بعضٌ من ثقافة المدن المؤممة والتنوير الزائف

مذ تمايزت المدن بوصفها حواضر للرأسمالية، وتأسيساً على امتداداتها التاريخية/ مدن الدول، ممالك أم جمهوريات/ كانت حاضناً ومنتجاً لثقافة تعددية (متنوعة) منفتحة في مواجهة ثقافة تفردية (مستحوذة) منغلقة.

بدت المفارقة في التعارض بين محدودية رقعة المدينة الجغرافية وانعزالها عن رحابة الفضاء الممتد وراء أسوارها وأبراجها، وبين قدرتها على تمثل ثقافة الآخر ـ حضارته، عدواً كان أم صديقاً، وإعادة إنتاجها على قاعدة التنوع والتعدد والتعايش.

وفي حين كانت المدينة تؤنسن وتخلق فضاءات تلاقي الأضداد، شاقةً درب عصر التنوير بإنسانييه العظام، تدفعها حاجة نزع فتيل التفجير عن اجتماعها الضيق بتوسيع الآفاق وتوطيد وجود الاختلاف وقبوله بوصفه ضرورةً يقتضيها تنوع الهويات، كان محيطها رغم رحابته وثراء تنوعه يصوغ عالماً على مقاسه لا وجود للآخر ضمن نسقه، تدور مكنوناته حول فلكي أنا الهوية والأنا المشخصن وكلاهما جمعي. وهما محدِّدان للقبول أو الرفض، للانتماء أو الخلع.

ربما يعود ذلك بجذوره التاريخية لاعتماد المدينة في بقائها على التبادل/ ثقافة وسلعاً وخدمات/ وما يقتضيه من ليونة، أكثر من مقارعة الطبيعة/ أرضاً وحيواناً وبشراً / وما تقتضيه من بطش فيتخذ مع السيرورة نسقين ثقافيين يحكم أولهما السياسة بما هي فنّ الممكن، وثانيهما العسكرة بما هي علم القهر، بكل ما يتصل بهما من سماتٍ نفسية تتآصل مع الزمن.

في سياق المحاولة القسرية لترييف المدن، وهو معاكس للتطور الطبيعي، تبدو السياسة وعلى نحوٍ أعمّ الثقافة، هي الأكثر هشاشة في مواجهة ذلك من حقلي الاقتصاد والاجتماع. لا تتوقف حصيلة ذلك على تدمير بنيتها الاجتماعية ـ الطبقة الوسطى حاملة الثقافة ومنتجها وحسب، بل نقل آليات ووسائل إنتاج ثقافة «ما وراء المدينة» إلى عقر دارها. هكذا صارت المدائن التي واصلت على امتداد قرون إنتاج وإعادة إنتاج ثقافتها ونشرها في محيطها بدائرتيه اللصيقة والبعيدة بحسب مد جغرافيتها السياسية وجزرها أطلالاً، يعيد محيطها من داخلها إنتاج ثقافته «الفجة».

بدا وكأن المعركة تخندقت على جبهة تحولات العقل من الدوغما إلى الاستنارة أو العكس، ومن الانغلاق إلى الانفتاح أو العكس أيضاً. هكذا غزت العكسرة الثقافة بعدما سطت على السياسة والاجتماع والاقتصاد بكل ما يعنيه ذلك من احتكارٍ واستئثارٍ واستئصال، وسرعان ما نشرت عدواها.

تقوم العسكرة على ركيزتين: الفرض الإكراهي للفكرة بالقوة العارية أو المقنّعة ومن ثمّ تعميمها، وشخصنة الفكرة، أي دمجها بمنتجها، وتعتمد منهجاً واحداً: احتكار الحقيقة واستئصال شأفة مخالفها.

ألا يصح أنّ العديد من منتجي الثقافة ومؤسساتها في المدن «المريّفة/ المؤممة!» ما عادوا منتجين لثقافةٍ مدينيةٍ /أياً كانت المزاعم/ طالما أنّ وباء العسكرة قد استشرى في البنى العقلية؟ ألا يصح أنهم صاروا منتجين لثقافة لا مدينية من حيث إعادة المدينة إلى فضاء الطبيعة ـ الغريزة طالما لم يعد العقل وأداته المنطق هما الحكم والفيصل؟

حين لا يتسع فضاء المدينة لرحابة التنوع والاختلاف ويضيق عن قبول فكر الآخر، تضيق هي الأخرى وتعود إلى الكهف الذي خرجت من دخان موقده. وحين تندمج الأنا بالمعرفة التي تحملها فتصير جسداً واحداً إن تعرّض بعضه للانتقاد تداعت له بقيته بالسهر والحمّى، لا تعود منتميةً للمدينة ـ الفضاء، بل للمدينة ـ الثكنة؛ كأنما أثينا في مواجهة إسبارطة، وكأنّ إيرازموس في مواجهة مارتن لوثر. حالما يختلط الشخصي بالموقف والرأي، يكون الثأر هو المحرّك. سنعود القهقرى وقتها من الثكنة إلى الغابة ومن العشيرة إلى القطيع، أي نستبدل كرهاً أو طواعيةً الغريزة بالعقل…

العقل الإيماني والمبشر لا ينتمي لفضاء المدينة، فهو يحتاج لشخصنة النبي/الزعيم قبل فردنة الإله، لكنّ المدينة عملت على أنسنته على مرّ العصور فدأبت على إعادة إنتاجه ضمن نسقها وأكرهته على التعايش مع أضرابه، ليس من دون ثمن، بل كان الثمن باهظاً في أحيانٍ كثيرة (الثورة الفرنسية 1879).

في المقابل، كان العقل النقدي وليد المدينة، وسجالاته الألمعية هي التي شقت الدرب نحو الاستنارة والأنسنة.

تبعث المدن المؤممة/ المعسكرة العقل الإيماني والبشر في لبوس العقلاني والنقـدي وتـشخـصن أنبياءه/ زعماءه دون فردنـةٍ لجـوهره/ فكره. ما من تقـاطعات ولا اجتماعات، ثمة حدود صارمة غالباً مصطبغة بالأحمر، أناي / الآخر ـ معي / ضدي ـ وجودي / عدمك ـ يُختزل الأمر برمتـه إلى حيـز نعم/ لا. ليـس ثمة توسط.

هكذا يُنتزع من التنوير مضمونه فيصلح رداءً حتى للتجهيل. تتخذ محاكم التفتيش صوراً أخرى أقل فظاظة، وجوه بشر، لكنها هي هي من حيث الجوهر، كأنّ نسلها الممسوس لا يتوقف.

هل ننتظر خصخصة المدن و/أو تفكيك عسكرتها لنبصر نهوض عقل الاستـنـارة مجـدداً، أم أنّ بوسع العقل الحـر أن يـولد من رمـاده فيـستـرجع بقدرته على التنوير المدينةَ وفضاءها الرحب؟

كأن عبد الرحمن الكواكبي في مواجهة أبي الهدى الصيادي، وكأن عبد الرحمن الشهبندر وقسطنطين زريق في مواجهة العباءات الأسنّة، وكأن اسماعيل مظهر وفرح أنطون وشبلي شميل وموسى سلامة وعلي عبد الرازق وطه حسين في مواجهة العمامات الخوذ… تضاءلت السلسلة، فهل يكون لنا من يواجهنا فيعيدنا إلى المواجهة؟

نشر في الحياة في 19/03/08

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق