بعد إلغاء مؤتمر العلمانيّين في دمشق:
المستقبل وحده اليتيم!
سناء إبراهيم

ليس من الواقعي القول بأنّ إلغاء مؤتمر العلمانيين العرب قد أثار ضجّة في العاصمة السورية دمشق، فما كان بوسعه إثارة الضجيج. وربما تكون فتاوى تكفير العلمانيين ولعنهم هي الأحقّ بإثارة الضجّة، في شارع سوريّ احتلّ معظمُه الأصوليّون في العقد الأخير، كما احتلّوا الجامعات – المكان الأكثر قابلية للسؤال والشكّ، وبالتالي، للخروج عن النص، والاحتكام الى حركة الحياة – فضلا عن احتلالهم معظم المفاصل التكنوقراطيّة في الدولة سواء في المؤسسات الحكومية أو تلك المؤسسات الخاصة الوليدة المحكومة لقوى السوق. هذه “القوى”، وحدها، القادرة على الضجّة، فيما يذهب العلمانيون بقضاياهم الى التجاهل والنسيان حتّى ولو جمعهم مؤتمر انفض قبل انعقاده، وكان من الأسماء المطروحة للمشاركة فيه رموز علمانية من حجم صادق جلال العظم أو رجاء بن سلامة أو رشيد الخيون، أو غير هذه الأسماء من العلمانيين العرب، ليضاف اليهم جمهور ضاقت خياراته الفكرية فبات محكوما لخطباء “الأمة” الذين يحتلون منابر الشارع بما فيه راديو التاكسي العمومي وتلفزيونات النهار والمساء.

ردود الفعل على إلغاء المؤتمر وتعطيل المشاركين فيه مازالت في حدود منتجي الفكر العلماني الذين باتوا مستهلكيه. وبين هؤلاء من يحيل أسباب إلغاء المؤتمر الى السلطة السياسية باعتبارها في شهر عسل مع الإسلاميين. وبينهم من يعتقد أنّ تعطيل المؤتمر جاء للحفاظ على الساكن السوري الذي لا يحتمل الاهتزازات.

من بين مجموعة من العلمانيّين استطلعنا آراءهم الباحث نبيل فياض الذي يعتقد بأن “الدولة تريد إظهار المجتمع السوري وكأنه تجمّعات متطرّفين دينيّين لسببين:
بما أن الصراع مع إسرائيل فقد شكله القومي القديم، أي باعتباره صراعا بين الأيديولوجيّة العربيّة والإيديولوجيّة الصهيونيّة، وأخذ شكلاً دينيّا تمثّل في الصراع بين مسلمين ويهود، فإن دعم الحركات الأصوليّّة التي هي على شاكلة حماس أو الجهاد ” الإسلامي “، لا يمكن إلا أن يصببّ في تدعيم أعداء إسرائيل في مواجهتهم الدينية الحالية..” . ويتابع فياض القول “لكنّ السؤال هنا: ماذا لو حصل سلام بين الطرفين، بل ماذا ستفعل الدولة بمجتمع مشكّل من نسيج تعدّدي عزّ نظيره في المنطقة، إذا ما تسرطنت شعبيّة الحركات الأصوليّة، إن لم يكن السرطان قد انتشر فعلاً؟..”

يجيب فيّاض: “بما أنّ الغرب مسكون بالهلع من الأصوليّة الإسلاميّة، فإن التلويح بسيف تلك الأصوليّة يظل مرفوعاً فوق رأس كل من يطالب من الغرب بأي شكل للديمقراطيّة في سوريّا، على أساس أن تلك الديمقراطيّة لن تأتي إلا بالإرهاب الأصولي. لذلك لا مصلحة في إظهار أن سوريّا بلد يعج بالعلمانيين والديمقراطيين والتعدديين. وتلك حقيقة، لأنّ الغرب وقتها لن يقنع بمعادلة أنّ الديمقراطية تساوي الإرهاب الديني. وحين يخيّرون بين الكوكي وصادق جلال العظم، لن يختار أحدٌ الأخير. ربّما لأنه منافس حقيقي في الداخل والخارج..”

الصحفيّ نبيل الملحم أجاب عن السؤال ذاته بالقول: “ثمّة مالا يقرأ من اللوحة السورية. ومن أغرب مالا يقرأ أن يمنع العلمانيّون من عقد مؤتمر.. إذا أحلنا الأمر إلى السياسة بالمعنى المباشر للكلمة فالخطاب السياسي السوري مازال يقول أن سوريا بلد علماني، محكوم بحزب قومي، ومجموع أحزاب تنتمي إلى تيارات علمية ممثّلة بالجبهة الوطنية التقدّمية. وإذا ما ذهبنا إلى السوق، فالسوق يقول إنه يتراوح مابين اتجاهين، سوق ليبرالي وهذا يعني أنّه مع الانفتاح ومن مصلحته توطيد أسس الحوار العلمانيّ، أو قطاع حكومة والحكومة يفترض أن تكون علمانية. وإذا أحلنا الأمر إلى المجتمع فالمجتمع السوري لم يحسم موقفه بعد فالحجاب ليس إلزاميا، والافطار العلني مازال معمولا به في دمشق، ومازالت دمشق خالية من (المطوعين) وكرابيجهم. ولهذا، فثمّة مايحيّر في الموضوع ويجعله إشكاليا.

يواصل الملحم محاولته الإجابة عن سؤال: لماذا منع مؤتمر العلمانيين؟:
“ثمّة من يحيل الموضوع برمته إلى ان السلطات السورية تعمل اليوم على مغازلة الدينيين، وإذا كان هذا الأمر صحيحا فمن حقّ السلطة ذلك. ولكنّها مارست هذا الحق منذ أربعين عاما. ومنذ أربعين عاما ينشط الاسلاميون في سوريا، وعدد المساجد التي بنيت، منذ مطلع السبعينيات الى اللحظة، يفوق من حيث العدد مجموع المساجد التي بنيت منذ الدولة الأموية إلى مرحلة السبعينيات. وبذلك، فإنّ السلطة استوعبت الإسلاميين، خصوصا الوسطيين منهم (مع أنني أشك بتعبير وسطيين)، ولكنها في المحصلة استوعبتهم، بالتوازي مع استيعاب اليسار، وبالتوازي مع استيعابها للعلمانيين، وبالتوازي مع استيعابها للملحدين. وكانت الامور تسير دون هزات وكل من التيارات الفكرية يعيش بساحته ومساحته.. هكذا كان الحال .. ماالذي حصل لاحقا؟ هل استولى الإسلاميون على مفاتيح البلاد؟ سؤال من الصعب الإجابة عنه، ولكن المؤكد أن السلطة مدّت كفّها إليهم، والعادة أن الإسلاميين يلتهمون الذراع بعد التهامهم للكف الممدودة. ولابد أن السلطة تعرف ذلك تماما فلها خبرة مع الإسلاميين، خبرة امتدت حتى احتدام السلاح ذات يوم، وليس من الوارد أن تقع السلطة في فخ الاسلاميين.. ذلك ليس من الوارد اطلاقا وبكل المعايير.

اذن ماالمشكلة؟
كل ماأعتقده أن السلطات السورية اليوم، تميل إلى السكون، أي إلى عدم الدخول في هزات اجتماعية، والحوار يعني إحداث هزات.. هذا “الستاتيك” ربما يكون مطلوبا اليوم، يعني المطلوب عدم فتح عش الدبابير، فقد يصبح من الصعب السيطرة على العش المفتوح!”

بسام القاضي، الناشط في مجال حقوق المرأة وحقوق الانسان عبّر عن اعتقاده بالقول:

“تمّ إلغاء مؤتمر العلمانية بضغط من اللوبي الأصولي المتحالف مع بعض الجهات الحكومية، خاصة وزارة الأوقاف. رغم أن هذا اللوبي قد مد سلطاته إلى العديد من المؤسسات وتمكن من منع العديد من الكتب والمسرحيات، إضافة إلى مساهمته في إلغاء العديد من النشاطات التي لا تتفق مع تصوراته، وفي الوقت نفسه استطاع أن يفتح الباب واسعا لمحاضرات وندوات تقوم على الشعوذة والتطرف باسم الدين.

المحور الرئيسي لهذا المؤتمر بدورته الثانية كان عن علاقة الدولة بالدين، وهذا محور لا يريد أحد من المسؤولين في سورية فتحه اليوم، لأنهم يعرفون أنهم يقايضون رجال الدين مواقف مقابل تسهيلات. ويعرفون أن هؤلاء تمكنوا من التسلل ليكونوا جزءا قويا وفاعلا في الدولة اليوم، وأظهروا وجوههم عارية في مشروع قانون الأحوال الشخصية مثلا، وفي توضيح القيادة القطرية الذي شرع وجود فئة متطرفة تغلق الشوارع والنوافذ بوجه النساء حين يمر شيخهم المفترض من بيته إلى الجامع.
وبكل تأكيد تقع المسؤولية على الحكومة كاملة. فمثل هذا السلوك لم يعد سلوكا منفردا حتى يتم تحميل مسؤوليته لوزارة بعينها، بل إنه بات سياسة تتحمل مسؤوليتها الحكومة كاملة.
في الوقت نفسه أحمّل منظمات المجتمع المدني مسؤولية مهمة. خاصة المنظمات المسماة بـ”منظمات حقوق الإنسان” فقد صمتت كعادتها صمت القبور تجاه هذا الانتهاك الواضح والصريح، فيما كانت مشغولة بتدبيج رسالة “شديدة اللهجة” للأمين العام للأمم المتحدة.
وفي الواقع فقد باتت مسؤولية هذه المنظمات صريحة وواضحة في الإنتهاكات الناجمة عن الأصولية الدينية وامتداداتها. فصمتها المستمر عن ذلك يعبر عن موقف واضح من أنها لا ترى في الانتهاكات الأصولية الدينية للمجتمع في سورية أي انتهاك لحقوق الإنسان”

ثلاث إجابات من ثلاث شخصيات سورية الجامع بينها يختَصَر في القول:
موسم غزل مابين السلطة السياسية وبين الاسلاميين!

فمن يغازل العلمانيين وقد قرروا الانكفاء على أوراق مؤتمرهم الضائعة، ليحيلوها لاحقا إلى بحوث تنشر في كتيبات أو مجلات أو مواقع إلكترونية تخص العلمانيين ؟
سؤال مفتوح على المستقبل.. مستقبل يأخذ المنطقة برمتها إلى مواقع الأصوليين ليتحول العلمانيّ إلى مدنس بين “كمشة” مقدسات.. نقول كمشة، ذلك أن الاسلاميين ليسوا بمفردهم من يحط يده على البلاد فللكنيسة سلطتها، وللصومعة مكانها، ولكل من ينتمي الى الماضي مساحته في اللحظة .. المستقبل وحده هو اليتيم!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق