بسام حجار وشعر «البيت» / عباس بيضون

توفي بسام حجار، الذي كان متوارياً عن الأنظار تقريباً، وللحال شعر الجميع بأن شاعراً مهماً غاب، بل ويبدو أن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن يحظى الشعر العربي بشاعر له فرادته، فبسام الذي خاطب الباب، باب حجرته غالباً، بأنه سيعيش بعده، كان يحسن أن يحبس العالم في حجرته وأن يلخص الحياة في عناصر قليلة تأخذ حضوراً أيقونياً. كان في بعض أعماله شبيها بجياكوميتي لا يمل من العودة إلى ذات الأشياء التي يجعلها كل مرة ذاتها لكن بتبديل ضئيل. كان يتكلم دائماً عن أشياء حقيقية، أشياء يدين لها بذاكرته ووجوده، أشياء عرفها أكثر مذ غابت عنه، أو عرفها بغيابها لأن الغياب هو بذلك باب لمعرفة الأشياء، ولأن الوجود هو بحسرة فقدانه. هكذا تعود هياكل الأشياء وللأشخاص وشعاراتها «اللوغو»، كذلك الرجل الذي يعرف بكناريه، أي انها تكاد تكون مزارات أكثر منها شيئا آخر، أي أنها ليست ما تستنقذه الذاكرة من الغياب بل هي لا تدخل في لعبة الذاكرة والنسيان. ليست حنيناً ولا اشتياقاً ولا شعوراً بالخسارة، بل هي الوجود وقد استحال غياباً أو تأطر بالغياب او حضر الغياب محله ولم يعد سوى فقدان الزمن وتكرار الفراغ.

كذلك الرسام الذي يرسم بأول لون يجده، كان بسام يبدأ بأول كلمة يجدها. في الواقع كان دائماً يجد بمجرد أن يبحث. كان يجلس إلى الكتاب والأشياء حاضرة في فكره وما ان يبدأ حتى يجدها. لا نعرف أن لقصيدته مثالاً في رأسه. لم يكن يتبع أي نموذج، كانت قصيدته كما يقول من 50 كلمة، كانت نوعاً من عمارة الفقر، الفقر الذي هو نوع من التصوف الكلامي، الشعر ينشأ من علاقات تغدو ببساطة حدوداً. تعطي كلاماً عادياً لأفدح الأمور وأكثرها تعذيباً، تصنع للألم أرشيفاً، تحول الجملة إلى شعيرة عصبية. كان الكلام دائماً أقل من موضوعه، إنه نوع من مسكن طبيعي لما هو في الأصل رعب، لما هو في الأصل لا تسعه الكلمة كأنه أرهب من أن يقال. الرعب يغدو أليفاً، الكارثة تغدو عادية، الكلام يستقبل صدمات تجعله في الغالب مذهولاً مما يعانيه وشبه صامت أمامه. يكتفي أحياناً بأن يسميه أو يجعل منه جدلاً داخلياً، من هنا شجاعة النص الحجاري، إنه يقول أكثر الأشياء رهبة كما لو كان حديثاً يومياً. انه يسند إلى الـ50 كلمة التي هي كل نصه، ان تحمل أثقالاً بلا حدود، يسند إليها في نصوصه الأخيرة ان تحمل استشرافه المبكر لموته. ان تقول عدمه كما لو كانت تروي حكاية. يمكننا هنا أن نتذكر بلانشو ونقول إن بسام حجار كان يكتب موته، وقد جعل بذلك هذا الموت أليفاً حتى كأنه كلمة، حتى كأنه بالكلام يخرجه من نفسه أو يتمرن عليه. هكذا تبدو بساطة شعر بسام خادعة. إنها بساطة الجرح وبساطة الألم وهندسة الكابوس. كأن بسام يحمل الرعب إلى أكثر الأشياء عادية، كأنه بذلك يحمي نفسه منها. كأنه بذلك يرميها خارجاً، لكنه كان بذلك يحول أشياءه الأليفة إلى طلاسم، ويحيط نفسه بالرعب ويحول عالمه وحياته إلى وطن لأقسى الأشياء وأكثرها هولاً.

ناضل بسام حجار في صفوف اليسار الشيوعي إلى ان خرج منها. كان بالتأكيد من اكثر الأدباء العرب ثقافة، إن لم يكن أكثرهم علماً بالرواية العالمية التي كانت خبز مطالعته، وفاق اهتمامه بها بمراحل اهتمامه بالشعر، فليس الشاعر بسام حجار ممن يستولدون الشعر من الشعر. ويستولدون الأدب من الأدب، لا بد أنه لم يتقصد الأدب اساساً. مع الوقت كان نصه أقل اهتماماً بالمباراة الأدبية. يقل تفننه وتقل معماريته وتزداد في الوقت ذاته خصوصيته وحميميته ويدخل شعره أكثر في حياته الشخصية، بل يدخل أكثر في نسق هذه الحياة وإيقاعه. إذ اقتربنا من موضوعات هذا الشعر نجدها تكاد تتقلص إلى موضوعين خارقين. البيت والوفيات العائلية: البيت العامر بحيطانه وأبوابه وأغراضه، والبيت الأول الذي تتناقص الحياة فيه. أي ان موضوعي بسام قد يكونان في نهاية الأمر واحداً. الحجرة التي تحيطه كجدران الرحم والحجرة/الرحم التي انهارت حوله. لا يحتاج بسام حجار إلى ان يفصح عن داخلية موضوعه، فمن الواضح انه تقريباً في داخل الداخل وأن الشعر لم يكن بالنسبة له سوى حبل السرة. أي انه كان أقرب إلى الحجرة الرحمية، إنه نكوص إلى هذه الحجرة ويشكل في تراجعه إليها شريان حياة. في هذا الإطار لا يبقى للأدب سوى هذا العري الكلامي. يبدأ الشعر من البيت ويتحول إلى بيت، تذكر أشياؤه وتعد وكأنها إبان تثبيت واستعادة. كان بسام حجار كلما عاد إلى البيت جلس يشرب ويقرأ ويشاهد السينما في الفيديو. لقد عاد إلى أمانه ما ان عاد إلى بيته وكأنه بلغ هكذا حماه. لم يتعرض بسام في شعره لنضاله السياسي ولا غرامياته ولا قراءاته. بل يمكن القول إنه تفادى أن يظهر ثقافته في شعره. أراد لهذا الشعر أن يبدأ من بداية كل يوم. كتب هكذا سفر تكوينه الخاص. جعل من «البيت» لاهوته اليومي. جعل منه نقطة الدائرة، كتب هذه المقدمة لحياته الشخصية بلغة تكاد تبدو غير شخصية. بلغة تكاد تشبه مزموراً أو نشيداً توراتياً. سنلاحظ ان وضوحاً شبه كافكاوي يسيطر على قلق هذا الشعر، بل يتراءى لنا أن الوضوح أجبر النص على ان يقول بلا لبس موته.

هنا أتكلم عن نصوصه الأخيرة، لكن نصوص بسام حجار الأولى لم تكن شيئاً آخر تماماً. كان البيت دائماً هو البدء، لكن البيت كان حينذاك يحوي أطفالاً ورسوم أطفال، إذ ان بسام حجار لم يزل يكلف الشعر ان يحمل ما لا يطيق الشعراء عادة ان يحمّلوه للشعر: نسكه اللاديني ومسرحه الفقير وعريه الكلامي. لا نجد أن أمام هذا الشعر أي نموذج. كأن بسام أودع في الشعر سر نفسه كاملاً وبالطبع لم يبال بأي احتفال لغوي أو لعب شكلاني، وإن كان غناء هذا الشعر ينبع في الواقع من عذاب مصمت ومن لهفة روحية ومن ترجيع التساؤل وجريانه. إذ كان ثمة معنى للصدق في العمل الشعري. فإن نصوص بسام هي المثال، الأرجح أن الفروق بين الشعري واللاشعري لم تكن واضحة في نصه تماماً. لم يكن للطبيعة أي أثر في كتابة بسام. وما سحره في بورخيس هو لعبة المرايا التي يواجه فيها الشخص طبق الأصل له، وكأن الشخصية تفرج بذلك عن تعددها، ويغدو بذلك الشخص آخر نفسه. كان هذا المونولوج الداخلي هو مطلبه من الأدب، لذا كان نصه حوارياً وكأنه نسج من الأسئلة او التساؤلات. كأنما عاش محاطاً بآخرين لم يكونوا سواه. أما إذا أردنا أن نعرف ماذا أراد بسام حجار من الشعر فإننا نفهم فوراً انه لم يشأ أن يضيف إلى الله خلقاً جديداً. كان اكثر تواضعاً من ان يحسب الشعر خلقاً او ألوهية، كان يكاد ان لا يسمي شعره شعراً. لقد شاء فقط أن يصنع بالكتابة جسوراً بينه وبين نفسه وبينه وبين أحيانه. جعل بذلك من كلمة البيت كلمة توازي «الحقيقة» أو «الأصالة» وبلغة هيديغرية تساوي «الكينونة».

 

عن جريدة السفير 28/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق