النهاية. أثناء ذلك المشوار، أخبرته بأنّها تحبّه، كانت متأكّدة أنّها بشيء من المخاطرة، سوف تجرّب الحبّ كما لم تجرّبه من قبل.. لم يتوانَ لورينز عن مداعبتها، وهما في جوّ باردٍ، وعلى أرض قاسية، دسّ لورينز يده تحت بلوزتها وداعب ثدييها، سلّمت بريدا نفسها كلّيّاً. كانت تشعر أنّ قوى العالم تخترق حواسّها الخمس وكانت هذه تتحوّل إلى طاقة ساحقة. استلقيا على الأرض بين الصخور، وبدأا يمارسان الحبّ. لم يشعرا بالبرد ولا بضغط الصخور على ركبهما، لأنّ ذلك بات جزءاً من سعادتهما. «بقيت في تلك الحالة لأطول مدّة ممكنة، في حين كان جزء منها واعياً بصورة غامضة أنّها كانت تقوم بأشياء لم تقم بها من قبل. ما كانت تشعر به، ومع ذلك، هو أن ترافق نفسها مرّة أخرى مع معنى الحياة؛ إنّها عودة إلى جنّة عدن؛ كانت تلك اللحظة التي تمّ امتصاص حواء ثانية في داخل جسم آدم وأصبح النصفان خليقة». ص155. اكتشفت بريدا السرّ، تعلّمت السحر، تعرّفت على جسر يربط المرئيّ باللامرئيّ. ثمّ استكملت اكتشافها في الليلة الباخوسيّة التي دعت إليها «ويكا»، حيث تبيّن أنّ الساحر كان قد تعلّق بها، وكانت قبل ذلك قد تعرّفت على حكاية أمّها التي حكت لها أهمّ أسرار حياتها، كانت بريدا قد حدّدت سياستها إزاء كثير من الأمور، وخطّطت لما ستفعله..

في تلك الحفلة الغرائبيّة التي بدت كأنّها خارج الزمن، ارتحلت بريدا عبر الزمن، على الرغم من أنّها لم تشرب كالآخرين الذين أسرفوا في الشرب، لكنّها كانت أكثرهم اكتشافاً، اكتشفت جسراً آخر بين المرئيّ واللامرئيّ. انتشت بعد أن استبدّت بها موسيقى قرع الملاعق بالقناني، حيث كانت تصدر إيقاعاً متجانساً، تغلغل في ثنايا روحها وجسمها، بدأت بالتعرّي شيئاً فشيئاً، قلّدها في ذلك بعض النسوة، وكان أن تحوّلت الحفلة إلى حفلة عري. لأنّ الإنسان يعيش حقيقته عبر العري، تلك الحقيقة التي قد يسترها الثوب، العري الذي يشكّل عودة إلى الأصل من دون تزييف أو تضليل.. كان القبول، كانت الشعيرة المقدّسة، كانت المباركة، وكان الاكتشاف الأعظم، اكتشاف الطاقات الكامنة، اكتشاف الضوء الخاصّ، التعرّف إلى الخليل.. والأسطورة الشخصيّة..

في «بريدا» يجدّد كويلهو أطروحاته حول رؤيته للعالم.. يركّز على قوّة الإنسان الداخليّة، يعلي من شأن الطاقات الكامنة، كما أنّه دائم التركيز على الإيمان بالروح التي لا بدّ من الاعتماد على سطوتها وقوّتها، في مواجهة ما يستبدّ بالإنسان في العالم الخارجيّ. ولا ينظر إلى الجنس كضعف أو سقوط في هواية الرذيلة، بل يجعله أسّ النجاح، الجنس عنده سرّ الحكمة والمعرفة والقوّة. الرواية وفق ذلك رواية تكامل العالمين: الجوّانيّ والبرّانيّ.. وكيف يكون التأثير النافذ متبادلاً بينهما.. لا تناحر بين الروح والجسد. ولا صراع حول الملذّات. ففي الجنس يتوحّد العالمان..

{{رواية «بريدا» لباولو كويلهو. ترجمة: علي عبد الأمير صالح. منشورات دار نينوى/ دمشق. 2009. عدد الصفحات: 248. القطع الوسط.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق