بــول ريـكور و “أساتذة الـشـك”: كــارل مــاركس نموذجــا


 



« أن تقرأ نصا يعني أيضا أن تتغلّب على نوع من الاغتراب، وأن تجعل ملكا لك ما كان غريبا عنك» 
 
 
ربما لا يختلف  اثنان في أنّ السّمة الأبرز لنتاجات الفيلسوف الفرنسيّ جان بول غوستاف ريكور (1) هي ضخامة عمله الفكريّ، والفلسفيّ، والنقديّ، الذي قدّمه على مدار سنوات خمسين أو ما يزيد من ناحية، وتنوّع مجالات نظره وتفكيره وتباعدها: نظريات التاريخ، فلسفة اللغة، الاخلاقيات، نظريات الفعل، البنيوية، النظرية النقدية، اللاهوت، السيميائية، علم النفس، الدراسات التوراتية، نظريات الأدب، الظاهراتية… من ناحية ثانية، الى جانب تحليلاته المطوّلة والمركّزة حول الايديولوجيا واليوتوبيا وحول النظريات الاجتماعية والسياسية، وقد كتب عنه الدكتور سعيد الغانمي: ” بدأ ريكور تساؤله الفلسفي في دائرة الاهتمام التأويليّ…. غير أنه سرعان ما وجد طريقه الى الاهتمام بالبنيوية، وحينئذ بدأ يطوّر مشروعه التأويليّ الخاصّ الذي يستثمر الاتجاهات الحديثة جميعا: البنيوية والوجودية والتأويلية والماركسية ونظرية الثقافة والتفكيك والتحليل اللغويّ ونظريات اللغة وأنثروبولوجيا الدين…” (2).

ولعلّ ما يميز  كتابات الفيلسوف بول ريكور التأويلية، والتحليلية النقدية خاصة، هو  تركيزه على فلسفات بعينها، والاستغراق في تفاصيلها الدقيقة، دافعا همّه الأول نحو المفهوم كقيمة مكتملة وكلية، وحرصه الشديد ألاّ يُغمط حقّ النصوص التي تنشط فيها الكيانات اللغوية، والبنى المفهوميّة، التي يشتغل عليها، ويكفي أن نذكر أنّه أفرد لمفهوم “الايديولوجيا” لدى كارل ماركس ـ والفلاسفة الماركسيين المتقدّمين منهم والمتأخّرين ـ  خمس محاضرات طويلة قدّمها في خريف 1975 بجامعة شيكاغو (3).


* أرض الايديولوجيا… جزيرة اليوتوبيا…


لم يكن اهتمام الفيلسوف بول ريكور بالنّص الماركسيّ اعتباطيا ولا عرضيا، بل إنه اشتغل عليه باهتمام، وحذر شديدين، خاصة بعد أن اعتبر ماركس إلى جانب نيتشه وفرويد، “أستاذ شكّ” في كتابه “فرويد والفلسفة”، وهذه الصفة التي أسبغها على ثلاثتهم ليست صفة “أخلاقية” انطباعية، وإنما أطلقها بعد تمعّن، ونظر عميقين في المتون الفلسفيّة والفكريّة لثلاثتهم، وهو يورد تعليلا يُضفي معقوليّة ما على صفة الشكّ هذه.


وربّما يجد بول ريكور هذه المعقوليّة بشكل جليّ وواضح في النّص الماركسيّ، أو تحديدا في الخطّ المنهجيّ الذي يسلكه كارل ماركس، والماركسيون عموما، وهو المتمثّل في رفض قراءة التّاريخ وفق وعي المؤرّخ، بل حَسَب الأساس الواقعيّ، على اعتبار أنّ المؤرّخ ـ متورّط ـ في الحقبة المدروسة. يقول ماركس “…  إذا تخيّلت حقبة بأنّها تحرّكت بفعل نوازع “سياسيّة” أو “دينيّة” محضة، رغم أنّ الدين والسياسة ليسا أكثر من شكلين لنوازعها الحقيقيّة، فإنّ المؤرّخ يقبل هذه الفكرة”.

عن هذا الخط المنهجيّ إذن، وَسَمَ ريكور كارل ماركس بـ”أستاذ شكّ”، إذ يقول في كتابه “محاضرات في الايديولوجيا واليوتوبيا”: “على أساس هذا النّوع من النّقد بربط الماركسيّة مع ما أسمّيه مدرسة الشك، إنّ عدم المشاركة في وهم حقبة ما، هو على وجه الدّقة أن تنظر فيما وراء، أو كما يقول الألمان الآن،  Hinterferagen أي تسأل عمّا خلف” دون أن ينفي إمكانية قراءة التاريخ، وكتابته بصفته ذلك التّصادم بين رأس المال والعمل، باعتباره علاقة سجالية بين كيانات، أو هو صراع أشباح تاريخيّة… إنها قراءة التاريخ على مستوى المواجهة والصراع.


ويذكر بول ريكور أن الفيلسوف الماركسيّ لوسيان غولدمان، وهو تلميذ جورج لوكاتش، أمضى أغلب حياته في تحليل الروابط المتينة بين نظام مصالح ما، ونظام  فكر متصل بها، وبهذا يصل ريكور إلى كتابة ما يلي :”إنّ الأكثر معقوليّة، كما أعتقد، هو تأويل العلاقة بين مصلحة ما، والتعبير عنها في أفكار بواسطة نظام إضفاء الشرعية…لأن نظام إضفاء الشرعية يمثل محاولة لتبرير نظام السلطة”.


واهتمام بول ريكور بكارل ماركس منهجيّ أكثر منه تاريخيّا، وتحاليله تنصبّ أساسا على مؤلف ماركس «الايديولوجيا الألمانية»، معتبرا إياه نصّا انتقاليا أو النصّ الأساس لكلّ أعمال كارل ماركس ذات الطابع الماركسيّ، وهو  يريد أن يطوّر أنموذجا يربط الايديولوجيا بالواقع، وهذا الأنموذج تتوفّر عليه الفلسفة الماركسية، وتحديدا كارل ماركس في كتابه المذكور آنفا، كما بيّن ذلك جورج تايلور في هوامش محاضرات ريكور سابقة الذكر التي قام بتحريرها وتقديمها، والتي سنعتمدها بالأساس في هذا العمل.


الايديولوجيا واليوتوبيا يشكّلان ما يمكن أن نسميه المخيّلة الاجتماعية والثقافية باعتبارها إشكالا فلسفيا، ويحدّد بول ريكور خاصيتين يشترك فيهما المفهومان، الأولى أنهما غامضان سلبا وإيجابا، والثانية أنّ السلبيّ في كلّ منهما يظهر بشكل قبل تأسيسيّ.


وتشخّص الايديولوجيا عمليات تشويهيّة اخفائية يعبّر من خلالها الفرد أو الجماعة عن حالته ـ أو حالتهم  دون أن يدرك ـ أو يدركوا ـ ذلك، ويستخلص ريكور أن الايديولوجيا “تعبّر عن الحالة الطبقيّة لفرد دون وعي الفرد بها”.

أما اليوتوبيا فهي تقدّم نوعا من الحلم الاجتماعيّ دون أن تكترث بالخطوات الواقعية الضرورية الأولى للتحرّك باتجاه مجتمع جديد، وغالبا ما تعامل الرّؤية اليوتوبيّة كنوع من الموقف الفصامي تجاه المجتمع، فهي إما هروب من منطق الفعل عبر تشكيله خارج التاريخ المادّيّ، وإما احتماء ضدّ أيّ إثبات للصّحة عبر الفعل المُنجز في الواقع المتحقّق.


ومفهوم الايديولوجيا كما ورد في “معجم الماركسية النقديّ” (4) وحسب ترجمة التونسيّ عبد الله بوسطلة لهذا المفهوم، فهو “انعكاس مقلوب للعلاقات المتحقّقة. إنها العالم مقلوبا رأسا على عقب (Ouf Dem Kopf) وصورة الغرفة المظلمة التي نكتفي بملاحظة إنها هي ذاتها نتاج تاريخي… والايديولوجيا لا تتمتع بأي استقلاليّة سوى في الظاهر… وليس للايديولوجيا تاريخ، ولا تطوّر بالانفصال عن تاريخ العلاقات المادية… الايديولوجيا هي : الأخلاق، الدين، الميتافيزيقا، الخ، سائر أشكال الوعي أو نواحيه”.


أما  مفهوم اليوتوبيا في نفس المعجم، فهو كما يترجمه خليل كلفت ” تظل قوّة هي في الوقت ذاته قوّة حلم” ويورد في ترجمته هذه، تجسيد لينين لعالم يوتوبيّ بعد الثورة، إذ يقول لينين “عندما نكون قد انتصرنا على المستوى العالمي، فإنّنا سوف نصنع من الذهب، فيما اعتقد، مراحيض عمومية في شوارع أكبر مدن العالم”.


ويصل بول ريكور إلى أن الوجود اللغوي للايديولوجيا واليوتوبيا، وجود شديد الاختلاف، وهما لا يتطابقان دائما “فاليوتوبيات يدّعيها كتّابها لأنفسهم، بينما الإيديولوجيات يُنكرها كتابها.” ويذكر أن أصل الايديولوجيا مشتقّ من مدرسة فكريّة في فلسفة القرن الثامن عشر الفرنسيّة، عُومل أفرادها كأعداء للإمبراطوريّة الفرنسيّة في فترة حكم نابليون… وكأنّ هناك داخلنا دائما نابليون من نوع ما يصنّف الواحد منّا بأنّه  Idéologues.


ويعود بول ريكور إلى كارل ماركس ليبيّن أنّه يعتمد ـ حسب أنموذج الغرفة المظلمة/الصورة المقلوبة ـ على أنموذج قدّمه فويرباخ الذي وصف الدين، وناقشه باعتباره انعكاسا مقلوبا على وجه الدّقة للواقع… يقول ريكور: “لقد قال فويرباخ إنّ علاقة المسند والمسند إليه في المسيحية مقلوبة.” وينبّهنا إلى أنّ هناك تواصلا دلاليّا بين الادّعاء بأنّ الأفكار تشكّل عالما من واقعها المستقل، والادّعاء بأنّ الأفكار توفّر مرشدا، أو أنموذجا، أو مثالا لرسم صورة للتجربة، لذلك فليس الدين وحده، ولكن الفلسفة بوصفها مثالية، هي التي تبرز كأنموذج للايديولوجيا. والسّؤال الذي يصمت أمامه ريكور هنا هو: أليست الماركسيّة نسقا فلسفيّا ؟!.

إن بول ريكور لا يطرح هذا السّؤال، ولا يبحث عن أجوبة له، ولكنه يصرّ على أن التناقض الأساسي لدى كارل ماركس لم يكن قائما بين العلم والايديولوجيا. يقول في هذا الشأن “ليس العلم هو البديل المفهومي للايديولوجيا بالنّسبة لماركس الشاب، بل هو الواقع بوصفه ممارسة.” ويبرهن على ذلك بأنّ ماديّة كارل ماركس تحديدا تكمن في إصرارها على أنّ ماديّة الممارسة تسبق مثاليّة الأفكار، وهنا يبتلع مفهوم الايديولوجيا مفهوم اليوتوبيا، كل اليوتوبيات، وخاصة منها اشتراكية القرن التاسع عشر، يتوبيات سان سيمون وفوريه وكابيت وبرودون…


في مستوى لاحق يحدد بول ريكور وجهة محاولته تأويل مفهوم الايديولوجيا لدى ماركس، فهي  لا ترمي إلى إنكار شرعيّة المفهوم الماركسي للايديولوجيا، ولكنّها تسعى إلى ربطه مع بعض وظائفها الأقل سلبيّة. يقول “لا بدّ أن ندمج مفهوم الايديولوجيا كتشويه في إطار يدرك البنية الرمزيّة للحياة الاجتماعيّة.” وهو لذلك لا ينفي “غفلة” و”تجاهل” الماركسيّين، وغير الماركسيّين تجاه ما يسبق الجوانب التشويهيّة للايديولوجيا، وهو تجاهل وغفلة تجاه ما يسمّيه غيرتز “الفعل الرمزي”. يذكر ريكور هذا، وعليه يستنتج ما يلي : ” إن مفهوم الفعل الرمزي مُلفت للانتباه، لأنّه يركز على وصف العمليات الاجتماعيّة عبر المحسنات ـ الوسائل الأسلوبيّة ـ أكثر منه عبر النعوت الجاهزة، ويحذر غيرتز بأننا إذا لم نتقن بلاغة الخطاب العام، فإننا لن نتمكن من التعبير عنه، الطاقة التعبيرية والقوة البلاغيّة للرموز الاجتماعيّة”.


يؤكّد بول ريكور استنتاجه هذا، بالنماذج المتوفرة في اللغة العلمية، التي تسمح لنا برؤية الكيفية التي تبدو عليها الأشياء، أي تسمح لنا برؤية الأشياء باعتبارها هذا الشيء، أو ذاك بنفس الطريقة تماما مثلما تعبر قوالبنا الاجتماعية عن أدوارنا الاجتماعية، وعن موقعنا في المجتمع باعتباره هذا الشيء أو ذاك. ولكن أليس هذا ما يطرحه كارل ماركس وكلّ  الماركسيّين قبل غيرتز وبول ريكور ذاته ؟!.


ينتهي بول ريكور إلى تحديد وظيفة الايديولوجيا، واليوتوبيا من المنظور الماركسي، الذي يؤكد أنه لا وجود لاندماج اجتماعيّ دون تهديم اجتماعيّ بطرح الفرضية التالية : “إذا صحّ أنّ كلّ إيديولوجيا تميل في النهاية إلى إضفاء الشرعية على نظام سلطة، أفلا يصح القول بأنّ كل يوتوبيا، تحاول التصدّي لحلّ مشكلة القوّة نفسها ؟”، فما يمثّل جوهر اليوتوبيا ليس الاستهلاك، أو العائلة، أو الدين بقدر ما هو استخدام القوة  في كلّ هذه المؤسسات. أليس غياب المصداقية وانعدامها في كل أنظمة إضفاء الشرعية وكل سلطة ذات خطاب تبريريّ هو السبب في وجود مكان لليوتوبيا أيضا؟ أليست وظيفة اليوتوبيا هي إماطة اللثام عن فجوة المصداقية، حيث تتجاوز أنظمة السلطة كلها كلا من ثقتنا بها وإيماننا بشرعية وجودها ؟.


* نوع من التاريخ السّحريّ


يعود بول ريكور من جديد من خلال “المخطوطات” لكارل ماركس، وتحديدا إلى تطوير مفهوم الايديولوجيا لدى ماركس، ليحلّل كيف أنّ ذاك التطور المفهوميّ الحاصل لدى ماركس ناتج أساسا عن “تحرّره” من الأنثروبولوجيا الفويرباخيّة، ويتدرّج ريكور في تبيان مراحل هذا التطور، ففويرباخ ركز انثروبولجيته حول مفهوم “الجوهر الشامل”، أو “الوجود النوعي”، وما دام مفهوم الواقع الإنسانيّ، بوصفه وجود نوع لا يُردّ إلى ممارسة تجريبيّة، فإنّ مفهوم الايديولوجيا نفسه لن يتلقى ضدّه، وبالتالي محتواه المناسب.

يقول بول ريكور : “يمكن النظر إلى كتابات ماركس المبكرة، إذن باعتبارها تحويلا اختزاليا متزايدا للـ «الروح» الهيغلية بواسطة المفهوم الفويرباخي للوجود النوعي إلى المفهوم الماركسي حصرا للممارسة”.


هذا التحويل الاختزاليّ  لمفهوم ما، هو المثال الجيد الذي  يقدّمه ريكور برهانا على دقّة نقد كارل ماركس للايديولوجيا، إذ يقول : “النقد اختزال، اختزال المفهوم إلى أساسه، إلى أساس وجوده الملموس.”، ويردف هذا القول باستنتاج مهم، وقرينة لفظيّة ثابتة في المتن الماركسي. أمّا الاستنتاج فهو أن الايديولوجيا، هنا، ستبدو وكأنّها عالم الظل الذي ستطرده الممارسة من ميدانها، وتولده من داخلها في الوقت ذاته، أمّا القرينة اللفظيّة فهي الواردة في مقدمة “نقد فلسفة الحق” حيث يقول ماركس : “…هذا هو أساس النّقد اللاديني: الإنسان يصنع الدين، الدين لا يصنع الانسان. الدين في الواقع هو الوعي الذاتي واحترام الانسان لذاته، ذلك الانسان الذي إما أنه لم يكسب نفسه بعد، أو خسر نفسه مرة أخرى. لكن الانسان ليس وجودا مجردا يتربع خارج العالم، الانسان هو عالم البشر، والدولة، والمجتمع، هذه الدولة وهذا المجتمع يُنتجان الدين، الذي هو وعي مقلوب للعالم”.


إن ما يعنينا هنا بالتحديد هو مفهوم “الممارسة”، وهذا المفهوم كما ورد في “معجم الماركسية النقدي”، وحسب ترجمة محمّد الجوّة فإنّ “كل حياة اجتماعية هي أساسا ممارسة” ويضيف “من الضروري فهم هذه الممارسة على أنّها شغل، أي “مسار مبادلات عضويّة” مع الطبقة، وهو شرط ضروري لوجود البشر وضرورة طبيعية وأبديّة… إن الصراع الطبقي هو وحده العلاقة بين القوى النابعة من الممارسة باعتبارها إنتاجا، ومسار التكون العملي، الخلقي السياسي، وهو تحوّل نقدي للمنتجين أنفسهم”. ويصرّ بول ريكور على المفردات، ودرجات الميل الدلالية الحافة بهذه القرينة الماركسية القائلة “إنّ الإنسان يصنع الدين”، ليستنتج أن ماركس عندما ينقل المشكلة من محيط التمثيل، إلى محيط الإنتاج، يظل الإنتاج مسألة “وعي ذاتي”، “وعي بالعالم”، “احترام الذات” ليخلص بالأخير إلى أنّ هذه المركبات “تنضوي كلها على مفهوم مثالي للوعي هو فضلة من الروح الهيغليّة”.


لكن بول ريكور، لم يتفطّن ـ ربّما ـ  إلى الإضافة النوعية التي قدّمها الفيلسوف الماركسي، الايطالي، انطونيو غرامشي، والتي أوردناها سابقا في ترجمة محمد الجوّة  لمفهوم “الممارسة” في المعجم الماركسي، فما يُؤخذ على بول ريكور هو أنه لم يلتزم بالاشتغال على الفلسفة الماركسية، على الماركسيين كلهم، وإنما وقف عند كارل ماركس فقط، على الأقل في هذه النقطة، رغم أنه ذكر أن هذا الأخير لم يغفل ذكر أنّ الوعي في تلك المرحلة هو إنتاج خرافي بمعنى “الإدراك الفنطازي للوجود الإنساني”، وبهذا تسقط أيضا فكرة بول ريكور القائلة إن مهمّة ماركس هي أنه “يحقق بنقده للفلسفة ما حققه فويرباخ في نقده للاهوت: إعادة تأسيس أولوية المتناهي، الملموس، الواقعي”، ويتأكد قصورها من بول ريكور ذاته، إذ أنه يبيّن أن ماركس يعيد صياغة مفاهيم أساسية لهيغل [التغريب، الموضعة] ولفويرباخ [الوجود الواعي، القوى الشموليّة] ليضعها داخل بنية العمل، فهو ـ ماركس ـ يعيد صياغة مفهوم العمل، ليس باعتباره ظاهرة وصفية، ولكن لأنه عملية أصبحت ممكنة عبر الوجود النوعي الذي يُموضع نفسه في شيء، في مُنتج، ثم يدرك نفسه في المنتج، هذه عملية الموضعة والاغتراب.

كما يستدرك الفيلسوف بول ريكور في مرحلة لاحقة، بأن تحاليل ماركس تميزها القوة التراكمية للمفاهيم، وليس الوظيفة التمييزية، خاصة في مفردات النقد التي استعملها مثل “سرّ”، “باطنية”، “فعالية خيالية”… وقوتها التراكمية هي التي جعلت بول ريكور يستنتج أنّ مسألة استقلالية الوعي، التي انطلقت من الفلسفة الكانطيّة، لا تزال مع فويرباخ يكتنفها الغموض، عندما يقول: “إن تكلّمنا مثل ماركس، [فإن الغموض يتجلى] أولا كيف يمكن لوعي يُثبت ذاته أن يفقد السيطرة، وأن تصبح سيطرته مغتربة، وثانيا كيف يمكن لهذه القوة التي اغتربت ذات مرة، أن يُعاد دمجها. يمكننا القول أن ما يحدث نوع من التاريخ السحري”.


* فويرباخ أكثر بؤسا من هيغل…


بالرّجوع إلى فلسفة فويرباخ سنكتشف أن الكائن البشري يظهر لديه حينا إلها، وكائنا حيّا يأكل حينا آخر، ولهذا فهو كما قال عنه ماركس في مؤلّفه “بؤس الفلسفة” : “فويرباخ أكثر بؤسا من هيغل” لأنّ الوجود النوعي لفويرباخ لم يُكشف عنه الغطاء بوصفه هو نفسه مفهوما ظلّيا، وليس في واقع الأمر إلاّ مجرد إعادة صياغة بائسة للرّوح الهيغليّة.


يتحوّل عمل بول ريكور من “الإيديولوجية الألمانيّة” إلى “المخطوطات الاقتصاديّة والسّياسيّة لعام1844 “، حيث سيتوسّع مفهوم الايديولوجيا لدى ماركس، وستكون ميادين مثل القانون، والسّياسة، والأخلاق، والفن، والدين، بالنسبة لماركس هي الميادين الإيديولوجية تحديدا، ومنذ البدء يُطلق بول ريكور حكما عاما على ما نعته بـ”الميل الدوغمائي المتزايد في الماركسيّة”، والذي يردّه إلى اشتقاق كل أنماط الاغتراب من تغريب واحد أساسيّ، هو الاقتصاد، موردا قول ماركس التالي : “الدين، العائلة، الدولة، القانون، الأخلاق، العلم، الفن، الخ، ليست إلاّ أنماطا خاصة من الإنتاج، وتقع ضمن قانونه العام.”.


وبعد أن يُفكّك فقرات مهمّة من المخطوطات، ويُولد ما أمكنه من مصطلحات مضادّة توفّرها الصبغة التراكميّة لنص ماركس، يكتب بعد التفكيك “يمكننا القول بحذر شديد إنّ تحليل ماركس هنا هو نظريّة تأويل ـ هرمنيوطيقا ـ للاقتصاد السّياسي، وهي تأويليّة نقديّة، لأنّ الاقتصاد السياسي يُخفي الاغتراب الكامن في عمليّة العمل.”، بل انه يجعل من ماركس تابعا لهيغل في قدرته على قلب التعبيرات، واللعب على الكلمات التالية “اغتراب الفعاليّة” و”فعاليّة الاغتراب”، وفي وضع العلاقة بين رأس المال والأجر داخل العلاقة الهيغليّة المعروفة: سيّد/عبد.


غير أن بول ريكور ما يلبث أن يتراجع عن حكمه هذا، بعد الغوص في “المخطوطات الاقتصاديّة والفلسفيّة”، وتحديدا المخطوطة الثانية، عندما يتأكّد من أنّ تعميم ماركس للعلاقة التملكيّة يفرضها أساسا حالة الرأسمالي الشامل، ويؤكد ريكور كفاح ماركس ضدّ كل المحاولات الرامية إلى جعل كلّ فرد رأسماليا صغيرا، والرامية إلى توزيع الملكيّة… سيكافح من أجل شيوعيّة منجزة، وعلميّة مثلما سيكافح الحزب الشّيوعيّ، وفروع عديدة من الأحزاب الماركسية ضدّ أيّ نزعة إصلاحية يمكن أن توزّع، أو توسّع حقل الملكية دون أن تلغي العلاقة بوصفها كذلك، فلا حاجة “إلى قفزة نحو جزيرة اليوتوبيا” لاْنّ كبح التناقض ينطلق من التناقض نفسه، وإنتاج الكائن البشريّ لكائن بشريّ لا تكتسب معناها إلا بإلغاء التغريب.


  يقول كارل ماركس “على أساس فرضية إلغاء الملكية الخاصة بطريقة إيجابية، يولد الإنسان الإنسان نفسه، والإنسان الآخر”. وهنا يقرّ بول ريكور بأنثروبولوجية كارل ماركس، وبعده الاجتماعيّ انطلاقا من فكرة الموضعة “أنّ الإنسان ينتج الإنسان.”، ويلحّ بول ريكور على وجوب تأويل كلمة “اجتماعيّ” في ضوء مفهوم الإنسانية ككلية، ككل، وليس بالمعني الدوركهايمي أو الاجتماعيّ.


إن اجتماعية ماركس تتأكّد عندما يثبت وعي الإنسان بنوع حياته الاجتماعية الواقعية ويكرّر وجوده الواقعي في الفكر بعد أن يحرّر الحواس البشرية كحواس بشرية من طغيان الامتلاك والتملّك، ويتجلّى هذا مثلا في حاسّة النظر، فتطّّلّعنا إلى الأشياء المعروضة في واجهة بلوريّة لمحلّ ما تكشف اعتمادا على قدرتنا، أو عدم قدرتنا على الشراء، وليس من “نظرة صافية” كما يفسرّ ذلك علم نفس الإدراك الحسّي.

من صفتي الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع البشري ـ ككليةـ  يعود بول ريكور إلي مناقشة مفهوم “قوى الإنتاج” وتبيان أهميته وقيمته، إذ يقول: “تنبع أهمية هذا المفهوم من كونه يولج التاريخ في مدار جدل برمته”، ثم يواصل إثبات قيمة قوى قيمة الإنتاج فيقول: “لدور هذا المفهوم مضامين مهمة بالنسبة للإيديولوجيا، إذ يقول ماركس أن “ليس ثمّة تاريخ للإيديولوجيا”. فعملية التاريخ تأتي دائما من الأسفل، وهو ما يعني تحديدا بالنسبة لماركس أنها تأتي من تطور قوى الإنتاج”.


إن تطور القوى هذا الذي يحدّد طبيعة الوعي، فالوعي لدي ماركس ليس مفهوما ننطلق منه، وإنما مفهوم يجب أن نصل إليه، لأنه يتحقق بعد النصر في أربع لحظات سابقة هي: إنتاج الحياة المادية، وتاريخ الحاجات، ثم إعادة إنتاج الحياة، وبالأخير تعاون الأفراد في كيانات اجتماعية، فالوعي إذن ليس أرضية إنما هو نتيجة، ولذلك تلحّ الماركسية على أن الفصل بين عمل مادّي، وعمل عقليّ، هو حالة من تقسيم العمل الذي سيؤدّي بالضّرورة إلى تقسيم المجتمعات إلى طبقتين مضطهدة (بكسر الهاء)، ومضطهدة (بفتح الهاء)، طبقة حاكمة، وطبقة محكوم فيها، ومن هذا التقسيم تأتي قدرة الفلسفة الماركسية في إماطة اللثام عن إيديولوجيا ما، وذلك بالكشف عن القّوة الكامنة خلفها، ولا يكمن خلفها فرد واحد، ولكن بنية المجتمع، فمثلا بنية المجتمع الصيني تؤكد هذا، باعتبارها بنية قائمة على علاقة مدينة/ريف بشكل جوهريّ، ثمّ إنه ـ ومتى أصبحت البروليتاريا فاعلا تاريخيا ثانيا في مقابل الصناعة، فإنّه يمكننا كتابة التاريخ بوصفه صراع بنيات وطبقات لا صراع أفراد.


بهذا الاستنتاج نعود من جديد إلى بداية تحليلنا، إلى الإقرار بالنهج الماركسيّ، إلى الإقرار بأنّ قراءة التاريخ، وكتابته لا تتحقق إلا بصفته ذلك التصادم بين رأس المال والعمل، باعتباره علاقة سجالية بين كيانات، صراع أشباح تاريخية… أي الإقرار بقراءته على مستوى المواجهة والصراع، صراع لن يخوضه مؤرّخ فرد، لأنه لا يشكل طبقة قادرة على مواصلة المعركة كاملة، لأنها معركة حياة، أو موت، ولن تتحقق إلا بالثورة التي هي قوّة تاريخية تفرزها عدة تراكمات تتشكل في اتحاد حرّ، لا في حزب يكون آلة أو هيئة بيروقراطية، اتحاد حرّ يلتقي فيه الأفراد برفاقهم على أساس كونهم أفرادا واقعيين طالما أدّوا أدوارهم كأفراد طبقيين.  
 
 
 


الهوامش:
(1) بول ريكور (جون غوستاف) : من مواليد 1913 بفالنس بفرنسا، أسر في الحرب العالمية الثانية 1940، وظل سنوات في السجن. حصل على الدكتوراه سنة 1950 عن فلسفة الإرادة وترجمة كتاب “الأفكار” لهوسرل، درس في عدة جامعات فرنسية منها سترازبورغ، السربون، نانتير، ولوفين ببلجيكيا. درس أيضا في جامعات أمريكية مشهورة منها كولومبيا، هارفارد، وشيكاغو حيث ظل فيها الى سنة 1992 . تُرجمت أعماله الى أغلب اللغات الحية. من أعماله: التناهي والعقاب، فرويد والفلسفة: مقال في التأويل، صراع التأويلات دراسة هيرمينوطيقية، حكم الاستعادة، الزمان والسرد، محاضرات في الايديولوجيا واليوتوبيا، الذات عينها كآخر، الذاكرة والتاريخ والنسيان، مسار التعرف، نظرية التأويل الخطاب وفائض المعنى، من النص الى الفعل: أبحاث التأويل…

(2) الغانمي سعيد: “بول ريكور: نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى”. المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2003.

(3) ريكور بول: “محاضرات في الايديولوجيا واليوتوبيا”، تحرير وتقديم جورج تيلور، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة. الطبعة الأولى 2002.
(4) عبد الله بوسطلة، خليل كلفت، محمد الجوة: “معجم الماركسية النقدي” تأليف جيرار بن سوسان وجورج لابيكا، ترجمة جماعية، دار محمد علي للنشر تونس ودار الفارابي بيروت، الطبعة الأولى 2003.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق