بعد ربع قرن على رحيله:

رغم أنّه شكّل، مع كلّ من غابرييل غارسيا ماركيز وماريو بارغاس يوسا وكارلوس فوينتس، أحد أعمدة تيّار الواقعية السحرية، التي بشـّرَ بها القاصّ والروائيّ المكسيكيّ خوان رولفو في روايته الوحيدة ” بيدرو بارامو”، إلا أنّ الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار (1914- 1984) يعتبر كاتباً مظلوماً سواء في انتشاره إعلامياً وحصد الجوائز أو في حياته الشخصية. ورغم الظلم الذي طاله إلا أنّه بدا متأقلماً معه لدرجة أنّه كاد يقول إنّه يستحقّ ذلك. حدث هذا لسبب بسيط: أنه لم يركض وراء الجوائز ولم ينتظرها بل ركض وراء الحياة. كما أنه لم يكتب روايات في مدح أحد ما أو حوله. وفوق ذلك عاش مرضه ومنفاه كما ينبغي لكاتب منفيّ عن كلّ شيء. لقد اختار المنفى طوعاً وراح يزور مسقط الرأس (الأرجنتين)، والدول التي يريد لشخصياته أن تـُنفى إليها مثل كوبا والمكسيك ونيكاراغوا، كسائحٍ يريد لو يرى ماذا جرى في غيابه. حتى مولده عام 1914 لم يحدث في الأرجنتين بل في بروكسيل (بلجيكا) حيث كان والده يعمل في السفارة الأرجنتينية هناك. ولم يزر الأرجنتين إلا في عام 1919 عندما عاد الوالدان من بلجيكا. كانت سن الخامسة مناسبة كي يدخل كورتاثار المدرسة الابتدائية ويتابع الدراسة الثانوية هناك. إلا أنّ فقر العائلة دفعه لعدم دخول الجامعة والعمل بدلاً عن ذلك كمدرس للغة الفرنسية في بيونس آيرس. في ذلك الوقت كان كورتاثار يعيش حالة من عدم الاستقرار، مادياً ومعنوياً وفكرياً، لدرجة أنّه عندما نشر مجموعته الشعرية الأولى “حضور” في عام 1948 وعمله المسرحيّ الوحيد “الملوك” في عام 1949 نشرهما باسم مستعار هو خوليو دينيس!. كان يفكر بالهرب من الأرجنتين التي، كما قال يوماً، لا يستطيع الفكاك من محبّتها كي يرى ذلك المكان بشكلٍ أقرب وأقلّ ضجّة من مكان مختلف وبعيد في أوربا. لذلك عندما جاءته الفرصة في عام 1951 على شكل منحة لدراسة اللغة الفرنسية في باريس حاول بكلّ الطرق البقاء هناك، فعمل في مهن عديدة كي يستطيع أن يسدّ رمقه ويعزّز فرص بقائه بعد انتهاء فترة المنحة. وقد كان عمله الأخير كمترجم لدى اليونسكو الحلّ الأمثل للحصول على الإقامة الدائمة في فرنسا. هذه الإقامة الدائمة جعلته يصدر مجموعته القصصية الأولى “كتاب الحيوان” في عام 1951 وباسمه الحقيقيّ لأوّل مرّة. ولكن هذه المجموعة لن تدير رؤوس النقاد ودور النشر إليه، وعاد لحالة التفكير بمعنى البقاء في المنفى دون أمل الشهرة والتفرّغ للكتابة فحسب. بعد ذلك بخمسة أعوام سينشر مجموعته القصصية الثانية “نهاية اللعبة”، أي في عام 1956، ثم يتبعها بمجموعة “الأسلحة السرية” في عام 1959. هاتان المجموعتان ستجعلان من كورتاثار اسماً له شأن كبير في بلده الأرجنتين وفي فرنسا. وستجعلان النقاد يشتغلون مندهشين على تيار جديد وقويّ وغريب يدخل الكتابة الأدبية بأسلحة غريبة من أمريكا الجنوبية. كأنه تمّ “فتح” عالم الكتابة بحرب الواقعية السحرية التي بدأت كما أسلفنا بقيادة القائد خوان رولفو ورفاقه من الرواة. هاتان المجموعتان جعلتا كورتاثار ينشر روايته الأولى “الجوائز” في عام 1960 وأتبعها في عام 1962 بروايته الفائقة الجمال “لعبة الحجلة” التي سترسخ اسمه كأهم الروائيين الغرائبيين في عالم الرواية. هذه الرواية الضخمة، من حيث عدد الصفحات والفصول ومن حيث كمية التقنيات الجديدة التي أدخلها حراس الواقعية السحرية في الكتابة، ستتدخّل حتى في طريقة قراءتها من قبل القارئ. فلعبة الحجلة لا تـُـقرأ، كما اعتاد القرّاء، من الفصل الأوّل بل من وسط الرواية ثم العودة لفصل آخر يحدد أرقامها وخطتها كورتاثار نفسه في مقدّمة الرواية وكي يتدخّل القراء في إيجاد حل لما يتم إثارته في الرواية. كان عنوان الرواية، لعبة الحجلة، فسحة ضيقة أطلق فيها كورتاثار ألعابه الروائية الواسعة.

بعد الاحتفاء الكبير به من الصحف والنقاد وتهافت دور النشر عليه لم يتباطأ كورتاثار أبدا ً في الكتابة. لدرجة بدا أنه يُكمل مشروعه دون أن توقّفه، ولو قليلاً، أصوات المدائح وهي تضجّ في رأسه وحوله. وكلّما كانت الأصوات تعلو أكثر من حوله كان يحلو له جوّ الكتابة لأنّ ذلك الضجيج كان يشبه بالضبط ضجيج شخصياته التي اعتادت السكن في الحانات والفنادق الرخيصة تحت سياط التدخين الكثيف والمشروبات الكحولية القاتلة والمطبوخة بموسيقى الرقصات اللاتينية. فأصدر مجموعة قصصية جديدة بعنوان “كلّ النيران، النار” عام 1966ثمّ رواية “62 موديل للتركيب” عام 1968 ورواية “كتاب مانويل” عام 1973 ثم مجموعتين قصصيتين بعنوان “أحدهم يمضي هناك وقصص أخرى” في عام 1977 و”نحبّ غليندا كثيراً” في عام 1980.

من النظرة الأولى لتواريخ نشر الروايات والمجموعات القصصية نجد هناك فسحة زمنية قام كورتاثار بردمها من خلال كتب أخرى، منها ثلاثة مجلدات نقدية، فيها دراسات غنية عن عدد من الأدباء وعوالمهم مثل جون كيتس وإدغار آلان بو..، وكذلك دراسة حول الأدب الملتزم والالتزام عام 1970 تحت عنوان “رحلة حول منضدة” ودراسة بعنوان “أراضٍ” في عام 1978. ودراسة بعنوان “نصوص سياسية” في عام 1984. بالإضافة إلى كتب أخرى متنوّعة، كخطط لرحلات وانطباعات وآراء..، مثل “حول اليوم في ثمانين عالماً” (1967) و”الجولة الأخيرة” (1969) و”فانتوماس ضدّ مصاصي الدماء متعدّدي الجنسيات: يوتوبيا قابلة للتحقق” (1975) و”المدعوّ لوقا” (1979) و”نيكاراغوا عذبة بعنفٍ شديد” (1983). بهذا المعنى نجد أن كورتاثار كان يسابق الزمن ضدّ الموت، خاصة عندما عرف أنّ مرضه لا شفاء منه، وضدّ النسيان كي يكتب ما يريد وفق نظرته وعالمه الخاص الذي يحتاج لدراسات ضخمة كي تـُبعد قليلاً تلك الأشجار المتراصة في غابة كتابته ونعثر على المفاتيح الحقيقية لها. صحيح أنه يحدّد هذا العالم في العديد من الحوارات التي أجريت معه. ولكن هذا أيضاً جاء كلعبة منه. إذ أنه لم ينفكّ أبداً عن تجريب أيّ شيء يراه صادماً له وللقارئ على السواء. ففي الحوار الوحيد الذي تـُرجم للعربية، وقام به الكاتبان المعروفان إلياس خوري وشوقي عبد الأمير تحدّث عن عوالم كتاباته مبرّراً سبب عدم كتابته للرواية التاريخية بأنه “لا يوجد في رواياتي بُـعد تاريخيّ لأنني لستُ موهوباً في هذا الجانب. هذه قضية خاصة بطبيعة الكاتب. لقد تحدّثت على سبيل المثال عن تولستوي فقد كان موهوباً في هذا التخصّص، وكذلك هو الحال بالنسبة لشولوخوف. هؤلاء الناس قادرون تماماً على الكشف عن حقبة تاريخية من خلال رواية. ولهذا فهم يؤدون عملاً أعتبره فوق الاعتيادي وهو ليس في استطاعة الجميع. في نفس الوقت يوجد رسامون يمكنهم أن يرسموا لوحات كبيرة جدارية. وآخرون مجبرون على الرسم في حدود صغيرة، ومن خلال هذه الحدود يمكنهم تقديم أعمال كبيرة ولو حاولوا توسيع هذه الرقعة لفشلوا. يمكنك أن تعتبر هذا العمل التاريخي واجباً وأنّ عليَّ ضمن هذا الواجب أن أكتب روايات تصوّر تاريخ أمريكا اللاتينية، ولكنني أعتقد أنّ الرواية هي عمل فنّيّ جماليّ، وأنّ لهذا مستلزماته أيضاًَ، ولو حاولتُ الكتابة بالشكل التاريخي لأخفقت. لأنني لستُ قادراً على الكتابة بمثل هذا العمل، غير قادر على الكتابة بشكل ٍ مختلف عما أكتب عليه.”. وعند سؤاله عن العلاقة بين الرواية والحياة اليومية يعطي كورتاثار الوصفة الواقعية لكتابته الغرائبية بقوله: “هنا جئتَ إلى اختصاصي. أي ليس التاريخ بمجمله إنما التاريخ الصغير. يتفق قرائي والنقاد بشكل عامّ على تحديد رواياتي وقصصي القصيرة بكونها تعالج أحداثاً يومية؛ طريقة تعامل الشخصيات فيما بينها، حركتها، عملها، رقصها، أسلوب تعايشها، العلاقات بينها، وهذه الأبعاد بالنسبة لي شيء أساسي. إنني أعيش بهذا الشكل. إنني قريب جداً من الحياة. أحبها وأحاول أن أتناولها وعندما أكتب تأتي هذه الحياة إليّ. يمكنني أن أتصوّر طفلاً أو طفلة وفي الحال أراها وأجدُ نفسي أنني أعرفها وأجعلها تتكلّم وتمشي وتحيى. ولكن لكل هذا حدوده فلا يمكنني تصور مجاميع بشرية كبيرة بهذه الطريقة.”.

{{ حياة بعد الموت:}}

مات كورتاثار في 12 شباط من عام 1984 في أحد مشافي باريس، بعد تدهور حالته الصحية، بسبب مرضه الذي حوّله إلى صقر نحيل وبمنقار ضخم. ولكن ذلك لم يجعل كورتاثار غائباً عن المكتبات. فنُـشرت له روايتان هما “الامتحان” في عام 1986 و”يوميات أندريس فافا” في عام 1995. وفي هذا العام عثرت أرملته أورورا برناردث على أكثر من خمسمائة صفحة غير منشورة في خزانة غرفته الباريسية. وكانت تحتوي على إحدى عشرة قصة غير منشورة وثلاث قصص كانت قد اختفت من كتابه “أحدهم يمضي هناك وقصص أخرى” وفصل غير منشور من رواية “كتاب مانويل”! وعشر حلقات من بطولة شخصية اسمها لوكاس وأربعة حوارات أجريت معه وكذلك ثلاث عشرة قصيدة غير منشورة له. بالإضافة لعدد من المقالات في الرسم والسياسة والرحلات. وقامت دار ألفاغوارا الإسبانية بنشرها في أيار الماضي، احتفالاً بمرور ربع قرن على رحيله، بعنوان “أوراق غير متوقعة”.ولا نعرف إن كان هذا كل شيء. فمَـن يعرف ماذا خبّأ أيضاً هذا الكاتب الغامض عنا من أوراق وأين؟.

{{ احتفالات و ترجمات:}}

صدور كتاب “أوراق غير متوقعة” كان احتفالاً إسبانياً بهذا الكاتب الكبير الذي بقي مخلصاً للغة الإسبانية فكتب بها كل أعماله، رغم إتقانه للغتين الإنكليزية والفرنسية. كما احتفل به مهرجان نيويورك السينمائي وعرض سبعة أفلام سينمائية مستوحاة من أعماله، منها فيلم “BLOW-UP ” للمخرج الإيطالي أنطونيوني، وعدداً من الأفلام الوثائقية عن حياته وآرائه. بالإضافة إلى احتفالات قراءة لأعماله في المكتبات العامة في باريس وبيونس آيرس..، وترجمة العديد من أعماله.

من المهم بالطبع أن نذكر أنه رغم الشهرة الكبيرة لكاتب من وزن خوليو كورتاثار، الذي حصل على عدد من الجوائز كان آخرها جائزة مديسيس الفرنسية للأدب الأجنبي عام 1974 وأغفلته جائزة نوبل التي كان يستحقها وفق النقاد، فإن قراء العربية لم يطلعوا سوى على القليل من أعماله، رواية “لعبة الحجلة” ومجموعتي “الأسلحة السرية” و”كل النيران، النار” وكتاب “الآن وهنا”، الذي صدر مؤخراً في القاهرة، وبعض القصص المتناثرة في كتابين أو ثلاثة عن أدب أمريكا اللاتينية بشكلٍ عام. وهذا ظلم لكلا الطرفين والسبب معروف سواء المتعلق بالأفراد، كمترجمين وأولوياتهم وثقافتهم وقدراتهم..، وبالهيئات التي تضع خطط غامضة وضعيفة لترجمة الآداب الأجنبية أو لترجمة الآداب العربية للغات الأخرى.

{{ رأي شخصي: }}

بالطبع هناك الكثير من الكتب والكتـَّاب الذين تدخلوا في حياتي (وفق حديث لي في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 14/10/2009 حين تم سؤالي عن الكاتب الذي أثر فيّ و سبب ذلك) وجعلوها تسير في مسارها الخاطئ. وهناك ظلال دائمة لكتاب أقاموا طويلاً وللأبد في نصوصي وأفكاري. وهذا ما حدث من قبل صموئيل بيكيت ووليم فوكنر ويوكيو ميشيما وكينزابورو أوي وسيلفيا بلاث وماركيز وغالب هلسا.. وآخرون كثر. ولكن كان أكثرهم مؤرقا ً لي هو خوليو كورتاثار. لدرجة أنه ما زال لحد الآن يزورني في مناماتي وقد شاخ أكثر من الصورة التي أحتفظ بها له. تلك الصورة التي بدا فيها المرض و قد احتل كل شيء. كان مرضه غريباً أيضاً. مرض غريب لشخصٍ أكثر غرابة. كلما كان كورتاثار يتقدم في السن كان جسده ينحل ورأسه يكبر. كان يبدو أن مرضه يتقدم معه في السن. هذا المرض الذي أصبح علاجهممكناً في سنة 1985 أي بعد عام على وفاة كورتاثار.

أعجبني في رواياته وقصصه وكذلك في مرضه الأبدي وسيرته الغريبة. لقد اعتمد كورتاثار في كتابته على عيش الأرجنتين، بأمكنتها وشخصياتها وعاداته وطقوسها وفلكلورها..، في باريس التي حفرها بقدميه رغم جسده الخفيف. كان صارماً في قصصه وديكتاتوراً يتلذذ بمصائر تلك الشخصيات الراضية بما يفعل. لا يمكن إغفال أي حرف من القصة التي تجري كفيلم رعب لذيذ. ويمكن أثناء القراءة سماع الأصوات والموسيقى والكلمات.. وكلما أوغلتُ في القراءة كنتُ أشمّ رائحة شيء ما محدق وخطر. ولكنني بالتأكيد لن أتراجع. بالإضافة لذلك كانت هناك الخفة والتشويق والمفاجآت.. كنتُ أفكر طوال الوقت أنه يقوم بإنعاش القارئ كي يواصل قراءة القصة، أو الرواية، لأن ذلك القارئ كان يصبح، من حيث لا يدري، شخصية من شخصيات ما يجري بين يديه!.

حتى أن عناوين مجموعتين قصصيتين كانتا تحمل تلك الرائحة من الحرائق “كل النيران النار” و”الأسلحة السرية”. ورغم حبه الهائل لمسقط الرأس وموقفه المضاد لديكتاتورية العسكر هناك لم يكتب رواية تاريخية يمجد فيها الأرجنتين.

كان يعجبني في خوليو كورتاثار أنه لا يحب الأمل. صحيح أنه كان يعبث بكل شيء داخل النص، بالشخصيات والحدث والبناء والزمان والمكان..، إلا أنه كان يحفظ الأمل للشخصيات وللقراء. لكنه في الحقيقية كان يكتب من دون أمل.

{{ المراجع:}}

مجلة الكرمل، العدد الثالث من عام 1981 ، حوار أجراه إلياس خوري و شوقي عبد الأمير .
القصة الإسبانو أمريكية في القرن العشرين. سلسلة إبداعات عالمية . العدد 349 عام 2004 . ترجمة و إعداد صالح علماني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق