بعد قرابة سنة ونصف من تسلّم حزب حركة النّهضة الحكم في تونس:

في الوقت الذي كنتُ فيه أمام التّلفاز أشاهد يوميّا باهتمام موجة الاحتجاجات الشعبيّة التي جدّت في العديد من المدن التونسيّة خلال الفترة الأخيرة: احتجاجات الرديّف ومكثر وسليانة والكاف وغيرها من مدننا التي صوّت سكانها لحزب حركة النّهضة في انتخابات المجلس الوطني التّونسي يوم 23 أكتوبر 2011، وصعدت بمقتضى تلك الثقة إلى سدّة الحكم في تونس بأغلبيّة مريحة (41%: 89 مقعدا من أصل 217 مقعدا بالمجلس) مكنتها من رئاسة حكومة الترويكا والانفراد بوزارات السّيادة الثلاثة، استحضرتُ في تلك اللحظة قصّة “الوصايا العشرة “Les dix commandements ” التي كُتبت لليهود عن طريق موسى النبيّ عليه السّلام (حوالي سنة 1400 ق.م) أو تلك التي وردت قياسا في الانجيل وفي القرآن الكريم . فقد اهتمّت أربع من هذه الوصايا بالحياة الدينية: علاقة الانسان بربّه، بالكتاب المقدّس وبالعبادة… فيما اتصلت الوصايا الستة الأخرى بسلوكه ومنهجه في الحياة الدّنيا: العمل وعلاقته بوالديه وبزوجته وبأقاربه…
والمتأمّل في مضمون هذه الوصايا وروحها، يلاحظ أنّها لا تختلف كثيرا عمّا قدّمته حركة النّهضة من وعود لناخبيها في حملتها بسائر أنحاء البلاد (بين 1 و22 أكتوبر 2011) من تثبيت لمدنيّة الدّولة ومبادئ الجمهوريّة وتحقيق لتنمية اقتصاديّة واجتماعيّة مستدامة وتوازن جهوِي بين مختلف جهات البلاد ومقاومة البطالة والفقر والتهميش والحقرة ومحاسبة كل الفاسدين والمتحيّلين من رموز النّظام البائد وتوفير تغطية اجتماعيّة ورعاية صحيّة وتعليم وطني ديمقراطي متجذّر في الثقافة العربيّة- الإسلاميّة، والحفاظ على مكاسب المرأة وتحديث للمجتمع التونسي على نمط ما أنجزه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا منذ 2002 والتّعويض لكل شهداء وجرحى الثورة لجميع أفراد المجتمع التونسي، مهما كانت مواقعهم وأفكارهم وانتماءاتهم… وغيرها من النّقاط الواردة في برنامجها الانتخابي “برنامج تونس المستقبل” ذي 365 نقطة (على عدد أيّام السّنة غير الكبيسة).
واليوم وبعد مضيّ قرابة سنة ونصف على تسلّم حركة النّهضة إلى جانب حليفَيْهَا (حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات) لمقاليد السّلطة في تونس يوم 27 ديسمبر 2011، من الواجب في اعتقادنا القيام بتقييم موضوعي للنتائج المسجّلة وضبط حصيلة والحكم على مدى تطابقها مع الوعود المقدّمة لناخبيها.
لقد ثبت لأغلب الملاحظين والخبراء بالدّاخل والخارج بما لا يدعو للشك أنّ أداء هذا الحزب الحاكم المهيمن على جلّ أجهزة الدّولة ومؤسّساتها ومفاصل الإدارة والسّاحة السياسيّة، قد انتابه الكثير من الشّوائب والأخطاء التي أثرت سلبيّا على بلادنا في جميع الميادين. ونظرا لدقّة الأوضاع التي تمرّ به البلاد اليوم فقد اجتهدنا في حصر جميع تلك الأخطاء حسب القطاعات وتصنيفها، فوجدنا أنّ عددها يضاهي العشر أخطاء “Dixerreurs”، وهو نفس عدد الوصايا الربانيّة لأهل الكتاب من يهود ومسيحيّين ومسلمين عبر أنبيائه موسى وعيسى ومحمّد عليهم السّلام (ولو ببعض الفوارق). ونظرا لكثرتها وطول الحديث عنها وضرورة قراءتها قراءة علميّة أكاديميّة، وبحكم اختصاصنا في التّاريخ الآني أو تاريخ الزّمن الرّاهن “L’histoire immédiate” بحثا وتدريسا، من الضّروري، إن لم نقل من واجب معالجة المسألة بتأمّل وتروّ، بعيدا عن كل أشكال الانحياز والمغالاة. ونظرا لاستحالة نشر النّتائج التي توّصلنا إليها في مقال واحد، فقد آثرنا تقديمها إلى السّادة القرّاء الأفاضل على ثلاثة أعداد من جريدتهم الغرّاء، مرّتبة ترتيبا قطاعيّا، بدءا بالميدان السّياسي فالميدان الاجتماعي، مرورا بالميدان الاقتصادي، وصولا إلى الميدان الدّيني والثّقافي.

الخطأ الأول: من المناداة بـ”حكومة وحدة وطنيّة ونظام برلماني ومحكمة دستوريّة…” إلى الرّغبة في إقرار حكومة تيوقراطيّة دستورها الشّريعة الإسلاميّة…:
جاء في الميدان السياسي من برنامج حركة النهضة أنّ: “تونس دولة حرّة مستقلة دينها الإسلام والعربيّة لغتها والجمهوريّة نظامها، باعتبارها خير كفيل للديمقراطيّة…”. وبُوّب الجانب السّياسي إلى 12 قسما شملت 70 نقطة. وقد ركّز زعماء الحركة خلال خطبهم الانتخابيّة فيما يخصّ النّظام السّياسي المنشود على “أهميّة المرحلة الانتقاليّة؛ التي يجب أن تقوم على توافق وطني وحكومة ائتلافيّة والتركيز على الأولويّات…”. كما أكد قادة حركة النّهضة أنّهم “ضدّ كل أساليب الهيمنة والانفراد بالقرار، ولا يجسّد ذلك إلاّ عن طريق حكومة وحدة وطنيّة قائمة على أرضيّة التّوافق بالاعتماد على نتائج انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي مع مراعاة الكفاءة وسيادة العقليّة التوافقيّة، التي تجعل مصلحة البلاد فوق كلّ اعتبار مع معالجة آثار مظالم العهد السّابق وتفعيل العفو التّشريعي…”. يبدو هذا البرنامج ظاهريّا برنامجا معتدلا وطَمُوحًا يتماشى مع تطلعات جميع التونسيّين وطموحاتهم، بما أنّه أكد على مبدأ حكومة وحدة وتوافق وطنيَيْنِ ووَضَعَ مصلحة البلاد فوق كل اعتبار وبشّر بمعالجة مظالم العهد السّابق…
غير أنّه بمجرّد الشّروع في صياغة مسوّدة الدّستور وتنظيم السّلطات، فوجئنا بمقترحات تقدّم بها نواب كتلة حركة النّهضة لا تمتّ بصلة إلى البرنامج الذي تقدمت به الحركة قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011. ففي الاجتماع الجماهيري الاحتفالي الذي نظمته حركة النّهضة يوم الأحد 13 نوفمبر 2011 بمسرح الهواء الطلق بسيدي الظاهر بمدينة سوسة، قال حمّادي الجبالي أمين عام حركة النّهضة مخاطبا الحاضرين: ”أنتم في الخلافة الرّاشدة السّادسة إنشاء الله”. وقد خلّف هذا التّصريح جدلا كبيرا حول دلالاته ومقاصده، خاصّة أنّه صادر عن رئيس الحكومة المقبلة المرتقب. وبعدها بأسابيع طالب نواب الحركة في المجلس الوطني التأسيسي بضرورة التنصيص على أنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للدّستور ورفضوا إدراج القيم الكونيّة؛ التي اعتبرها بعضهم “قيما استعمارية”. وقد ذهب بعضهم إلى المطالبة بتطبيق القصاص وإقامة “الحدود”… وكانت كل هذه المسائل محلّ جدل وسجالات، تواصلت إلى موفّى شهر مارس 2012 وفوّتت على نواب المجلس الكثير من الوقت كان بالإمكان ربحه في إنجاز مهام أخرى. ولم يقبل ممثلو حركة النّهضة بالإبقاء على الفصل الأول من دستور1 جوان 1959 كما هو دون تعديل، وعدم إقحام عبارة الشريعة كمرجع تشريعي للقوانين، لو لا تصدّي نواب بقيّة الكتل داخل المجلس التأسيسي وتدخّل أطراف أجنبيّة لترويض التيّار المتشدّد للحركة حول المسألة وكبح جماحها. ولم يرض ذلك بالمرّة رئيس الحركة وبعض قياديها المتشدّدين الذين أصرّوا على مواصلة تقسيم المجتمع التّونسي إلى شقّين: شقّ الشريعة وشقّ الرّافضين للشريعة، في حين أنّ المجتمع التّونسي بكل أحزابه اليوم مجمع على الفصل الأول من دستور 1959، أي الجميع يقبلون بأنّ تونس “دولة إسلاميّة لغتها العربيّة ودينها الإسلام”. وبذلك يمكن القول إنّ منظّري الحركة لا زالوا يرنون إلى إقامة دولة تيوقراطيّة تعتمد الدّين في نظام الحكم وأسلوب ممارسته، وهي في اعتقادنا مسألة لا تخفى عن العارفين بشؤون الحركة.
ففي البيان التأسيسي “لحركة الاتجاه الإسلامي” وقع التّأكيد على أنّ هدف الحركة هو “إرجاع الاعتبار للدّين في مختلف المجالات، بما في ذلك السّياسة”. لكنّهم نسوا بأنّ التاريخ أثبت أنّ كل دولة تيوقراطيّة لن تكون سوى دولة معادية للديمقراطيّة والليبراليّة السياسيّة، بدءا بدولة الفاتيكان، مرورا بدولة الدايلاي لاما بالتيبت، وصولا إلى المُلكيّات الخليجيّة فالجمهورية الإيرانيّة… وكلما ارتبط الدّين بالدولة، إلا وساد التعسّف والظلم والجَوْرِ باسم الدّين، مهما اختلفت الحجج المقدّمة لتبريرها. ورغم فشل نواب النّهضة في “معركة” فرض مسألة الشّريعة في مسوّدة الدستور، يبدو أنّهم لا زالوا يراهنون على تعديل بعض مواد الفصول والبنود الأخرى من الدستور الجديد الذي لم يستكمل تحريره إلى حد الآن وفق مرجعيات تشريع إسلامي!
أمّا فيما يتعلّق بالنّظام البرلماني المنشود، فقد أثبتت التجاذبات والخلافات التي جدت داخل قبّة المجلس الوطني التأسيسي بين حزب الأغلبيّة “حركة النهضة” وبقيّة الأحزاب والكتل النيابية، استحالة إيجاد توافق حول تعيين وزير أو محافظ للبنك المركزي أو مسؤول سام بدليل عدم تعيين وزير للمالية منذ استقالة الأستاذ حسين الديماسي يوم 27 جويلية 2012 وتكليف كاتب الدولة السيّد سليم بسباس بإدارة هذه الوزارة الهامّة في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ البلاد إلى غاية تعيينه رسميا في هذا المنصب يوم 21 ديسمبر 2012، والاختلاف حول تعيين سفراء وترشيح ممثلين لتونس في بعض المنظمات الدوليّة أو الاقليميّة… والأمثلة المجسّمة لمثل تلك الخلافات عديدة.
ومن مظاهر الرّغبة في الانفراد بالمناصب العليا في الدولة وفي مقدمتها الوزارات، فقد أصرّ حزب حركة النهضة أن تكون وزارات السيادة، أي الخارجية والداخلية والعدل من نصيبها. لذلك بادرت بتعيين وزراء من رموزها ومناضليها على رأس تلك الوزارات، سواء وفق قاعدة القرابة العائلية (الخارجية لصهر زعيم الحركة) أو وفق الأقدميّة النضالية والانتماء للحركة، سواء من الشق المهجري (بالنسبة إلى رفيق عبد السلام) أو من الشقّ المحلّي المقيم بتونس (بالنسبة إلى كل من السيّد علي العريض والأستاذ نور الدين البحيري) وفي ذلك أكثر من دلالة. غير أنّ تعدد القضايا والملفات وتشعّبها على المستويَيْنِ الوطني والجهوي في ظلّ ظرفية خارجيّة متوتّرة (سقوط نظام العقيد القذافي بليبيا واندلاع “الثورة” في سوريا وتنامي الظاهرة السلفيّة الجهاديّة اقليميا ودوليّا…)، إضافة إلى طريقة تعامل هؤلاء الوزراء الثلاث مع ملف استقلالية القضاء وإعفاء بعض القضاة الفاسدين ورموز النظام السابق ومحاسبتهم، والانفلاتات الأمنيّة المألوفة والملف السوري وعلاقات تونس بجيرانها…، وغيرها من القضايا الشائكة، قد أثبتت ضعف الأداء داخل وزارات السيادة، رغم بعض التحسّن المسجّل في الفترة الأخيرة.
أمّا على الصعيدين الجهوي والمحلّي فقد بادر حزب حركة النهضة بعد إعفاء أغلب الولاة والمعتمدين والعمد من “رموز” النظام البائد من قبل حكومة الأستاذ الباجي قايد السبسي على تعيين مسؤولين جهويّين منتمين للنهضة أو محسوبين عليها في أكثر من ولاية: في سيدي بوزيد وصفاقس و المنستير، و سوسة… وسائر أنحاء البلاد وهو ما أثار موجة من الاحتجاجات في صفوف الأهالي بأغلب هذه المدن وأجّج عديد الخلافات بين حركة النهضة وحليفيها. وقد تكرّرت تلك الخلافات حول تعيين بعض المديرين العامين وكبار موظفي الدّولة على غرار مدير المعهد الوطني للإحصاء!
واعتبارا لما تقدّم وفي ظل هذه التجاذبات والخلافات وخوف حركة النّهضة من التفويت في وزارات السّيادة التي تعتبرها “حكرا” عليها وأداة لتمرير مشاريعها وخياراتها وإنجاح الاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة وبالتالي البقاء أكثر ما يمكن في الحكم…، فإنّه ومن الصّعب إن لم نقل من المستحيل تطبيق النظام البرلماني في تونس وفق ما نادت به حركة النهضة في برنامجها الانتخابي! كما لم تطرح بالمرّة مسألة إحداث محكمة دستورية يتمّ اللجوء إليها للبتّ في الخلافات السياسية الكبرى كما هو الحال بالنسبة إلى النداء الذي تقدّم به السيّد حمّادي الجبالي عشيّة اغتيال المناضل الشهيد شكري بلعيد يوم 06 فيفري الماضي والقاضي بتكوين حكومة “تكنوقراط” واعتراض حزب حركة النهضة وزعيمها على ذلك، رغم تأييد مجمل نواب كتل المعارضة داخل المجلس الوطني التأسيسي لنداءه ومساندته!
واعتبارا لما تقدّم فإنّ حركة النهضة قد فشلت في تحقيق البرنامج السياسي الذي تقدّمت به في برنامجها الانتخابي مرتكبة بذلك خطأ كلّف البلاد الكثير من الجهد والوقت والتضحيات والشهداء، كان آخرهم الشهيد شكري بلعيد، والانتقال بتونس مؤخرا من مرحلة الدولة إلى مرحلة “اللا دولة”، هذا دون اعتبار تداعيات هذا الخطأ على ميادين وقطاعات أخرى حسّاسة داخل البلاد والتأثير سلبيّا على سمعة تونس في الخارج!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق