بغداد: الأيام المشطورة

في خبر تناقلته الصحف ووكالات الأنباء، جاء أن مسرحيين عراقيين يقدمون عروضهم في النهار. لأن الليل غير آمن كما يعرف القاصي والداني في العراق. ومن صفات المسرح أنه من أعمال ما بعد الدوام. من أعمال الليل أو بداياته، أي اللحظة التي نلقي فيها هموم نهارنا جانباً ونستعد لاستقبال العالم من مكان آخر غير ذاك الذي تفرضه النهارات. المسرح في بغداد ينتهي دوامه مع انتهاء النهار. ذلك أن أحداث بغداد الكبرى تجري في الليل لا في النهار.

في الليل تقوم الميليشيات بطرد السكان غير المرغوب فيهم من أحيائها التي تسيطر عليها، وفي الليل يتم الذبح والخطف ويكون الموت على غاربه، وحيث أن لا أخبار تخرج من بغداد أعمق أثرا من أخبار الموت، يصبح الليل في بغداد هو ما يدخل في وقت العالم وزمنه، وقطعاً ليست أعمال النهار. الذين قرأوا خبر مسرحيي بغداد النهاريين، أحالوه إلى خانة أخبار الفضائح. بمعنى أن وجود مسرح في بغداد يعني كشفاً لسر حميم. ذلك أن هذا الخبر يمتلك صفة الأسرار الحميمة بالضبط. فبغداد مدينة موت ومجازر، إلى حد أن خبر بكاء تلاميذ مدرسة على زميلهم المقتول يبدو خبراً غريباً.

هل ثمة في بغداد بعد مدارس من أي نوع؟ هل ثمة أهل يرسلون أولادهم لتلقي العلم؟ وأغرب من ذلك هل ثمة من يفكر بكتابة وإخراج مسرحية في بلد لا يصدّر إلا صور الموت في أقسى حالاته عنفاً وإرعاباً؟ لهذا يبدو عرض مسرحية في بغداد أقرب إلى السر منه إلى أي أمر آخر. جزء من إدماننا الذي نريده ان يظل في الخفاء. رغبة في أن نصرف النظر عما يجري وأن ندع القلق جانباً ليستنى لنا أن نضيع وقتاً ثميناً جداً جداً في كتابة مسرحية أو مشاهدة عروضها حتى.

ليل بغداد محتل وما يجري فيه حاسم الأثر في نهاراتها. لذا يصبح شطر من النهار وقتاً للراحة واللهو والانصراف عن الشؤون الجليلة. ومنذ أن احتلت ميليشيات القتل ليل بغداد بات اجتماع البرلمان أو مجلس الوزراء من أعمال التسلية واللهو. وبصرف النظر عن الجيوش والقوى العسكرية والأمنية التي تقبع تحت امرة مجلس الوزراء العراقي، إلا أن هذه القوى لا تستطيع التحكم بما يمكن أن يحصل أو لا يحصل في بغداد، لأن محتلي الليل ومغتصبيه هم من يقرر أعمال اليوم التالي وعذاباته.

يمر خبر تغير زمن العرض المسرحي من الليل إلى النهار مروراً هنياً. بل ترى فيه وسائل الشطر من الإعلام العاملة في بغداد سبباً للتعليق على رغبة العيش الحارة لدى أهل بغداد. الذين لم يجدوا متسعاً من الأمن ليلاً لنشاط مسرحي فني، فعمدوا إلى تقديم العروض نهاراً. والمسرح مثله مثل كثير من الفنون المشهدية يبدأ ما ان ينتهي الناس من أعمالهم. يبدأ المسرح في لحظة القيلولة. أي في اللحظة التي يتخفف فيها المرء من صفاته، ويستسلم للكسل اللذيذ الذي يحض على الرغبة بالإنفاق تقرباً من الموت الشخصي، على ما يلاحظ موريس بلانشو.

لكن الموت الذي يتقرب منه المرء منفقاً ومتكاسلاً ليس هو الموت نفسه الذي يحدث في بغداد ليلاً. فالتقرب من الموت والسعي نحوه، ليس شأناً غريباً على الإجتماع البشري عموماً بل أن إحدى صفات الاجتماع أنه ينظم طقوس الموت المهيبة، ويجعل من تقبله والتقرب إليه والسعي نحوه من الشؤون اليومية التي يجدر بالمرء أن يتقبلها بمزيج من الكرم والأريحية والاستسلام الخدر.

هذا الموت الذي ينظمه الاجتماع ليس أكثر من تتويج للسعي اليومي. فالإجتماع عموماً لا يتقبل موت الأطفال لأنهم على نحو من الأنحاء لم يبدأوا سعيهم نحوه. في حين أن موت الراشد جزء من نظام عيشه. لكنه، أي الراشد، معني بالمحافظة على حياة الأطفال الذين لا يحق لهم أن يتصرفوا بحيواتهم على النحو الذي يحق به للراشدين. الموتى في بغداد لا يموتون طائعين، وبين إعدام صدام حسين وذبح نيكولاس بيرغ ثمة هوة سوداء من انعدام السعي في حالة الأخير والتحضر له في حالة الأول على نحو يجعل المُساق إلى حبل المشنقة يتقبل سوقه إليها طائعاً مختاراً بوصف ما جرى من محاكمات ومطالعات تتويجاً لحياة حافلة بالسعي نحو هذه النهاية.

في حالة نيكولاس بيرغ كان الموت يحضر من خلف ظهر القتيل لكنه لم يكن مفاجئاً تماماً، بل كان موتاً منتظراً والأرجح أن أداة القتل هي التي فاجأت المشاهدين والذبيح على حد سواء. كان الرجل معداً للقتل، لكن أداة القتل كانت حتى لحظة الشروع بالذبح مبهمة وغامضة وعرضة للتخمين. فالقتيل وقع في هوة اضطرابين عميقين، هو من ناحية أولى لم يكن يسعى للموت، وهو من ناحية ثانية لم يتحصل على موت مفاجئ كذلك الذي تنظمه الدول الحديثة بوصفه من الحوادث العرضية، من حوادث السير إلى الذين يتعرضون لنوبات قلبية مفاجئة. وغني عن القول أن هذه الضروب من الموت المفاجئ تقع حصراً ضمن نطاق الراشدين: فلا يحق للأطفال قيادة السيارات التي هي آلات قتل هائلة، ولا يفترض بجسومهم أن تكون معرضة لنوبات قلبية مفاجئة. نيكولاس بيرغ تعرض لموتين في وقت واحد: خطفه أبو مصعب الزرقاوي ولم يكن ثمة دليل قاطع على رغبة الأخير بحز عنقه أمام الكاميرات، وبذلك كان موته مفاجئاً. وكان ذبحه أمام عدسة الكاميرا بمثابة إعلان موت صريح لم يسبق له مثيل.

الموت في ليل بغداد والحال هذه ليس موتاً اجتماعياً. حتى لو تلبس لبوس حرب أهلية لها منطقها الما قبل تاريخي. متوقع ومفاجئ في الوقت نفسه، وبسبب من هذين التناقضين الصارخين في حضوره يبدو موتاً محال الاحتمال. وحيث أن الموت هناك لم يعد اجتماعياً، ولم يعد ثمة سلطة للاجتماع تكفل تنظيمه على نحو يخفف من وطأة مفاجأته، بات الاجتماع برمته ضحية من ضحاياه. والعبرة في هذا الثقل الذي يملكه مثل هذا الموت، ليس في عدد الضحايا الكبير نسبياً. ذلك أن المجتمعات تستطيع أن تتحمل موتاً كثيفاً من دون أن تنجح كثافة الموت في تفكيك عراها. بل إن ثقل هذا الموت المحال الاحتمال يتأتى أولاً وأساساً، من واقع أن المشاهد والمراقب والمواطن أيضاً لا يستطيع تقعيد هذا الموت ولم مسكته على نحو يمكنّنا فهم أسبابه وسبل الوقاية منه. بغداد ثقيلة الوطأة لأن اسباب الموت فيها ليست مفهومة ومعقولة لزوارها والغرباء عنها. ليس لأنهم المستهدفين حصراً بهذا الموت، بل لأن الموت الذي يصيب المواطنين يبدو بالنسبة لهم من دون لسان ولا خطاب مفهوم يتم على أساسه تعرف وتوقع هويات الضحايا. وبهذا تصبح بغداد مدينة لا تتسع للغرباء والزوار، لأنها لا تفصح عن أسباب موت أهلها في الدرجة الأساس.

أن تضيق بغداد إلى هذا الحد بغير أهلها، فهذا يعني حكماً أن شطراً أساسياً من ليلها لم يعد متصلاً بنهارها. فليل بغداد كان وافر النشاط في ظل حكم صدام حسين، وكان رجال مخابراته ينشطون ليلاً قتلاً وذبحاً وخطفاً ليس أقل وتيرة وعنفاً مما يحصل اليوم، وهو بالطبع لم يكن أقل استعراضاً من ذبح نيكولاس بيرغ. لكن الفارق الجلي بين بغداد في ظل حكم صدام حسين وبغداد اليوم، يتعلق بتسيد صدام حسين ورجاله على ليل بغداد ونهارها من دون منازع. في حين أن بغداد اليوم تعيش في زمنين مختلفين اختلافاً تاماً، فثمة سلطة في النهار تنظم الموت والعيش على نحو مخالف للسلطة التي تتحكم بليل بغداد وتنظم الموت والعيش أيضاً. كما لو أن بغداد تعيش كل يوم زمنين منفصلين، وعلى المرء أن يخضع لقانونين وسلطتين لا سبيل للجمع بينهما في حياة واحدة.

ليل بغداد نشيط كنهاراتها، وأعمال الليل هناك توجب على المواطن أن ينتظم تحت سلطانها. وبهذا الانتظام وحده لا يعود الليل تتمة للنهار. كما أن النهار لا يمكنه أن يكون في هذه الحال تتمة الليل.

أسياد الزمنين المتصارعين في بغداد يتسيدان بالقسوة نفسها على أهلها. في النهار تنشط الشرطة وتعقد الاجتماعات الحكومية وتسيّر القوات الأميركية دورياتها، وفي الليل ثمة نشاطات أخرى لا تمت لهذه بأي صلة وعلى الناس في بغداد الانتظام تحت حد السلطتين. والأرجح أن كل سلطة من السلطتين تجاهد بالعنف والقسوة لاختراق زمن السلطة الأخرى، فيبذل الملثمون كل جهدهم لاحتلال النهارات أو تدمير انتظامها على الأقل وتداهم قوات الشرطة والجيش مخابئ المسلحين ومواقعهم في الليل املاً في كسر انتظامهم في لحظة نشاطهم القصوى. لكن هذه الإغارات على الحدود الفاصلة بين الزمنين لم تنجح حتى الآن في تثبيت سلطة من السلطتين وترجيح كفتها على الزمنين معاً وجميعاً.

لذلك لا يجد المسرحيون العراقيون زمناً أنسب من ما بعد زوال الشمس لعرض مسرحياتهم. وهم في هذا التدبير إنما يريدون الإيحاء أن العيش مستحيل من دون تعاقب الليل والنهار على الجسد الواحد نشاطاً وجداً واجتهاداً وإنتاجاً، يعقبه فترة لهو وزمن خفة وإنفاق. وبخلاف الغريب الذي يعمل في بغداد زمناً موقتاً، ويستطيع أن ينتج ويراكم ويدخر ليتسنى له أن ينفق ويلهو ويرتاح في مدينة أخرى بعد زمن، فإن أهل بغداد والقاطنون فيها لا يملكون هذه الميزة ولا يستطيعون مجاراة هؤلاء في الصبر الذي هو مفتاح الفرج. ذلك أن لا فرج مأمولا ومنظورا في مدينتهم.

لذلك لا يجد هؤلاء بداً من تقسيم النهار نفسه إلى زمنين متعاقبين ومتصلين تحت سلطة واحدة، فتتحول بعض ساعات النهار إلى زمن للخفة واللهو والإنفاق، وبعضها الآخر للجد والجهد والإنتاج. اما الليل فله حديث آخر. ذلك أن سلطة الليل لا تسفر عن وجه معروف لها، لذا لا يرى هؤلاء بداً من جعل الليل سجنهم ومحاولة تجنب أي نشاط حتى لو كان تنفساً مسموعاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق