بعد قرابة سنة ونصف من تسلّم حزب حركة النهضة الحكم في تونس:

الخطأ الثّاني: في الشّأن الاجتماعي: التّراجع عن مبدأ المساواة بين المرأة والرّجل، والتّهديد بالتخلّي عن مجلّة الأحوال الشخصيّة ومكاسب المرأة والأسرة التونسيّة منذ الاستقلال:
نصّت النقطة 15 من البرنامج الانتخابي لحركة النّهضة على أنّ الحركة تدعم: “حماية مكاسب المرأة وتفعيل دورها في مختلف المجالات حتّى تُسهم في الّنهوض بالمجتمع بمنأى عن عوائق انحطاط الاستلاب ومنزلقاته “. أمّا النّقطة 16 منه فقد نصّت على أنّ الحركة تعمل على: “حفظ كيان الأسرة وتوازنها ورعاية الطفولة ومعالجة الظواهر الاجتماعيّة المتعلّقة بتأخّر سنّ الزواج وارتفاع نسبة الطلاق ومخاطر تهرّم المجتمع”.
أمّا الباب المجتمعي فقد نصّت النّقاط الممتدة من النقطة 318 إلى 327 على الجوانب التالية: “حماية مكتسبات المرأة التّونسيّة ودعمها واعتبار أنّ مسار تطوير مكانتها الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة سيظلّ مفتوحا للمبادرات والإجراءات حتى تنال مواطنتها كاملة، شريكا حقيقيا في بناء الوطن والمشروع المجتمعي في مختلف المجالات” (النقطة 318) و”ضمان تكافؤ الفرص بين المرأة والرّجل في تحمّل مختلف المسؤوليات الإداريّة والسياسيّة ” (النقطة 319) و”ضمان حقّ المرأة في الشغل كما للرّجل على حدّ سواء” (النقطة 320) و”حماية حرية المرأة ومناهضة إكراهها على نمط محدّد من اللباس” (النقطة 321) و”تطوير مكتسبات المرأة في مجال التعليم والثقافة، ورفع مستوى كفاءاتها وخبراتها الاجتماعيّة بما يعود بالنفع على التنمية بكل أبعادها ” (النقطة 321) و”تعزيز مشاركة المرأة الريفيّة في النّشاط الاقتصادي بدعم حقوقها ومساندة مشاريعها وتقديم كل التسهيلات في سبيل ذلك من قروض ميسرة ومصاحبتها في ترويج منتوجاتها وتمتيعها بالتغطية الاجتماعيّة” (النقطة 322) و”ضمان حماية المرأة العاملة من مختلف أشكال الانتهاكات التي يمكن أن تمسّ كرامتها وتضمين ذلك في التشريعات” (النقطة 323) و”تدعيم الامتيازات الخصوصيّة التي تتمتع بها المرأة المرضعة” (النقطة 324) و”القطع مع كل أشكال العنف والتمييز المسلط على المرأة” (النقطة 325) و”نبذ التهميش الاقتصادي والاجتماعي وخاصّة هشاشة تشغيل المرأة واستغلالها ” (النقطة 327).
نظريّا تبدو جميع النقاط المتصلة بالمرأة والأسرة التونسيّة الواردة في البرنامج الانتخابي لحركة النهضة على غاية من النضج والحداثة والتقدّم توحي حتى أنّك تخاله برنامجا لحزب سياسي ليبرالي علماني ذو مرجعيات لائيكية صرفة ينظّر لمجتمع تونسي عصري متحرّر من كل أشكال الانغلاق والتحجّر.
كما أكّد الصّحبي عتيڨ القيادي في النهضة، في الندوة الصحفية التي أقيمت يوم 7 فيفري 2011، بأنّ “مجلّة الأحوال الشخصية أصدرها فقهاء من جامع الزيتونة وهي من ضمن الاجتهاد الإسلامي…”. كما قدّمت الحركة بعض التطمينات من أهمّها انتخاب امرأتين في صلب المكتب التنفيذي وهنّ فريدة العبيدي ومنية إبراهيم. وهو ما يعني أنّ حركة النهضة متشبّثة بجميع المكاسب التي تحقّقت للمرأة في تونس منذ سنة 1956 وتعوّل على المرأة كعنصر فاعل داخل الحركة وفي المجتمع التونسي عامة. فهل سيتجسّم ذلك على أرض الواقع بعد الانتخابات؟
في جلسة يوم الأربعاء 1 أوت 2012، رفض نوّاب حركة النهضة في لجنة الحقوق والحريات داخل بالمجلس الوطني التأسيسي التصويت على مقترح الفصل 28 المتصل بحقوق المرأة. وقد نصّ هذا الفصل على ما يلي:” تضمن الدولة حماية حقوق المرأة ودعم مكاسبها باعتبارها شريكا حقيقيّا للرّجل في بناء الوطن ويتكامل دورهما داخل الأسرة. وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمّل في مختلف المسؤوليات. وتضمن الدولة القضاء على كل أشكال التمييز والعنف المادي والمعنوي ضد المرأة “.
وفي المقابل، تقدّم نواب النهضة بمقترح ثان ينصّ على أنّ المرأة هي مجرّد “كائن مكمّل للرجل داخل الأسرة والمجتمع”. وقد رأى بقيّة النوّاب في هذا المقترح تراجعا واضحا عن مبدأ المساواة بين الجنسين، حيث لم يتمّ فيه تفصيل مكتسبات المرأة وتدقيقها. في حين نصّ المقترح الثاني للفصل 27، على أنّ: “الدولة تضمن حقوق المرأة ومكتسباتها في جميع المجالات، ويُمنع سنّ قوانين من شأنها أن تنتقص منها بأي شكل من الأشكال، إضافة إلى القضاء على كلّ أشكال التمييز والعنف المادي والمعنوي الموجّه ضدّها… “.
ورغم أفضليّة المادة 27 على المادة 28، فقد تم التصويت على هذه الأخيرة من قبل 12 نائبا في المجلس التأسيسي، من بينهم 9 من النهضة واثنان من التكتل ونائب مستقلّ .فكان عيد المرأة الفارط – يوم 13 أوت 2012 – مشحونا بطعم الخوف من التخلي عن مكاسب المرأة التي تحقّقت لها منذ سنة 1956. كما رأى البعض في موقف حركة النهضة ارتدادا عن أهداف الثورة التي شكلت المساواة بندا من بنودها الأساسية.
ونتيجة لذلك تعالت أصوات الكثير من الجمعيات النسائية والمنظمات ضمن بيان موجّها إلى الرأي العام الوطني للتنديد بالمواقف والنقاشات التي دارت داخل المجلس الوطني التأسيسي، إذ اعتبروها ضربا لمبدأ المساواة بين الجنسين ورفضا للحقوق الإنسانية الكاملة للنساء ومساسا بكرامتهن ومواطنتهنّ في وقت تتعالى فيه الأصوات للمطالبة بدسترة حقوق النساء. وقد اضطرّ الصّحبي عتيڨ، رئيس كتلة حركة النهضة، إلى القول إنّ: “التخوّف من الشريعة الإسلامية، غير مبرّر، وناجم عن اعتقاد بأنّ الشريعة تُختزل في المبادئ الزجرية والردعيّة”. وأشار إلى أنّ حركته تطالب باعتماد الشريعة الإسلاميّة “مرجعا للتّشريع وليس مرجعا للدّستور، ذلك أنّ مثل هذا التنصيص يعتبر عاديا في السّياق التاريخي؛ الذي تعيشه تونس ومنطقيا بالنظر إلى مرجعيّة الشعب التونسي وهويته”.
وللتذكير صرّح رئيس حزب الانفتاح والوفاء البحري الجلاصي لجريدة الصّريح بأنّه: “يطالب المجلس التأسيسي بتضمين الدستور نصّا يعطي للمواطن التونسي الحقّ في اتخاذ جارية إلى جانب الزّوجة”. وفي ردّه على أنّ الجواري في المفهوم العام يرجعنا للرق والعبودية، والحال أنّه تمّ الغاؤهما في العالم وفي تونس منذ سنة 1846، قال الجلاصي: “إنّ وضع الجواري في التاريخ الإسلامي كان أفضل من نساء تونس في الوقت الحالي”، مؤكدا أنّ اتخاذ الجواري هو بديل لتعدّد الزوجات أي أن الجارية ستحظى بنفس حقوق الزوجة مشيرا أنه سبق وطالب بتعدد الزوجات إلاّ أن طلبه هذا قوبل بهجوم حادّ من قبل القوى والجمعيات الديمقراطية، لذلك طالب بشرعية اتخاذ جارية بدل الزوجة الثانية.
وفي برنامج “لاباس” بقناة “التونسية”، وصف البحري الجلاصي العلمانيّين بـ “الكفّار” ومجلّة الأحوال الشخصية بـ “مجلة دمار”… ورغم خطورة هذه المطالب والتصريحات لم يحرّك حزب النهضة ذو الأغلبيّة في الحكم ساكنا!
وبعدها بأربعة أيّام فقط (أي يوم 10 مارس 2012) قام حزب التحرير التونسي بتنظيم ندوة دولية بتونس تحت عنوان: “الخلافة الإسلامية: نموذج مضيء لحقوق المرأة ودورها السياسي”. وقد دُعيت لهذه الندوة نساء من مختلف أنحاء العالم بما في ذلك صحفيّات بارزات وناشطات سياسيات وكاتبات وزعيمات لجاليات وممثلات لمنظمات… لإبراز كيفية تقديم الخلافة الحلول العملية لمختلف المشاكل السياسية والاقتصادية والتربوية والقانونية والاجتماعية التي تواجه المرأة في كافة أنحاء المنطقة. واعتبر حزب التحرير الذي يهدف إلى إقامة “الخلافة الراشدة” في بيان له، أنّ هذه الندوة الدولية ” ستجيب على جملة من الأسئلة حول حقوق المرأة، إلى جانب توضيح رؤيته لما ستكون عليه المرأة في ظل دولة الخلافة الراشدة”. ورغم أهميّة الموضوع الذي يهدّد استقرار المرأة والأسرة التونسيّة وتوازنها في العمق، لم يصدر أيّ بيان رسمي عن حركة النهضة يوضّح موقفها من موضوع الندوة!
وبعد كرّ وفرّ لم يتمّ الحسم في مسألة المرأة في الدستور داخل نوّاب المجلس وتحديدا داخل لجنة الحقوق والحريّات إلا يوم 24 سبتمبر 2012 بالتخلّي نهائيا عن الفصل 28 وصياغة نصّ أفضل ينصّ على حماية مبدأ مساواة بين الجنسين في الحقوق والحريات في مسوّدة الدستور وذلك بأن: “تضمن الدولة حماية حقوق المرأة وتدعم مكتسباتها باعتبارها شريكا حقيقيّا مع الرجل في بناء الوطن ويتكامل دورهما داخل الأسرة، كما تضمن الدولة للمرأة تكافؤ الفرص في المسؤوليّات ومكافحة العنف الموجّه ضدّها بأي شكل من الأشكال… “. وتمّ التنصيص على مبدأ المساواة ضمن المبادئ العامة للدستور. وبذلك لم يتمّ تمرير هذا المقترح وتعديل الفصل في صيغته إلاّ بعد “عناء” وتجنيد لجميع الكتل والقوى التقدميّة داخل المجلس وخارجه لتتمّ المصادقة عليه بالأغلبيّة!
وتحسّبا لمخاطر أخرى في مجال الحقوق والحرّيات من قبل النهضة وأنصارها وحلفائها…، تجنّدت القوى التقدميّة داخل المجلس ثانية للتنصيص في الفصل 5 من النسخة الثانية من الدستور على أنّ “كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون دون تمييز بأي شكل من الأشكال”. وهي في نظرنا الحد الأدنى الذي يجب أن يتوفّر في كل دستور من دساتير الدول المتقدمة لضمان مستقبل أفضل، لا للمرأة فحسب، بل لكل التونسيّين على حدّ سواء، مهما اختلفت أفكارهم وتوجهاتهم السياسية والأيديولوجية وانتماءاتهم الدينية.
وحسب رأينا فإنّ المكاسب والحقوق التي تحصّلت عليها المرأة التونسيّة منذ سنة 1956 لن تسلم من الانتهاك مستقبلا في ظل بقاء النهضة في الحكم، طالما لا يزال الفكر الرجالي “الإخواني المتزمّت” راسخا في عقول كوادرها الذين يحاولون اليوم رسم مستقبل المجتمع التونسي بامرأة محجّبة وربما منقّبة أو فرض بقائها في البيت ومنعها من العمل خارجه، وحتى فرض تعدّد الزوجات أو السّماح به والتحريض عليه. ومن دلالات ذلك انتشار لباس الحجاب وبدرجة أقلّ النقاب في مواقع العمل والدراسة في الجامعة وفي الشارع…، والسماح لأحد الدعاة الوافدين على تونس من الخارج ليحاضر في مثل هذه المسائل ويشرّع للباس الحجاب بالنسبة إلى الفتيات الصغيرات، بداية من سنّ الخامسة وحتى أقلّ من ذلك (في كل من جرجيس ومساكن…) دون اتخاذ موقف واضح منهم. بل أكثر من ذلك ردّد أنصار النهضة في هاتين المدينتين شعار: “موتوا بغيضكم” (في إشارة إلى من لا يشاطرهم هذه الممارسة من العلمانيّين)، والحال أنّ نصف الأصوات التي أوصلتهم إلى سدّة الحكم في انتخابات 23 أكتوبر 2012، كانت نصفها نسائية – من مختلف الشرائح والأوساط – وبفضلها تمكّنوا من أغلبيّة مريحة داخل المجلس التأسيسي!
ختاما يمكن القول إنّ ما جاء في البرنامج الانتخابي للحركة وما عبّر عنه بعض زعمائها وما روّجوا له من احترام لحقوق المرأة والمحافظة على مكتسباتها…، لا يتجاوز إطار الحملة الانتحابيّة والدعاية الداخلية والتسويق للرأي العام الدّولي في الخارج. فكان بذلك خطابا “ديماغوجيا” وضربا من ضروب الرياء والنفاق السياسي لا أكثر ولا أقلّ، يمكن اعتباره خطأ من بين الأخطاء العشرة الفادحة لحركة النهضة. وهو في اعتقادنا خطأ ساهم في “زعزعة” ثقة غالبيّة النساء التونسيّات في الحركة – بمن في ذلك من تعاطفن معها وصوّتن لفائدتها في انتخابات 23 أكتوبر 2011 – وزادهنّ قناعة بأنّ المجتمع الحداثي على النمط التركي الذي روّجوا له حملتهم الانتخابية لم يكن إلاّ مجرّد “وهم” و”سراب” وأنّ مجلّة الأحوال الشخصيّة مكسبا لا يمكن المساومة عليه والتخلّي عنه بأيّ شكل من الأشكال، بل من الضروري تأمينه، ليس لفائدتهنّ فحسب، بل وكذلك لبناتهنّ وأحفادهنّ جيلا بعد جيل!
المرأة التونسية تتظاهر للتنديد بعدم المساواة بينها وبين الرّجل شكل المرأة التونسية التي ينادي (أوت 2012). بها المشروع المجتمعي للنهضة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق