بعد قرابة سنة ونصف من تسلّم حزب حركة النّهضة الحكم في تونس:

الخطأ الرّابع: في الشّأن التّربوي والثقافي: من الوعد “بجودة بيداغوجيّة وتربويّة عالية ودعم للهويّة والانفتاح على المكتسبات الإنسانيّة…” إلى العمل على “أسلمة” المؤسّسات التربويّة ونشر تعليم ديني متحجّر وثقافة قروسطيّة غريبة عن البلاد:

برنامج واعد وتقدّمي:
جاء في برنامج حركة النّهضة‬ ‫حول التربية والتّعليم عمل الحركة: “من أجل جودة‬ ‫بيداغوجية وتربوية عالية‬‫. وتحقيق درجة عالية من الجودة من خلال فتح حوار ‬‫وطني بين جميع الأطراف المعنية بالشّأن التربوي وإعداد خيارات‬ ‫إصلاح شامل متدرّج في مستوى القوانين والتنظيم وأنماط‬ ‫التسيير والمناهج والبرامج والمحتويات… إلخ والتمسك بالمدرسة العموميّة ومجانيّة التّعليم ‬‫وإجباريّته واعتبار التّعليم الخاص جزءا من المنظومة التعليمية‬ ‫‫يتعيّن تشجيعه..‬‫. الترفيع في معدل مدّة التمدرس في المرحلة‬ ‫‫الأساسيّة والإعداديّة والعمل على تخفيف نسبة الانقطاع ‫‫المبكر عن التعليم.‬‫.. دعم مكانة التكنولوجيات الحديثة في مجال‬ ‫‫التعليم.‬‫.. تطوير منظومة البحث العلمي في مجال العلوم‬ ‫‫التربوية.‬.. دعم خيار التعليم التقني المتخصّص، وتفعيل‬ ‫البكالوريا المهنية، والرّفع من مكانته تطويرا لكفاءة الخرّيج،‬ ‫وتفاعلا مع متطلبات التشغيل.‬ و‫ّ‬‫دعم الأنشطة الثّقافية والرّياضية صقلا للمواهب‬ ‫ّ‬‫وتهذيبا للذوق وانفتاحا للمؤسسة التربوية على محيطها وما‬ ‫‫ّ‫يتوفّر فيه من جمعيّات ومؤسّسات ذات صلة…”.
نظريّا يبدو برنامج حركة النهضة قطاعا حيويا ومصيريا بالنّسبة إلى البلاد وإلى الأجيال القادمة من التونسيّين مثل قطاع التّعليم، بل تقدميّا وحداثيّا، بما أنّه لم يطرح بالمرّة العودة إلى التّعليم التّقليدي أو السّائد في تونس قبل 1956 أو النّسج على منوال المدارس الدينيّة أو القرآنيّة الصّرفة المنتشرة في جل دول الخليج العربي وبعض الدّول الإسلامية…
بل على العكس من ذلك فقد وعد البرنامج بمراجعة النّظام التّعليمي السّائد كما “بشّر” بتعليم عصري منفتح على العلوم العصرية و التكنلوجيات الحديثة… هذا إضافة إلى مناداته بدعم الأنشطة الثّقافية والرّياضية وصقل المواهب‬ ‫ّ‬‫وتهذيب الذوق وانفتاح المؤسّسة التربويّة على المحيط الخارجي من جمعيّات ونواد ومؤسّسات ذات صلة… حتّى أنّك تخال أنّ البرنامج المعروض أمامك قد تقدّم به حزب ليبرالي، إن لم نقل يساري التوجّه، بما أنّه لم ينصّ على الاستناد لأيّة مرجعيّة دينيّة واضحة ولم يعط أيّة أولويّة لتدريس المواد الدينية على حساب بقيّة المواد العلمية. بل أكثر من ذلك فقد أولى أهمية للأنشطة الثقافية لما لها من دور إيجابي في صقل مواهب التلميذ وتهذيب ذوقه…
فإلى أيّ مدى قامت حركة النهضة باحترام ما ورد في برنامجها “الواعد” في الحقل التربوي وتطبيقه، هذا وعملت على تطبيقه بعد وصولها إلى سدّة الحكم؟
مقارنة ببقية المسائل التي تطرّقنا إليها في الأجزاء الثلاثة من مقالنا هذا وبحكم مباشرتنا للتّدريس في التّعليم العالي ومن قبله في التّعليم الثانوي منذ 25 سنة وأبحاثنا المتّصلة بقضايا التّعليم والجامعة التونسيّة خصوصا منذ سنوات، فإنّنا سنتعمّق في قراءة برنامج حركة النهضة المتصل بالتعليم ورصد نتائجه وتحليلها بعمق من جميع الزوايا بعد قرابة سنة ونصف من مباشرة حركة النهضة للحكم.

مناداة غير مدروسة وغير بريئة بالعودة إلى التّعليم الزّيتوني:
خلافا لما هو متوقّع وفي خطوة فاجأت الجميع، انتظم يوم 12 ماي 2012 بجامع الزيتونة المعمور حفل حضره كل من: وزير التربية القومية، الأستاذ عبد اللطيف عبيد ود. المنصف بن سالم وزير التعليم العالي والبحث العلمي (أحد صقور حركة النهضة) ود. نور الدين الخادمي وزير الشؤون الدينية (قيادي بارز في حركة النهضة وإمام سابق لجامع الفتح) وإمام جامع الزيتونة، السيّد حسين العبيدي (قيادي بارز في حركة النهضة) ومرافقيهم، تمّ خلاله التوقيع على وثيقة استئناف التعليم الزيتوني بداية من السنة الدراسية 2012/2013.
وقد تباينت ردود الفعل حول هذه الوثيقة من قبل العديد من الأطراف السياسية. ففي حين رأى البعض في هذه العودة بعد أكثر من نصف قرن من غلق جامع الزيتونة كمؤسّسة تعليم رسمي من قبل الرئيس الحبيب بورقيبة وتحويلها إلى جامعة عصريّة مختصّة في التعليم العالي منذ سنة 1958 ثمّ إلى كلية تحمل اسم (الكليّة الزيتونية للشريعة وأصول الدين) منذ سنة 1961، “رِدّة ونكسة للحداثة”، فإنّ الشق المقابل قد استبشر بها واعتبرها “استعادة الشعب التونسي لهويّته ولروحه وأصالته ولثقافته العربية الإسلامية”. فكأنّ بالشعب التونسي قد فقد منذ سنة 1958 هويّته وثقافته العربيّة الاسلامية وأصبح مجتمعا غربيّا صرفا!
وخلال نفس الحفل المذكور أكّد وزير الشؤون الدينيّة أنّ عودة النشاط إلى جامع الزيتونة تعتبر “أحد استحقاقات الثورة وتتمّة لاقتفاء أثر علماء الدين والفقه والفكر والحضارة والفلسفة الذين تتالوا على التدريس في هذا الجامع”، معتبرا إيّاه “مؤسسة علمية وتربوية وثقافية”.
ومن جانبه، وصف وزير التعليم العالي والبحث العلمي د. المنصف بن سالم أنّ عودة التعليم الزيتوني تمثّل “رسالة طمأنة إلى كل من يعيش في تونس”. أمّا وزير التربية الأستاذ عبد اللطيف عبيد فقد اعتبر عودة التعليم الزيتوني بمثابة “فكّ الحصار عن جامع الزيتونة، وخطوة على درب الجلاء الثقافي والسياسي في تونس”. كما أشار إلى “ضرورة قيام مشايخ الزيتونة بالعمل على تطوير الجامع حتى يكون مواكبا للعصر”.
أمّا رئيس حركة النهضة، الشيخ راشد الغنوشي، فقد عبرّ عن فرحته واعتبر عودة النشاط التعليمي إلى جامع الزيتونة “موعدا تاريخيا يستأنف فيه الإسلام مساره الطبيعي في تونس “. كما اعتبر قرار بورقيبة بإيقاف التدريس في جامع الزيتونة “قرارا خاطئا” . وأنّ “إعادة التعليم الزيتوني هو تصحيح خطأ تاريخيّ نحو ديننا وبلادنا نتج عن صراع بين مشروعين للحداثة، المشروع التأصيلي للزيتونة والمشروع التغريبي الذي انتصر للأسف”، مؤكّدا أنّ “المؤسسة الزيتونية حارسة للهوية العربية الإسلامية ومصدّرتها نحو إفريقيا “.
أمّا شيخ الجامع الأعظم السيّد حسين العبيدي، فقد أشار إلى أنّ التعليم في جامع الزيتونة كان يتضمن قبل إيقافه العديد من الأنشطة التي تهتم بالحياة الثقافية وعلاقة المرأة بالرّجل، مشددًا على ضرورة أن يكون نشاط جامع الزيتونة “بعيدًا عن أيّ تجاذبات إيديولوجية وسياسية”.
وعلى ضوء كل هذه التصريحات الصادرة عن وزرائنا وخاصة من قيادي حركة النهضة، سواء كانوا من “الصقور” أو “الحمائم” وبقطع النظر عن الدور التعليمي والديني والثقافي الذي اضطلعت به هذه المؤسّسة العريقة منذ حوالي 13 قرن، لا سيّما خلال فترة الحماية بتصدي رجالاتها (من أساتذة ومشائخ وطلبة…) لكل محاولات الطمس والتهميش والاستلاب الثقافي والديني التي كانت تستهدف البلاد… ودورهم في مقاومة الاستعمار الفرنسي وترسيخ الهوية الوطنية التونسية… طيلة كامل الفترة الاستعمارية (بين 1910 و1956 بالخصوص)، فإنّه يحقّ لنا أن نطرح بعض التساؤلات:
– هل شعر التونسيّون يوما ما منذ الاستقلال أنّهم غير مسلمين وعبّروا عن عدم اعتزازهم وفخرهم بالانتماء إلى الدين الإسلامي وبهويتهم العربية الإسلامية؟
– هل استمع أحد منكم إلى شعار من بين عشرات الشعارات التي رفعها آلاف المنتفضين والمتظاهرين ضد نظام بن علي في جميع المدن والقرى التونسية (بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 وحتى بعد سقوط نظامه)، نادوا فيها بوجوب عودة التعليم الزيتوني وندّدوا فيه بطمس هويّتهم العربية الاسلاميّة وتغريبها؟
– أين كان كل هؤلاء المنادين بإحياء التعليم الزيتوني قبل 14 جانفي 2011 بعد أكثر من نصف قرن من إرساء تعليم ديني عصري في كلية مختصّة في الشريعة وأصول الدين ومعهدين عاليَيْنِ، واحد مختصّ في أصول الدين وثانٍ مختصّ في الحضارة الاسلاميّة؟
فعلى حدّ علمنا ومن خلال متابعتنا للحراك الثوري في تونس بين 2008 (أحداث الحوض المنجمي بقفصة) وبين 14 جانفي 2011 وحتى بعد هذا التاريخ بأشهر قليلة لم يرفع المتظاهرون وفي مقدمتهم التلامذة والطلبة داخل المعاهد الثانوية والمؤسسات الجامعية أو خارجها سوى شعار: “جامعة شعبيّة – تعليم ديمقراطي”، وهو نفس الشّعار الذي ردّدناه ورددّه ولا يزال جلّ التّلاميذ والطّلبة التّونسيّون في جميع احتجاجاتهم وتحرّكاتهم ضدّ النّظام البورقيبي ونظام بن عليّ منذ أواخر السّتينات إلى غاية اليوم!
ولكن يحقّ لنا أيضا أن نتساءل: لماذا أحدثت عودة التّعليم الزّيتوني معارضة في أوساط “العلمانيّين” أو “الحداثيّين” كما يحلو لأنصار النّهضة نعتهم في أدبيّاتهم وفي وسائل الإعلام الرّسمية؟
يرى المعارضون لعودة التّعليم الزّيتوني أنّ “هذا الّتعليم يهدّد بخرق القانون التّوجيهي للتّربية ولا ينسجم مع محتويات التّعليم العمومي الذي تؤمّنه الدّولة تحت لواء قِيَمِ الجمهوريّة والمدنيّة “.
فعلى سبيل المثال حذّر حزب المسار الدّيمقراطي الاجتماعي من خطورة “عودة التّعليم الزّيتوني”. ففي بيان رسمي له، اعتبر هذا الحزب أنّ “إمضاء اتّفاق بين وزير التّربية ووزير التّعليم العالي ووزير الشّؤون الدّينيّة من جهة، وممثّل الهيئة العلميّة لجامع الزّيتونة من جهة أخرى”، ينصّ على “إعادة التّعليم الزّيتوني الأصلي” في الجامع الأعظم نفسه، هو “قرار مُسقط لأنّه يخرق القانون التّوجيهي للتّربية والتّعليم الذي له صبغة تشريعيّة لا مجال للتّراجع فيها، ولأنّه يهدّد بنسف الإصلاحات الجوهريّة التي عرفها التّعليم الزّيتوني نفسه وطالبت بها الحركة الطلّابيّة الزيتونيّة مقدّمة في سبيلها عديد الشّهداء”.
كما عبّر حزب المسار عن تمسّكه بـما أسماه “وحدة النّظام التّربوي العام والخاص وما تفرضه من وحدة البرامج والمناهج التّعليمّية وبمكتسبات المنظومة الّتربويّة القائمة منذ الاستقلال وما حقّقته من خطوات هاّمة في اّتجاه تعميم التّعليم ومجانّيته وإجباريّته، والتي كانت وما زالت محلّ إجماع وطني، والتأكيد على ضرورة مراجعتها في اتّجاه تكريس هذه الاختيارات وإضفاء المزيد من العقلنة والتّحديث بما يرسخ أسس القيم الدّيمقراطية والجمهورية والانفتاح المتواصل على أفضل النّماذج العالمّية في هذا المجال لمواصلة بناء الشخصيّة التونسية المتجذّرة في هويتها العربية الإسلامية ولتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين كل أبناء الشعب وبناته”. كما حذّر من “مخاطر بعث منظومة تربوية موازية من شأنها أن تهدد وحدة البرامج والتكوين وما ينجرّ عن ذلك من بث بذور التنافر والفرقة على أسس عقائدية ومذهبية بين أبناء مجتمعنا “.
واستعدادا للعودة المرتقبة لهذا الصّنف من التعليم الذي لم يتمّ ضبط أهدافه ومبادئه وبرامجه وأدواته ومتطلّباته البيداغوجيّة المادية والبشرية… أعلنت أكثر من جهة دينية في تونس عودة الروح إلى التعليم الزيتوني الذي يقدّم دروسا في مواد القرآن والحفظ وعلومه والفقه والعقيدة والأخلاق… لكن دون تحديد محاور هذا النوع من التعليم ولا درجاته ومستوياته ومدته وتوقيته… ولا الشهادات العلميّة التي ستسند لمتلقّيه وخرّيجيه…
لكن في المقابل كشف الشيخ حسين العبيدي إمام جامع الزيتونة المعمور عن تلقي مشيخة الجامع قرابة ستة آلاف طلب تسجيل أعربوا عن متابعة التعليم الزيتوني الأصلي في مختلف الاختصاصات بداية من سبتمبر 2012.
وأمام هذه “الحيرة” في صفوف التونسيّين والانتقادات الموجّهة إلى أصحاب المبادرة، قام الشيخ حسين العبيدي بتوجيه رسالة طمأنة إلى المشرفين عن التعليم العمومي بالقول: “… إنّ التعليم في جامع الأزهر قد بدأ كفرع للتعليم الزيتوني وأشعّ إشعاعا كبيرا على العالم الإسلامي لأنّه لم يتوقف طوال العقود الماضية عن أداء رسالته التعليمية…”. مضيفا: “إنّ التعليم الزيتوني ليس منغلقا على نفسه، بل يأخذ من برامج التعليم العمومي، مثل العلوم واللغة الإنجليزية والمعلوماتية والحساب المعرّب، بالإضافة إلى الإيقاظ العلمي…”. لكنّ فضيلة الشيخ قد نسي أن يذكّر بأنّ التعليم في جامعة الأزهر لم يعد يؤمّن في جامع الأزهر نفسه، بل في معاهد وكليات عصريّة تدرّس الطب والهندسة والعلوم الانسانية والصحيحة والشريعة وأصول الدين… بطرق ومناهج عصرية ومواصفات دوليّة منذ عقود!
أمّا عن شروط الترسيم في التعليم الزيتوني “الأصلي” فقد وضّح “وزير التربية الموازي” السيّد حسين العبيدي أنّه يبدأ من سن ست سنوات ويتواصل إلى سن الثانية عشرة. إثر ذلك ينتقل التلميذ إلى المرحلة الأولى من التعليم الزيتوني الأصلي ليدرس لمدة ثلاث سنوات تُتوج بالحصول على شهادة التحصيل (أي نفس الشهادة المسداة قديما من قبل إدارة جامع الزيتونة). بعد ذلك ينتقل الطالب إلى التعليم الجامعي الذي يدوم ثلاث سنوات حسب الاختصاص. واعتبارا لما تقدّم فإنّ مدة التعليم الزيتوني (الابتدائي والثانوي والعالي) ستكون حسب الشيخ حسين العبيدي بمعدل 12 سنة عوضا عن 16 سنة بالنسبة للتعليم العمومي، أي بنقص بثلاث سنوات حيث يتمّ المرور مباشرة من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي دون تلقّي تعليم إعدادي. وهو على حد علمنا سابقة في تاريخ التعليم في جميع دول العالم. فلا غرابة إذن أن تلقى هذه المبادرة الإقبال والتأييد من قبل الأولياء، لا سيّما الأميّين ومحدودي التكوين منهم بما أنّها تمكّن أبناءهم من ربح ثلاثة سنوات كاملة في مسيرتهم الدراسيّة !
أمّا فيما يخصّ هيأة الإشراف على التعليم الزيتوني ومعلوم الدراسة فقد وضّح السيّد حسين العبيدي أنّها: ” تبقى من اختصاص مشيخة الجامع الأعظم وفروعه وهو تعليم مجاني ومتاح لكل التونسيّين وأبناء العالم الإسلامي “. وهو ما يعني سحب البساط من وزارة التربية القومية بحيث سيصبح لنا مستقبلا وزارتان أو سلطتان تشرفان على شؤون التعليم في بلادنا، وهو أمر لا نجده في أيّ بلد من البلدان المجاورة لتونس بما في ذلك تلك التي حافظت على التعليم التقليدي على غرار نظام “العالم القروي” (نسبة لجامع القرويّين بفاس) بالمغرب الأقصى.
ولم يكتف شيخ جامع الزيتونة بهذه الخطوة، بل سعى إلى استعادة مجموعة من المقرات التي كانت تتبع جامع الزيتونة (في شكل أوقاف وعقارات) بعد مضيّ نصف قرن أو أكثر على حلّ الأوقاف في تونس في سنوات: 1956 و1957 و1964، نذكر من بينها: معهد ابن شرف المعروف سابقا بالحيّ الزيتوني، وكذلك مقرّ الجامعة الزيتونية سابقا (كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بشارع 9 أفريل 1938 اليوم) والجمعيّة الخلدونية المواجهة للباب الجانبي لجامع الزيتونية…
وبدلا من رعاية الجمعيات الثقافية الوطنية القديمة والمحدثة منها بعد الاستقلال ( التي ساهم بعضها طيلة الفترة الاستعمارية في مقاومة الاستعمار الثقافي في تونس على غرار “الجمعية الخلدونية” التي أسّسها وطنيّون تونسيّون منذ 22 ديسمبر 1896 فكانت فضاء ثقافيا وفكريا التقى وناضل داخله معا الشقان المدرسي والزيتوني ضد المستعمر، كما احتضن مقرّها أبرز رموز الفكر والثقافتين العربية الاسلامية مثل محمّد عبده والبشير صفر وسالم بوحاجب ومحمّد الخضر حسين وغيرهم كثيرون…)، فإنّ “سماحة” الشيخ حسين العبيدي قد عمد، رفقة 50 شخصا من أتباعه يوم 02 جانفي 2013 إلى اقتحام فضاء الخلدونية الذي يحتضن منذ 1980 عددا من الجمعيات الثقافية والفكرية، وافتكاكه بالقوّة وتغيير الأقفال والاعتداء على بعض الطلبة الذين حاولوا تصوير الحادثة وتهشيم هواتفهم المحمولة.
ولم يكتف الشيخ الإمام العبيدي باستعراض قوّته المادية والمعنوية التي لا رادع لها، بل قام بتعنيف الأستاذ فتحي القاسمي رئيس جمعية قدماء ابن شرف وأستاذ الحضارة العربيّة بكليّة الآداب بمنوبة لفظيا وماديا وأمر أتباعه بإخراجه من مقرّ الجمعية وجرّه بالقوّة أمام أنظار المارّة وتجّار سوق العطّارين. كما قام بتغيير أقفال فضاء الخلدونية ووضع لافتة على الباب الخارجي يُحذّر فيها كل من يقترب من المكان. وهي طرق وأساليب تذكّرنا بتلك التي كان يستخدمها قادة الحزبين الفاشي والنازي وأنصارهما في حملاتهم “التأديبيّة” وعمليّات التصفية بكل من إيطاليا وألمانيا خلال فترة ما بين الحربين!
وفي ظلّ عدم تحريك أيّ سلطة دينية أو مدنيّة كانت، بما في ذلك قادة حركة النهضة، فقد دفع هذا الهجوم المخطّط له رئيس الجمعية الخلدونية إلى تقديم شكوى قضائية ضد إمام جامع الزيتونة. كما رفعت بلدية تونس ضده قضية مماثلة.
وقد أصدرت الدائرة المدنية الاستعجالية لمحكمة تونس حكما في هذه القضية ينصّ على “إخراجه السيّد حسن العبيدي من المدرسة الخلدونية لعدم الصفة”. ورغم صدور هذا الحكم فإنّ تنفيذه لم يكن بالأمر الهيّن نتيجة الرفض القطعي للشيخ حسين العبيدي الامتثال له وإصراره على عدم تسليم المقرّ لأصحابه !
وفي يوم 21 جانفي 2013 استمعت الدائرة الاستعجالية بالمحكمة الابتدائية بتونس إلى المرافعات في القضية التي تقدمت بها بلدية تونس ضد حسين العبيدي وطالبت بـ “خروجه من الفضاء لعدم الصفة”. وقد جاء في مرافعة المحامي أنّ ” جامع الزيتونة مؤسّسة عالمية والمدرسة الخلدونية ملك للدولة ولها رسم عقاري كما فيها عديد النوادي والجمعيات وأنّ جامع الزيتونة له تقاليد خاصة حتى في تعيين المشيخة وما قام به حسين العبيدي يعدّ اعتداء واستيلاء على ملك الغير وأنّ الاعتداء على المدرسة الخلدونية لا مبرّر له في ظل غياب أي اتفاق بينها”.
وفي المقابل قال السيد حسين العبيدي: “إنّ مشيخة جامع الزيتونة ليست بدعة بل هي هيئة علمية منذ قرون وتشرف على التعليم الزيتوني…”. كما صرّح أنّ “الخلدونية مبنى مخصص للتعليم الزيتوني وأنّ العقار ذو صبغة تعليمية وسبق أن تمّ إلقاء الدروس به وطالب بالتخلي عن القضية…”.
وهو في اعتقادنا تصريح يتنافى مع الواقع التاريخي والصبغة القانونيّة للمؤسّسة الخلدونية، كما يمكن اعتباره ضد مجرى التاريخ. فعلى سبيل المثال هل يمكن أن ينادي أحد المسلمين اليوم بالعودة إلى اسبانيا التي قضّى بها المسلمون أكثر من سبعة قرون -من سنة 711 إلى سنة 1492 م-، أو هل يمكن أن ينادي أحد التونسيّين اليوم بالعودة إلى جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا التي فتحها الأمراء الأغالبة -على يد أسد بن الفرات انطلاقا من ميناء مدينة سوسة- وبقوا فيها أكثر من قرنين -من سنة 827 إلى سنة 1091 م-؟
ورغم عدم إسناد كل من وزارتي التربية القومية والتعليم العالي إلى إدارة جامع الزيتونة ترخيصا رسميا يقضي بعودة التعليم الزيتوني خوفا من ردود فعل المعارضة، فقد تمّ فتح الفرع الزيتوني في جامع عقبة بن نافع القيروان بداية من يوم الأحد 2 سبتمبر 2012. وحسب الشيخ الطيّب الغزي شيخ جامع عقبة فإنّ الدروس ستلقى في شكل حلقات تولى تقديمها أساتذة ومشايخ مختصّين من خرّيجي كلية الشريعة وأصول الدين والجامعة الزيتونية وأساتذة التربية والتفكير الإسلامي، إلى جانب أساتذة وعلماء متخرّجين من جامع الأزهر ووافدين على تونس بدعوة من حركة النهضة وجمعيات دينية وثقافية تابعة لها…
وحسب نفس الشخص فقد عبّر قرابة 500 شخص عن رغبتهم في تلقي التعليم الزيتوني في الفرع القيرواني. كما فتحت فروع مماثلة بكل من جربة والمنستير وقابس (المنزل) وتطاوين وغيرها من المدن التونسية، وذلك في ظلّ صمت تام ورهيب للسلطات الرسمية التونسية وفي مقدمتها وزارة التربية!
غير أنّ كل هذا الحرص للعودة إلى التعليم الزيتوني وإحيائه من جديد في تونس بعد أن توقّف قرابة نصف قرن، لا يخلو في اعتقادنا من بعض الرهانات السياسية والإيديولوجية وحتى الدينية منها. ففي صائفة 2012، تمّ إبرام اتفاقية تعاون بين مشيخة جامع الزيتونة وجامعة سعودية. وهي اتفاقية توحي بأن يصبح للتعليم الوهّابي موطئ قدم رسمي في أرض تونس وهو ما سيترتّب عنه آجلا “تفريخ” لمدارس “طالبانيّة” في تونس الثورة. ويُفهم من هذه العودة أنّ هناك مساع واضحة لنسف ممنهج للمذهب المالكي في تونس من قبل أطراف خليجية (السعودية وقطر أساسا) من أجل “اقتلاع” جذور هذا المذهب السني المعتدل من بلادنا وإحلال المذهب الحنبلي محلّه. وهو مذهب قد عدّه المختصّون في الشأن الديني من أشد المذاهب انغلاقا وابتعادا عن العقل!
إثناء الفتيات عن التعلّم وملازمة البيت ولباس النقاب:
من جهة أخرى وحسب شهادات الكثير من المربّين المباشرين (من معلّمين وأساتذة بالخصوص)، فقد خضعت عديد الفتيات التونسيات منذ الثورة (لا سيّما المنحدرات منهنّ من أوساط شعبية) لعمليات غسل دماغ فغادرن مقاعد الدراسة في المعاهد والجامعات وآثرن البقاء في البيت بغاية لباس النقاب. وهي في اعتقادنا عمليات مُخطّط لها من قبلُ وجزء من مشروع يهدف إلى “أفغنة” المجتمع التونسي. وهو في نظرنا مشروع يتنافى مع مشروع الزعيم الحبيب بورقيبة الذي انطلق منذ سنة 1956 واعتمد بالأساس على تحرير المرأة التونسية من “ربقة” الحجاب والنقاب، حتى تتوجّه إلى المدرسة ثم المعهد والجامعة وتنهل من منابع العلم والمعرفة وتساهم بفضل تعلّمها إلى جانب أخيها الرجل في مسك سلاح فكري يمكّنها من تحسين مستواها وبناء أسرة متعلمة وعصرية ومتوازنة، وهو ما سيمكّن من تحديث المجتمع التونسي بأكمله. لكنّ “النهضة الوهابية” قد وصفت المشروع البورقيبي الحداثي بأنّ “النقاب أحسن منه”!
وبترويجها لمثل هذا الخطاب في أوساط العائلات التونسية، فإنّ حركة النهضة وحلفاءها من السلفيّين قد تناسوا أنّ التعليم العصري قد مثّل طيلة أكثر من خمسة عقود أداة للتنوير والتكوين ومفتاحا، بل رافعة للمشروع الاجتماعي والثقافي لتونس المستقلّة ومصعدا للارتقاء الاجتماعي لجميع أبناء الشرائح الشعبيّة من التونسيّين والتونسيّات على حد سواء دون استثناء!
عودة الكتاتيب ورياض الأطفال والمدارس القرآنيّة بقوّة:
منذ وصولها إلى الحكم نادت عديد الأصوات بوجوب عودة التعليم الديني في شكل كتاتيب ورياض أطفال ومدارس قرآنية. وتأكيدا لذلك تقدم الداعية الشيخ البشير بن حسن (حليف النهضة) وأحد رموز التيّار السلفي في تونس الثورة بطلب تحويل زاوية سيدي الزرلّي بمدينة مساكن إلى مركّب تربوي يضمّ مدرسة قرآنية وقاعات تدريس ومسجد ومكتبة ومبيت… وذلك بغاية استقطاب “مريدين” من الأرياف والقرى المجاورة وحتى من خارج جهة الساحل حتى يسهل تربيتهم على النمط الوهابي السعودي. فتلامذة اليوم هم كما هو معلوم رجال الغد. وبعث مثل هذه المدارس سيساعد حتما على تنشئة مجتمع تونسي ديني التكوين والتوجهات، سيكون بلا ريب وهابي التكوين وشديد التعصّب لهذا الفكر!
وتأكيدا لذلك وفي هذا السياق صرّح رئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي أمام أعضاء وأنصار الحركة: “… لا يُرجى خيرا من هؤلاء العلمانيّين من خرّيجي المدرسة البورقيبيّة. علينا أن نعمل منذ الآن على تنشئة الأجيال القادمة وتطويعها على التعليم الديني الذي ننشده”. وهو في رأينا تصوّر صائب بما أنّ المدرسة والمعلّم هما بلا ريب أساس بناء كل مجتمع!
وبذلك ستكون المدرسة بمثابة “المنبت” الذي سيفرز المجتمع المرتقب الذي تنشده حركة النهضة مستقبلا لتونس القرن الواحد والعشرين، إن لم نقل رهانا من رهاناتها الرئيسيّة!
وتفيد بعض الأرقام أنّه في شهر أوت 2011 بلغ عدد “المدارس القرآنية” ورياض الأطفال الإسلامية” في كامل أنحاء البلاد قرابة 300 مدرسة وروضة أطفال، ليرتفع عددها بصفة ملفتة للانتباه بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 نتيجة وصول حركة النهضة إلى الحكم. وفي غياب أرقام رسمية فقد انتشرت هذه المؤسّسات في جميع المدن والقرى التونسية، لا سيّما في الأحياء الشعبية وأصبح يرتادها آلاف التلاميذ والتلميذات. وهي منظمة في الغالب على شاكلة المدرسة الوهابية لعقيدة التجسيم والتشبيه. وقد ساهم انتشارها الهام في صدور صيحات فزع أطلقها عدد من المربّين والأولياء حول “التربية الجديدة” التي يتلقّاها أطفال تونس في مثل هذه المؤسسات التربوية وما ستفرزه من ثمار فكرية وعقليّات في المجتمع التونسي مستقبلا.
فباسم نصرة الإسلام تمجّد هذه المؤسّسات التربوية الصاعدة وغير المرخّص لها من قبل سلطة الإشراف الجهاد في سبيل الله وتشرّع القيام بعمليات إرهابية ضد الكفّار. وفي بعض الرياض القرآنية أُجبرت بنات لم يتجاوزن مرحلة الطفولة على ارتداء الحجاب.
بل أكثر من ذلك فقد سمحت الحكومة باستقبال داعية كويتي روّج للباس الحجاب، وهو ما يتناقض مع حقوق الطفل. وفي اعتقادنا فإنّ هذه “المناهج التربوية” الجديدة التي بدأت للأسف تكتسح الوسط المدرسي في تونس الثورة تهدف إلى تغيير نمط المجتمع التونسي. وهي ظاهرة تطرح في نفس الوقت أكثر من سؤال حول الأخطار التي تنتظر أبناء تونس جراء هذا الغزو الوهابي المغلّف بالتعليم الزيتوني وما يمكن أن تسبّبه لهذه الطفولة من اغتراب وانفصام في الشخصيّة؟
فقد أثار ترويج مقاطع فيديو على الصفحات الاجتماعية تحت عنوان: “إهداء من أشبال التوحيد بتونس إلى الملاّ عمر “جدلا واسعا. كما ردّد الأطفال في بعض المدارس الدينية كلمات يمليها أحد المعلّمين تشيد بأسامة بن لادن وتصفه بـ “أمير المؤمنين”. كما يظهر الأطفال وهم يغنّون لأسامة بن لادن مُنشدين: “أرواحنا فداك يا أمير”!
وتأكيدا لذلك صرّح السيّد عمار اللموشي متفقد عام للتربية في نوفمبر 2012 بما يلي: “من أهمّ المشاكل التي تعرفها هذه المرحلة من تعليم الأطفال، عدم خضوع بعض المدارس الخاصّة لكرّاس شروط، أي أنّها لا تطبّق برنامج وزارة التربية والتعليم وهنا تقع التجاوزات”.
وأضاف نفس المصدر بأنّ: “بعض الكتاتيب تعتمد برامج متطرّفة ونوع من الدمغجة للأطفال. وهذا يعتبر خطيرا على عقلية الطفل”. كما أكّدت رئيسة الغرفة الوطنيّة لرياض الأطفال السيّدة نبيهة كمّون التليلي أنّ: “عدة مدارس قرآنية لا تخضع لرقابة أية سلطة” . وقالت: “على وزارتي المرأة والتربية تحمّل مسؤولياتهما أمام الرأي العام لأنهما لم تضعا حدا لفوضى الدين في رياض الأطفال القرآنية”.
وكانت وزيرة المرأة سهام بادى قد تعهدت أمام نواب المجلس الوطني التأسيسي في مساءلة رسمية لها حول المسألة “باتخاذ الإجراءات القانونية من أجل حماية الأطفال من التطرف الديني بوضع كرّاس شروط وغلق رياض الأطفال التي تصرّ على التجاوزات” . لكن لم نسجّل أيّة اجراءات في هذا السياق.
بل أخطر من ذلك، فإنّ وزارة شؤون المرأة والأسرة والمسنين والطفولة لم تقم بغلق روضة أطفال غير مُرخّص لها بالعمل بضاحية المرسى، كان نتيجتها تعرّض إحدى فتيات هذه الروضة (لم تتجاوز الثلاث سنوات) يوم 4 مارس 2013 إلى عمليّة اغتصاب للمرّة الخامسة من قبل حارس الروضة المُفتّش عنه، بعد صدور حكم قضائي ضده منذ سنة 2009، في قضيّة “إهمال عيال”.
أما على مستوى محتوى البرامج والدروس المقدّمة لهؤلاء الأطفال دون سنّ السادسة من قبل المنشّطين والمعلّمين، فهي في مجملها دينيّة صرفة تهدف إلى تقديم تكوين ديني لمرتاديها حيث يحدّث المعلّم في درس التربية الاسلامية تلامذته عن “البعث” و”الحساب” و”الآخرة” و”عذاب القبر”… أمّا في درس القراءة، فيُتّخذ من الأمثلة أمام حرف “ج” كلمة “جهاد” أو “جنّة” وأمام حرف “ك” كلمة “كافر” وأمام حرف “م” كلمة “مؤمن” وأمام حرف “ن” كلمة “نار”… وغيرها من الكلمات المرادفة التي من شأنها تقسيم المجتمع التونسي إلى مؤمنين وكفّار وإعداد الناشئة للجهاد الديني منذ سنّ الثالثة! ومن اللافت للانتباه أنّ هؤلاء المعلمين لا تكوين لهم، بل هم “دخلاء” على المهنة وبعضهم ليسوا من حاملي الشهادات العليا ولم يتلقوا أيّ تربّص في الحقل البيداغوجي، إلى درجة أنّ أحد هؤلاء كان دهّانا قبل أن يصبح مؤدبا سلفيّا بعد الثورة، رغم احترامنا لكل مهنة يدوية شريفة!
أمّا الأنشطة الترفيهية بهذه المدارس القرآنية فتقتصر على ترتيل قِصار السّور وتلوين رسوم لها علاقة بالإسلام (الكعبة) إلى جانب أناشيد دينية، والاستماع إلى قصص قصيرة ومبسّطة عن السيرة النبوية.
إنّ استهداف المدارس ورياض الأطفال هو استهداف لأهمّ مؤسّسات التنشئة الاجتماعية ولا يأتي في إطار التثقيف الديني أو المصالحة مع الهوية، بل هو قاعدة خلفية لنشر مجموعة من الأفكار ذات أبعاد سياسية، أكثر منها أفكار عقائديّة أو دينيّة. وهو في تقديرنا مشروع سياسي لا يهدف إلا إلى إرساء نظام الخلافة الإسلامية، بل “الخلافة الإخوانية” بثقافة “وهابية” صرفة وبتمويل ورعاية سعوديَيْنِ.
وبهذا الشكل فإنّ استهداف رياض الأطفال والحاضنات والمدارس العصرية المألوفة لدى التونسيّين منذ فجر الاستقلال، هو عبارة عن سياسة ممنهجة لنشر ثقافة سياسية “إخوانيّة” ذات مرجعيّات دينيّة مع العمل على توسيع دائرة انتشارها عبر ضخ مالي وإعلامي مريب. وقد تم ذلك بالتوازي مع تهميش المؤسّسات الدينية الرسمية الممثلة في مفتي الديار التونسية ووزارة الشؤون الدينية وجميع الهياكل التابعة لها…
تهميش مؤسسات التربية والتعليم الرسمية واستهدافها:
بالتوازي مع كل ذلك تمّ تهميش مؤسسات التربية والتعليم الرسمية واستهدافها إذ يعتبرها منظّرو حركة النهضة “العائق” الأول و”العدوّ” الرئيسي أمام نشر الثقافة الوهابية بتونس. فبقدر ما كان الاعتناء بهذا الصنف من التعليم الموازي الدخيل هاما ومتسارعا، كان الصمت على ما تتعرّض له المؤسسات التربوية الرسمية من رياض ومدارس ومعاهد من انتهاكات وعنف وضعف في البنية التحتية وتلكأ في إصلاح المنظومة التربوية القائمة مثيرا للحيرة والقلق. ومن مظاهر هذا الاستهداف يمكن ذكر:
الدعوة إلى لباس النقاب في الوسط المدرسي والجامعي وفرضه بالقوّة:
لم تمض أيّام على سقوط نظام بن علي الذي منع لباس الحجاب في الإدارة العمومية ومؤسّسات التعليم العمومي طيلة أكثر من عقدين (بموجب المنشور رقم 108 لسنة 1981 الذي تمّ تنقيحه وفرض تطبيقه بالقوة زمن حكم بن علي) حتى نادى بعض المتشددين الدينيّين بحقّ المرأة في لباس الحجاب في جميع الأماكن، بما في ذلك المؤسّسات الرسمية من إدارات ومدارس ومعاهد وجامعات… غير أنّ الأمر لم يقتصر على لباس الحجاب، بل امتد إلى المناداة بلباس النقاب الدخيل والوافد على بلادنا وتراثها والذي وصفه مفتي الديار التونسية الشيخ عثمان بطيخ في جويلية 2011 بأنه “ليس من الإسلام في شيء”.
وفي مطلع السنة الجامعية 2011/2012، رفض عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة السماح لطالبة منقّبة الدخول إلى قاعات الدرس دون كشف وجهها. ونتيجة لهذا الإجراء البيداغوجي الصّرف وفي صباح يوم السبت 08 أكتوبر 2011 اقتحم حوالي 200 سلفيّا متشدّدا من غير الطلبة الوافدين من كامل أنحاء البلاد، حرم الكلية واعتدوا بالعنف على حاجبة وعلى الكاتب العام للمؤسسة. وقد تبع هذا الاقتحام الجماعي احتجاج المئات من أنصار لباس النقاب أمام جامعات تونس وسوسة وبنزرت وصفاقس.
لكنّ وزارة التعليم العالي اكتفت في بلاغ لها بالتنديد بما تعرض له الحرم الجامعي لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة من انتهاكات، مؤكدة بأنها لا تنظر إلى النقاب من زاوية دينية أو سياسية وإنما من منطلق أكاديمي وبيداغوجي بحت. وذكرت بأنّ التراتيب الجاري بها العمل في الجامعة التونسية تحتّم ضرورة التثبت من هوية الطلبة قبل الدخول للمؤسسة الجامعية.
ومن جهتها، طالبت النقابة العامة للتعليم العالي التابعة للاتحاد التونسي للشغل باحترام حرّية اللّباس وكافة الحرّيات الشخصية وتيسير التواصل، لكنها أيّدت منع النقاب.
أمّا الأستاذ فؤاد المبزّع الرئيس المؤقّت للجمهورية حينئذ، فقد دعا “إلى ضرورة تأمين عوامل حسن سير المؤسسات الجامعية ومزيد الارتقاء بأدائها وصونها من كل ما من شأنه أن يحيد بها عن أداء رسالتها” .
وفي المقابل أبدت عديد الجمعيات والمنظمات التي رأت النور بعد الثورة مساندتها للطالبات المنقّبات في الدفاع عن حقهنّ في التعليم على غرار “جمعية الدفاع عن النساء المحجّبات” و”منظمة حرية وإنصاف” و”جمعية الشبان المسلمين” وكذلك “جمعية المرأة المسلمة “.
وفي يوم 28 نوفمبر 2011، قامت مجموعة تتكون من قرابة مائة شخص من السلفيّين بتعطيل سير الدروس ومنع الطلبة من اجتياز الامتحانات بكلية الآداب بمنوبة مردّدين شعارات مطالبة برفع حظر النقاب داخل قاعات الدرس وتخصيص مُصلّى داخل الكلية رغم أنّ المجلس العلمي قد قرر من قبل عدم السماح للطالبات اللائي يرتدين النقاب دخول الكلية وقاعات الدرس واجتياز الامتحانات دون كشف وجوههنّ. وقد دخل هؤلاء الطلبة المحتجّين في اعتصام بمقرّ الكلية إلى حين تلبية مطالبهم، تعطلت على إثره الدروس لمدة شهر كامل وأجّلت الامتحانات إلى أجل لاحق.
وفي يوم 6 مارس 2012، قامت طالبة منقبة بالدخول عنوة إلى مكتب عميد كلية الآداب بمنوبة الأستاذ الحبيب القزدغلي وبعثرت جميع الأوراق والملفات الموجودة أمامه بحجّة حق الطالبات المنقبات في الدراسة. وقد اتصل العميد بنائب وكيل الجمهورية بمنوبة الذي قام بمعاينة الحادثة، لكن الوزارة لم تتخذ أي إجراء في الموضوع خشية الدخول في صراع مع السلفيّين. وفي ظل هذا الصمت المخزي للسلطة قامت الطالبة المنقّبة بتقديم شكوى قضائية بالعميد أمام محكمة المكان بتهمة صفعها. لكن يبدو أنّ القضيّة قد تسيّست بحجّة التأجيل المتواصل لجلساتها لأسباب مختلفة من أهمها انتماء العميد لحزب التجديد (الحزب الشيوعي التونسي سابقا)، كانت آخرها جلسة يوم 28 مارس 2013 التي أقرّت التأجيل إلى يوم 4 أفريل 2013 للتصريح بالحكم بسب إضراب القضاة. وفي يوم 07 مارس أقدم طالب من نفس المؤسّسة بإنزال العلم الوطني في المدخل الرئيسي للكلية واستبداله براية سوداء، وهو سابقة في تاريخ تونس أثارت سخط جل التونسيّين بالداخل والخارج. لكنّ رئيس حركة النهضة السيّد راشد الغنوشي قلّل من “خطر السلفيين” على مكاسب المجتمع التونسي ودعاهم إلى تشكيل أحزاب سياسية و”التأقلم” مع المشهد السياسي حتى يكون لهم “نفوذ” في تونس! وقد ظلّ الجاني طليقا إلى أن سلّم نفسه تلقائيا للعدالة رغم صدور بطاقة جلب ضده.
ولم يقتصر الأمر على محاكمة العميد، فقد تعرّض بعض الأستاذة الجامعيّين لملاحقات قضائيّة على غرار الأستاذة رجاء بن سلامة أستاذة الأدب بكلية الآداب بمنوبة التي صدرت في حقها يوم 21 فيفري 2013 بطاقة جلب بسبب انتقادها لأداء السيّد الحبيب خضر المقرّر العام للدستور بالمجلس الوطني التأسيسي. وقد أقرّت جلسة 11 مارس 2013 بالمحكمة تأجيل القضيّة ليوم 04 أفريل 2013. وهي في اعتقادنا طريقة للنيل من حرية الفكر وتلجيم النخب التونسية، بدءا بداخل الجامعة وصولا إلى خارجها.
وخلاصة القول لقد اتخذت هذه المجموعات من المؤسّسات الجامعية ميدانا لتوجيه رسالة للمجتمع التونسي مفادها أنهم قادمون للسيطرة على جميع المؤسّسات العمومية وعلى المجتمع بأسره ولو بالإكراه والعنف، شعارهم الأول والأخير هو: “من يقف ضدنا فهو عدو الله” !
تنامي الدعوة السلفية في الوسط المدرسي:
بعد نجاح التيار السلفي في استقطاب العديد من التلاميذ والطلبة في مؤسسات التعليم الثانوي والعالي إلى صفّه، قام بعض التلاميذ بإنزال العلم التونسي من وسط ساحات العديد من المعاهد الثانوية على غرار: معهد الأغالبة بالمنشيّة بالقيروان ومعهد سليمان بن سليمان بزغوان ومعهد بالعاصمة ورفعوا مكانه الراية السوداء.
كما أقدم تلامذة معهد زغوان على كتابة بعض العبارات على جدران المعهد من قبيل “تحية العلم حرام” و”تحية العلم ثقافة غربية ويجب التحية لله وحده”… كما نصّبت هذه المجموعة السلفية في وقت سابق خيمة أمام المعهد وقامت بتوزيع مناشير دينية على التلاميذ. وأسوة بسلفيّي زغوان، نصّب السلفيّون في عدة مدن أخرى كالقيروان وحومة السوق (بجزيرة جربة)…، خيما دعويّة أمام المعاهد الثانوية بغية استقطاب التلاميذ للتيّار السلفي ومبادئه عبر توزيعهم لنشريات ومطويّات وكتيّبات وصور دينيّة… مجانا على التلاميذ والتلميذات. ومن أهمّ ما جاء في هذه المطويّات يمكن ذكر ما يلي: “أخيّتي المسلمة متى تتوبين وتلبسين الحجاب؟” و”أختي المسلمة متى سَترْتَدِينَ الحجاب الشرعي؟ لا تنتظري الغد… بل كوني بطلة… خذي قرارك الآن… تحجّبي كما أراد ربي… لا تؤجلي ذلك… ولا تتبعي خطوات الشيطان… واستعيني على ذلك بالقراءة في أدلة الحجاب وصفات الحجاب الشرعي…” وغيرها من العبارات الداعية للباس الحجاب وحتى النقاب.
وتقوم هذه الخيمات الدعوية بتنصيب مضخّمات صوت تبثّ أناشيد وأهازيج دينية بأصوات مرتفعة تعيق السير العادي للدروس. وقد حدا بالتيار السلفي بجزيرة جربة إلى تنصيب خيمة دعويّة تبثّ موسيقى صاخبة مجيّشة أمام المعهد الثانوي بحومة السوق في شهر مارس الفارط (2013)، أي خلال الأسبوع المغلق وهو ما حال دون تركيز التلاميذ في الامتحانات. ورغم احتجاجات التلامذة وطلب مدير المعهد المشرفين على هذه الخيمة بكل لطف إيقاف بثّ هذه الموسيقى بمضخّم صوت فإنّ السلفيّين رفضوا الامتثال لهذا الطلب، الأمر الذي دفع أحد التلاميذ الاتصال هاتفيا بوالده (رئيس بلدية المكان) لاستعجال قدوم قوّات الأمن التي “التمست” منهم إيقاف بثّ هذه الموسيقى المشوّشة دون الإذن بإخلاء المكان، رغم عدم حصولهم على ترخيص بالانتصاب أمام مؤسّسة تربوية!
أمّا بالنسبة إلى النصّ الديني الذي تقدّمه هذه الخيم الدعويّة للتلاميذ فإنّنا نجد خطابا غير بعيد عن الأول: “أخي المسلم: متى يبدأ الفجر الصادق في حياتك.. متى تبدأ التوبة وتجدد العودة إلى الله عز وجل”؟ لكن في نقاط الحوار المنتصبة داخل هذه الخيام فإنّ الدعاة يقومون قصارى جهدهم بتحفيز الشبّان نحو الجهاد في سبيل الله ولفت أنظارهم إلى ما حصل في أفغانستان سابقا وما يحصل اليوم في سوريا من صراعات بين “الكفّار” و”المؤمنين” وهي بشكل أو بآخر دعوة وتحفيز وتجييش لهؤلاء الشبان اليافعين نحو التحوّل إلى سوريا للجهاد ضد نظام بشّار الأسد. وفي هذا الصدد كشفت وسائل الإعلام الرسمية التونسية والدولية عن وجود شبكات تقوم بتحفيز الشبّان التونسيّين للتوجّه إلى سوريا للجهاد عبر ليبيا وتركيا مقابل مبالغ مالية طائلة.
وفي ظلّ هذه الأجواء المشحونة في العديد من المعاهد التونسية نفّذ أساتذة معهد الأغالبة بالقيروان وقفة احتجاجية لمدة ساعتين. وفي ظل صمت الحكومة ووزارة التربية عبّرت نقابة التعليم الثانوي بالجهة عن عزمها تنظيم تحرّك احتجاجي موسع للمطالبة بحماية المؤسسات التربوية وتحييدها عن كل أشكال الدعاية الدينية والسياسية.
الدعوة إلى الفصل بين الإناث والذكور في المؤسسات التربوية:
لم يقتصر الأمر على الدعوة الدينية، فقد بادر بعض المعلّمين والأساتذة المتشددين والمنتمين إلى أحزاب ذات مرجعيّة دينية إلى دعوة تلاميذهم إلى عدم جلوس الذكور مع الاناث في نفس الطاولة بقاعات الدراسة وعدم الاختلاط معا في الطوابير أمام قاعات الفصل وفي الساحات خلال أوقات الراحة المدرسية (في العاشرة والرابعة مساء)، على غرار ما حصل بمعهد بني خيار وغيرها من المعاهد.
وقد دفعت هذه الأوضاع التلاميذ إلى بعث تنظيم خاصّ بهم للدفاع عن حقوقهم وحمايتهم من تبعات مثل هذه الممارسات يحمل اسم “الجمعيّة التونسيّة للدفاع عن التلميذ” ترأسها أحد المتفوقين في الدراسة، التلميذ محمّد أمين كريفي. وقد ربطت هذه الجمعيّة قنوات الحوار مع سلطة الإشراف وجميع الأطراف المتصلة بالشأن التربوي قصد طرح المشاكل التي يواجهها التلاميذ في المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية وتقديم مقترحات عمليّة لحلّها أو للحد منها.
كما دفعت محاولات “أسلمة” المؤسسات التربوية بالقوّة عديد التلاميذ غير المتحمّسين لهذا المشروع إلى تنظيم تظاهرات احتفالية أخرى على طريقتهم في شكل عروض فنية امتزج فيها الغناء بالرقص والتعبير الجسماني على غرار رقصة “هارلم شايك” Harlem Shake” الشهيرة التي نظمها تلامذة معهد الإمام مسلم بالمنزه بتونس العاصمة عشيّة يوم السبت 23 فيفري 2013 (خارج أوقات الدراسة) دون الحصول على موافقة مسبقة من مديرة المعهد. وقد أذن وزير التربية الأستاذ عبد اللطيف عبيد بفتح تحقيق في الغرض وإحالة التلاميذ على مجلس التأديب. لكنّ ذلك أحدث ردة فعل عكسية في عديد المؤسسات التربوية والجامعية داخل البلاد: في العاصمة والمنستير وسوسة… تضامنا مع هؤلاء التلاميذ. ولم تشفع مبادرة هذا الوزير “التكتلي” لدى حركة النهضة ليكون ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة في حكومة السيّد علي العريّض، بل تمّ استبداله بوزير مقرّب منها، وهو الأستاذ سالم لبيض!
وخلاصة القول إنّ المجتمع التونسي الذي تعلّم في المدارس العصريّة اللائيكية ذات برامج ومناهج عقلانية صاغها الزعيم الحبيب بورقيبة منذ سنة 1958 لا يمكن أن يقبل العودة إلى تعليم ديني جامد يستجيب لدعوات أولئك الوهابيّين الذين يسعون جاهدين إلى تغيير المجتمع من خلال التعليم في مستوياته الثلاثة أو من خلال مظلة الجمعيات والعمل الخيري. فـ “أسلمة” المجتمع بهذه الطرق الملتوية، “خرافة” لا يمكن أن تنطلي على شعب واع نهل طيلة عقود طويلة من منابع العلم والمعرفة، ويتطلع إلى عصر ما بعد الحداثة وليس إلى عصور الانحطاط والظلامية!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق